يدور هذه الأيام سجال مفتوح حول تطبيع العلاقات مع إسرائيل في أي تسوية قد تُعقد مستقبلاً بين العرب والدولة العبرية. والمبادرة السعودية التي أطلقها ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير عبد الله، تنطوي صراحة على تطبيع العلاقات بين العالم العربي وإسرائيل في مقابل انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها في حرب العام 1967. أما رأينا في التطبيع فهو أنه ببساطة أمر غير طبيعي.
إن تطبيع العلاقات يعني، قاموساً، جعل العلاقات طبيعية. والسؤال البديهي هو: كيف تكون العلاقات بين العرب وإسرائيل، بين المعتدى عليه والمعتدي، طبيعية؟
كيف تكون العلاقات مع إسرائيل طبيعية بعد كل الذي جرى على يدها من قتل وتشريد وتنكيل واحتلال أرض. أليس من الطبيعي في تلك الحال ألا تكون ثمة أية علاقة بين العرب وإسرائيل؟ أليس من الطبيعي والحال هذه أن تبقى أجواء القطيعة سائدة بين العرب إسرائيل ما دام أي من ثوابت الموقف العربي لم يتحقق، بما في ذلك الإقرار بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، حتى داخل ما يسمى اليوم إسرائيل؟ ولمّا كان من المستبعد أن تسلّم إسرائيل بمبدأ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى حيفا ويافا وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل العام 1967، فستبقى قضية فلسطين عالقة. فالعودة هي لب قضية فلسطين التي هي بدورها قضية الفلسطينيين المقتلعين من أرضهم.
القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة يعترف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أو التعويض. المبدأ هو العودة. والأحرى أن يكون المبدأ هو العودة والتعويض معاً. فالذين شُرِّدوا من ديارهم ما يزيد على نصف قرن، يستحقون التعويض حتى في حال عودتهم، لا بل من أجل تيسير عودتهم. إن موقف لبنان، حكومة وشعباً، هو رفض توطين اللاجئين لأنه، من جهة، ينطوي على إخلال بقضية فلسطين، ومن جهة ثانية لأن رفض التوطين جاء نصاً وفاقياً صريحاً في وثيقة الوفاق الوطني، ولا قِبَل للبنانيين بعد طول معاناة بأن يفرّطوا في نص وفاقي.
إذا كان التطبيع محتماً بحسب منطق السلام في مفهومه الدولي، فإن تطبيع العلاقات سيكون ملزماً للدول العربية عند التوقيع على تسوية مع إسرائيل ولكنه لن يكون ملزماً للشعوب العربية. ها هو الشعب المصري الأبيّ، فلقد أقامت دولته علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ التوقيع على اتفاق سلام، ولكن الشعب المصري أبى تلقائياً تطبيع علاقاته مع الدولة العبرية حتى اليوم. والمثال المصري المشرّف سيكون هو القاعدة في الوطن العربي الأرحب لو توصلت الدول العربية إلى تسوية ما مع الكيان الصهيوني. والمعروف أن في لبنان، كما في دول عربية أخرى، حركات ناشطة وفاعلة لمناهضة التطبيع بكل أشكاله.
ثم إن التطبيع يفترض الانفتاح الكامل بين العرب وإسرائيل، فهل من مصلحة العرب فتح باب التبادل على مصراعيه مع الدولة العبرية في ظل انعدام التكافؤ تكنولوجياً بين الطرفين؟ ألا يعني التطبيع في تلك الحال إتاحة المجال لإسرائيل لأن تبسط هيمنتها الساحقة على الأقطار العربية في شتى الميادين؟ بوجود فجوة تكنولوجية كبيرة بين العرب وإسرائيل، فإن رفع الحواجز من طريق التبادل التجاري بين الجانبين لن يكون إلا على حساب الإنتاج العربي عموماً، والصناعة العربية خصوصاً، وبالتالي على حساب اليد العاملة العربية ومستوى معيشة الإنسان العربي. إن الانفتاح يفترض حداً أدنى من التكافؤ في الإنتاجية، وهذا غير متوافر بين العرب وإسرائيل حتى إشعار آخر. فهل الفرد العربي مستعد ليكون مواطناً من الدرجة الثانية في وطنه أمام الطغيان المحتّم للإنتاج الإسرائيلي على الأسواق العربية الداخلية؟ هكذا، بصرف النظر عن الاعتبار القومي الذي يملي استمرار المقاطعة شعبياً حتى بعد التسوية، لو تمت، أسوة بما هو حاصل في مصر، فإنه لن يكون من مصلحة الشعوب العربية أن تطبّع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وذلك أقله إلى أن تُردم الهوة التكنولوجية بين الجانبين.
إذا كان السلام في المفهوم المتعارف عليه يفترض التطبيع، فإننا نُؤْثر استخدام مصطلح التسوية في وصف الاتفاقات التي سبق أن وُقعت أو التي يمكن أن توقَّع مستقبلاً بين الدول العربية وإسرائيل. والفارق الأساسي في المدلول بين اللفظتين هو في تعريفنا بأن السلام يفترض الاستقرار، أما التسوية فتنمّ عن إنهاء حالة الحرب ولو أنها لا تقترن برسوخ حال من الاستقرار في العلاقات بين الطرفين. هذا فضلاً عن أن إسرائيل اختارت أن تكون دولة يهودية عنصرية، وبذلك تكون قد قررت العزلة والانغلاق. فدعاة التطبيع يجب أن يجيبوا عن سؤال بديهي: كيف يوفّقون بين انفتاح عربي وانغلاق إسرائيلي؟ وإذا عادت إسرائيل فقررت التخلي عن عنصريتها اليهودية وبالتالي عن انغلاقها، فمن المفترض أن تتقبّل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى كل فلسطين في امتدادها التاريخي، أي بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948. أكثير على اللاجئين أن يعودوا إلى ديارهم أينما كانت؟
بعد اجتماع تمّ بين المغفور له الرئيس حافظ الأسد والرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون منذ بضع سنوات في سويسرا، سُئل الرئيس الأسد عن العلاقات التي يمكن أن تقام بين سوريا وإسرائيل في حال التوصل إلى تسوية بينهما، فقال: علاقات عادية. وعندما سُئل صاحب المبادرة السعودية الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية، عن تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية في حال انسحابها من كل الأراضي المحتلة في عام 1967، قال إن المقصود في مشروعه إقامة علاقات عادية. فما عسى أن يكون الفرق بين العلاقات العادية والعلاقات الطبيعية؟
في ظني، أن العلاقات العادية يمكن اختصارها بالعلاقة الدبلوماسية بين دولتين، أما العلاقات الطبيعية فتنطوي على تطبيع العلاقات في كل الميادين وعلى كل المستويات بما في ذلك التبادل الاقتصادي على أوسع نطاق في المجالات التجارية والسياحية وفي ميدان الاستثمار والتكنولوجيا. بعبارة أخرى، يشمل التطبيع العلاقات ليس بين الدول العربية وإسرائيل فحسب، بل أيضاً على الصعيد الشعبي.
ليس من قوة تستطيع إرغام الشعوب على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ولو تمت التسوية. يقول المثل الإنكليزي: إنك تستطيع أن تسوق جوادك إلى النهر ولكنك لا تستطيع إجباره على أن يشرب.
*
رئيس وزراء لبنان السابق
§
وصـلات:
