عملية “شلومي” من فاعليات الانتفاضة
أم من “أفعال” من حزب الله؟

نصير الأسعد

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 18 آذار / مارس 2002

 

مستعمرة شلومي: لماذا اتهمت إسرائيل “حزب الله”؟

 

     لا تزال العملية الفدائية في مستعمرة شلومي الإسرائيلية شمال فلسطين تثير نقاشا وجدلاً على غير صعيد، لا سيما في لبنان، ذلك أنه يتوقف على “تحليل” العملية، سياقا سياسيا ونتائج، وعلى تعيين المسؤولية المرجحة عنها، تلمّس الوجهة التي ستسلكها التطورات بعد ذلك وما إذا كان لبنان سيتأثر بهذه الوجهة وإلى أية حدود. 

هناك رواية فلسطينية “مسؤولة” عن عملية شلومي... مسؤولة بمعنيين: أولهما انها صادرة عن موقع فلسطيني مسؤول، وثانيهما أن المسؤول مقرب من المسؤولين عن القرار السياسي الفلسطيني “الرسمي”. 

تقول هذه الرواية إن عديد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة بلغ بعد استدعاء رئيس الأركان الإسرائيلي شاوول موفاز لتعزيزات إضافية في الآونة الأخيرة، نحو 40 ألف جندي، وان الآليات المنتشرة في منطقتي الضفة والقطاع لا تقل عن فرقتين مدرعتين.. وذلك بالإضافة طبعا الى الوحدات الخاصة في الجيش الإسرائيلي. 

وفي ضوء هذه المقدمات العسكرية الميدانية، يصبح الهدف العسكري الأول لعملية شلومي، تشتيت قدرات الاحتلال عسكريا. وبكلام آخر، توضح الرواية الفلسطينية “المسؤولة” أنه في ظل غياب جبهات عربية مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي، تقوم الانتفاضة الفلسطينية بتوسيع دائرة عملياتها شمالا لتشتيت القوة الإسرائيلية. 

والى ذلك تضيف “الرواية” الآنفة ان عملية شلومي ليست فريدة “سياسيا” في بابها. فقد سبق للانتفاضة أن قامت بعمليات في الأغوار على الحدود مع الأردن، وبأخرى في منطقة بئر السبع على الحدود مع مصر. وبهذا المعنى، فإن الانتفاضة بعمليتها شمال فلسطين، فضلاً عن الهدف العسكري السالف ذكره، تعلن سياسيا أن عملياتها تشمل كل الرقعة الفلسطينية، وان التوغل الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية ومخيماتها يقابله توغل فلسطيني على امتداد الرقعة الفلسطينية الواقع منها تحت الاغتصاب (1948) أو تحت الاحتلال (1967). 

بحسب “الرواية” الفلسطينية هذه، فإن عملية شلومي شمال فلسطين، مسؤولية فلسطينية سياسيا وميدانيا، “حتى على افتراض ان ثمة دعما لوجستيا من حزب الله، لأن أقصى ما يمكن للحزب أن يقدمه هو الدعم اللوجستي.. هذا إذا حصل بالفعل”، كما يقول المصدر الفلسطيني نفسه. 

ويدعو المصدر في سياق “الرواية” أو المطالعة التي يقدمها الى ملاحظة ان إسرائيل لم تتجه الى تحويل الأنظار عن “فلسطينية” العملية نحو “لبنانيتها”، أي دور “حزب الله” فيها، إلا بعد يومين من حصولها، وذلك بالتزامن مع وصول المبعوث الأميركي الجنرال أنطوني زيني الى المنطقة. وفي تقديره أن حكومة أرييل شارون الطامحة الى الحصول على وقف فلسطيني لإطلاق النار بواسطة مساعي زيني، تستفيد سياسيا من تحميل “حزب الله”، وسوريا وإيران تاليا، مسؤولية عملية تعرف أنها بتوقيع فلسطيني، لتعلن نوعا من “التفرغ” للجهبة الشمالية... فضلاً عن أن الاعتراف الإسرائيلي بالتوقيع الفلسطيني على العملية سيعني اعترافا بأن شارون المتراجع سياسيا تحت النيران قد فشل تماما. ويضاف الى ذلك ان الضجيج الإسرائيلي حول عملية شلومي أتى في واقع الأمر، في محاولة لحجب التطور العملاني الفلسطيني خلال الأيام القليلة الماضية، والمتمثل بدخول قواذف “آر. بي. جي” المعركة دفاعا عن المخيمات في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي. 

تعاطي “حزب الله” 

هذا على صعيد المطالعة الفلسطينية.. أو بموضوعية إحدى المطالعات الفلسطينية التي تعني ما تعنيه سياسيا كونها صادرة من موقع مقرب من دائرة القرار السياسي الفلسطيني “الرسمي”. 

أما الأسئلة بعد ذلك فتتعلق بتعاطي “حزب الله” مع العملية. 

لماذا لم ينف الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله المسؤولية عن عملية شلومي أو المسؤولية عن المساهمة فيها، كما لم يؤكدها، واكتفى بالقول إنه سواء كان ثمة مشاركة أو لم يكن فإن ذلك “شرف عظيم” للحزب بعلاقته بانتفاضة فلسطين؟ 

وتتضاعف أهمية السؤال والجواب عنه إذا أمكن بالعلاقة مع تطور في الخطاب السياسي للسيد نصر الله، يمكن تقويمه (التطور) لاحقا. ففي خطاب السيد حسن تطور تمثل أولا ب”اعترافه” بإرسال صواريخ “كاتيوشا” الى الانتفاضة، وذلك كإعلان رسمي عن مشاركة عملية للحزب في الانتفاضة. وفي خطابه “هجوم” على النظام الأردني، هو الأول من نوعه منذ مدة طويلة ضد أحد الأنظمة العربية، هو جزء لا يتجزأ من النظام العربي العام. وفي امتداد ذلك “هجوم” من قبله على “مبادرة” ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، وعلى المملكة العربية السعودية تاليا، مع العلم أنه كان ثمة حرص متبادل على تطوير العلاقة خلال الفترة الماضية.. ومع الأمير عبد الله تحديدا الذي كان له عند “حزب الله” تقدير لموقعه “المتقدم” في المملكة وعلى المستوى العربي. 

السؤال هو إذاً: سواء صحت الرواية الفلسطينية أو لم تكن صحيحة... لكن خصوصا إذا كانت صحيحة، لماذا “يجازف” السيد نصر الله بخطاب يحمل هذا “التطور”؟، ولا يخفى في هذا المجال أن “المجازفة” المقصودة تكمن في أن اعتماد هذا الخطاب يترك انعكاسات داخلية أو هو قد يترك مثل هذه الانعكاسات... ذلك ان الخطاب الداخلي أو الموجه نحو “الداخل اللبناني” وبالذات في إطار الحوار مع الفريق المسيحي، كان “حتى الآن” يقدم العمل المقاوم للحزب تحت سقف “سيادي”، هو استعادة مزارع شبعا اللبنانية الى السيادة اللبنانية.. ولم ير الحزب نفسه “حتى الآن” محشورا ب”إخراج” البُعد الانتفاضي للخطاب من جيبه. وكذلك لا يخفى أن “المجازفة” تكمن في فتح معركة سياسية ولو محدودة “حتى الآن” مع “النظام العربي”... علما أن هذه المعركة السياسية جرى إدراجها من قبل الأردن مثلا في خانة إيرانية وإيرانية سورية. 

أوساط “متفهمة” 

عن هذا السؤال “المركزي” والأسئلة المتفرعة عنه، تجيب أوساط لبنانية “متفهمة” ل”حزب الله” و”غير متخلية” عنه، بأن السيد نصر الله زعيم لحركة إسلامية جهادية عقائدية ستبقى (هذه الحركة) على تماس مع إسرائيل (بمواجهة معها)، وهي حركة غدت جزءاً مهماً من الصراع العربي الإسرائيلي. وتضيف أن “أبغض” شيء عند “حزب الله” والسيد نصر الله أن يكونا في موقع نفي دور للحزب في معادلة الصراع مع إسرائيل. بيد أنه يجب، برأي هذه الأوساط “المتفهمة”، أن يؤخذ في الاعتبار الوجه الآخر لعدم “النفي”، أي “عدم التأكيد”. 

ومن هذه الزاوية، أي زاوية “عدم التأكيد”، ترى الأوساط نفسها أن نصر الله “يوازن” بدقة بين إمرين. الأول هو “عدم إغفال المسؤولية الوطنية الداخلية”، بحيث لا يغلق الباب في وجه الداخل اللبناني الذي “سيلاحظ عدم التأكيد أكثر من عدم النفي”. أما الثاني فهو أن نصر الله يعلن مسبقا أنه إذا كان ثمة تسوية في الأفق، فإن الحزب لن يسير فيها “حتى لو كانت بمباركة سعودية”، وأن سريان التسوية إذا حصلت لا يجبر قوى المجتمع العربي على السير فيها، وان “حزب الله” لن يقف في يوم من الأيام موقف التصرف على أساس ان الموضوع (الصراع مع إسرائيل) قد انتهى ولو اتخذ أشكالا مختلفة. وبهذا المعنى، فإن نصر الله بوصفه زعيما لحركة إسلامية جهادية، يخاطب جمهوره بأفق “المستقبل” أكثر مما هو يتوقف عند الحاضر، علما أن تطورات الحاضر لا تحتم الإقرار بأن المنطقة سائرة نحو تسوية. 

وفي هذا المجال، يلفت مراقبون ضمن الأوساط “المتفهمة” الى الطريقة التي يتعاطى بها الحزب مع ذكرى عاشوراء هذا العام. يلفتون الى “المظاهر التنظيمية” في المناسبة، الى “الشعارات السياسية”، الى “الاستنفار السياسي في الوسط الشيعي”، الى “موقعية السيد حسن في اليافطات والشالات و”التي شيرتات”، والى “أماكن المجالس الحسينية”. يشيرون باختصار الى “البعد السياسي المتميز” للذكرى هذا العام بحيث يبدو الشيعة، أو شيعة “حزب الله”، ذاهبين من “الإمام الحسين الى السياسة المباشرة نحو الحسين مجددا” كما يقول أحد هؤلاء المراقبين. 

سقف عدم فتح الجبهة 

في هذه الأثناء، وفي مقابل هذا “التفسير” الذي تقدمه الأوساط “المتفهمة” لحزب الله، ثمة أوساط أكثر حيادية ودبلوماسية في معظمها، تطرح بدورها أسئلة عدة: هل يستشعر نصر الله أفقا مفتوحا أمام التسوية، الأميركية غالبا وبالتعريف، فينطلق في خطابه “المتجدد” نحو محاولة إعاقتها (التسوية)؟ أم أنه يرى ان الأفق لا يزال مغلقا فيعلن المساهمة في إحكام إغلاقه؟ وهل يرى “السيد” ان ثمة محاولة متكررة أميركية إسرائيلية للسير في مسار فلسطيني منفرد؟ أم ماذا؟ 

وفي هذا السياق، تقول الأوساط الأكثر حيادية، انه عندما يبدأ الأمر متصلا بإعاقة تسوية محتملة أو ب”تطوير” الدور المقاوم تحت أي عنوان من العناوين، فإن ذلك يتجاوز بالتأكيد قرار “حزب الله” نفسه، لأنه يغدو عندئذ أمرا استراتيجيا كبيرا يتعلق بسوريا بالدرجة الأولى وبالعلاقة السورية الإيرانية تاليا. 

من هنا، وإذ ترى هذه الأوساط انه قد تكون من مصلحة شارون المجبر على التراجع السياسي في فلسطين الآن، وخاصة إذا “نجحت” مساعي زيني في تنظيم وقف لإطلاق النار بين الفلسطينيين وإسرائيل، أن يحاول “التعويض” على الجبهة الشمالية اللبنانية السورية. ولذلك فهي تستبعد في الوقت الحاضر وفي المدى المنظور أن تكون ثمة مبادرة من “حزب الله” (تحت السقف السوري والعلاقة السورية الإيرانية) الى فتح جبهة في جنوب لبنان أو الى أي عمل يؤدي الى ذلك إسرائيليا. وتعرب عن اعتقادها بأن “السقف” الذي يحكم العمل المقاوم هو سقف العمل المقاوم “الموضعي دون توغل”، وان الاعتبارات العربية والإقليمية والدولية يعرفها نصر الله، وإلا لكان “مُنى عينه” أن يفتح الجبهة دعما للانتفاضة، لأن فتح الجبهة هو أفضل دعم للانتفاضة الفلسطينية وهذا ما لم يحصل. 

على هذا الأساس، يبدو ان ثمة جامعا مشتركا بين “الأوساط المتفهمة” و”الأوساط الأكثر حيادية”، هو أن “حزب الله” حتى بخطابه المتجدد على لسان أمينه العام، محكوم بمعادلات ليست سائرة الى تغير في “أمد منظور”، وان خطابا متغيرا في ظل معادلات غير متحولة، يلبي ضروات لحزب الله أكثر من كونه مؤشرا الى معطيات مختلفة... دائما في “الأمد المنظور”. وبهذا المعنى، يُضحي خطاب نصر الله “مجازفة محسوبة” بتقاطع زاويتي النظر إليه، أو غير مجازف فعلا. 

الفلسطينيون 

على أن “الرواية” الفلسطينية المسؤولة، إذ تعلن موافقتها على استنتاج أن ثمة تقاطعا بين وجهتي النظر السالفتين، تلفت الى مجموعة من الأمور. فهناك أولا اقتناع فلسطيني بأن أقصى ما يمكن زيني التوصل إليه هو “هدنة عسكرية”، لكن الانتفاضة ستتواصل. وهناك ثانيا اقتناع فلسطيني بأن أي مفاوضات فلسطينية إسرائيلية قد تحصل، فإنها لن تحصل إلا تحت سقف استمرار فاعليات الانتفاضة. وهناك ثالثا قناعة بأن الانتقال من وقف إطلاق النار الى تطبيق توصيات ميتشل سيعني فورا سقوط شارون، ودخول الوضع الإسرائيلي تاليا في مخاض كبير. وثمة رابعا وأخيرا تصميم فلسطيني على انه إذا بدا ان الولايات المتحدة تتحرك لوقف النار بهدف التركيز على المسألة العراقية، فإن الانتفاضة بما في ذلك جانبها العسكري ستتصاعد. 

“الرواية” الفلسطينية المسؤولة التي تقول ان القرار الفلسطيني “الرسمي” واضح لجهة ان ما لم يفرض على الفلسطينيين قبوله بالقوة لن يقبل بالتفاوض، وأن لا موافقة فلسطينية مسبقا على أي نتائج سياسية للعدوان الشاروني المنفلت منذ أكثر من عام ونصف العام... تقول أيضا وبشكل غير مباشر ان أفق التسوية ليس مفتوحا بعد... وبهذا المعنى فإن لخطاب نصر الله في جوانب منه أساسا ليس فقط عقائديا بل “واقعيا” أيضا حتى “إشعار آخر”. 

ان العملية الفدائية في مستعمرة “شلومي” الإسرائيلية شمال فلسطين، لا تزال إذاً في ضوء ما تقدم، مؤشرا الى واقع إقليمي غير محسوم الوجهة... الأمر الذي يستدعي المتابعة.. بما في ذلك، وخاصة بعد الاستماع الى ردود “حزب الله”، على هذا الحوار غير المباشر معه، وعلى هذه التحليلات التي لا يمكن لها أن تدّعي النيابة عن “أفكاره” أو مضمون مواقفه!

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic