ثورة يوليو 1952: خمسون عاماً

محمد حسنين هيكل

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 4 نيسان / أبريل 2002

 

Mohammed Hasanein Haykal - محمد حسنين هيكل

     لقد رجح عندي أن أبتعد لبعض الوقت عما يجري لنا، ويجري حولنا، وهي مهمة سهلة، وصعبة، في آن واحد! 

سهلة لأن ما يجري يغري بفراقه دون أسف عليه فهو واقع بارد، مجرد من دفء حلم، أو كرامة مشروع، أو إلهام فكرة! 

وصعبة لأن ما يجري يحض على البقاء قريبا منه فهو صراع مصائر، ومطالب مستقبل، وأزمة أمة تحاول أن تستجمع بقايا طموح وإرادة، وبقايا آمال ورؤى تذكرها بأن لها حقا ودورا وموقعا في زمن عالمي جديد! 

ولقد رجح عندي ما رجح لأن العاطفة تدخلت في حركة الميزان وأنهت التردد بين “السهل” و”الصعب” فبعد ثلاثة شهور وثلاثة أسابيع تحل الذكرى الخمسون لثورة يوليو 1952، وذلك يوم بالغ الخطر في التاريخ العربي الحديث، لا يكاد يختلف أحد على أن حياة الأمة في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى مطالع القرن الحادي والعشرين كانت وظلت موصولة به على نحو أو آخر! 

وكان في خطة عملي منذ أكثر من سنة أن أعود إلى يوم 23 يوليو سنة 1952 قارئا للتاريخ مرة أخرى، وليس كاتبا له، فتلك كما أشرت مرات، مهمة أتركها لغيري ممن هم أقرب اختصاصا، أو أبعد جرأة وربما أوسع خيالا! 

ومن الأكيد أن هناك دراسات جادة وموضوعية عن ثورة 23 يوليو 1952 (خصوصا في إنكلترا وفرنسا حيث توافر كثيرون على دراسة السقوط الإمبراطوري البريطاني والفرنسي في حرب السويس سنة 1956) لكن الأكيد في الوقت نفسه أن العالم العربي شهد ويشهد خلطا تتنوع أسبابه ما بين مقصود لأهواء وأغراض إقليمية ودولية محلية وذاتية، وما بين غير مقصود أدى إليه السهو والخطأ، خصوصا في ظروف ترضى عن السهو وتكافئ على الخطأ! 

والحقيقة أنني اطلعت على ما كتبه بعضهم واستغربت، وتابعت على الشاشات (فضائيات عربية في كل مكان) ما يرويه بعضهم واستعجبت، وبدا لي الكثير مما يلقى على الناس مجافيا لما رأيته بعيني وسمعته بأذني في زمانه وفي مكانه عندما شاءت مصادفات أن أكون في الموقع الأقرب من بؤرة القرار، مراقبا ومتابعا بل ومشاركا في بعض الأحيان، ومهتما بها جميعا. 

وبالإضافة إلى ما رأيته بنفسي وسمعته في زمانه ومكانه فقد كنت تعلمت درسا أساسيا يؤكد قيمة تسجيل الدقيقة والثانية في وقتها وموقعها، وينهى عن اعتبار الذاكرة الإنسانية خزانة مأمونة للمعلومات، والسبب أن هذه الذاكرة ليست صندوقا من حديد وصلب، دونه سلاح وعليه أقفال، وإنما هي وعاء مفتوح تصب فيه وتتسرب إليه ليل نهار صور ومشاهد ونزعات ومطامح وإيحاءات وكله يتفاعل مع بعضه في عملية شبه كيميائية وتكون النتيجة خلقا آخر يذوب فيه الأصل. 

وأظن أنني مدين بالفضل في تقليل الاعتماد على الذاكرة لنصيحة أول رئيس تحرير عملت معه، وهو “هارولد أيرل” رئيس تحرير جريدة “الإجيبشيان غازيت”، وكان ملخص نصيحته لي، ولثلاثة زملاء مصريين التحقنا دفعة واحدة للتدريب في جريدته قوله لنا: “أنتم سوف تذهبون إلى مهام متواصلة تغطون فيها مسارات الحوادث في وطنكم وأوطان غيره، وعندما تأخذكم المهام التي تكلفون بها إلى أي مكان، خصوصا خارج البلاد، فلا تحاولوا أن ترسلوا بمواد إخبارية عاجلة؛ لأن وكالات الأنباء سوف تسبقكم، وأما ما تستطيعون التفوق به على غيركم فهو التركيز على خلفية الوقائع والحوادث وحركتها الداخلية، مستندين إلى المشاركين فيها وشهودها، راسمين باللون والظل وبالصوت والهمس صورا حية للأجواء والظروف والملابسات، وعليكم تسجيل ذلك وتثبيته أولا بأول حتى تستطيعوا في ما بعد عندما تكتبون تقاريركم، أن تستعيدوه على نحو دقيق وأمين. وإذا اعتمدتم على الذاكرة وحدها ومر يوم ثم يوم، فأخشى أن النتيجة تكون أقرب إلى فن القصص منها إلى عرض الخبر! 

وعندما جلست لأكتب كان واضحا لي بيني وبين نفسي أن هدفي من الكتابة الآن، ليس أن أقر حقا أو أمحو باطلا، فذلك دور قديسين وليس دور صحافيين، كما أن هدفي ليس أن أدافع عن أحد أو أدين غيره؛ لأن ذلك مطلب تأخر وقته سياسيا وإن لم ينته حقه تاريخيا: من ناحية لأن الرجال الذين كان يمكن إنصافهم أو إدانتهم لم يعودوا على قيد الحياة بحيث يلحق بأيهم ثواب أو عقاب ومن ناحية أخرى لأن الحقيقة عليها الانتظار حتى تنجلي الغُمة عن ذاكرة الأمة، فالقوى التي تهيمن على الأرض ومواردها، وعلى الاقتصاد وآلياته، وعلى القرار وسلطته، كان لا بد من أن تمد سيطرتها في نفس الوقت إلى الذاكرة؛ لأنها مجمع الحكمة ومستودع الضمير، وهناك تكمن إرادة الأمة. 

وعليه فإن هذه القراءة في التاريخ تطلب استثارة اهتمام الباحثين عن الحقيقة في شؤون أمتهم وأحوالها، وأوضاع أوطانهم وآمالها، وفي اليوم وغدا وبعد غد. وقد لا أجد بأسا من أن أعترف بأن هذه القراءة للتاريخ موجهة بالدرجة الأولى إلى الشباب: شباب العمر وشباب العقل وشباب الوعي وشباب الشوق إلى الحق! 

وأريد أن أزيد (ولعل الزيادة لا تكون تزيدا)، أنني أتمنى أن يقرأ من يعنيهم الأمر هذا الفصل وغيره وفي ذهنهم أن التاريخ يصنعه بشر، وأن البشر خلق من لحم ودم، وليسوا مهما تسامت أدوارهم في صناعة خوارق ومعجزات. بمعنى أن الطبائع الإنسانية لها أوجه ضعفها وأوجه قوتها، مواضع لينها ومواضع صلابتها. والخطر عند قراءة التاريخ أحيانا أن صناعته تضفي على أبطاله أشكالا من القداسة دخيلة على الطبع الإنساني، وفي التاريخ الإسلامي فإن ذلك الخلط بين ولي الأمر في سلطة الدنيا، والقوامة على الدين بسلطة الولاية يزداد في العادة، وهذا التباس تجاوزه كثيرون ممن كتبوا في التاريخ العربي وعنه، وفيهم “ابن إسحاق” و”المقريزي” و”ابن أياس” و”الطبري” و”ابن تغري بردي”، و”عبد الرحمن الجبرتي”. والشاهد أن هؤلاء الرجال سجلوا ما سجلوا وفي اعتبارهم أن الحق لا يجافي الطبع، وإنما يأخذه في حسابه، وأن العصمة المطلقة لذات الله وحدها، وأما خلقه فإن الميزان الحقيقي لهم ما يستطيعون تقديمه من النفع لأوطانهم، حتى وإن لم تكن تصرفاتهم معصومة أو مقدسة (لأنها نسبية). والواقع أن التاريخ لا يحتمل فكرة البطولة المطلقة لأن التاريخ إنساني وليس إلهىا! 
ومن المفارقات أن شعوب العالم المتقدم تعرف التفرقة بين الواقع والأسطورة، وبالتالي فإن المثال الكامل لم يخلق قط ولا في حالة الأنبياء، فمنذ خروج آدم من الجنة خرج وراءه بنو البشر جميعهم، وعاشوا دنياهم بكل مواطئها، وحسابهم آخرها ليس على ما هوت إليه نفوسهم، وإنما على ما ارتقت إليه هممهم. 

4 فبراير 1942 المسرح الخلفي ل23 يوليو 

مرة أخرى في قراءة التاريخ يتأكد لأي قارئ أن الصراعات الكبرى حضانة للتحولات الإنسانية الأهم، وأن الحروب باعتبارها الذروة الخطرة للصراعات هي الولادة الطبيعية للتحولات المؤثرة على حياة ومستقبل الشعوب والأمم. 

وعليه فإن أي قارئ للتاريخ الحديث سوف يتأكد أن الحرب العالمية الثانية كانت حضانة حركة الثورة الوطنية في العالم الثالث على اتساعه عبر ثلاث قارات (آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية). 

ثم إن أي قارئ للتاريخ المصري في سياق العصر الحديث سوف يلحظ أن يوما بالتحديد في مسار هذه الحرب العالمية الثانية وهو يوم 4 فبراير 1942 كان ولادة قيصرية بالجراحة فتحت الباب يوم 23 يوليو 1952 لولادة قيصرية أخرى من نفس النوع، والاختلاف بين الولادتين هوية السلاح. ففي الولادة الأولى كان المشرط إنكليزيا وفي الولادة الثانية كان المشرط مصريا! 

***********

ولمجرد التذكرة فإن 4 فبراير 1942 هو اليوم الذي وجَّه فيه السفير البريطاني في مصر السير “مايلز لامبسون” (والذي أصبح اسمه اللورد “كيلرن” في ما بعد عندما منح اللقب مكافأة على خدماته للإمبراطورية، واختار أن ينتسب إلى المقاطعة الإسكتلندية التي جاءت منها عائلته) وكان نص إنذار السفير البريطاني إلى الملك “فاروق” بالنص: “إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة من مساء اليوم أن “مصطفى النحاس” باشا دُعي إلى تأليف الوزارة، فإن الملك “فاروق” يتحمل تبعات ما يحدث”. 

والوقائع الكاملة لأحداث تلك الليلة كما كتبها السير “مايلز لامبسون” بخط يده في دفتر يومياته المودع ضمن مجموعة أوراقه في كلية “سان أنتوني” المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط والتابعة لجامعة أوكسفورد تنشر الآن بنصوصها (لأول مرة كما أحسب) في وثيقة تالية لهذا الحديث مباشرة.

***********

وإذا كان ذلك فإن يوم 4 فبراير 1942 يستحق أن يوضع في سياقه وفي إطاره، وبفهم متسع ورحب لحركة التاريخ وعناصرها، لأن الأمم كثيرا ما تجد نفسها في خضم صراعات لم تفكر فيها، ولم تطلبها، لكن الظروف المحيطة وبدون تخطيط أو مسؤولية على أحد تضعها وسط المعمعان راضية أو كارهة والغالب أن وقائع يوم 4 فبراير والطريق إليها كان تجربة من هذا النوع لبلد وجد نفسه وسط الصراع العالمي رغم أنفه، وحاول أن يبحث عن أمان فيه، على عجل من أمره! 

وكما هو بيِّن الآن فإن السير “مايلز لامبسون” بإنذاره للملك فاروق (رغم ما في الإنذار من إهانة) لم يكن يمارس كراهية شخصية، كما قالت وتقول به روايات ملكية، شاعت بعدها ولا تزال لها أصداء. 

ولم يكن “مصطفى النحاس” باشا للدقة والإنصاف خائنا بالتواطؤ مع الإنكليز حين قَبِلَ رئاسة الوزارة مساء يوم 4 فبراير على أسنة الحراب البريطانية (على حد التعبير الذي استعمله أحمد ماهر (باشا) رئيس السعديين ليلتها). 

ولم يكن الملك “فاروق” شابا فقد عقله دون مقدمات، فَحَقَّ للسفير البريطاني أن يعيده إلى صوابه ولو بالدبابات! 

لكن البيِّن الآن أن الحقيقة أعقد من تلك الروايات، وأبسط أيضا؛ لأن ما وقع مساء 4 فبراير 1942 كان في إطار حركة تاريخ حكمها تدافع عنيف بين القوى، وتداعيات أثرت بالوعي أو باللاوعي على مسار الحوادث. وكان التعقيد والبساطة في نفس الوقت هما الدرس المفيد الذي تكشفه قراءة التاريخ وتكشف معه أن الحقيقة لها أكثر من وجه، بمعنى أن ما جرى في 4 فبراير 1942 كانت له وجوه عديدة: 

- وجه بريطاني حقيقي له منطقه الذي يمكن فهمه.

- ووجه مصري ملكي حقيقي له هو الآخر منطقه الذي يمكن تقديره.

- ووجه مصري وفدي حقيقي له بدوره منطقه الذي يمكن قبوله.

وعليه فإن ما جرى في ذلك اليوم كان أكبر كثيرا من “زهو” السير “مايلز لامبسون” بقوته، وأكبر من “حرص” الملك “فاروق” على عرشه، وأكبر من “تلقف” “مصطفى النحاس” (باشا) لرئاسة الوزارة من وسط عاصفة، وفي الحقيقة فإن الحادث من أوله إلى آخره كان إشارة تختزل وتختصر صراع مقادير أكبر من إرادة الأفراد، وظرف عالمي أوسع بكثير من موقع قصر عابدين، ولعله كان مشهدا “مصريا” في “حرب عالمية”. 

ومؤدّى ذلك أن استكشاف أبعاد وحدود عملية 4 فبراير 1942 وما تداعى بعدها يتطلب استعادة واسترجاع صورة الصراع الدولي كما تجلى وقتها. 

كانت بداية الحرب العالمية الثانية يوم 3 سبتمبر 1939، وقد نشبت بين “ألمانيا النازية” من ناحية و”بريطانيا” و”فرنسا” من الناحية الأخرى، وسببها المباشر رغبة “هتلر” (زعيم ألمانيا النازية) في استعادة منطقة “دانزيغ” في بولندا كي تعود إلى ألمانيا بعد أن سلخت منها نتيجة للحرب العالمية الأولى (ومعاهدة فرساي التي رتبت نتائجها). 

وتمكنت القوات الألمانية من احتلال “بولندا” كلها في سبعة عشر يوما ثم توقف القتال، وبدا أن الحرب نامت، لأن “ألمانيا” خطت الخطوة الأولى ونفذت بالسلاح ما أرادته في “بولندا”، ثم عجزت بريطانيا وفرنسا عن نجدة “بولندا” في الشرق، وتلى ذلك أن الجبهة الغربية (الفرنسية) مع ألمانيا بقيت خنادق متقابلة وساكنة، ومع أن السكون يتحول إلى صخب في بعض الأوقات حين تتبادل الجبهات وراء الخنادق ضربات المدافع، إلا أن ذلك بدا قصدا سياسيا قصاراه تذكير العالم بأن الحرب على الجبهة الغربية ما زالت دائرة! 

ومع أوائل سنة 1940 أي بعد أربعة شهور من نشوب القتال، وثلاثة شهور من سقوط “بولندا” كان صوت الحرب خافتا لدرجة دعت إلى وصف هذه المرحلة ب: “الحرب الفارغة” (the phony war) لأن جيوش بريطانيا وفرنسا وقفت على ناحية من جبهة القتال، ووقفت القوات الألمانية على الناحية الأخرى. ثم إن الجيوش البريطانية التي عبرت بحر الشمال إلى الشواطئ الفرنسية ظلت هناك، لأن القيادة العليا الإمبراطورية رأت إبقاء قواتها في مقاطعة نورماندي شمال فرنسا حتى تظل مواصلاتها على البحر مفتوحة قريبة وسالكة إلى قواعدها البريطانية وفي كل ذلك فإن الحرب ليست وقوفا في الخطوط الدفاعية سواء خط “ماجينو” الفرنسي أو خط “سيغفريد” الألماني ولا انتظارا على الشاطئ الآخر من بحر الشمال! 

وفي الوقت نفسه فإن بقية القوى المهتمة بالحرب ظلت على مسافة تتابع وتراقب: 

- الولايات المتحدة تتابع وتراقب من وراء الأطلنطي ومصالحها الطبيعية وراء حلفاء الغرب الرأسماليين واعتقادها (الولايات المتحدة) أنها تجسيد الرأسمالية في عنفوانها وليست مجرد احتياطي أميركي للرأسمالية الأوروبية المتهالكة. 

- وإيطاليا تتابع وتراقب من وراء جبال الألب ومطامعها الملهوفة مع الألمان وشغلها الشاغل أن تتشارك معهم في الإرث الإمبراطوري لبريطانيا وفرنسا عندما يُعاد توزيعه، وقد بدت هذه العملية حتمية، سواء بالقتال أو بالاتفاق. 

- والاتحاد السوفياتي يتابع ويراقب من العمق الشرقي الأوربي ويرى الحرب صراعا بين الاستعمار القديم (البريطاني والفرنسي) المتخوم، وبين استعمار جديد يتضور جوعا في ألمانيا ووراءها إيطاليا وقد تفتحت شهيته من جديد. 

- وأخيرا لاحت اليابان مطلة من وراء بحر الصين، ترسم لنفسها مجالا حيويا في شرق آسيا تحسبه في متناول اليد عندما تسقط الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا) بالهزيمة أو تنكسر شوكتها بالضعف. 

كل ذلك وجبهات القتال غرب أوروبا ساكنة. 

كان منطق الحركة يفترض أن يكون الدور على بريطانيا وفرنسا؛ لأن ألمانيا بدأت بالخطوة الأولى ونالت ما طلبت، والآن جاء دور الغير بمسؤولية الرد، وهذا الغير قابع في خطوطه لا يرد. لكن “هتلر” ليس قادرا على انتظار خصومه، فقد تجلت أوروبا الغربية أمام عينيه أفقا مفتوحا بلا عائق وفضلا عن ذلك فهو لا يستطيع الاستمرار في حالة “السكون” دون حسم، خصوصا إذا كانت الفرصة أمامه سانحة لبسط السيطرة الألمانية على غرب أوروبا والاستدارة بعدها إلى الشرق حيث معاقل الخطر الشيوعي، وحسابه أنه إذا جاءت لحظة المواجهة بينه وبين الاتحاد السوفياتي، فإن بريطانيا سوف تقبل شروطه للصلح، وفي أعقابه فإن الولايات المتحدة سوف تسارع إلى صفقة عالمية معه! 

وعندما جاء ربيع سنة 1941 كانت الجيوش الألمانية تنفذ من شمال أوروبا الغربية، وتقطع بلدانها واحدا بعد الآخر بسهولة ما تمشي “السكين في الزبد” على حد تعبير شاع تلك الأيام. 

وسقطت دول الشمال الأوروبي واحدة بعد الأخرى في أيام: هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ. والتفت مدرعات ألمانيا تحت قيادة ماريشالات الرايخ الثالث مثل “رونشتد” و”غودريان” و”رومل” تكتسح سهول “الفلاندرز”، وتتدفق منها عبر “المارن” و”الموز” وتحتل باريس، واستسلمت فرنسا، وانسحبت القوات البريطانية من “نورماندي” مهرولة عبر أي وسيلة للنقل البحري من “دنكرك” هاربة من الشاطئ الفرنسي إلى أي مرسى بريطاني مقابل. 

وفي يونيو سنة 1940 وقفت بريطانيا في الحرب وحدها، في حين أن ألمانيا لم تعد وحدها لأن إيطاليا انضمت إليها حتى يلحق زعيمها “موسوليني” بحصة من المستعمرات الفرنسية قبل أن تفوت الفرصة، وساد الاعتقاد بأن الدور الآن على بريطانيا، وأن قوات “هتلر” على وشك غزوها، وأن تركيز الطيران الألماني عليها بهذه الكثافة تمهيد لعبور البحر (وفق عملية عُرف في ما بعد اسمها الرمزي: “سبع البحر”). 

لكن بريطانيا أظهرت عزمها على المقاومة على الشواطئ والمدن والقرى والشوارع والبيوت على حد تعبير “تشرشل” في خطابه الشهير الذي أعلن فيه أنه ليس عنده ما يقدمه غير “الألم والدم والدموع”، مضيفا “أن مصير العالم الحر سوف يتقرر على حافة الماء من سواحل هذه الجزر البريطانية”. 

وفي بداية سنة 1941 كان “هتلر” الراغب في حسم الحرب قد وجد أن غزو بريطانيا يكلفه أكثر مما يستحق، وبالتالي قرر أن ينضم إلى شريكه الإيطالي الذي تعثر وتعطل في شمال أفريقيا عندما أراد أن يستعيد زمن قياصرة روما من كبار الفاتحين بادئا الحرب بهجوم من ليبيا على مصر وقد تصور “هتلر” أنه بانضمامه إلى “موسوليني” يفك القبضة البريطانية عن البحر الأبيض المتوسط كله. 

وكذلك اتجه إلى شواطئ ليبيا جيش ألماني الفيلق الأفريقي كما أُُطلق عليه وهدفه دخول مصر واجتيازها إلى قناة السويس والتقدم من سيناء إلى سهول سوريا نحو الشمال والشرق لتكون من ذلك كماشة تطبق على الاتحاد السوفياتي من الجنوب أي من الباب القوقازي، ويتوافق ذلك مع هجوم يجري الإعداد له من أوروبا، من الباب البولندي إلى قلب أوكرانيا، وحتى أسوار “الكرملين” في موسكو. 

وكان القائد الألماني المختار لهذه الخطة الجسورة التي تبدأ من جنوب البحر الأبيض وتطوق شرقه، قائداً ألمانياً أصبح أسطورة وهو الماريشال “أروين رومل” الذي وصل بالطائرة إلى طرابلس مساء يوم 21 فبراير 1941. 

وكذلك فإنه حين أصبحت كل الطرق تدور حول البحر الأبيض المتوسط، فإن مصر أصبحت الملتقى والتقاطع والموضع الأخطر! 

الطريق البريطاني إلى 4 فبراير وبعده 

كانت مصر ترقب ما يجري في أوروبا مأخوذة، وقد أدهشها احتلال “بولندا” في سبعة عشر يوما، وعندما سقطت فرنسا ودخل “هتلر” غازيا إلى باريس يرقص تحت قوس النصر الشهير، تحولت الدهشة إلى انبهار. لأن باريس في وعي الطبقة العليا المصرية لم تكن مجرد عاصمة أوروبية، بل إنها “عاصمة النور والحضارة” من عصر نابليون ومحمد علي بعده، وإلى عصر الخديوي إسماعيل وحفيده الأخير على عرش مصر الملك “فاروق”. 

وكانت السياسة البريطانية تفهم وتدرك تأثير النفوذ الأوروبي (الفرنسي بالذات)، على الحياة الثقافية والسياسية المصرية، وظنونها أن النخب الوطنية التي تقوم بممارسة السياسة بالقدر المسموح به في وطن محتل فرنسية الهوى في معظمها. وكان ذلك بالإضافة إلى عوامل أخرى نوعا من “العناد الخفي” إزاء بريطانيا خصوصا وهي قوة الاحتلال التي تحجب الاستقلال وتسوّف وتؤجل من وعد إلى آخر، ومن اتفاق إلى معاهدة دون نهاية ترضى بها الوطنية المصرية تحقيقا لآمالها. 

وكان “العناد الخفي” محسوسا في القصر الملكي بأكثر مما هو مرئي، ولأن القصر لم يكن على استعداد للمعارضة الصريحة، فإنه راح يماطل حتى لا تمسك به قوة الاحتلال وتضبطه متلبسا بمعارضة المجهود الحربي في ظل وجود بريطاني كثيف، وانتقال في ميادين الحرب من شمال البحر الأبيض إلى جنوبه، وبه أصبحت القاهرة واحدة من القيادات الرئيسية الثلاث! 

كانت الإمبراطورية البريطانية تملك من حكمة التجربة ما جعلها تدرك مع حالة حرب أوروبية عامة، فاضت مضاعفاتها على بقية العالم أن ظروف الاتصال والمواصلات (وقتئذ) لا تسمح للعاصمة “لندن” بأن تمارس قيادة صراع الحرب على كل الجبهات في كل القارات، وكذلك جرى تقسيم القيادة الإمبراطورية إلى ثلاث قيادات رئيسية: 

1 قيادة عامة في لندن يتولاها رئيس الوزراء مع هيئة أركان الحرب الإمبراطورية وهي مكلفة بوضع الاستراتيجيات العليا للحرب، بالإضافة إلى مسؤوليتها المباشرة عن مسرح العمليات الأوروبي. 

2 وقيادة رئيسية في مصر مقرها القاهرة (يقودها وزير دولة بريطاني مقيم ومعه السفير البريطاني في القاهرة والقائد العام لقوات الشرق الأوسط)، وهذه القيادة لها مسؤولية التصرف (في إطار الاستراتيجية العليا) وفق ما تقتضيه الظروف، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن البحر الأبيض والبحر الأحمر والدائرة المحيطة بهما أو الواقعة بينهما، وبدون الرجوع إلى لندن إلا في حالة الضرورة. 

3 وقيادة رئيسية في الهند (وهي درة التاج) ومقرها في “دلهي” ويشرف عليها نائب الملك وحكومته في الهند، وهي مسؤولة عن آسيا من بحر العرب إلى بحر الصين. 

وحتى بعد نشوب الحرب وسقوط باريس، كانت مصر تحاذر التورط قدر ما هو ممكن، وتبدي استعدادها لتطبيق معاهدة سنة 1936 بالنص، وإن لم يكن بالروح. وكانت فتوى قانونية من فقيه مصر الكبير “عبد الحميد بدوي” (باشا) قد ذهبت إلى أن نصوص معاهدة سنة 1936 لا تنطبق على حرب تنشب في أوروبا (وهذه هي الحال عندما كانت ألمانيا وحدها أمام الحلفاء)، وإنما تنطبق على حرب يكون فيها ما يهدد الأراضي المصرية، (وذلك ينطبق على إيطاليا إذا قررت دخولها). 

وكان رأي “بدوي” (باشا) أن مصر في حالة حرب أوربية تشارك فيها بريطانيا غير مطالبة بأكثر من إعلان حالة الطوارئ. وبالفعل فإن السلطة البريطانية أخذت ما هو مقرر لها من مزايا حالة الطوارئ، بما في ذلك فرض الرقابة على كل كلمة مكتوبة أو مطبوعة أو منطوقة في مصر. 

(وبمقتضى ذلك تشكلت هيئة رقابة إنكليزية يرأسها وزير الداخلية المصري بالاسم، في حين أن تكوينها لا يدع مجالا لشك عن موضع الأمر فيها: 

الليوتنات كولونيل و. ويلسون مساعدا للرقيب العام. 

المستر ج. ه. دولامار رقيبا عاما على البريد. 

المستر ر. ب. فيرنس رقيبا عاما على المطبوعات. 

إلى جانب ذلك تشكلت مكاتب فرعية للرقابة في الموانئ والمطارات المصرية: 

في القاهرة المستر س. غولدنغ. 

في الإسكندرية المستر ج. ف. موس. 

في بورسعيد المستر ج. ث. ماكغوبين. 

في السويس المستر ف. شفرويت). 

وبصرف النظر عن إعلان حالة الطوارئ وما يترتب عليها، فإن الملك “فاروق” ظل مترددا بسند وتشجيع من رجال أحاطوا بالقصر وقتها، وأولهم “علي ماهر” (باشا) الذي كان رئيسا للوزراء عندما قامت الحرب. 

وضمن هذا التردد الملكي فإن وزارة “علي ماهر” (باشا) أعلنت ما سُمي وقتها، سياسة “تجنيب مصر ويلات الحرب”، ومؤدى هذه السياسة أن مصر تنفذ المطلوب منها بنصوص معاهدة سنة 1936 (وذلك تحقق بإعلان حالة الطوارئ) لكنها تحتفظ لنفسها بمسافة من ميادين القتال. 

وكان الشيخ “محمد مصطفى المراغي” (شيخ الأزهر) قد عزز ذلك بشعار أطلقه يقول بأن ذلك الصراع في أوروبا “حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل”. 

ومع أن تلك بدت تعبيرات عن سياسة “تعاند الإنكليز” ولا تعارضهم، فإن لندن سكتت عليها؛ لأن هذه السياسة ساعتها كانت أكثر تحقيقا لمصالحها، فهي تتيح استعمال مرافق مصر لصالح المجهود الحربي (وفق معاهدة سنة 1936). وفي نفس الوقت فإن عدم المشاركة في ميادين القتال بمنطق “تجنيب مصر ويلات الحرب”، يفرض على الطليان والألمان نوعا من الحذر في نشاطهم الحربي ضد الأراضي المصرية حتى لا تتحول المشاعر والمواقف من نصف تبعية إلى تبعية بالكامل للاستراتيجية البريطانية! 

وفي هذه الأجواء بقيت الأمور في مصر هادئة طوال السنة الأولى من الحرب العالمية إلى درجة أن القائد العام للقوات البريطانية وهو الجنرال (الماريشال) “أرشيبالد ويفل” كان يخرج من بيته وسط حدائق الزهرية في الزمالك بملابس مدنية كل صباح، ويتمشى إلى نادي الجزيرة قاصدا حمام السباحة فيه (الليدو)، ويعوم نصف ساعة ثم يعود فيدخل غرفة الملابس حيث يكون الجاويش المكلف بخدمته الشخصية قد أعد له بذلته العسكرية فيرتديها، ويتجه إلى مائدة على حافة حمام السباحة يتناول إفطاره في نظام لا ينقطع إلا إذا نزل الوحي عليه وكتب شعرا. 

***********

وكان الماريشال الذي فقد إحدى عينيه في الحرب العالمية الأولى، واستعاض عنها ببديل من زجاج شاعرا، وكان أيضا عاشقا، وقد كتب نصف ديوان من الشعر على شكل رسائل غرام لزوجة وزير مصري له شأن في ذلك الوقت. وكانت السيدة جميلة بالفعل، ومع أن في مجموعة أوراقي نصوص قصيدتين مما كتب الماريشال، فلست واثقا من أن السيدة المذكورة بادلته غرامه، والظن أنها تظاهرت بقبول قصائده باعتبار ذلك نوعا من “الواجب الوطني” في زمن الحرب.

وبرغم أن الحكومة البريطانية تقبلت المعاندة التي لقيتها من السلطات في مصر (القصر والحكومة) وفيها “تجنيب مصر ويلات الحرب” وأنها “حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل” بهدوء أعصاب، فإن أجهزة الإمبراطورية وفيها الأمن والمخابرات العسكرية كانت تشك في بعض رجال القصر، وكذلك في عدد من الوزراء، لكن مثل هذا الشك لزم الحذر حتى لا يثير أزمات لا داعي لها. 

وفي ذلك الوقت فإن الشك حاول أن يتحفظ وأن يعبر بهدوء عن هواجسه، ومن ذلك مثلا أن السفارة البريطانية طلبت إخراج “فيروتشي” بك وهو إيطالي كان يعمل مديرا ل”الكاراجات الملكية” على عهد الملك “فؤاد”، ثم جاء الملك “فاروق” وعينه كبيرا لمهندسي القصر، وأبدى السير “مايلز لامبسون” السفير البريطاني، ملاحظة عنه في إحدى مقابلاته مع الملك قائلا: “إن فيروتشي ليس فقط مهندسا فاشلا، وإيطالياً مشكوكاً في ولائه، بل إنه رجل سيئ الخلق، إلى درجة أن اختصاصه الحقيقي في القصر، كان “متعهد تقديم إيطاليات جميلات يبعن الهوى بثمن وليس أكثر”. وسأله الملك “فاروق”: لمن كان يقدم “جميلاته”؟ وابتسم السفير البريطاني ابتسامة لها معنى وسأل الملك: “هل تريدني أن أقول بصراحة؟ من جانبي أفضل أن لا أقول”! لكن “فاروق” لم يسكت وإنما أضاف: “تقصد أن تقول إنه كان يقدم بغايا إيطاليات لوالدي أليس كذلك؟”. وأضاف الملك بهدوء أعصاب أو كذلك بدا: “إن هذا غير صحيح و”سعادتك” تعرف كيف تنتشر الشائعات؟!”. 

وفي دفتر يومياته يسجل السير “مايلز لامبسون” أنه بعد هذا الحوار، طلب كبير الأمناء في البلاط المصري “سعيد ذو الفقار” (باشا) مقابلته ليبلغه “أن الملك يشعر بإهانة من الطريقة التي تحدث بها السفير بالأمس و”بالتصريح” عن “فيروتشي” (بك)، و”بالتلميح” عن الملك “فؤاد”، وكان رد السير “مايلز لامبسون” على كبير الأمناء، نصيحة منه إلى “فاروق” بأن يكبر على هذا المستوى من “لعب العيال”! 

وكان السير “مايلز لامبسون” يراقب ويتابع، وتكشف الوثائق أن واحدا من مصادره في ذلك الوقت كان الأمير “محمد علي” ولي العهد. 

ويكتب “مايلز لامبسون” في أحد تقاريره: ذكر لي الأمير “محمد علي” أن “علي ماهر” (رئيس الوزارة) طلب من “محمد محمود خليل” (رئيس مجلس الشيوخ) إبلاغ السفير الإيطالي الكونت “ماتزوليني”، “أن مصر لن تعلن الحرب على ألمانيا رغم أن ذلك مفروض عليها بالمعاهدة”! 

وفي مرة ثانية نقل “مايلز لامبسون” عن ولي العهد: “أنه ذهب إلى القصر “ينذرهم” بأن عدم دخول الحرب ضد ألمانيا قصر نظر سياسي منهم” وأضاف الأمير: “قلت لهم إن أخي (عباس حلمي) فقد عرشه لأنه تردد في موقف مماثل، ثم إنني كنت الخلف الطبيعي له على العرش، ولولا أن الجنرال “ماكسويل” (القائد العام للقوات البريطانية في مصر) فهم خطأ كلمة قلتها له، وظن أنني أتردد، لكنت أنا الآن سيد قصر عابدين وليس فاروق” أضاف “محمد علي”: “قلت لهم ذلك في وجههم ولم يفهموا لأن فاروق لا يريد أن يتعلم شيئا”! 

ثم بدأ الشك البريطاني يتخلى عن تحفظه عندما وصلت “معركة المصائر” إلى جنوب البحر الأبيض وإلى مصر، وفي المرحلة التي كانت بريطانيا تقف فيها وحدها في ميدان القتال ضد “هتلر”. 

وهنا جاء الطلب البريطاني بخروج “علي ماهر” (باشا) من رئاسة الوزارة في مصر بصيغة الأمر؛ لأن الأوضاع لم تعد تحتمل، وكان خروج “علي ماهر” إثر برقية بتوقيع وزير الخارجية البريطانية “أنتوني إيدن” إلى السفير البريطاني في القاهرة السير “مايلز لامبسون”، نصها أربع كلمات “علي ماهر يجب أن يذهب” (Aly Maher must go). 

وقد طار السير “مايلز لامبسون” من القاهرة إلى الإسكندرية يوم 31 يونيو 1940 ليقابل الملك “فاروق” وينقل إليه الأمر بنفسه موضحا (حسب نص تقريره) “أن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تصبر على وجود رئيس وزراء مصري لا تثق به، ولا يثق به الشعب المصري نفسه لأنه لا يمثله”، وعندما حاول الملك “فاروق” أن يتذرع باستقلال مصر، رد عليه “لامبسون” بقوله: “أرجوك لا تلعب بالنار، وأن تحاول بدلا من ذلك إجراء مشاورات تجيء بحكومة تمثل الأغلبية في مصر وربما “رأيت” جلالتك أن يكون “النحاس” (باشا) ضمن من تتشاور معهم”! 

وكتب السير “مايلز لامبسون” تلك الليلة إلى وزارة الخارجية في لندن ليقول: “إنني لم أطلب ما هو أكثر ولم أحاول أن أصر مثلا على أن تدخل مصر الحرب رسميا، لأني لا أرى من ذلك كسبا يتحقق لنا”. 

ولم يقاوم الملك “فاروق” كثيرا في إخراج “علي ماهر” بل إنه بناءً على نصيحة رئيس ديوانه “أحمد حسنين” (باشا) جاء إلى رئاسة الوزراء بصديق للإنكليز هو “حسن صبري” (باشا)، لكن الرجل لم يقض في رئاسة الوزارة غير بضعة أشهر، ثم فاجأته نوبة قلبية قضت عليه واقفا أمام الملك “فاروق” يلقي خطاب العرش في قاعة مجلس النواب في البرلمان المصري، ومرة أخرى اختار الملك لرئاسة الوزارة صديقا آخر للإنكليز هو “حسين سري” (باشا). 

***********

ولم يكن هؤلاء الرجال من أمثال “حسن صبري” و”حسين سري” عملاء للإنكليز، وإنما ساسة يعتقدون بضرورة التفاهم مع بريطانيا لبلوغ المطالب المصرية لأن ذلك أسلم من مواجهة غير متكافئة معها، في زمن حرب لا تستطيع مصر أن تؤثر في مجراها، وعلى فرض أنها كانت تستطيع، فقد كان رأي هؤلاء الساسة أن “الشيطان البريطاني” الذي يعرفونه أفضل من “الشيطان الإيطالي أو الألماني” الذي يدخل بلدهم بقوة السلاح في حرب عالمية.

وفي بداية 1941 (يوم 20 فبراير) وقع حادث لافت للنظر، فقد تم التحفظ في فلسطين على دبلوماسي روماني بدرجة وزير مفوض اسمه “أولغار ناناسيسكو”، وكان قادما من تركيا عبر سوريا يحمل ثلاث حقائب، والظاهر أنه كانت لدى السلطات البريطانية معلومات دعتها إلى مخالفة الأعراف الدولية، فأمرت بتوقيف الدبلوماسي الروماني وفتح حقائبه للتفتيش، وإذا هي تحتوي على أجهزة استقبال وإرسال لاسلكية برسم التسليم إلى قنصلية رومانيا في الإسكندرية. وكانت ضمن المضبوطات أوراق تحتوي على تعليمات بموجات اتصال يومي منظم على ترددات لاسلكية محددة، كما كان هناك كشف بعدد من الأسئلة تطلب معلومات تفصيلية عن أوضاع الأسطول البريطاني في ميناء الإسكندرية. والأهم أن تلك المضبوطات من الأوراق كانت فيها نسخة من الخطة العسكرية للقوات البريطانية في الشرق الأوسط. 

وكان ذلك نذير خطر مضاعف، فقد تبدى لهذه العملية معنى يتجاوز الواقعة وتفاصيلها، مؤداه أن الخطر على الأمن في مصر لم يعد “ألمانيا” أو “إيطاليا” ولم يعد طرفا معينا يمكن تحديده وترصده، وإنما الخطر اتسع نطاقه بسيطرة “هتلر” على أوروبا وبما نتيجته أن أي أوروبي هو جاسوس محتمل متنكر والدليل أنه في هذه الواقعة دبلوماسي روماني. 

وتلقى السفير البريطاني في القاهرة (وزارة الخارجية البريطانية 371/ تحت رقم 149) تعليمات بأن يتصل برئيس الوزراء “حسين سري” (باشا)، ويطلب منه إغلاق القنصلية الرومانية في الإسكندرية، وترحيل العاملين فيها، “مع امتنان الحكومة البريطانية إذا شمل الإجراء أيضا إبلاغ الوزير المفوض الروماني في القاهرة “أنه شخص غير مرغوب فيه”. 

وكتب السفير البريطاني في القاهرة بتاريخ 5 مارس (ملف وزارة الخارجية البريطانية 371/ تحت رقم 552) يقول: “تأخرت في مقابلة رئيس الوزراء لأنه كان في جولة يطوف خلالها ببعض المحافظات. وعندما لقيته اليوم سلمته مذكرة بطلباتكم. ونظر إليَّ “سري” (باشا) باستغراب وسألني: “هل أنتم في حرب مع رومانيا؟”، وعندما أجبته بالنفي قال لى: “إذن فأنا غير مستعد لإجابة طلباتكم”، ثم أضاف “إن مصر ليست مستعمرة وهي على غير استعداد لأن تطيع السياسة البريطانية طاعة عمياء”، وقمت بلفت نظره إلى أن لندن “لن تكون مسرورة بما سوف أنقله لها مما أسمعه منه”، ولم يغير “سري” (باشا) موقفه وإن حاول تلطيفه بقوله: “إنه لو كان الدبلوماسي الروماني قبض عليه في مصر لاختلف الأمر، لكن القبض عليه وقع في فلسطين، “وإضافة إلى ذلك فإن الرجل ليس مستشارا للسفارة الرومانية في القاهرة”، وفهمت أن “سري” (باشا) كان يعرف أن “ناناسيسكو” بدأ سفره إلى مصر من تركيا، وأنه هناك قابل السفير الألماني “فون بابن”، ومع ذلك فإن معرفته تلك لم تغير رأيه. واقتراحي إليكم أن تفوضوني إبلاغه بخيبة أملكم في تعاونه معنا لأن دراستي لشخصية “حسين سري” أكدت لي أنه لا يتحرك إلا بالضغط الشديد عليه”. 

ولم تمض أيام قليلة حتى أبرقت وزارة الحربية في لندن إلى الملحق العسكري البريطاني (وثيقة 45/ 418/ 16) تلفت نظره إلى أن القنصلية اليابانية في الإسكندرية تقوم بنشاط مشبوه في متابعة دخول وخروج وحدات الأسطول البريطاني من ميناء الإسكندرية. 

ثم كتبت وزارة الحربية (المخابرات العسكرية) (وثيقة ج.ه 517) إلى وزارة الخارجية تقول لها: “يبدو أنه سوف يكون عليكم اتخاذ إجراءات قوية مع الحكومة المصرية حتى تفعل شيئا حاسما لوقف نشاط معاد تقوم به بعض القنصليات الأجنبية في مصر. إننا سمعنا علاوة على ذلك من مصادرنا في أوروبا أن عددا من الممثلين المصريين يرون أن الظرف مناسب لكي تمارس بلادهم نوعا من الاستقلال “المزعوم” يجعلها نائية بمسافة معقولة عنا، وذهب بعضهم أكثر ليوحي لحكومته “بأنهم الآن يستطيعون استغلال الظرف الحرج بالنسبة لنا، حتى يحصلوا على تنازلات منا، وتقديرهم أن مأزقنا الراهن فرصتهم المتاحة”. 

وتظهر في وثائق كسر الشفرات الشهيرة التي كان مقرها قصر “بلتشلي”، في ريف “ووريكشير”، والتي كانت تستعمل جهاز “أولترا” الأسطوري لفتح أسرار “الأعداء”، حتى إن “ونستون تشرشل” رئيس وزراء بريطانيا كان يسميها (magic السحر) مجموعة من الإشارات تومئ إلى ما يبدو أنها “قنوات اتصال” بين القصر الملكي في القاهرة وبين دول المحور (ألمانيا إيطاليا)، ثم إن بعض هذه القنوات كان “فاعلا” وبعضها الآخر خاملا. 

ويظهر في الإشارات أنه كانت هناك مبكرا قناة اتصال في روما قام عليها الوزير المصري المفوض “مراد سيد أحمد” (باشا)، بتوجيه من القصر كلفه ب”أن يجس نوايا “إيطاليا” عن “تصوراتهم” في شأن “التعامل” مع مصر”. وكان الرد مقتضبا ومنسوبا إلى الكونت “شيانو” وزير الخارجية (وهو في نفس الوقت متزوج من “إيدا” الابنة الكبرى لزعيم إيطاليا بنيتو موسولينى) مفهومه “أن مصر يصح لها أن تتوقع منا معاملة أفضل مما تلقاه حاليا من الإنكليز”. 

كانت إيطاليا على وشك دخول الحرب مع ألمانيا، وكان الإحساس العام أن مصر في خريطة ما بعد الحرب، وفي حالة انتصار دول المحور داخل منطقة النفوذ الإيطالي، وهكذا فإن القصر الملكي في مصر لم يكن مطمئنا إلى عبارة عامة من الكونت “تشيانو” عن مستقبل مصر من المنظور الإيطالي، وهكذا طلب من الوزير المفوض “مراد سيد أحمد” (باشا) أن يحصل على معلومات أكثر تفصيلا. ويبدو أن مسؤولا في وزارة الخارجية ألمح أمامه “لماذا تصرون على تعهدات منا بمعاملة أفضل، دون أن تفعلوا شيئا يثبت استحقاقكم لذلك؟!”. 

وفي ما يبدو فإن هذه الرسالة من روما هي ما جعل بعض “الإيطاليين” في القصر يوحون إلى الملك “فاروق” ب: “أن أذكى ما يستطيع أن يفعله لمستقبل بلاده أن يهرب بطائرة إلى إيطاليا فور دخولها الحرب، ثم يعود بعد ذلك إلى القاهرة مع قواتها المنتصرة الزاحفة من ليبيا”. 

***********

وظهرت احتمالات هروب الملك في الشهادات المروية المصرية، وفي الوثائق البريطانية قصة مثيرة. 

ففي رواية “حسن يوسف” (باشا) أن “فيروتشي” كبير مهندسي القصر (وهو إيطالي)، كان الوسيط الذي نقل للملك “فاروق” اقتراح الهرب بطائرة عبر البحر إلى إيطاليا (مطار برنديزي العسكري) أو إلى ليبيا (مطار طبرق العسكري) و(ليبيا وقتها مستعمرة إيطالية). 

وعاش الملك “فاروق” مع الفكرة أياما يبحث فيها ويقلب، فقد رأى أمامه ملوك الدانمرك والنروج وهولندا ينتظرون جامدين (محسوبين على الحلفاء وإن لم يريدوا) حتى أطبقت عليهم القوات الألمانية وحولتهم إلى أسرى في قصورهم، أو لاجئين خارج أوطانهم. وخطر له كما زين فيروتشي وآخرون أنه إذا هجر معسكر المهزومين وهم على كل حال أعداؤه باحتلالهم لوطنه ثم قصد إلى معسكر المنتصرين، وهم في هذه الظروف قبل الحسم العسكري سوف يقدرون جميله إذن ففي مقدوره تأمين مستقبل البلد ومستقبل العرش باتفاق مبكر يجعله شريكا في النصر. 

لكن الملك لم يكن يريد أن يهرب وحده، وإنما كان يفكر في أسرته أيضا. ويرجح “حسن يوسف” (باشا) أن الملك لم يتشاور في شاغله الكبير مع أحد غير والدته وهمسا. ولم تكن الملكة “نازلي” متحمسة بمشاعرها، لكنها بعد ساعات عادت متحدثة بعقلها، ولديها عدد من الحجج، (يظن “حسن يوسف” (باشا) أن مصدرها كان “أحمد محمد حسنين” (باشا) الأمين الأول للملك، الذي انتقل أيامها إلى رئاسة الديوان). وكانت حجج الملكة “نازلي” أمام ابنها بما مؤداه أن الأفضل أن يظل “بقيمته” في بلده وينتظر التطورات ويتعامل معها من موقعه، وكما يتبدى له في ظروف جديدة. ورأيها أيضا أنه إذا دخل الطليان والألمان إلى مصر فإنهم سوف يكونون في حاجة إلى تعاونه معهم أكثر من حاجته هو إلى تعاونهم معه. ثم إنه إذا خرج الآن فقد يقدم الإنكليز على إعلان خلو العرش ويجدون من أسرته، (خصوصا ولي عهده الأمير “محمد علي توفيق”) من يقبل الجلوس مكانه، وهو أول من يعرف “أنهم” مازالوا حتى الآن يعتقدون أن فرع الملك “فؤاد” اغتصب التاج من فرع “عباس حلمي”. وإذا حدث وهرب “فاروق” ثم دخل الطليان والألمان إلى البلد، فليس هناك من يضمن أنهم لن يتعاملوا مع الرجل الذي يجلس على العرش، بدلا من الرجل الذي هرب إليهم، مع ملاحظة أن علاقته بهم سوف تسوء لأنهم لن يعطوه مسبقا أو لاحقا شيئا مما يطلبه للبلد، وبالتالي “لن ينوبه غير الكسوف”. وكان واضحا أن هذه الحجج تتخطى الإدراك السياسي للملكة الأم، ولذلك تبدى كلامها درسا مستجدا لقنها إياه “كاردينال” القصر، وصاحب النفوذ الرمادي فيه “أحمد محمد حسنين” (باشا) وقد أضافت الملكة “نازلي” بعد ذلك وهي تشرح لابنها ملاحظة من عندها على الأرجح هي قولها “إنها لا تريد للعائلة المالكة في مصر أن تفعل ما تفعله أي فلاحة في الريف ترفع جلبابها كي تغطي رأسها، وهي حين تفعل ذلك تكشف ساقيها وربما أكثر”! 

(وقد سمعت بنفسي هذا التعبير بدون مساحيق! ومن الملكة “نازلي” وبصوتها على التليفون في مكالمة من فندق “هاسلر” في روما حيث كنت إلى فندق “فيرمون” في سان فرانسيسكو حيث كانت الملكة “نازلي” في شهر مايو 1950 وتلك قصة طويلة أخرى لها دورها في مكانها!). 

تلك هي الناحية المصرية من حكاية هروب الملك “فاروق” وسط الحرب إلى إيطاليا.

***********

وأما على الناحية الأخرى فإن الوثائق البريطانية (الدبلوماسية والعسكرية) تحتوي على تفاصيل محددة عن قصة هروب الملك إلى إيطاليا أو إلى ليبيا. وفي اجتماع لجنة الحرب في القاهرة (وفق تقرير لامبسون بتاريخ 25 يونية 1940)، فإن المسألة نوقشت وحدثت أثناء المناقشة شبه مشادة بين القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط الماريشال “أرشيبالد ويفل” وبين السفير البريطاني في مصر “مايلز لامبسون”، وبدأت المناقشة وفقا لمحضر لجنة الحرب، حين طلب السير “مايلز لامبسون” تشديد كل إجراءات الرقابة على المطارات المصرية وفي الأجواء لمنع طائرة الملك من الخروج. وتَدَخَّل الجنرال “ويفل” بقوله: “لماذا لا تتركه يهرب”، واستطرد: “أنتم لا تثقون به، وهو يبادلكم المشاعر، وأنتم لا تستطيعون عزله الآن على الأقل وكذلك فإن هروبه قد يكون حلا مرضيا لكل الأطراف”. ورد السفير: ان “تلك تعليمات لندن!”. 

وواصل “ويفل”: “لماذا لا تراجعهم في لندن برأينا، فقد يغيرون تعليماتهم؟”. ورد “لامبسون”: “إنني على استعداد لأن أبعث إلى الخارجية بوجهة نظرك مقابل وجهة نظري لاقتناعي بتعليماتهم كما تلقيتها، بأنه لا ينبغي السماح لفاروق بالهروب، وإلا أعطينا المحور فرصة دعائية ضدنا وسط العرب والمسلمين، وتراجع “ويفل” قائلا إنه “لا داعي لأن نحتكم إلى لندن، لقد عرضت وجهة نظري في المناقشة، وإذا كانت تعليمات الخارجية ووجهة نظر السفارة هنا على خلاف مع وجهة نظري، فإن الموضوع منتهٍ بالنسبة لي لأنه بالدرجة الأولى سياسي”. 

ويظهر في الإشارات بعد ذلك ما يدل على أن الوزير المفوض المصري في “برن” (سويسرا) عبد الفتاح عسل (بك) طُلب منه القيام باتصال مع السفارة الألمانية هناك، وكانت هذه السفارة مركزا متقدما في عاصمة الحياد العالمي (سويسرا) تشرف على شبكات واسعة من العلاقات. وقد رأى “عبد الفتاح عسل” أن يجس النبض أولا، فاتصل بالسفير الهنغاري في “برن” الكونت “فون ويتين” وكان صديقا حميما للسفير الألماني في العاصمة السويسرية لكن هذه الاتصالات لم تصل إلى نتيجة تعكسها الوثائق. 

وتظهر الإشارات بعد ذلك أن هناك قناة اتصال فتحت عن طريق أحد معارف الملك من أمراء آل عثمان السابقين واسمه في هذه الإشارات الأمير “عمر”، وكانت هذه الاتصالات مباشرة في اسطنبول مع السفير الألماني في تركيا “فون بابن”. 

وترد في الوثائق برقية من السير “هيوكنتشبول” سفير بريطانيا في تركيا، وفيها يقول: “انه علم أن الأمير “عمر” سأل “فون بابن” (باسم ملك مصر) عن نوايا دول المحور تجاه مصر في حالة تقدم جيوش هذه الدول في أراضيها واحتلالها. كما أنه عرض استعداد الملك “فاروق” لأنواع من التعاون إذا حصل على وعد بضمان استقلال مصر بعد الحرب!” 

ثم اتضح أن هذه القناة توقفت بناءً على نصيحة من “فون بابن” السفير الألماني، وتكشف في ما بعد أن “الألمان” حصلوا على كل أسرار السفير البريطاني من قبل أن يتوصل لها خبراء كسر الشفرة في أنقرة، بواسطة رئيس خدم السفارة الذي كان يقدم لسيده مخدرا في شرابه كل ليلة، ويسرق مفاتيح خزانته ويصور وثائقه، وكانت نصيحة “فون بابن” بإيحاء من برلين أن تنتقل الاتصالات إلى طهران. فعيون بريطانيا “مفتوحة أكثر من اللازم” هنا وأما هناك فإن نشاط الإنكليز مقيد لأن “رضا خان” شاه إيران وقتها يكره الإنكليز ويشك في نواياهم. ثم إن طهران مكان مناسب أكثر لاتصالات يجريها ملك مصر لأن صهره (والد “محمد” زوج فوزية أخت فاروق) يستطيع أن يصون ويحمي. 

وهنا أصبحت طهران مورد ومصدر إشارات حساسة، خصوصا وقد رتب لها الملك “فاروق” وبعث “يوسف ذو الفقار” (باشا) والد زوجته الملكة “فريدة” وزيرا مفوضا في العاصمة الإيرانية. 

وكان أشد ما أثار قلق المخابرات البريطانية أن “الألمان” طلبوا معلومات من ملك مصر إثباتا لحسن نيته، وضمنها سؤال عن الخطط البريطانية للدفاع عن دلتا النيل، بما في ذلك احتمال نسف القناطر الخيرية لإغراق شمال مصر وعرقلة تقدم المدرعات وجرارات المدافع الثقيلة الألمانية وعبورها من الصحراء الغربية إلى قناة السويس. 

ولم يكن هذا الطلب بالذات موجودا في أي “إشارة” لأن “يوسف ذو الفقار” (باشا) انتهز فرصة زيارة أحد أقاربه لطهران (السيد سمير ذو الفقار وقرينته السيدة زينات ذو الفقار)، وسلمه رسالة شفوية أملى عليه نقاطها الرئيسية، وفي طريق عودة هذا “القريب” من طهران إلى القاهرة مرورا بالقدس، تمكنت المخابرات البريطانية من تفتيش أوراقه. 

وكانت تلك كلها “قرائن” لا تستطيع الحكومة البريطانية أن تتجاهلها، وعلق السير “ويليام سترانغ” الوكيل الدائم لوزارة الخارجية على تقرير من طهران بما نصه: “هذه أوضاع لابد أن نتصدى لها بقوة في القاهرة”. 

وفجأة طرأت مضاعفات، ذلك أن القوات البريطانية التي تحارب في الصحراء الغربية (في أراضي مصر وأراضي ليبيا) تمكنت من أسر ضابط إيطالي كبير يتولى قيادة فرقة ميكانيكية تقدمت داخل الحدود المصرية، واسمه الجنرال “بيسكا توري”، وروى رئيس البعثة العسكرية البريطانية في مصر الجنرال “ستون” في تقرير له أنه عندما حكى للملك “فاروق” أن الجنرال “بيسكا توري” حين وقع في الأسر، كانت وراءه قافلة سيارات تحمل إحداها أربع جميلات إيطاليات فإن تعليق ملك مصر لم يزد على اقتراح قاله وهو يضحك: “إن العدل بين مصر (التي تجري المعارك على أرضها)، وبين القوات البريطانية (التي تقاتل في هذه المعارك) يفرض تقسيم الغنيمة، “الجنرال لكم والبنات لنا”. ولم يكن الملك مدركا للجانب الأخطر في أسر الجنرال الإيطالي، ذلك أن تفتيش سيارة “بيسكا توري” أدى للعثور فيها على وثائق لها حساسية خاصة؛ ضمنها صورة بالنص لخطة بريطانية وضعت للدفاع عن منطقة “سيوة”، والقوس الواصل بينها وبين “طبرق”، وتلك هي النقطة الأضعف في الدفاعات البريطانية؛ لأنها النقطة التي يمكن منها تطويق الجبهة الشمالية الساحلية، كما أنها النقطة التي يمكن منها الوصول إلى عمق الصعيد المصري، وفصل الشمال وفيه دلتا النيل عن الجنوب من أسوان إلى بعيد في السودان. 

وكان وضع هذه الخطة البريطانية قد اقتضى تعاونا مع “وزارة الدفاع الوطني” المصرية بحكم استعدادات مطلوبة بين سيوة والصعيد يحتاج تنفيذها إلى تعاون السلطات المصرية المختصة. وفي ذلك الوقت كان “علي ماهر” (باشا) ما زال في رئاسة الوزارة، ووزير الدفاع الوطني معه “صالح حرب” (باشا)، ورئيس الأركان “عزيز علي المصري” (باشا)، والإنذار الأحمر بالخطر أن الثلاثة من المصنفين رجالا للقصر الملكي. 

وبعد تحقيق في القضية تولاه الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” تبين للسلطات البريطانية أن أوراق الخطة التي عثر عليها في سيارة الجنرال “بيسكا توري” هي صورة تسلمها وزير الدفاع الوطني المصري بيده من القائد العام للقوات البريطانية في مصر أثناء التنسيق بين الطرفين لتأكيد خطة الدفاع عن قوس سيوة طبرق. وقد تعهد الوزير “صالح حرب” (باشا) بأن هذه الخطة سوف تحفظ في خزينته ريثما يتم تنفيذ ما يلزمها من مهام وإجراءات، لكنه تبين من تحقيق الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” أن “صالح حرب” (باشا) أمر بنسخ مجموعة صور للخطة: نسخة أرسلها إلى رئيس الوزراء (علي ماهر)، ونسخة لرئيس الأركان (عزيز المصري)، ثم إن نسخة رئيس الوزراء (علي ماهر) أرسلت صورة منها إلى القصر الملكي لعلم الملك “فاروق” (وكان ذلك طبيعيا وضروريا). 

وكتب الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” تقريره السري عن نتيجة التحقيق، وأشار إلى أنه لم يستطع التوصل إلى نتيجة قاطعة؛ لأن المسؤولين المصريين الذين سألهم عمدوا إلى توجيه الاتهام نحو موظف محفوظات في وزارة الحربية المصرية (قُبض عليه فعلا)، ثم عادت السلطات المصرية للتلميح باحتمال أن تكون نسخة من الخطة قد سُرقت من جهة بريطانية وصلت إليها الأوراق بحكم اختصاصها”. 

ولم تكن القيادة البريطانية مستعدة لقبول هذه التفسيرات وسندها اعتباران: 

أولهما: أن الخطة عليها تعديل تم بناءً على طلب “عزيز المصري” (باشا)، وذلك التعديل مرصود على الخريطة التي عثر عليها ضمن أوراق الجنرال “بيسكا توري”. 

وثانيهما: أن وزير الدفاع الوطني المصري “صالح حرب” (باشا) ذكر للجنرال “ميتلاند ويلسون” في البداية أنه لم يرسل نسخة من الخطة إلى أي جهة خارج وزارته، لكنه عاد بعد ذلك وغير أقواله فإذا النسخ التي جرى توزيعها كثيرة ومتناثرة. 

ويلفت النظر خلال التحقيق الذي أجراه الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” أن السؤال المضمر وراء كل علامة استفهام كان: “هل للملك فاروق دور في الموضوع؟”، وكان أشد ما ضايق السلطات البريطانية في تطور التحقيق أنه عندما طرح السؤال الحرج على استحياء أن القصر الملكي رد بطلب إجراء تحقيق قانوني عن “تسرب خطة الدفاع عن سيوة”، عُهد به إلى النائب العام المصري “عبد الرحمن الطوير” (باشا). 

وكان ذلك آخر ما تريده السلطات البريطانية التي هالها أن يكون هناك تحقيق يجريه النائب العام المصري وتكون تلك أسرع وسيلة لإذاعة أسرارها (مع ملاحظة أن الخطة الأصلية تم تغييرها قبل نشوب القتال). 

وزادت في تلك الأوقات واقعة أكثر إزعاجا، ذلك أن “عزيز المصري” (باشا) الذي خرج من منصبه مع إخراج وزارة “علي ماهر” (باشا) قام بمغامرة بالغة الغرابة، ذلك أنه بمساعدة اثنين من الطيارين (منهم حسين ذو الفقار صبري) خطفوا طائرة عسكرية مصرية، وانطلقوا بها فجرا من مطار ألماظة، لكن الطائرة سقطت بعد قليل من إقلاعها، ووجهت إلى الخاطفين الثلاثة تهمة الخيانة. وعندما بدأ التحقيق مع “عزيز المصري” (باشا) كان دفاعه أنه “قام بما قام به بتكليف من المخابرات البريطانية، حمله إليه ضابط برتبة بريغادير (لا يتذكر اسمه بالكامل) أبلغه وأثبت له أنه مكلف من القيادة العسكرية البريطانية” برسالة مقتضاها أن يطير “عزيز” سرًا إلى بغداد ويقنع رئيس الحكومة الانقلابية التي قامت بها وهو “رشيد عالي الكيلاني” بأن الأفضل له ولضباطه أن يحتفظوا بولاء العراق التقليدي لبريطانيا، وأن لا يلتفتوا إلى محاولات ألمانية تشدهم ناحية المحور”. 

وحين نقل رئيس الوزراء “حسين سري” (باشا) هذه الرواية من تفاصيل التحقيق مع “عزيز المصري” إلى السفير البريطاني “مايلز لامبسون”، فقد السفير أعصابه وخبط على المكتب يقول: “إن ذلك كلام لا يصدقه عقل، وإن صاحبه إما مجنون أو أنه يعتقد أن الآخرين مجانين”! 

ومرة ثانية تساءل “مايلز لامبسون” موجها كلامه لرئيس الوزراء: “أليس من حقي الشك في أن هذه القصة الملفقة ستار لآخرين وراءها، وأنكم تحاولون تغطية “شيء ما” بتمويه التحقيق مع “عزيز المصري”؟!”. 

ويمكن القول إن شبح الدبابات البريطانية المتجهة لحصار قصر عابدين “وردع الملك فاروق” بدا في الواقع كرد فعل على رسالة “تأنيب” تلقاها السفير البريطاني السير “مايلز لامبسون” من السير “ألكسندر كادوغان” الوكيل الأول بوزارة الخارجية، وهو القائم على التنسيق بين الدبلوماسية والسياسة، أي بين وزارة الخارجية ورئاسة الوزارة، وفي هذه الرسالة يقول السير “ألكسندر كادوغان” موجها كلامه للسير “مايلز لامبسون” بما نصه: “إنني مندهش أنك مسؤول عن مصر من سبع سنوات، ومع ذلك نرى في مصر ما نراه الآن، وهو ما يعني أن قبضة بريطانيا غير محكمة في أمر يتصل بمصالحها الحيوية وأمنها في الشرق الأوسط ومجهودها الحربي جنوب البحر الأبيض”. 

ثم يضيف “كادوغان” “إن بعض ما يجري في مصر بلغ درجة الخيانة، ومع ذلك فإن حزمنا يبدو رخوا”. 

ومعنى ذلك أنه حين قدم السير “مايلز لامبسون” إنذاره إلى الملك “فاروق” يوم 4 فبراير، فإن الرجل إلى جانب أسباب موضوعية كان يدافع عن كرامته وسمعته ومستقبله. 

وقد اقتنع “لامبسون” وشاركته لندن بأن هذه “الألعاب الملكية” زادت خطورتها، وأن عودة حكومة وفدية إلى السلطة زادت أهميتها كضرورة لضبط الأمور عن طريق “حزب” يمثل “شرعية الأغلبية” في مصر على الأقل، ويكون جاهزا لحفظ المصالح البريطانية: العسكرية والسياسية. 

وكان ذلك هو الطريق البريطاني إلى قصر عابدين مساء يوم 4 فبراير وبالدبابات! 

الطريق الملكي إلى 4 فبراير وبعده 

كان الملك “فاروق” حين اعتلى عرش مصر سنة 1937، صبيا جميلا، مشرقا كالصباح الندي. وبعد غياب الملك “فؤاد” بملامحه العابسة، وشاربه المعقوف، وإصراره العنيد على فرض إرادته فوق الشعب وضد الدستور فإن ابنه ظهر أمام الشعب المصري شابا مهيأ لملاقاة تغييرات ضرورية جاء وقتها وطال انتظارها. 

وبدا الأفق أمام الملك الجديد واسعا غير محدود: 

أولا: لأن العلاقات المصرية البريطانية (وهي مفتاح الاستقرار في مصر أيامها)، أمكن ترتيبها على نحو معقول بمعاهدة سنة 1936، التي وقعها “مصطفى النحاس” (باشا) زعيم الوفد، وممثل الأغلبية وقتها بغير جدال. وبمقتضي هذه المعاهدة فإن القوات العسكرية البريطانية سوف تنسحب من المدن الرئيسية وتبتعد بالذات عن العاصمة! إلى قواعد في منطقة قناة السويس، وذلك يعطي للبلد “شكل دولة مستقلة”. وكان هناك تصور عام بأن استمرار الوجود الإنكليزي في العاصمة المصرية إهانة يومية، لأن الثكنات العسكرية البريطانية وعليها ساريات الأعلام العالية قائمة وسط القاهرة في (ميدان الإسماعيلية (التحرير) وميدان محطة السكك الحديدية) وعلى أطرافها (من ضاحية حلوان إلى العباسية وحتى المرج)، كما أنه في الإسكندرية كانت قوات الاحتلال البريطاني معسكرات متصلة (من رأس التين إلى مصطفى باشا إلى المعمورة). 

ويبدو أن التشوق إلى الاستقلال هيأ لكثيرين أن تخبئة الوجود العسكري البريطاني في منطقة القناة تكفي للتظاهر والادعاء بالتحرر. 

(وفي ما بعد عندما نشبت الحرب العالمية قبل أن يتم إعداد منطقة القناة وطرق المعاهدة إليها، فإن الانسحاب البريطاني في المدن الكبرى في مصر تعطل، بل وأصبح الوجود العسكري الأجنبي أثقل عما كان في أي وقت). 

وثانيا: لأن علاقة القصر بالسفارة البريطانية (وهي معقل القوة الحقيقية) أصبحت قابلة للاستقرار، لأن بريطانيا بعد توقيع معاهدة سنة 1936 أصبحت مستعدة لفتح صفحة جديدة من التعاون انتظارا لجو دولي مضطرب، (أخطر ما فيه أن إيطاليا تحت زعامة “موسوليني” تفتحت شهيتها لحيازة المستعمرات، فقامت بغزو الحبشة الملاصقة للسودان (جنوب مصر)، كما عززت قبضتها على ليبيا (غرب مصر)، وكأنه بعث جديد للإمبراطورية الرومانية، وعلا صوت الدعوة إلى هذا البعث الجديد عندما راح “موسوليني” يتحدث عن “بحرنا” (يقصد البحر الأبيض المتوسط). 

ومع أن السياسة البريطانية لعبت باستمرار واستفادت طوال الوقت من التنافس بين قوة الوفد في الشارع، وقوة القصر فوق الهرم الرسمي للسلطة، فإن السفارة البريطانية لم تكن متلهفة في الأوضاع الجديدة إلى لعبة “فرّقْ تَسُدْ” التقليدية، بسبب الصعود السريع ل”هتلر” في أوروبا وعلاقته الوثيقة مع الدوتشي (الزعيم الإيطالي) “بنيتو موسوليني” وهو ما جعل هذه اللعبة خطرة في ظرف مضطرب! 

والواقع أن السفارة ذلك الوقت كانت على استعداد لأن تتقبل من القصر أكثر مما تتقبل من الوفد، وتقديرها، (كما هو واضح في الوثائق) أن الوفد “أدى مهمته” ووقع معاهدة سنة 1936 واختفى. وفي القصر الآن ملك جديد له حصانته الدستورية، في حين أن الوفد قوة (شعبية!) يمكن إبعادها بسطور يوقعها الملك، الذي يظل قوة (حاضرة) لا يزيحها غير السلاح، إذا كانت بريطانيا على استعداد لاستعماله في مصر. 

ومن ناحية أخرى، فقد بدا أن الميزان في الشارع يميل لصالح الملك الشاب الذي أسر عواطف شعبه، فيما بدا “النحاس” (باشا) في مواجهته رجلا ينتمي إلى زمن مضى! 

وثالثا: لأن النخب المثقفة في مصر تحلقت ملتفة حول القصر، وكانت هذه النخب منذ لحظة طلب الاستقلال الأولى ضمن صفوف الوفد لكنها هاجرت منه موجة بعد موجة إزاء ما اعتبرته ديكتاتورية تهييج تعمدها الوفد لتحويل جماهير الشعب “إلى عبادة فرد بدعوى الوطنية”. 

فالنخب التي قادها رجال من أمثال “عدلي يكن” و”عبد الخالق ثروت” جرى وصفهم على ألسنة زعماء الوفد بأنهم “برادع الإنكليز”. وعندما حاول هؤلاء أن يفاوضوا للحصول على الاستقلال لاحقهم شعار أن “جورج الخامس يفاوض جورج الخامس”، وتبعه شعار أنه “لو رشح الوفد حجرا لانتخبناه” ثم بلغت “عبادة الفرد” ذروتها حين انطلق شعار “إن الاحتلال على يد سعد، خير من الاستقلال على يد عدلي”. ولم تكن تلك “عبادة الفرد” فقط وإنما كانت حملات تخوين سافرة دخلت إلى الميدان السياسي المصري، وهنا فإن النخب المثقفة (هكذا رأت وتصرفت) راحت تهاجر من الوفد موجة بعد موجة، ومن هذه الموجات المهاجرة نشأ حزب الأحرار الدستوريين (بقيادة محمد محمود باشا)، ونشأ حزب السعديين (بقيادة أحمد ماهر باشا)، كما ظهرت تجمعات مختلفة من المستقلين الذي آثروا أن يمارسوا السياسة من خارج الالتزام الحزبي. 

لكن مشكلة كل هؤلاء الخارجين من الوفد أن سندهم في الشارع (إزاء شعبية الوفد) كان ضئيلا، وبالتالي فإن اعتمادهم على القصر (أو على الإنكليز أحيانا!) كان كبيرا. وذلك وضعهم بين المطرقة والسندان، والمستجد في الظروف الطارئة أن هؤلاء جميعا راحوا يتنفسون بارتياح، لأن القصر أصبح بوجود الملك “فاروق” صورة جذابة ومحبوبة، كما أن الإنكليز تحولوا بمعاهدة سنة 1936 من “قوة احتلال” إلى “صديق وحليف”. 

ورابعا: فقد وجد الملك “فاروق” حول عرشه مجموعة من الرجال الأقوياء، أهمهم في ذلك الوقت “علي ماهر” (باشا) رئيس الديوان الملكي، ثم رئيس الوزراء تحيط به مجموعة من أنصاره بينهم شخصيات لها وزنها في مصر وخارجها مثل “عزيز المصري” (باشا)، و”صالح حرب” (باشا)، و”محمد علي علوبة” (باشا). 

وكان الأزهر بالتقليد ملكيا، وزاد النفوذ الملكي فيه بشخصية رجل على رأسه مثل الشيخ “محمد مصطفى المراغي”، ومعنى ذلك أن المؤسسة الدينية الرسمية، وهي في تلك الأيام صاحبة مرجعية رفيعة في العالم الإسلامي أعطت للملك شهادة “صلاح” استحقها في ما بدا من ذهابه إلى صلاة الجمعة كل أسبوع مؤديا فرضه وراء الإمام الأكبر العتيد. 

وفي نفس الوقت فإن الرجل الأهم في المؤسسة العلمية المصرية كان رجلا نادرا في قيمته الثقافية، حتى لقد اعتبر المعلم الأول في مصر وهو “لطفي السيد” (باشا)، وكان “لطفي السيد” واحدا من قادة النخب المهاجرة من الوفد، لكن قيمة الرجل علميا تجاوزت به نطاق الحزبية (مع الأحرار الدستوريين)، ووضعته على رأس الجامعة، وعلى المقدمة من تيار تنويري متميز. 

ومعنى ذلك أنه كان على القمة في علوم الدين والدنيا في ذلك الوقت من مطلع عصر الملك “فاروق”، رجلان أحدهما وهو الشيخ “المراغي” نافذ على القصر، والثاني وهو “لطفي السيد” نافر من الوفد. 

على أنه برغم الآفاق المفتوحة فإن الفتنة كانت على وشك أن تتحرك، ولم تكن تلك خطيئة أحد، وإنما حكم حقائق تبحث لنفسها عن صيغة مختلفة في واقع متغير أو يبدو متغيرا. 

كانت مصر كعادتها في كل “لحظة وعد” تبحث عن نفسها وهويتها ومستقبلها. 

في لحظة حلم سابقة كان “محمد علي” قد أخذ مصر إلى الشام (ضمن مشروع عثماني يجدد شباب الخلافة في اسطنبول بواحد من رجالها جاء مأمورا منها إلى مصر، وهو الآن يريد العودة إليها آمرا ووراءه مصر) وضاعت “لحظة الوعد” بالنسبة لمحمد علي، لأن الحلم كان أكبر من طاقة مصر التي اعتمد عليها طموحه. 

وفي لحظة خيال لاحقة كان إسماعيل (حفيد محمد علي) قد أخذ مصر إلى أوروبا معتبرا أنها قطعة طارت منها عبر البحر لكن “أوربة مصر” كانت وهما مستحيلا بسبب الحقائق الجغرافية والتاريخية، ولم يكن كافيا للتغطية على هذه الحقائق استقدام مهندس فرنسي مثل “هوسمان” يفتح شارعا وسط القاهرة مثل شارع “محمد علي” يكون بناؤه على طراز شارع “ريفولي” في باريس أو أن تقوم في قلب العاصمة المصرية دار للأوبرا يفتتحها موسيقار إيطالي مثل “فيردي” بأوبرا كتبها خصيصا لحفل الافتتاح مثل أوبرا عايدة! 

وكان الملك “فؤاد” (ابن إسماعيل) قد شهد لحظة “وعد ثالثة” بعد الحرب العالمية الأولى والداعي أن الحرب العالمية الأولى انتهت بسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في اسطنبول، ودفعت إلى خيال الملك “فؤاد” بحلمين لبسا بعضهما: شعبه يطلب الاستقلال، وهو (الملك) يطمح للخلافة (وظنه أنه أجدر بها من رجلين غيره خرجا إلى طلب إرثها هما: “الشريف حسين” أمير مكة، والسلطان “عبد العزيز آل سعود” أمير نجد). 

لكن “لحظة الوعد” في أحلام “فؤاد” ضاعت بدورها لأن قيادة الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال كانت أقرب إلى “باريس” منها إلى “اسطنبول”، كما أن الجيش الذي اعتمد عليه حلم “محمد علي” لبلوغ قصور البوسفور لم يكن جاهزا ليحمل حلم حفيده مترا واحدا وراء سيناء! 

والآن ومع شباب ملك ويقظة شعب يبحث عن نفسه وهويته ومستقبله عاد طيف الخلافة يطرح نفسه أمام مجموعة الرجال الأقوياء المحيطين بالقصر وهم الأقدر على الرؤية الأبعد والأوسع. 

وكانت البدايات مبهمة تحس بالضرورة التاريخية ولا تجد طرحا سياسيا يعبر عنها. 

فالشيخ “محمد مصطفى المراغي” شيخ الأزهر اقترح أن يكون تتويج الملك الشاب ببيعة إسلامية في الأزهر. 

لكن “مصطفى النحاس” (باشا) رئيس الوزراء رفض وأصر على الرفض (وله كامل الحق)، لأن بيعة ملك في الأزهر تأخذ الدولة من الحاضر إلى الماضي، كما أنها تهدر فكرة الدستور والقانون، بادعاء يضفي على الملك سلطة أنه ظل الله على الأرض (وذلك خطأ وخطر!). 

و”علي ماهر” (باشا) راح في نفس الاتجاه ولكن على طريقة عائلة “هابسبورغ” المالكة في “فيينا” (والتي قيل إنها وسعت رقعة ملكها داخل غرف نوم الأمراء والأميرات أي بالمصاهرة بأكثر مما وسعت هذه الرقعة بفتوح جيوشها في ساحات الحرب). وكذلك سعى “علي ماهر” (باشا) إلى مصاهرة ملكية بين أقوى بلدين في الشرق: مصر وإيران، وكان أن خُطبت الأميرة “فوزية” أخت “فاروق” إلى “محمد رضا بهلوي” ابن رضا خان شاه إيران. 

وكانت تلك محاولات تأخذ السياسة المصرية بأسلوبين مختلفين إلى ذات الاتجاه: 

“علي ماهر” يأخذ السياسة المصرية “بالزواج” إلى الشرق (عبر سيناء). 

و”مصطفى المراغي” يأخذ السياسة المصرية “بالبيعة” إلى الشرق (ديار الإسلام). 

والشاهد أن تلك كانت أشواقا مبكرة تعبر عن دواع تشد مصر خارج حدودها نحو محيطها الإنساني والثقافي والأمني. وفي حين أن تلك الأشواق المبكرة لم تكن محددة، فإن الدواعي المحركة لها كانت حقيقية! 

ولم يكن الإنكليز سعداء بمسألة الخلافة، سواء كان التعبير عنها بتتويج ملكي إسلامي في الأزهر، أو بأميرة مصرية على عرش الطاووس في طهران. 

وكذلك لم يكن “النحاس” (باشا) سعيدا بها، لكن أمر “النحاس” (باشا) في تلك الفترة كان مما يمكن مواجهته، وبالفعل فإن الملك “فاروق” لم يلبث أن أقال وزارته (آخر ديسمبر 1937)، بناءً على نصيحة رئيس ديوانه “علي ماهر” (باشا)، وبرغم نصيحة أمه الملكة “نازلي” وهي أيامها صاحبة تأثير طاغٍ عليه (كما قالت لي بنفسها، وكررت أنها حذرت ابنها من “تقليد أبيه” في عداء الوفد، لأن ذلك سوف يضعه عاجلا أو آجلا ضد شعور الناس!). 

على أن الإنكليز وجدوا وسيلة أخرى لمقاومة فكرة الخلافة، وذلك بأن تظهر المعارضة للفكرة من داخل أسرة “محمد علي” ذاتها! 

وتحفل الوثائق البريطانية في تلك الفترة بمسألة الخلافة، وعلى سبيل المثال فإن الوثيقة (رقم 459 ملف 58/6/338) وهي تقرير من السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزير الخارجية البريطاني يقول متوجها بالخطاب إلى اللورد “هاليفاكس” وزير الخارجية: 

“سيدي اللورد 

بالإشارة إلى رسالة فخامتكم بشأن مسألة الخلافة أتشرف بأن أضع أمامكم هذه النقط: 

لا ننصح بتوجيه “لفت نظر” إلى الحكومة المصرية في شأن هذا الموضوع. 

لا نحتاج إلى تأكيد صعوبة تحقيق هذا الحلم الذي يراود الملك “فاروق” والمحيطين به. 

سوف تقوم في العالم الإسلامي ومن أطراف متعددة معارضة للمطلب المصري والأفضل لنا أن ننتظر. 

في هذه المرحلة يمكن تنبيه بغداد وجدة واسطنبول إلى الأصوات الداعية للخلافة في القاهرة”. 

***********

ولم تمض أيام حتى كان السفير البريطاني في القاهرة ينبه لندن إلى حديث مهم أدلى به الأمير “محمد علي” وهو أكبر أمراء أسرة “محمد علي” سنا وكان رئيسا لمجلس الوصاية على الملك “فاروق” قبل بلوغه سن الرشد ثم أصبح وليا للعهد بالأمر الواقع (وبمرسوم ملكي في ما بعد). 

وفي هذا الحديث أبدى الأمير “محمد علي” رأيا صريحا في موضوع الخلافة ضمن حديث مع مراسل الأهرام في لندن، قال فيه: 

“إن خلافة المسلمين عبء ضخم لا تستطيع مصر تحمله، فتلك مسؤولية تكلفها ما لا تطيق، ذلك أن دولة الخلافة لابد أن تكون قادرة وجاهزة للدفاع عن ديار الإسلام على اتساع العالم الإسلامي من الصين إلى المغرب. وذلك يتخطى طاقة مصر ومواردها، ويفوق قدرتها على تحمل المسؤولية. وفي نفس الوقت فإن قعودها عن هذه المسؤولية بمحدودية طاقتها ومواردها يسيء إلى فكرة الخلافة ويسيء إلى مصر في ظرف يحتاج فيه البلد إلى كل طاقته وموارده لحل مشكلاته الكبيرة والمتراكمة”. 

وفي كل الأحوال فإن مسألة الخلافة لم تلبث أن توارت لأن الحرب العالمية الثانية دهمت الجميع! 

كان الملك “فاروق” “وطنيا مصريا” لا شك في ذلك، وحتى عندما غرق لاحقا في مستنقع من الفساد زاد وفاض على ما حوله فإن “وطنية الملك” على عكس معظم حاشيته ظلت سليمة في تعبيرها عن نفسها حتى بتلقائية العاطفة. 

وطبقا لرواية “حسن يوسف” (باشا) فإن الملك “فاروق” كان مهتما بأكثر مما يتصور الناس بمتابعة تطورات الحرب، وقد وضع في مكتبه خريطة كبيرة لأوروبا وراح يدرس معاركها ومواقعها بمساعدة قائد الحرس الملكي “عمر فتحي” (باشا)، وقد بهره سقوط بولندا السريع، وافتتن بقادة الجيش الألماني إلى درجة أنه كان يحفظ أسماءهم، ويراقب التحركات على جبهاتهم يوما بعد يوم، وفي اهتمام الملك بشؤون الحرب فإنه قدر في عز حماسته أن النصر فيها من نصيب الألمان، وقد تضايق الجنرال “ستون” رئيس البعثة العسكرية البريطانية في مصر؛ لأن “فاروق” امتدح أمامه سرعة حركة الجنرال “فون بيك” الذي قاد المدرعات الألمانية في عملية بولندا. وسجل الجنرال “ستون” في أوراقه “أنه نصح الملك بالتروي في أحكامه لأن الحرب ما زالت في مشاهدها الأولى، وأن إعجابه بأداء “فون بيك” سابق لأوانه، لأن نتيجة الحرب لن تتقرر على مستوى العمليات في ميدان قتال بالذات، وإنما تتقرر على مستوى الحرب واستراتيجياتها الكبرى” وأضاف الجنرال “ستون” أن “ملك مصر” يعتبر نفسه خبيرا عسكريا لأنه قضى أقل من عامين في مدرسة عسكرية بريطانية (وولويتش) لم يتعلم فيها شيئا وتكرر سقوطه حتى تقرر فصله، ثم سُمح له مراعاة لمكانته بأن يحضر الدروس مستمعا مرتين في الأسبوع فترة بعد الظهر، والحاصل أن إعجاب “فاروق” بالقادة العسكريين الألمان ساقه إلى توقع انتصار جيوشهم، وبالنسبة لملك مصر فقد كانت تلك مقدمة ترتب بعدها عليه مسؤوليات إزاء عرشه وتجاه بلده! 

ويقول “حسن يوسف” (باشا) إنه لم ير في أوراق القصر ولم يسمع من الملك ما يؤكد وجود اتصالات بينه وبين الزعماء الألمان أو الطليان لكنه سمع أن “فاروق” ألمح أكثر من مرة بأننا “لا بد أن نشوف مستقبلنا” ومع ذلك فإن الوثائق الألمانية التي قدمها مدير المخابرات الألماني الجنرال “كاناريس” إلى قيادة الحلفاء عندما اتصل بهم ولجأ إليهم أواخر الحرب كان فيها ما يشير إلى اتصالات قام بها الملك عن طريق “كونت برتغالي له مصالح في البرازيل”، وكانت الإشارات إليه في الأوراق بوصف “البرتغالي” دون زيادة في التفصيل، وفي هذه الإشارات وردت تفاصيل عن اتصالات قام بها “مندوبون عن ملك مصر” في أنقرة وفي طهران وفي جنيف، والواضح في الإشارات أن الملك كان لديه ما يريد توصيله إلى الألمان بالذات وفيه: 

أن حكومته الحالية تتعاون مع الإنكليز في حدود الأمر الواقع المتمثل في توقيع مصر على معاهدة سنة 1936، وهي لا تملك خيارا آخر مع وجود قوات بريطانية كبيرة على الأرض المصرية. 

أن الملك يأمل أن تقدر القيادة الألمانية أن مصر ليست طرفا في هذه الحرب حتى مع كون أراضيها وتسهيلاتها مسخرة للجهد الحربي البريطاني ومع أنه شخصيا لا يحب ذلك إلا أنه مضطر إليه. 

وأن حكومته عندما أقرت سياسة “تجنيب مصر ويلات الحرب”، كانت في الواقع تقصد نوعا من إعلان حياد مصر، لتأسيس حقها في الاستقلال عندما تنتهي الحرب (بانتصار المحور). 

وفي الأسابيع الأخيرة من سنة 1941، بدأ القصر يحس أن هناك تغييرا في توجهات السياسة البريطانية في مصر، ويتضح أنه كان هناك سببان رئيسيان قادا إلى ذلك التغيير: 

السبب الأول: أن السياسة البريطانية أصبحت واثقة من النتيجة النهائية للحرب بعد أن تورط “هتلر” في غزو الاتحاد السوفياتي و”غرز” في ثلوج الشتاء الروسي المخيف (كما حدث ل”نابليون” قبل “هتلر”) وزاد أن الولايات المتحدة دخلت الحرب (بعد الهجوم الياباني على قواعدها البحرية في بيرل هاربور) ومعني ذلك أن النتيجة النهائية للحرب لم تعد موضع شك بسبب تحول واضح في موازين القوى بين المتحاربين، ومفهوم ذلك أن الحكومة البريطانية تصبح قادرة وواثقة من تحمل تبعات تغيير كبير في القاهرة. 

والسبب الثاني: أن الفيلق الألماني الذي عبر البحر إلى مصر تحت قيادة “رومل” سوف يحاول شن هجوم حاسم وأخير على مصر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الشرق، ومع أن ذلك في التقدير البريطاني لن يغير شيئا في النتيجة النهائية للحرب فإن أهمية قناة السويس تفرض على بريطانيا خوض معركة مصر بكل طاقتها وأن لا تفرط في القناة ومنشآتها حتى لو كانت متأكدة من استردادها في يوم قادم على مسار الحرب! 

وإذا كان ذلك فإن تأديب الملك “فاروق” ممكن ومطلوب، سواء بإزاحته بعيدا عن العرش أو تركه مكانه بعد تكسير أجنحته وتحويله شبه أسير في قصره. 

ويروي “حسن يوسف” (باشا) أن الملك “فاروق” استشعر بعد تورط الألمان في روسيا، وبناءً على إلحاح من رئيس الديوان “أحمد محمد حسنين” (باشا)، أن الانتصار الألماني في الحرب لم يعد مضمونا كما كان، وأن الأسلم والأفضل له إعادة حساباته، لأن الإنكليز في حالة الضرورة سوف يعترضون طريقه، ويفرضون عليه ما لا يريد، والأسلم أن يسبقهم ويحصن موقفه إزاءهم بحكومة أغلبية وفدية يرأسها “مصطفى النحاس” (باشا). كذلك أضافت الملكة “نازلي” على طريقتها نصيحة إلى ابنها مؤداها طبقا لرواية “حسن يوسف” (باشا) أن “الإنكليز أولاد ...”، وسوف “يوقعون الدنيا في بعضها”، ويفوزون في النهاية، والأحسن تصليح العلاقة معهم”. 

وسواء كان الملك “فاروق” أقنعه ما أبداه رئيس ديوانه أو ما علقت به والدته، أو أنه أدرك بحسه أن مسار الحرب يتذبذب على الأقل فإنه وافق على إيفاد “عبد الوهاب طلعت” (باشا) وكيل الديوان الملكي وقتها إلى مقابلة سرية مع “النحاس” (باشا) الذي كان يقيم مع أسرته في الريف بعيدا عن الغارات الجوية التي تعرضت لها القاهرة والإسكندرية من الطيران الألماني والإيطالي. وكانت تعليمات “فاروق” إلى “عبد الوهاب طلعت” (باشا) قبل ذهابه لمقابلة “النحاس” (باشا) في “كفر عشما” قرب سمنود مختصرة في عبارة “شوف عنده إيه؟!”. 

ويروي “حسن يوسف” (باشا) أن “أحمد حسنين” (باشا) كان لديه مشروع لتشكيل وزارة ائتلافية تحت رئاسة “النحاس” (باشا)، وكان متأكدا من أن في وسعه إقناع الملك “فاروق” بالمشروع على أساس أن أفضل وضع لمواجهة احتمال غزو (لن تتغير به نتيجة الحرب على الأرجح، لكنه سوف يكلف مصر غاليا) أن يكون “البلد متماسكا”. وكانت أقوى الحجج التي توصل بها “حسنين” (باشا) إلى إقناع الملك هي أنه “لو دخل الألمان والطليان، فإن الجيش الإنكليزي سوف يحمل ملك مصر معه قبل أن يرحل باعتباره ممثل الشرعية المصرية (كما حدث لملوك آخرين في أوروبا مثل ملوك النروج والدانمارك وهولندا) ثم إنه إذا بقي الملك وحده في البلد مع دخول الألمان والطليان، فقد يصبح رهينة في أيديهم في حرب لم تحسم نتائجها بعد ولذلك فالحل الأمثل الآن أن تكون هناك حكومة يرأسها “النحاس” (باشا) ممثلا للأغلبية، ومعه كل زعماء أحزاب الأقلية، وتكون هذه الوزارة هي التي تتصدى للعواصف القوية القادمة”. 

ويروي “حسن يوسف” (باشا) “أن القصر كان يعرف أن السفارة البريطانية تجري اتصالات مع “النحاس” (باشا) عن طريق “أمين عثمان” (باشا) (وكان من قبل وكيلا لوزارة المالية ثم سكرتيرا عاما للوفد المصري في مفاوضات سنة 1936، وقد ظل مقربا من السياسة البريطانية، وزائرا دائما لقصر الدوبارة، وصديقا حميما للسير “مايلز لامبسون”) لكن الملك “فاروق” لم يكن يخطر له أن “أمين عثمان” (باشا) يمكن أن “يسبقه”، وإذا سبق فإن “النحاس” (باشا) لن يخاطر بسمعته السياسية بصفقة مع الإنكليز، وإذا قبل “النحاس” (باشا) فإن الإنجليز لا بد أن يقنعوه هو (الملك) أولا بالتغيير، وإذا حاولوا الضغط عليه فهو يملك وضع شروطه! 

وفجأة والملك منشغل في أزمة صغيرة مع وزارة “حسين سري” (باشا) بسبب تردد “صليب سامي” (باشا) وزير الخارجية إزاء طلب بريطاني بإبعاد الوزير المفوض الفرنسي المسيو “بوتزي”، واتجاه الوزير إلى قبول ذلك على عكس رغبة ظاهرة من الملك قدم رئيس الوزراء “حسين سري” (باشا) استقالة وزارته كلها بدلا من إقالة وزير خارجيته بأمر من القصر. 

وفي ظرف ساعات هبت العاصفة: الإنذار البريطاني وحصار القصر بدبابات الاحتلال واقتحام السير “مايلز لامبسون” لمكتب الملك يفرض عليه الخيار المر: التنازل عن العرش أو الاستسلام لمشيئة الاحتلال، وكان أن استسلم ملك مصر ودعا “النحاس” (باشا) لتأليف الوزارة. 

ويروي “حسن يوسف” (باشا): أن حادث 4 فبراير كان نقطة تحول في حياة “فاروق” وفي شخصيته، وكان التحول على خطوات تلاحقت متسارعة: 

فاجأه الإنذار البريطاني وأهانته الطريقة التي تصرف بها السير “مايلز لامبسون”. 

وأدهشه قبول “النحاس” (باشا) لرئاسة الوزارة من يد الاحتلال وعلى “أسنة” حرابه، كما سمع من “أحمد ماهر” (باشا). 

وأصابه الذهول لأن تظاهرات شعبية استقبلت تكليف “النحاس” (باشا) بالوزارة بفرحة غامرة. 

ثم كانت فجيعته الكبرى حين رأى صور هذه التظاهرات التي أحاطت بمقر مجلس الوزراء مرحبة بدخول “النحاس” (باشا)، تحمل أول زائر جاء لتهنئته وهو السفير البريطاني السير “مايلز لامبسون” على الأعناق مصفقة ومهللة. 

ولم يقتنع الملك بما سمعه من رئيس ديوانه من أن جماهير الشعب لم تعرف بما جرى ليلة 4 فبراير، لأن الرقابة (الإنكليزية) حجبت وقائعه، وبالتالي فإن الوسيلة الوحيدة المتاحة هي الروايات التي تتناقلها الشفاه، وذلك سوف يستغرق وقتا. 

ولكن الملك رد على رئيس ديوانه بقوله “ولا وقت ولا زفت”. ولم تكن لديه أعصاب رئيس ديوانه الذي طلب نسخة من رواية “مصرع كليوباترا” وراح يتلو منها وصف “أحمد شوقي” لدخول ملكة مصر البطلمية مع عشيقها “مارك أنطوني” إلى الإسكندرية مدعيين نصرا على أسطول “أوكتافيوس” وحيث تجري أبيات شوقي بالنص: 

اسمع الشعب ديون كيف يوحون إليه 
ملأ الجو هتافا بحياة قاتليه 
أثر البهتان فيه وانطلى الزور عليه 
يا له من ببغاء عقله في أذنيه! 

وكان “حسنين” (باشا) يحاول تعزية نفسه وتغطية ما اعتبره فشلا ذريعا كرئيس للديوان الملكي. 

لكن الملك “فاروق” لم يجد عزاءً يواسيه وطبقا لرواية “حسن يوسف” (باشا)، فإن “فاروق” يومها كان رجلا فقد الثقة بكل شيء، وبكل الناس، وأولهم رئيس ديوانه الذي أقسم له “بشرفه” إنه سوف ينتقم من كل مشارك في ما حصل تلك الليلة الليلاء. 

ومع ذلك فإن الملك الذي قد فقد ثقته برئيس ديوانه، ظل متمسكا به في علاقة بين الاثنين الشديدة الالتباس. 

فقد كان في قلب “فاروق” سر دفين يتعلق بأمه الملكة “نازلي”، وبرئيس ديوانه “أحمد حسنين” (باشا)، ذلك أن الملك لاحظ أثناء إجازة قام بها مع والدته وأخواته في “سان موريتز” (سويسرا) قبل جلوسه على العرش رسميا أن علاقة قرب زائد تربط والدته بالأمين الأول وقتها في بلاطه (وكان حسنين من قبل مرشدا له ومعلما بقرار من والده الملك “فؤاد”) وظن “فاروق” في البداية أو أحب أن يظن أن “تعامل” والدته بهذا “اللطف” مع أمينه الأول مرجعه ضرورات الرحلة وأجواء السفر، لكنه عندما عاد إلى القاهرة بدا له أن القرب بين الاثنين متواصل ويزداد حتي جاء يوم أوائل سنة 1941، تصادف فيه وقوع غارة جوية على مدينة القاهرة ليلا، وأراد الملك أن يطمئن أن والدته لم تنزعج بأصوات المدافع المضادة للطائرات. ثم اكتشف أنها ليست في مقرها الرسمي الذي اتخذته لنفسها وهو قصر والدها “عبد الرحيم صبري” (باشا) في الدقي، وسأل عنها في كل مكان ولم يعثر لها على أثر. وحين ظهرت الملكة “نازلي” بعد منتصف الليل في بيتها وعرفت بمحاولات ابنها للعثور عليها ذهبت إليه قبل الفجر، وكان بينها وبينه مشهد رواه الملك بنفسه في ما بعد. 

“دخلت الأم إلى الجناح الخاص بابنها والدموع في عينيها وفوجئ “فاروق” بها تنزل راكعة تحت قدميه تعترف له، ومؤدى اعترافها أنها أحبت “أحمد حسنين” وأنه أول رجل دخل حياتها وهي تريد من ابنها أن يسامحها بفهمه، وهو أول من يعرف أن علاقتها بأبيه لم تكن مرضية لا له ولا لها (وأفاضت في الشكوى)، ثم أقسمت إنه لولا “فاروق” وحرصها عليه لكانت تجرأت على طلب الطلاق رغم يقينها أن الملك “فؤاد” لن يمنحها هذه الفرصة أو لأقدمت على الانتحار، ولكن الأم كتمت أحزانها في قلبها وعاشت من أجل ابنها. ثم راحت الأم تروي لابنها ما أصابها في القصر من ذل بسبب جبروت الملك “فؤاد”، وضمن ما روته أنها ذهبت إلى عيادة الأسنان في القصر وفيها طبيب ألماني اسمه “شفارتز”، وأن الطبيب بعد أن نظر في فمها، اكتشف اهتراء لثتها، وقال لها إن تلك “لا بد أن تكون عدوى” من “صاحب الجلالة” لأنه مصاب “بالبيوريا” (ولم تكن المضادات الحيوية قد ظهرت بعد لعلاجه)، ورغم علم الملك “فؤاد” بما أصابها، فقد تأكد لها من تصرفه أنه يتعمد نقل مرضه إليها، وحدث حين ترددت أمامه مرة، أن أمر بحبسها في غرفة نومها أسبوعا كاملا عقابا لها أن تأففت من طلب له، وكانت كبيرة “كلفاوات” القصر هي المشرفة على إذلال ملكة مصر، وهي التي تولت حبسها في غرفتها، وكانت كبيرة الكلفاوات قبل ذلك وبعده هي المسؤولة عن ترتيبات السهرات الخاصة للملك “فؤاد”. ثم قالت الملكة الأم وهي في “حالة صعبة” إنها “لم تفعل شيئا في الحرام” وما فعلته أنها تزوجت من “أحمد حسنين” على سنة الله ورسوله، حفاظا على شرف ابنها، واحتفظت بالزواج سرا حتى تنتهز فرصة مناسبة وتحكي له، وانتهت الملكة بأن قالت لابنها، إنها اعترفت بكل الحقيقة متوسلة إليه أن لا يؤذي “أحمد حسنين” بسببها، وهي تقسم له إن “أحمد حسنين” مخلص له ولعرشه، وإنه تردد في قبول الزواج ولكنها تعهدت له بأنها واثقة من أن ابنها وهو الأقرب إليها من كل الناس سوف يفهمها ويسامحها، وهي الآن أمامه راكعة على ركبتيها وإذا عفا عنها وعن “حسنين” بقيت عمرها تحت قدميه، وإذا أبى العفو فإنها سوف تشعل النار في نفسها وتنهي حياتها مثل أي بنت بلد “وقعت في الغلط”. وفي ما بعد وعقب وفاة “أحمد حسنين” (باشا) في حادثة سيارة على كوبري قصر النيل سنة 1946 هرع الملك إلى بيت “حسنين” في الدقي، يسبق كل الناس ليأخذ من غرفة نومه أي ورقة تكشف عن علاقته بالملكة الوالدة. وترامت وقتها شائعات بأن الملك أخذ بعض المقتنيات الذهبية والماسية (بالذات الأوسمة مما كان في بيت أحمد حسنين)، ولم يكن ذلك منصفا. 

وكان السبب الذي دعا الملك إلى البوح: رغبته في أن يعمل “حسن يوسف” بكل جهده على اكتشاف أي ورقة في أي سجل رسمي أو غير رسمي تشير إلى العلاقة بين مرشده ووالدته، واعترف الملك يومها بحزن أنه “كثيرا ما دعا “إن شاء الله حسنين يموت”، ومع ذلك فهو الآن حزين عليه”! 

***********

وكانت تلك الواقعة بالذات من الوقائع التي تردد “حسن يوسف” (باشا) طويلا في روايتها، ولم يقنعه في النهاية إلا أن الخطوط الرئيسية للوقائع نشرت مشوهة في كتابات عدد من رجال الحاشية السابقين في القصر (كريم ثابت)، أو بعض الصحافيين المتصلين بالحاشية (مصطفى أمين).

***********

كان ذلك طريق الملك فاروق إلى 4 فبراير 1942، في اتجاه 23 يوليو 1952، وكانت تلك أحواله حينما وقفت دبابات الجيش أمام قصر عابدين كتلا من الحديد في ظلمات الليل. 

4 الطريق الوفدي إلى 4 فبراير وبعده 


كانت نهاية الثلاثينيات فترة اختبار قاس لحزب الوفد وزعيمه “مصطفى النحاس” (باشا). 

كان الحزب بلا جدال هو ممثل الأغلبية الوطنية في مصر، وموضع الثقة بالنسبة لجماهير شعبها في تلك الفترة، وكان زعيمه رمزا للمقاومة المصرية في مواجهة الاحتلال البريطاني، وفي مواجهة التجاوز الملكي للدستور، سواء بنزعات الاستبداد لدى الملك “فؤاد”، أو بمناورات القصر، وقد راحت تكرر نفسها في عهد ابنه الصبي الملك “فاروق”. 

ومع أن وزارات الوفد لم تكن تجيء إلى الحكم إلا بإشارات بريطانية، فإن “النحاس” (باشا) لم يكن يعتبر تلك منحة من دولة الاحتلال بقدر ما هي احتياج إلى شرعية الوفد، خصوصا زمن الأزمات. 

وعندما وضع “النحاس” (باشا) توقيعه على معاهدة سنة 1936، كان يدرك أنها استقلال منقوص، لكنه يتفهم أن دولة الاحتلال لن تعطيه أكثر في ذلك الوقت، بينما نذر الحرب العالمية تظهر في أوروبا (ومقدماتها قيام إيطاليا بغزو الحبشة واحتلالها سنة 1935)، ثم ما تبع ذلك من تركيز الوجود الإيطالي أكثر في البحر الأبيض بتعزيز مواقعه في ليبيا. 

ومع أن “مصطفى النحاس” (باشا) تعرض لنقد شديد عند توقيع معاهدة سنة 1936 (حتى من بعض أنصاره وبينهم رئيس مجلس النواب الوفدي وقتها “أحمد ماهر” (باشا))، فقد كان يقين “النحاس” (باشا) (وهو سليم) أن المعاهدة التي وقع عليها هي الممكن المتاح في زمانها، خصوصا عندما دعمها في العام التالي، بمعاهدة إلغاء الامتيازات الأجنبية خلال مؤتمر عُقد لذلك الغرض (1937) في مونترو (سويسرا). 

والحاصل أن “النحاس” (باشا) كان مرتاح الضمير ومطمئنا. وكذلك فإن إقالة وزارته بعد أسابيع من عودته الظافرة من مؤتمر مونترو ديسمبر 1937 نزلت صدمة ثقيلة عليه. 

كان الرجل يتصور: 

- أنه وقد وقع معاهدة 1936 سوف يبقى مسؤولا عن تنفيذها. وإذا كانت مخاطر حرب عالمية محتملة قد فرضت توقيع المعاهدة فإن هذه المخاطر ذاتها تفرض وجودها على رئاسة الوزارة لضمان سلامة التنفيذ. 

- وكان أمله كبيرا بأن الملك “فاروق” سوف يتجنب أخطاء والده الملك “فؤاد” ويتصالح مع الدستور رغم شكوك “النحاس” (باشا) في بعض رجال القصر، وأولهم “علي ماهر” (باشا). 

- وكان ظن “النحاس” (باشا) أنه حتى إذا راح “علي ماهر” (باشا) وأصحابه “يلعبون” (على حد تعبيره) فإن الإنكليز لن يسمحوا باللعب؛ لأن خطر الحرب الذي جعلهم يحرصون على معاهدة مع مصر يوقعها الوفد، هو نفسه مقتضى بقاء الطرف الذي وقع عليها، باعتباره الأقدر. 

- وكان ما ضايق “النحاس” (باشا) أكثر من أي حساب، صدمته في لهجة خطاب الإقالة الذي وجهه إليه الملك “فاروق”، وجاء إهانة سياسية وشخصية أصابته على غير استعداد، وفي لحظة إنسانية وعاطفية غير مناسبة. 

وهنا تطور ضروري لتواصل وتكامل الصورة الإنسانية لوقائع التاريخ المصري الحديث. 

والحاصل أن “مصطفى النحاس” (باشا) ولد سنة 1879 وتزوج سنة 1935، أي أنه لست وخمسين سنة من عمره ظل أعزب. ومع أنه أحب بلده وبادله البلد شعوره إلا أن الحب له أوجه أخرى معترف بها حتى في مقام النبوة؛ لأن البشر يظلون بشرا، والزعيم ليس راهبا، وإذا لم يتزوج بحكم ظروف حياته، فإن هذه الحياة تفرض طبيعتها ولعلها ضرورتها. 

وكذلك كانت للنحاس (باشا) حياة خاصة حرص على صيانتها، لكنه تعرض سنة 1932 لواقعة أخرجت حياته الخاصة رغما عنه من الصون الذي حرص علىه. ففي تلك السنة التقى “النحاس” (باشا) بصحفية إيطالية يظهر أنها كانت على شيء من الجمال اسمها “فيرا” (ولم أجد في السجلات اسمها كاملا). وطبقا للروايات (وهي موثقة) أن لقاءات “النحاس” (باشا) بالصحفية الإيطالية تكررت، وفي بعض الشهادات أن “فيرا” كانت مدسوسة على “النحاس” (باشا) بتدبير من “إسماعيل صدقي” (باشا) رئيس الوزراء في ذلك الوقت، وكان قصده الإيقاع بزعيم الوفد بموافقة من الملك “فؤاد”، والوسيلة كشف المقابلات المتكررة بين زعيم الوفد وبين الصحفية الإيطالية. 

وكان “النحاس” (باشا) يقابل “فيرا” في عوامة على النيل عند شاطئ العجوزة المقابل لنادي الجزيرة، ورتب “صدقي” (باشا) لمداهمة يقوم بها البوليس للعوامة ومفاجأة من فيها بما لا يتوقعون. 

وكان ذلك بعد ظهر يوم أحد، وتصادف وجود “أحمد ماهر” (باشا) في سباق الخيل في نادي الجزيرة، وحدث أنه تقابل مع “أحمد عبود” (باشا)، وإذا هو يفهم منه أن رئيس الوفد على وشك أن يقع في الفخ. وأدرك “أحمد ماهر” خطورة الموقف وهرع مسرعا إلى موقع العوامة، وكان يعرفه، واقتحم طريقه إلى داخلها، والنتيجة أنه عندما وصل البوليس كان رئيس الوفد جالسا في صالون العوامة يتحدث مع واحد من أكبر معاونيه في قيادة الوفد وهو “أحمد ماهر” (باشا). 

وفشلت خطة الإيقاع بالنحاس (باشا) وهنا يتسع نطاق القصة من مجال ما هو شخصي إلى مجال ما هو عام ذلك لأن عددا من زعماء الوفد الكبار استقر يقينهم على ضرورة أن يتزوج رئيس الوفد، وبأسرع ما يمكن. وكان “النحاس” (باشا) يحتج بأنه تخطى سن الزواج، فهو الآن في السادسة والخمسين، وأي زوجة ترضى به لن يرضى هو بها، لأن الخيار الواقعي أمامه “أن يتزوج عانسا أو مطلقة أو أرملة، وذلك لا يغريه”. 

وكان “مكرم عبيد” (باشا) سكرتير الوفد (والتوأم الروحي وقتها لزعيمه) أشد المتحمسين لزواج رئيسه، وكذلك كانت السيدة “عايدة” قرينة “مكرم عبيد” (باشا) هي التي فاجأت “النحاس” (باشا) ذات يوم وهو يتناول الغداء في بيتها تزف له البشرى بأنها وجدت الزوجة التي تعجبه، فهي جميلة، ليست عانسا وليست مطلقة وليست أرملة، وإنما شابة من أسرة كريمة علمتها كيف تصنع بيتا سعيدا، ثم إن أسرتها سوف “تموت من الفرح” (كلمات السيدة “عايدة” بنصها طبقا لروايتها وهي تستعيد بعض ذكرياتها جالسة في صالون بيتها وكان زوجها وهو من ألمع رجال مصر قد توفي قبلها بعام 1961 دون أن يكون لهما ولد، وطعن أقارب له في وصيته ومقتضاها أن يبقى بيته في منشية البكري ملكا بعد وفاته لها، وقد رفعوا أثناء مرضه قضية حجر علىه، تجددت بقضية طعن في الوصية بعد وفاته، وكتبت السيدة الكريمة إلى “جمال عبد الناصر” شاكية وحزينة). 

ولم يكن “النحاس” (باشا) متحمسا حتى رأى العروس وهي الآنسة “زينب الوكيل” كريمة السيد عبد الواحد الوكيل (من أعيان أسرة كبيرة في مديرية البحيرة وقد نال رتبة الباشوية في ما بعد). وكانت العروس المرشحة بالفعل شديدة الجمال، شديدة الذكاء، حسنة التربية، وعلى قسط من التعلىم. 

كانت العروس من مواليد سنة 1912، ومعنى ذلك أن فارق السن بينها وبين زوجها ثلاث وثلاثون سنة وأن عمرها حين تزوجت سنة 1935 كان 23 سنة في حين كان عمر زوجها 56 سنة. 

وكان الزواج سعيدا. ومع أن فارق السن كانت له أحكامه، فإن شباب الزوجة توازن مع مكانة الزوج زعيما معترفا به للسواد الأعظم من شعبه. 

وفي بداية الزواج كان “النحاس” (باشا) يتأهب للعودة إلى رئاسة الوزارة وإلى المفاوضات مع الإنكليز، وقد انتهت بمعاهدة سنة 1936 وكان يستعد بعدها للسفر إلى “مؤتمر مونترو”، وكانت زوجته الشابة الجميلة في صحبته، والحاصل أن السفر إلى مونترو كان ذروة السعادة في الزواج الجديد، فقبلها كان رئيس الوفد مشغولا بمقدمات التفاوض ومهامه والتحضير لمؤتمر مونترو وأعماله، وبعدها أصبح لديه الوقت لشهر عسل مؤجل على ضفاف بحيرة ليمان الخلابة، وهنا فإن قرينة “النحاس” (باشا) أطلت لأول مرة على العالم المسحور. 

وتسجل وقائع الرحلة مفارقات ومواقف رصدها السفير المصري في برلين “حسن نشأت” (باشا) (في تقارير متعددة بعث بها إلى القصر الملكي ولا يزال ملفها محفوظا في أرشيف عابدين)، ذلك أن “النحاس” (باشا) رتب بعد انتهاء “مؤتمر مونترو” للقيام بجولة واسعة في أوربا شملت زيارة لألمانيا، وتضمنت مقابلة مع الزعيم الألماني “أدولف هتلر”، وبالتالي فإن “حسن نشأت” (باشا) كان ملازما له طوال زيارته لألمانيا. وفي ما رواه “حسن نشأت” (باشا) (مع التسليم بأنه لم يكن موضع ثقة “النحاس” (باشا) من أيام خدمته في القصر أواخر العشرينات) أن قرينة “النحاس” (باشا) التي كان علىها أن تجد وصيفة ترافقها في السفر اختارت سيدة ريفية كانت تقوم على تربيتها من الطفولة في بيت والدها اسمها “أم السعد”، وذلك أحدث ارتباكا في إعداد الملابس التي ظهرت بها (زينب هانم) في مختلف المناسبات، وقد توقف “حسن نشأت” (باشا) كثيرا حول اختيار قبعات “الرأس” المتوافقة مع كل مناسبة. 

وكذلك أسهب “حسن نشأت” (باشا) في وصف نوادر “أم السعد” في برلين، بأكثر من حجمها، وإلى جانب ذلك فإن الصورة العامة التي رسمها (السفير) ليقرأها الديوان الملكي أبانت أن رئيس الوفد متيم بعروسه وتقدير “نشأت” (باشا) “أنها شخصية قوية تخبئ قوتها وراء جمالها”، ثم إنها وقد أطلت من قلب أوروبا على عالمها المسحور سوف تثبت أنها “شخصية لها دور كبير في الحياة العامة في مصر”. 

والذي حدث أن “النحاس” (باشا) عاد إلى مصر، ثم لم تمض غير أسابيع حتى كان خطاب الإقالة بتوقيع الملك ينقض مفاجأة علىه، وبطريقة مهينة خصوصا أمام شريكة أهلت على حياته، وأشاعت فيها سعادة لم تكن هناك أي وقت من قبل! 

ونشبت الحرب العالمية بعد سنة واحدة، وبدأت مصاعبها بما فيها الغارات الجوية على القاهرة، ولم تكن الغارات الجوية خطرة أيام الطليان عندما قاموا بها وحدهم، لكن عندما وصل الألمان إلى الصحراء الغربية، فإن القنابل زادت حمولاتها وتفاقمت مخاطرها، وكان أن سارعت الطبقة العلىا إلى الخروج من العاصمة لائذة بقصورها أو قصور الأقارب في الريف المصري وسط الملكيات الزراعية الشاسعة، وكان رأي عدد من زعماء الوفد أن “النحاس” (باشا) (وهو يسكن وقتها في مصر الجديدة على مقربة من منطقة مطار ألماظة) معرض للخطر، ومن اللازم لسلامته أن يبتعد. وبالفعل فإن “النحاس” (باشا) قرر أن يلحق بآخرين سبقوا إلى الريف المصري وكان ذلك بعد ليلة تكرر فيها سماع صفارات الإنذار ورؤية كشافات الضوء القوية تتقاطع في ظلمات الليل بحثا عن طائرات مغيرة، ثم سماع دوي الانفجارات دون أن يميز أحد على وجه القطع إذا كانت الانفجارات قنابل طائرات أو قذائف مدفعية مضادة. ومع أن “النحاس” (باشا) ظل ثابت الأعصاب طوال ليالي الغارات، فإن زوجته الشابة لحقها الخوف، وسافر زعيم الوفد إلى الريف الواسع، وعلى امتداد شهور سنة 1941 كان معظم وقته في شمال الدلتا ضيفا مُحتفى به معززا مكرما في قصور العائلات الكبرى، وفيها عائلات أقارب له في “سمنود” وعائلات أخرى من معارفه الراغبين في الحفاوة به، وكانت عائلة السيد “البدراوي” (باشا) إلى جانب عائلات “المغازي” و”الإتربي” و”جمعة” من أكثر الأسر التي فتحت أبوابها ودعت ورحبت. وفيما روى كثيرون من الذين زاروا رئيس الوفد أيامها، أن الرجل كان سعيدا بعودته إلى الأرض السمراء وحقولها الخضراء، وكان مضيفوه يتسابقون إلى شرف ضيافته رغم علم بعضهم أن “السراي” قد لا تعجبها تلك الحفاوة بزعيم الوفد. وقد ذهب “مكرم عبيد” (باشا) أكثر من مرة إلى زيارته والاطمئنان علىه. 

وكان “مكرم عبيد” (باشا) قد اكتشف شابا من ألمع شباب أسرة “البدراوي”، هو الأستاذ “محمد فؤاد سراج الدين” (ابن سراج الدين شاهين باشا وزوج السيدة زكية البدراوي كريمة السيد البدراوي باشا)، وقد لمح “مكرم عبيد” لدي “فؤاد سراج الدين” استعدادا للعمل السياسي من موقع الجاه والغنى، ومعهما طاقة من الحيوية والنشاط لافتة. 

وكان الشاب في سلك النيابة أصلا وأقنعه “مكرم” (باشا) أن ينضم لحزب الوفد، وأن يترشح في دائرة انتخابية من دوائر عديدة فيها أملاك ونفوذ لأسرته. وفي الظروف المستجدة بدأ نجم “فؤاد سراج الدين” يلمع في الوسط القريب المحيط برئيس الوفد، ثم أصبح “فؤاد سراج الدين” ملازما للرئيس ومرافقا له باستمرار. 

ولم يكن في الريف وفي زمن الحرب من متعة إلا حوارات الصباح والمساء في الشأن الجاري وهو حاضر في فكر الجميع باحتمالاته وعواقبه. على أن الزائرين القادمين من القاهرة لمقابلة زعيم الوفد واستطلاع آرائه، كانوا يحملون معظم الأحيان أخبارا تدعو إلى التشاؤم في ما يتعلق بالحزب وفرصه في الحال وفي المستقبل، وكذلك عن مشاعر الإحباط لدي أنصاره وأسباب قلقهم وهي كثيرة: 

- فيها أن قيود الحرب وتطوراتها تضغط على الناس لكن الحزب (الوفد) غائب عن التأثير في القرار؛ لأن الانتخابات المزورة التي قامت علىها وزارة “محمد محمود” (باشا) (زعيم الأحرار الدستوريين سنة 1938) حجبت بقوة السلطة فرص النواب الوفديين حتى في الدوائر التي لم يكن هناك شك أنها قلاع مكينة لهم. 

- ومع أن مشكلات الناس في الحياة العادية صعبة بحكم القيود التي فرضتها الحرب، فإن الشارع المصري الذي يأتمر بأوامر الوفد في الظروف العادية، مقيد الآن رغم ملاءمة الظروف للمعارضة، والسبب قسوة الأحكام العرفية التي اقتضتها مطالب الحرب، بل إن اجتماعات الحزب ولجانه ونشاطه وسياساته لا تصل إلى أحد لأن الرقابة تحذف أخبارها. 

- وأن معظم صحف الوفد أصبحت بلا تأثير لسببين أساسيين: من ناحية لأن أصحاب الصحف المحسوبة على الوفد لهم مصالح مع الحكومة أهمها حصص الورق الذي يطبعون علىه جرائدهم، فهذه الحصص بسبب قيود الاستيراد في يد وزارة المالية توزعها كما تشاء، ومعنى ذلك أن الوزارة القائمة بالحكم تستخدم حصص الورق مكافأةً للتأييد أو شراءً للسكوت؛ أي أن المحظوظين من أصحاب الصحف يسمح لهم بفائض يستطيعون بيعه في السوق السوداء بأسعار خيالية وأما الآخرون فلهم الحرمان. 

- ثم إن كبار الملاك والتجار وأصحاب الثروات الذين كان الوفد يعتمد على دعمهم المادي، أصبحوا يجدون مصالحهم مع السلطة أولى بالرعاية، لأن الحكومة هي التي تمنح أذون الاستيراد والتصدير، وتوجه حركة البنوك والأسواق، وبالتالي فإن هؤلاء الأنصار الذين ساندوا الوفد سواء عن اقتناع بمبادئه أو احتماء بنفوذه، أو رغبة في تحسين صورتهم أمام الناس لم يعد يهمهم أمر الوفد كما كان! 

- وعلى هذا النحو فإن غياب الوفد عن الحكم سوف يطول، والشعب بعيد أو غير قادر على فرض عودته، وأمور الإنكليز ميسرة في مصر، وهم مكتفون بتعاون أصدقاء لهم في رئاسة الوزارة مثل “حسن صبري” (باشا) أو أصدقاء لهم في أجهزة الدولة المسيطرة على المرافق العامة في مصر مثل السكك الحديدية ومديرها في ذلك الوقت “محمود شاكر” (باشا)، ومثل محافظ البنك الأهلي (البنك المركزي وقتها) وهو تلك الأيام إنكليزي هو “جيمس كوك” أو مثل أصدقاء من أصحاب الملايين الكبار “أحمد عبود” (باشا) في القاهرة و”محمد أحمد فرغلي” (باشا) في الإسكندرية. 

وكانت تلك الوساوس وتداعياتها وهذه المناقشات المستمرة في قصور الريف بعيدا عن العاصمة وهواجسها مدرسة السياسة التي تمرست فيها عروس رئيس الوفد الشابة. 

كانت تجربتها في الانتقال من بيت والدها إلى بيت زعيم الوفد قد أعطتها رفعة المقام، وكانت إطلالتها الأولى على العوالم المسحورة في أوربا قد كشفت أمامها أفق العز الوردي، ثم جاءت الإقالة لتعلمها درسا عن حقائق القوة، وأخيرا جاءت أيام الريف تعرض أمامها درسا في طبائع العمل السياسي وتقلباته. 

وفي قصور الريف وسط شمال الدلتا كان درس العمل السياسي واضحا وظروف الحرب تجعله سهل الفهم، واضحا لا يحتاج إلى دليل، وملخصه لها ولغيرها أنه إذا كانت تلك هي حقيقة الحال، فإن الوفد رغم كونه المعبر الرئيسي عن أغلبية الشعب المصري لا يستطيع الآن أن يصل إلى الحكم بأصوات الناخبين، لأنه غير قادر حتى على مجرد الوصول إلىهم ومخاطبتهم إلا بشق الأنفس وبتأثير محصور، وإذا كان ذلك فالعبرة التي يمكن ويجب استخلاصها، أن الطريق الوحيد إلى السلطة مرهون بتراض، أو باتفاق، أو حتى بصفقة (مقبولة ومشروعة في الواقع) مع واحدة من القوتين: إما القصر الملكي وإما السفارة البريطانية! 

ويوما بعد يوم كان ذلك الاستنتاج (المحرض على التعامل مع حقائق الواقع) يظهر ويتأكد، ويقنع الجميع ب: “أنه لا بد مما ليس منه بد”! 

وكان “مكرم عبيد” (باشا) وهو حتى ذلك الوقت سكرتير الوفد العام وروحه الملهمة، وآخر الكبار التاريخيين من أقطابه يجيء إلى “النحاس” (باشا) زيارة بعد زيارة، وفي كل مرة كان يسمع أو يرى ما يلفت نظره، ثم يدهشه، ثم يضايقه ويثير أعصابه بعد ذلك، فقد أحس “مكرم عبيد” (وتلك روايته)، أن تلك الشهور التي قضاها “النحاس” (باشا) في قصور شمال الدلتا أحدثت تحولات إنسانية وسياسية غيرت المشهد كما يعرفه، وبدا له أن ثقة قرينة “النحاس” (باشا) في نفسها زادت، وأن اهتمامها بالمناقشات السياسية اتسع، كما أن الأستاذ “محمد فؤاد سراج الدين” برز في الدائرة المحيطة برئيس الوفد، بأكثر مما توقعه السكرتير العام للحزب (مكرم عبيد نفسه). 

ومن الصعب على أي قارئ لتاريخ تلك الفترة أن تغيب عنه دلالة بالغة التعبير عن نفسها في السياسة المصرية، وتلك هي الحدة الغاضبة التي وقع بها خروج “مكرم عبيد” (باشا) من حزب الوفد (بعد شهور)، وكان الفعل أقرب إلى “الانفلاق” منه إلى “الخروج”. 

والتفسير المنطقي والإنساني لهذه الحدة أن ذلك السياسي ذا النفوذ الهائل على الوفد وزعيمه وجد أن ما كان في يده ينتقل فعلا إلى أيدي غيره، وهي أيد من صنائعه، فهو الذي اختار لزعيم الوفد عروسه، وهو الذي قدم لزعيم الوفد أذكى أبناء الأعيان الذين استضافوه أيام الغارات! 

ويقول “مكرم عبيد” أنه أحس في الأجواء المحيطة بالنحاس (باشا) أن هناك “مقدمات صفقة سياسية في الجو”. 

وقد فهم “مكرم عبيد” (باشا) زيارة “عبد الوهاب طلعت” (باشا) وكيل الديوان الملكي لزعيم الوفد على أنها إشارة من القصر إلى شيء ما، ثم فهم زيارات متكررة قام بها “أمين عثمان” (باشا) وهو المقرب من السفارة البريطانية إلى زعيم الوفد على أنها إشارة إلى شيء آخر. 

ويؤكد “مكرم عبيد” (باشا) أن حصار الدبابات البريطانية لقصر عابدين فاجأه، وأحس أيضا أنه فاجأ “النحاس” (باشا) والدائرة الأقرب منه، لكنه شعر أن ما وراء الدبابات لم يكن مفاجئا. بمعنى أن الذي حرك الدبابات إلى عابدين، وطلب تكليف “النحاس” (باشا) قبل الساعة السادسة مساء، وإلا... كان لديه (بلا شك) تأكيد مسبق بأن “النحاس” (باشا) سوف يقبل، أو على الأقل كانت لديه الثقة الضمنية إذا لم يكن لديه التأكيد الصريح! 

وجاء الوفد إلى السلطة يوم 4 فبراير، وكان ذلك بالشرعية حقه وكان في مقدور بعض خصومه أن يسلموا له بهذا الحق، ولكن ليس بهذا الأسلوب. وكان في استطاعة “النحاس” (باشا) أن يرد مطمئنا إلى صدق قوله: “إنه لسوء الحظ لم يكن أمامه بديل”، فقد أقاله الملك “فاروق” نقضا للدستور، كما فعل والده قبله، ثم إنه إذا أراد أحد أن يشير إلى إرادة بريطانية جاءت بوزارته يوم 4 فبراير 1942، ففي وسعه دون تجاوز أن يشير إلى سكوت أو تواطؤ بريطاني في كل مرة أقيلت فيها وزارته. 

وربما أن المشكلة الحقيقية أن مدافع الدبابات الموجهة إلى قصر عابدين لم تترك لأحد فرصة للشك في مصدر “القرار الأعلى”، وكان قبول الوفد للوزارة في ذلك الظرف نوعا من القبول بشرعية هذا المصدر الأعلى للقرار، ثم تأكد ذلك عندما حدث أن قادة المظاهرات الوفدية التي حملت “النحاس” (باشا) على الأعناق داخلا لتسلم رئاسة الوزارة، كانت هي نفسها التي حملت بعده السير “مايلز لامبسون” السفير البريطاني وهو ذاهب إلى مقر رئيس الوزراء يهنئ “النحاس” (باشا) بعودته إلى الحكم. 

وكانت تلك كلها مآزق وطنية، ومآزق شرعية، ومآزق سلطة ترتبت علىها نتائج خطيرة في كل ما جرى بعدها وحتى هذه اللحظة . 

وفي الحقيقة فإن ما جري ليل 4 فبراير 1942 وما تلاه وبكل المواصفات والمقاييس، كان هو الانقلاب العسكري الأول في التاريخ المصري القريب. 

من هو مايلز لامبسون؟ 


سفير الإمبراطورية الذي حكم مصر 12 سنة ( 1934 1946) 

بدأ السير “مايلز لامبسون” خدمته في مصر سنة 1934، وقد جاء إلىها بعد سنوات في الصين أثبت فيها أنه واحد من هؤلاء الرجال الذين تعتمد علىهم الإمبراطوريات في بناء وإدارة ممالكها. 

وكان مجيء “مايلز لامبسون” إلى مصر في ذلك التوقيت مهمة ذات حساسية خاصة لأن البحر الأبيض بدأ يشهد زحفا إيطاليا منظما يبحث عن المستعمرات في جنوبه في أفريقيا وأوله غزو الحبشة والدخول إلى عمق البحر الأحمر حتى آخره. ومع وجود إيطالي سابق في ليبيا فإن الحكومة البريطانية رغبت في تعزيز وجودها ونفوذها في مصر، بما في ذلك التوصل إلى “حل من نوع ما” مع القوى الوطنية المصرية ذات التأثير وأولها “حزب الوفد”. لذلك كان أول عمل قام به السير “مايلز لامبسون” في مصر كمعتمد بريطاني هو التمهيد والإعداد لعودة حزب الوفد إلى الحكم، عن طريق تراض مع الملك “فؤاد”. وجاءت معاهدة سنة 1936 التي فاوض ووقع علىها “مصطفى النحاس” (باشا) وهو زعيم الأغلبية الشعبية في مصر وقتها دون شك. 

وكان السير “مايلز لامبسون” شخصية إمبراطورية في شكله ومظهره أيضا، فهو طويل القامة بشكل لافت (192 سنتيمترا)، ضخم البنيان، مغرم بقراءة التاريخ، ويملك موهبة في الكتابة مدهشة إلى درجة أن يومياته الشخصية التي سجلها على امتداد مدة خدمته زادت على 2 مليون كلمة. 

وكان السير “مايلز لامبسون” حين جاء إلى مصر، أرملا لأنه فقد زوجته الأولى في الصين، وعندما تولى منصبه في القاهرة كان في حاجة إلى مضيفة لبيته، لذلك جاءت ابنته “ماري” لتقيم معه، لكنها عادت بعد قليل إلى إنكلترا، وتولت المسؤولية بدلا منها في بيت المعتمد البريطاني في القاهرة ابنة شقيقة له ما لبث أن دعت بعضا من صديقاتها بالتوالي ليجئن إلى القاهرة، ربما لمشاهدة الأبهة التي تتيحها “الإمبراطورية” لرجالها. وكان بين الضيفات فتاة جميلة اسمها “جاكلين كاستيلاني” وهي من أسرة مختلطة، فالأب وهو الدكتور “ألدو كاستيلاني” طبيب مشهور في أمراض المناطق الحارة، إيطالي الأصل، قصد إلى لندن وافتتح لنفسه عيادة في “هارلي ستريت” (شارع الأطباء). والأم إنكليزية من عائلة تجار مع الشرق من مدينة “ليدز”، وكانت ابنتهما “جاكلين” من مواليد “سيلان”. 

وأعجب “مايلز لامبسون” ب “جاكلين” من أول نظرة على ما يظهر، لأنه تزوج منها قبل أن تغادر القاهرة، وتحولت من ضيفة لابنة أخيه إلى زوجة لصاحب البيت، رغم أن فارق السن بين الاثنين ست وثلاثون سنة، وكان هو نفسه يقول إنها في سن ابنته! 

***********

من المفارقات أن “جاكلين” ما زالت على قيد الحياة حتى الآن، وهي تعتمد في حياتها إلى جانب معاش زوجها على أربع شقق تملكها وتؤجرها مفروشة بالأسبوع في شارع “سلون غاردن”، وكثيرون من مستأجريها مصريون عرفوها من أيام مضت (وكان بينهم “حسن يوسف” (باشا)). وتحافظ “جاكلين” على صلتها بالسفارة المصرية بما في ذلك احتفالها باليوم الوطني (23 يوليو) وعندما تتأخر علىها الدعوة فإنها تتصل وتسأل وتستعجل، ومع أنها تجاوزت بالعمر ما بعد التسعين، فإنها ما زالت فياضة في الحديث عن ذكرياتها عندما كانت “إمبراطورة” في مصر! 

***********

وكان السير “مايلز لامبسون” رجلا حريصا إلى درجة أنه كان يبيع البط الذي يصيده في بركة “أكياد” إلى موظفيه، كما أنه كان رجلا عمليا لدرجة أنه حين وجد أن طيور الحدأة تكثر في نادي الجزيرة وتقرض كوره وهو يلعب “الغولف” أخذ يحمل معه بندقية يصطاد بها “الحدادي” وهو يتنقل باللعب من ساحة خضراء إلى ساحة خضراء! 

ومن الظاهر أن السير “مايلز لامبسون” مثل كل خدام الإمبراطورية رجل استوعب حكمتها ومنها أن الإمبراطورية لها مصالح وليس لها أصدقاء، ومن ذلك مثلا ما كتبه في تقرير له سنة 1938، عندما عاد من إجازة في لندن (موسم أعياد 1937) ووجد أن الملك “فاروق” أقال وزارة “مصطفى النحاس” (باشا) وهو شريكه في التوقيع على المعاهدة، وكان تعلىقه لوزارة الخارجية في لندن قوله: 

“يبدو لي أن الملك “فاروق” أصبح متأكدا من نفسه، كما استطاع رجاله المقربون أن يوقظوا فيه نزعات الاستبداد التي مارسها أبوه قبله، لقد أقال “النحاس” (باشا) وهو زعيم الأغلبية إلى جانب أنه شريكنا في توقيع معاهدة سنة 1936، وكان الأولى أن يتركه في منصبه ضمانا لحسن تنفيذها، على أنني لم أشعر بأسف ولم أشأ إثارة الموضوع أصلا، ورأيي أن “النحاس” إذا بقي بعد توقيع المعاهدة، زادت قوته وتدعم مركزه بأكثر من اللازم وحينئذ قد تزيد طلباته وطلبات أصدقائه وأنصاره”! 

وبتطورات الحوادث فإن قصة السياسة المصرية كادت أن تتحول خلال الحرب العالمية الثانية لكي تصبح علاقة ملك مصر مع السفير البريطاني، ولم تكن علاقة ود. 

وكان السفير يشير إلى الملك في كل تقاريره الرسمية وغير الرسمية بوصف “الولد” the boyومن جانبه كان الملك يشير إلى السفير في أحاديثه بلقب “جاموس باشا”، (وهو وصف دقيق لأن السير مايلز لامبسون كان أطول من العادة وأعرض في الجسم عما هو معروف عن الإنكليز، ثم إن كتلة رأسه ضخمة!) 

وكانت التقارير التي يبعث بها السير “مايلز لامبسون” (وقد أصبح لقبه اللورد كيلرن في ما بعد حين حصل على رتبة الفارس واختار الانتساب إلى مقاطعة في الريف الإسكتلندي جاءت منها أسرته) سجلا وافيا ومشوقا للحياة في مصر طوال السنوات الاثنتي عشرة من 1934 1946، وهي سنوات حافلة (حتى في التاريخ العالمي لأنها سنوات مقدمات وقيام وختام الحرب العالمية الثانية). 

وكان السير “مايلز لامبسون” (اللورد كيلرن)، يرسل إلى لندن برقياته العاجلة طوال أيام الأسبوع حسب مقتضي الأحوال، لكنه كل يوم خميس يبعث إلى لندن برسالة شاملة تحتوي على عدة بنود: 

تقريره هو عن لقاءاته وملاحظاته، وكل ما يصل لسمعه، بما في ذلك الفضائح والإشاعات. 

تقرير يكتبه السير “والتر سمارت” (المستشار الشرقي) وهو حافل بتفاصيل دقيقة عن كل ما جرى في مصر خلال أسبوع، وكان “سمارت” يعتمد على صلات سياسية واجتماعية نافذة، وكان متزوجا من السيدة “إيمي” ابنة “فارس نمر” (باشا) صاحب جريدة “المقطم” ومجلة “المقتطف”. 

تقرير يكتبه السير “كين بويد” وهو آخر مستشار إنكليزي لوزارة الداخلية المصرية، وكان يشرف على شبكة علاقات قوية واصلة إلى أعماق الريف المصري، ولها صلاتها بالعائلات الكبيرة وبالإدارة الحكومية في الأقاليم، وكانت تقارير “كين بويد” يومية تسجل كل شيء من “أسعار القطن” إلى “حوادث الثأر” ومن تنقلات الموظفين إلى “زيجات الأعيان”! 

وفي بعض الرسائل كان “مايلز لامبسون” يضع تقارير من آخرين خارج السفارة، أهمها ما كان يكتبه “روبرت فيرنس” وهو المشرف على “الرقابة” (على الصحف والإذاعة والبريد)، وحتى التليفونات وتسجيلاتها مما كان يهم السلطة البريطانية، وكان مقر هذه الرقابة غرفة خاصة في مصلحة التليفونات المصرية في “شارع رمسيس”، وكان اسمه أيامها “شارع الملكة نازلي”. 

إلى جانب ذلك كله وربما قبله كان “مايلز لامبسون” لا يأوي إلى فراشه في أي يوم مهما طال السهر، قبل أن يفضي إلى يومياته الخاصة بكل ما رأى وسمع وأحس طوال نهاره وسهره. ويمكن أن يقال أن هذه اليوميات (2 مليون كلمة)، أهم وأكمل سجل عن الحياة المصرية في تلك الأوقات من التاريخ المصري. وفي حين أن تقارير “مايلز لامبسون” (لورد كيلرن) محفوظة في دار المحفوظات ب “كيو” قرب لندن فإن يومياته مودعة بناء على وصيته في كلية “سان أنتوني” ب (جامعة أوكسفورد)، وهي الكلية المهتمة بدراسات الشرق الأوسط، ومحفوظات هذه الكلية من مجموعات الأوراق الخاصة مهولة وذات قيمة يصعب تقديرها. 

وفي ما يلي نص حرفي لما سجله السير “مايلز لامبسون” عن وقائع 4 فبراير 1942 ثلاثة أيام هزت كيان مصر بأول انقلاب عسكري في السياسة المصرية! 

4 فبراير: ماذا جرى بالضبط؟ 
نصوص ما سجله “لامبسون” في يومياته السرية عن إنذاره للملك “فاروق” 

الاثنين 2 فبراير صباحا 

- بدأت المسائل تتحرك بسرعة، في البداية تلقيت تليفونا من (حسين سري “باشا” رئيس الوزراء) يبلغني أنه أصبح مضطرا لتقديم استقالته، وسوف يذهب إلى القصر الساعة 30،12 اليوم لتقديمها. اتصلت تليفونيا ب (أحمد حسنين “باشا” رئيس الديوان) لأطلب منه ترتيب مقابلة مع الملك لا تزيد على نصف ساعة. بدا “حسنين” مراوغا، ولذلك كلمته بخشونة، وعاد “حسنين” فاتصل بي وحاول أن يعاتبني على الطريقة التي تكلمت بها معه. ولم أتجاوب وتركته يفهم أنني أعني ما قلت له، ثم كررت علىه أنني أريد مقابلة عاجلة مع الملك اليوم وفي أسرع وقت، وسوف أكون في القصر بنفسي في الساعة الواحدة بعد الظهر بالضبط. 

وعلى الفور اتصلت بأوكنليك (القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط) وكان مع هيئة قيادته في اجتماع عندما اتصلت به. وعندما علمت أنهم جميعا هناك، قلت له أنني سوف أنضم إلىهم على الفور، وأخذت معي “سمارت” (المستشار الشرقي للسفارة)، و”تيرنس شون” (الوزير المفوض)، وطرحت علىهم ما أنوي أن أفعله، وأبدى “أوكنليك” شيئا من التردد، وسيطرت على مشاعري حتى لا أقول له أن العسكريين لا يستطيعون التصرف في الأمور السياسية وحدهم، ومن حسن الحظ أن الجنرال “ستون” أيد موقفي معتقدا بأن الوقت قد جاء لنكون حازمين. 

وتم الاتفاق في النهاية على أنني عندما أقابل الملك في الساعة الواحدة بعد الظهر سوف أضع أمامه النقاط التالية: 

1 إننا نريد أن نرى حكومة موالية لنا، قادرة على تنفيذ المعاهدة بنصوصها وروحها، وبالتحديد المادة الخامسة من المعاهدة (الخاصة بالاتصالات مع قوى خارجية معادية). 

2 إننا نريد حكومة قوية تستطيع أن تحكم معتمدة على تأييد شعبي كاف. 

3 هذا يعني أن علىه أن يستدعي (مصطفى النحاس “باشا” رئيس الوفد) وهو زعيم حزب الأغلبية في البلاد وأن يتشاور معه في شأن تأليف حكومة. 

4 إنني أطلب أن يتم ذلك في موعد أقصاه ظهر غد. 

5 إنه هو شخصيا سوف يكون مسؤولا عن وقوع أي اضطرابات أو إخلال بالأمن في هذه الفترة. 

2 فبراير بعد الظهر 

استقبلني الملك الساعة الواحدة كما طلبت، وحاول أن يكون وديا فوق ما هو ضروري، وشرحت له لماذا طلبت أن أراه بهذه السرعة، فقد علمت أن “سري” (باشا) قدم استقالته وكممثل للحلفاء في مصر (وليس بريطانيا وحدها)، فقد وجدت من الضروري أن أعرف من هو رئيس الوزارة الذي سوف يخلفه، وأتأكد من أنه يملك المؤهلات الكافية لتنفيذ أمين لنصوص وروح معاهدة سنة 1936. 

سلمت الملك البنود الأربعة الأولى من مقترحاتي التي أرسلتها إلى وزارة الخارجية، وأما بالنسبة للبند الخامس (أي مسؤولية الملك عن حفظ الأمن والنظام) فقد قرأت علىه النص شفويا، وكان قصدي من ذلك أن يفهم ما أتحدث عنه بدون أدنى شك. 

قبل الملك بدون تردد النقطتين (1) و(2) في مطالبي، وقال إنها طلبات معقولة ومفيدة، وأما في ما يتعلق بالبند الثالث (استدعاء النحاس) فقد دخل بشأنه في شرح طويل، قال إنه كان يعمل من أجل تأليف حكومة وحدة وطنية، وقال إنه يسلم بأنه ليس هناك شخص آخر غير “النحاس” يمكن أن يرأس هذه الحكومة، وأنه يظن أن علاقته تحسنت مع “النحاس”، وهو في الواقع لا يرى مرشحا آخر غيره. وإذا استعرضنا المرشحين غير “النحاس” فسنجد أنهم جميعا لا يصلحون الآن. أضاف الملك أن (أحمد ماهر “باشا” رئيس حزب السعديين) لديه الحكمة ليدرك أنها ليست ساعته was not his hour انتقل الملك من هذه النقطة إلى إبداء تردده بشأن استدعاء “النحاس” (باشا) ضمن المهلة التي حددتها له. لم يقل أنه لن يستدعي “النحاس” (باشا) للتشاور معه، وإنما حاول أن يعطيني الانطباع أن خلافه معي هو في المهلة الزمنية، فهو يخشى أن العجلة في استدعاء “النحاس” (باشا) قد تعطي انطباعا خاطئا. كررت علىه بوضوح مرة أخرى أنني أريده أن يخطرني في ظرف ساعة واحدة من الآن أنه استدعى “النحاس” (باشا). لم أستعمل كلمة تهديد مباشرة أو غير مباشرة ولكنني كنت حازما، أضفت أنني لن أقبل أي عذر لأية اضطرابات أو إخلال بالأمن يحدث في البلد إلى حين استدعاء “النحاس”. 

رد عليّ الملك بأنه لن تكون هناك أية اضطرابات فقد أرسل هذا الصباح إلى طلبة الأزهر الذين جاءوا في مظاهرات إلى القصر، وأبلغهم أن علىهم التزام الهدوء. وتركت مكتب الملك وقبل أن أغادر القصر طلبت “حسنين” (رئيس الديوان الملكي)، ورويت له ملخص ما قلته للملك وطلبت منه أن يتأكد من استجابة الملك لما طلبت بحيث يستدعي “النحاس” قبل ظهر غد. 

حاول “حسنين” أن يناقش الموضوع وحاول إقناعي بأنهم كانوا يرتبون لحكومة ائتلافية يرأسها “النحاس”. لكن تفكيرهم كان يتجه إلى أن تكون البداية وزارة محايدة تقوم بإجراء انتخابات حرة تمهد لوزارة وفدية، وخشيته أنه إذا جرى استدعاء “النحاس” وتكليفه بتشكيل الوزارة في خطوة واحدة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى اكتساح وفدي يعم كل الدوائر الانتخابية، ويؤدي إلى تهميش الأحزاب السياسية الأخرى وبالذات السعديين والأحرار الدستوريين. وحين لمح عدم تقبلي لما يقول أكد أن البداية بوزارة محايدة تجري انتخابات يمكن أن يكون فيه نوع من الفرملة يكفل سلامة الحكم في ما بعد. 

قال لي “حسنين” أيضا أنه إذا كنت أخشى أن “علي ماهر” أو بعض أنصاره ربما ينتهزون فرصة التغييرات السياسية المقترحة و”يلعبون”، فهو يستطيع أن يؤكد لي أن “علي ماهر” وأصدقاءه سوف يتم استبعادهم بالكامل من الوزارة المستقلة. قلت له إنني أعرف أن “النحاس” لن يقبل بحكومة مستقلة الآن ولا بحكومة ائتلافية في ما بعد، وأن ما يقوله (حسنين) مضيعة للوقت، وما زلت مصرا على ما طلبته، وأرجو ملحا أن أسمع أن “النحاس” دعي لمقابلة الملك والتشاور معه قبل ظهر غد. 

2 فبراير مساءً 

فكرت بعد الظهر أن أبعث “سمارت” ليقابل “حسنين” ويضغط علىه بضرورة العمل وفق ما طلبت منه ظهر اليوم وأن يحذره من عواقب التراخي أو التأخير. لكني من سوء الحظ اكتشفت أن “سمارت” أوى إلى فراشه مصابا بنوبة برد مفاجئ. وهكذا طلبت من “تيرنس شون” (الوزير المفوض) أن يبعث إلى “حسنين” بوصفه صديقا له رسالة شخصية وعاجلة تؤكد أهمية الاستجابة لما طلبت في الموعد الذي حددته. 

2 فبراير ليلا 

ذهبت للعشاء في احتفال الهلال الأحمر وبحضور الملكتين (نازلي وفريدة). كان الاحتفال في ستوديو مصر، وكان احتفالا كبيرا، خصوصا مع حضور عدد كبير من وصيفات الشرف للملكتين فقد كان منظر الوصيفات أنيقا. وعندما عُدت إلى السفارة بعد منتصف الليل بقليل وجدت برقية من وزارة الخارجية، وبدا لي أنهم هناك لا يعرفون أن “سري” استقال ولذلك كتبت إلىهم قبل أن أنام عن آخر التطورات، كذلك حرصت على كتابة مذكرة شخصية وخاصة لأنتوني إيدن (وزير الخارجية) أضعه في الصورة لأني أريد أن تكون وزارة الحرب على بينة من تراخي “أوكنليك” (القائد العام لقوات الشرق الأوسط). 

لم أستطع النوم بسرعة لأن عيني كانت ملتهبة وكان لابد أن أضع علىها كمادات لمدة نصف ساعة. 

الثلاثاء 3 فبراير 

طلب (أمين عثمان شغل من قبل منصب وكيل وزارة المالية) وأصبح حلقة الاتصال بين “النحاس” (باشا) وبين السفير البريطاني مقابلتي. شرحت له تفاصيل الموقف. قال لي بصراحة أنه جاء إلى باسم “النحاس” لكي يؤكد لي أن “النحاس على أتم استعداد” prepared perfectly لكي يلعب دوره معنا ما دمنا سوف نمضي فيه إلى النهاية. قلت له إنني أريد أن يعرف “النحاس” بعض المسائل المهمة التي طرحتها على وزارة الخارجية في لندن وهي نقاط سوف أثيرها معه (النحاس) مؤخرا عندما يصبح رئيسا للوزراء وهو ما أتوقعه. 

وأبديت أنني أذكر له هذه النقاط الآن لكي يكون النحاس مستعدا عندما أطلبها رسميا منه. 

أبدى “أمين عثمان” أنه واثق من أن “النحاس” لن يثير أية مشاكل على أي مسألة يمكن أن نطرحها علىه. سألني “أمين” ما هي نصيحتي للنحاس وكيف يتصرف بعد ظهر غد (عندما يدعوه الملك للمشاورات). قلت لأمين أن “النحاس” يستطيع أكثر من غيره أن يكيف موقفه، ولكن رأيي أن علىه أن يرفض فكرة الحكومة الانتقالية، فهي مجرد حيلة من القصر تعطيهم فرصة للمناورة وترتيب المؤامرات وتدعيم موقفهم في البلاد. قلت أيضا إن “النحاس” يستطيع إذا أراد أن يقبل رئاسة وزارة ائتلافية ولو أني أعرف أن هذه مسألة صعبة. وقال “أمين” أنه سوف يعود الآن إلى “النحاس” ليرى ما عنده. 

لا بد أن أستدرك لأسجل أنني قبل أن يدخل “أمين” عندي، تلقيت اتصالا تليفونيا من “سري” ليبدي لي ملاحظة سمعتها مني زوجته (السيدة ناهد سري، وهي في ذلك الوقت رئيسة الهلال الأحمر) أثناء حضوري لاحتفال الأمس في ستوديو مصر. قلت له إنني بسبب تسارع الحوادث لم أستطع الاتصال به أمس لأخطره بما جرى. وافقني “سري” (باشا) على أن فكرة وزارة محايدة مضيعة للوقت، وأن فكرة حكومة ائتلافية حتى لو كانت برئاسة “النحاس” سوف تؤدي إلى مشاكل كثيرة، وأن الحل الوحيد الحقيقي هو ما رأيته من أفضلية مجيء وزارة وفدية بالكامل. 

3 فبراير بعد الظهر 

الموقف هادئ حتى الساعة 15،2. 

جاء “أمين” برسالة من “النحاس”. الرسالة كما يلي: 

“في ظروف سابقة كان “النحاس” دائما ينادي بحكومة محايدة تجري انتخابات. الآن غير رأيه لأن الظروف لا تحتمل. وأما عن فكرة وزارة ائتلافية فرأيه أنها لن تنجح لأسباب كثيرة بينها أنه يعرف أن “أحمد ماهر” رئيس الحزب السعدي مريض أصابته نوبة قلبية خفيفة، ومعنى هذا أن عضوا آخر من حزبه (السعديين) سوف يدخل الوزارة الائتلافية في حالة تشكيلها وذلك غير مقبول منه (من النحاس). وفي كل الأحوال فهو يرى أن الأوضاع في البلد غاية في السوء، والقصر يتآمر حتى ضد وزارة “سري” رغم أنه قريب للملك. وإذا كان على “النحاس” أن يقدم لنا المطلوب deliver the goods to us، فلا مفر أن تكون الوزارة القادمة وفدية. ونحن نعرف أن “النحاس” تعاون معنا بكل جهده من قبل، وعلىنا أن نثق أنه حتى لو لم تكن هناك معاهدة فإنه سوف يتعاون معنا كما فعل في كل الظروف”. 

وفي ما نقله “أمين عثمان” أيضا أن “النحاس” يريدنا “أن نعرف أن روح المعاهدة تقتضي تعاونا بين الطرفين بكل ما يعنيه التعاون من أبعاد، وأنه إذا كان “حسين سري” نافعا لنا، فإن “النحاس” سوف يكون أكثر نفعا لنا if Hussein Sirry had been of use to us, Nahas would be even more use. وأن “النحاس” تعاون معنا في زمن السلم وسوف يكون تعاونه معنا أكثر عشر مرات في زمن الحرب. 

لكنه لكي يتحقق ذلك، فلا بد أن تكون يده مطلقة بالكامل في التعامل مع القصر فما يريده هو الديموقراطية والتعاون معنا، والملك يعارض الهدفين. وإذا أيدناه إزاء الملك فإنه سوف يتكفل بكل شيء. وفي نفس الوقت فهو لا يريد أن يبدو منتقما من الملك (بسبب إقالة وزارته الأخيرة) وقد يكون لصالح الملك أن يرى قوة العلاقة بيننا (الوفد والسفارة) ويلزم حدوده”. 

وقال لي “أمين عثمان” إن “النحاس” مستعد لقبول حكومة محايدة إذا كنت أنا أريد ذلك، وحكومة ائتلافية إذا كانت تلك نصيحتى، لكنه يريد تذكيري بأن الحكومات الائتلافية لا تنجح”. 

قلت لأمين إنني سأملي علىه النقاط التي أريد منه إبلاغها للنحاس: “إن النحاس علىه أن يقول للملك أن الموقف في غاية السوء، وأنه لا يستطيع الثقة في ولاء الأحزاب الأخرى التي يمكن أن تشارك في حكومة ائتلافية إذا أصر الملك على ذلك، وأن الحل الوحيد لتفادي المشكلات والمؤامرات هو تأليف وزارة وفدية خالصة حتى تستطيع أن تتحمل المسؤولية. ويستطيع “النحاس” أن يطرح على الملك اقتراحين: 

1 تخصيص بعض الدوائر الانتخابية للأحزاب الأخرى. 

2 إمكانية إنشاء مجلس استشاري من زعماء الأحزاب ويكون ذلك بديلا لفكرة الائتلاف”. 

لم يكد “أمين” يخرج من عندي حتى اتصل بي يبلغني أنه حين وصل إلى بيت “النحاس” عرف أنه استدعي إلى القصر. 

3 فبراير مساءً 

في الساعة السادسة مساءً اتصل بي “أمين” ليبلغني بلقائه مع “النحاس” وبما رواه له عما حدث في القصر، أملاني “أمين” محضرا كتبه “النحاس” للمقابلة مع الملك he actually dictated Nahas own record of the interview، ولم يعجبني ما سمعته منسوبا للملك وملخصه أن “فاروق” طلب من “النحاس” تأليف وزارة ائتلافية، وأن “النحاس” رفض مبديا استعداده تأليف وزارة وفدية تتحمل المسؤولية. 

بناء على ذلك وفي الساعة السابعة، استدعيت “حسنين”، قلت له إنني عرفت بما حدث مع “النحاس” (باشا)، وأنا أريد أن أطلب من الملك “فاروق” أن يستدعي “النحاس” في أسرع وقت، وأن يكلفه بتشكيل الوزارة. أبلغت (حسنين) أيضا أنني سوف ألتقي بالمجلس الحربي في مصر الساعة العاشرة من صباح غد، وتركته يفهم ماذا يعني ذلك، حاول “حسنين” كعادته أن يتلوى، ولكني أبلغته بوضوح أنني أعني ما أقول وأن علىه أن يعرف أنني أريد من الملك أن يستدعي “النحاس” لتأليف الوزارة. 

بعد خروج “حسنين” بقليل، اتصل بي “أمين عثمان” وأبلغته بما قلته لحسنين. وذهبت إلى العشاء والسهرة وعدت إلى البيت الساعة 15،12، اتصل بي “أمين” ليسأل إن كان هناك جديد وأجبته بالنفي. 

الأربعاء 4 فبراير (صباحا) 

كنت ما زلت مشغولا بالكمادات على عيني في الصباح الباكر عندما سمعت أن “هنري هوبكنسون” (ضابط الاتصال السياسي بالسفارة البريطانية في القاهرة وقتها) جاء يحمل رسالة عاجلة. طلبت أن يصعد إلىَّ في غرفة النوم. أبلغني أن “حسنين” اتصل تليفونيا وطلب أن يراني بأسرع ما يمكن؛ لأن لديه رسالة يريد إبلاغها لي. وحين عرف أنني ما زلت في غرفة النوم أبدى رغبته أن يذهب “هوبكنسون” إلىه في مكتبه ليتلقي منه الرسالة. وقد رد علىه “هوبكنسون” بأنه سيصعد إلى غرفتي ويعود إلي في هذا الشأن. ثم يرد علىه، قلت لهوبكنسون “إنني لا أوافق لأن الوقت تأخر وهم يحاولون المماطلة”. 

في الساعة العاشرة كان علي أن أحضر اجتماع لجنة الحرب (في مقر وزير الدولة البريطاني المقيم ومكتبه في ذلك الوقت 10 شارع الطلمبات غاردن سيتي) في السيارة كان معي الملحق العسكري بالسفارة. في الطريق قلت له “إن هناك وسيلتين للتصرف في أزمة من هذا النوع: إما أن نعالج الأمور سياسيا بحزم وهذا ما أفعله، وإما أن تتولى جماعته أي العسكريون حل العقدة، وهذا ما أحاول تجنبه”. 

عندما وصلت إلى الاجتماع كان الكل حول المائدة. 

شرحت للكل ولأوليفر (أوليفر ليتلتون الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط) تطورات الحوادث حتى هذه اللحظة، وقلت إنني أريد أن أعرف منهم تصورهم للمهلة التي يجب أن أعطيها للملك نهائيا حتى يستدعي “النحاس” لتشكيل الوزارة. كانت المناقشة مفيدة واتفقنا على أن أبلغ “حسنين” رسالة بالموعد. ولم أجد مبررا لكي أذهب إلىه أو يجيء لي، فاتصلت به (حسنين) تليفونيا وأمليت علىه نصا مكتوبا وافق علىه الجميع، وكان النص كما يلي: 

“إذا لم أسمع قبل السادسة مساء اليوم أن “النحاس” دعي لتشكيل حكومة، فإن صاحب الجلالة الملك “فاروق” علىه أن يتحمل العواقب” ولم أترك لحسنين فرصة لمناقشة ما تلقاه مني. وأكملنا اجتماع لجنة الحرب، فقد كانت أمامنا ترتيبات كثيرة عند الساعة السادسة مساء في حالة ما إذا تأخر الملك في استجابته لطلباتنا. 

واستدعينا الجنرال “ستون” (رئيس البعثة العسكرية البريطانية في الجيش المصري). كان “ستون” يطلب وقتا، وكذلك اتفقنا على أن نبدأ التحرك الساعة الثامنة مساء. في ذلك الوقت يكون علي أن أذهب أنا يرافقني الجنرال “ستون” إلى قصر عابدين لإبلاغ الملك أن علىه أن يتنازل عن العرش. ولكي نحول دون حدوث أي قلاقل كان لا بد أن تسبقنا قوة عسكرية مسلحة تحيط بالقصر قبل أن نصل إلىه أنا والجنرال “ستون”. وكنا جميعا على اتفاق بأنه لا يجب أن أخرج من القصر إلا وفي جيبي ورقة من اثنتين كلتاهما بإمضاء “فاروق”: واحدة علىها تنازله عن العرش إذا عاند والثانية علىها تكليفه للنحاس إذا قرر أن يطيع! 

وناقشنا أين يذهب في حالة ما إذا تنازل عن العرش واستقر رأينا في البداية على أنه يمكن نقله إلى إحدى سفن أسطولنا في الإسكندرية (وبعدها كان الترتيب إرساله إلى المنفى في كندا، وكان القصد من كندا إعطاءه فرصة لقطع الوقت بالتزلج على الجليد لأن تلك رياضته المفضلة). 

تركت قاعة الاجتماع إلى مكتب آخر مجاور واستدعيت “فيتز باتريك” (قائد بوليس القاهرة)، وطلبت منه أن ينسق على الفور مع الجنرال “ستون”. كذلك اتصلت بوالتر مونكتون (مساعد وزير الدولة المقيم وهو خبير مرموق في الشؤون الدستورية)، وقد اعتبرت أن وجود “مونكتون” مصادفة سعيدة في مصر في ذلك الوقت، لأنه هو الرجل الذي كتب وثيقة تنازل “إدوارد الثامن” عن العرش لكي يتزوج من عشيقته “واليس سمبسون” (التي أصبحت في ما بعد دوقة وندسور بعد أن تنازل “إدوارد” عن العرش مفضلا الغرام على الملك). 

عُدت إلى السفارة الساعة 30،12 بعد الظهر، استدعيت “حسنين” لمقابلة قصيرة جدا، أعدت علىه مرة أخرى نص ما سبق وأبلغته به. وكتبه مرة أخرى، وقلت له أنه ليس عندي ما أضيفه إلى هذا النص الذي أرجو أن يقنع الملك “فاروق” بأنه الضوء الأحمر هذه المرة، وأنني بكل ما لدي من وسائل الإقناع أريد أن أحذر الملك فأنا أتوقع أن أتلقى ردا يستجيب لما طلبت في الموعد المحدد وإلا فسوف تحدث أشياء things will happen. 

رأيت مناسبا أن أتأكد من موقف النحاس، ولأني أفهم أنه يصعب العثور علىه في بعض الأوقات، فقد أردت أن أعرف أين سيكون في حالة ما إذا دعاه الملك أو احتجت أنا إلىه. أبلغت “أمين عثمان” بما حدث مع “حسنين” وأنه من المهم أن يكون “النحاس” موجودا حيث يمكن الاتصال به، أبلغته أيضا أنني “أتمنى أن يكون “النحاس” ما زال عند موقفه” قال لي أمين أن “النحاس” نفسه قال له قبل قليل “أنه يتمنى أن لا نغير نحن رأينا”. 
وقال أمين “إنه لم ير “النحاس” مصمما كما يراه الآن”. قال لي “أمين” أن “مكرم” (مكرم عبيد سكرتير الوفد في ذلك الوقت)، دُعي للقصر. 

قلت لأمين “إنني أرجو أن لا يكون مكرم تراوده إمكانية التخاذل الآن، وقد اقتربنا من ساعة الصفر”. قال “أمين” “إنه سوف يبقى مع “النحاس” بنفسه طوال بعد الظهر”. 

لكي أكمل السجل في هذه اليوميات أضيف أنني تلقيت برقية من وزارة الخارجية تصدق على كل الترتيبات التي اتخذتها. 

4 فبراير بعد الظهر 

على الغداء تلقيت معلومات بأن طلبة جامعة الأزهر خرجوا في مظاهرة تنادي “يحيا رومل ويسقط الإنكليز”، وتلك بالتأكيد من نتائج تحريض “المراغي” (الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر وكانت السفارة تتهمه بأنه أحد الأعمدة الكبيرة التي يستند علىها القصر) تلقيت أيضا معلومات بأن هناك اضطرابات في الزقازيق. كان معي على الغداء عدد من الضيوف بينهم الجنرال السير “كلود أوكنليك” (القائد العام للقوات البريطانية في مصر) وقد ناولته ورقة المعلومات التي وصلت إليَّ عبر المائدة. 

بعد الغداء أبلغني “أمين” أن “النحاس” وصلته معلومات مؤكدة بأن الملك يحزم حقائبه، ثم عاد “أمين” فأبلغني أن “النحاس” دعي إلى مقابلة الملك بعد الظهر. 

تأكدت من جميع الترتيبات العسكرية لأني لا أستطيع أن أستبعد إقدام الملك على حماقة. 

4 فبراير بعد الظهر 

الساعة 45،5 لم تصلني أية إشارة من القصر، وأرسلت إلى وزارة الخارجية أبلغهم أنني الآن ماض في تنفيذ خطتي. 

الساعة 6 مساءً جاءتني رسالة تليفونية من “تيمور بك” (إسماعيل تيمور بك التشريفاتي الأول في قصر عابدين) الذي أبلغني أن “حسنين” في طريقه إليَّ، ووصل “حسنين” فعلا الساعة 15،6 ومعه رسالة من الملك نصها ما يلي: 

“عندما تلقى الملك الإنذار البريطاني دعا إلى القصر فورا الساسة المرفقة أسماؤهم بهذه الرسالة وهم قادة كل الأحزاب السياسية، وبينهم “النحاس” وعرض علىهم خطورة الموقف، واتفق رأيهم جميعا على صيغة رد طلبوا إبلاغها لي، وكان نص الرد يقول: 

“إن الإنذار البريطاني الموجه إلى جلالة ملك مصر يمثل خرقا لمعاهدة الصداقة والتحالف بين البلدين، ولهذا السبب وبناء على نصيحة الزعماء السياسيين، فإن جلالة ملك مصر لا يستطيع قبول هذا الخرق لاستقلال بلاده”. 

نظرت إلى “حسنين” وقلت له هذا كلام بالغ الخطورة، وسوف أجيء إلى القصر لأبلغ الملك ردي علىه بنفسي في الساعة التاسعة مساء. وبدا الذهول على وجه “حسنين” وسألني “ألا يمكن سير “مايلز” لك ولي أن نجد حلا لهذه المشكلة؟” ثم استطرد ولم أقاطعه عامدا حتى أسمع ما لديه قائلا: “إننا نحتاج الآن إلى حل لإنقاذ ماء الوجه، وإذا وافقت على تشكيل حكومة محايدة فهو (حسنين) على استعداد أن يقسم لي بشرفه أنه في أقل من شهرين سوف تكون في البلد حكومة وفدية”. 

قلت لحسنين: “إنني حاولت مرات من قبل أن أتعاون معه، لكني أخشي أن يكون ما يقترحه الآن مستحيلا بالنسبة لي”. 

دعوت لجنة الطوارئ للاجتماع، وبينما نحن مجتمعون وصل “أمين عثمان” للسفارة. ذهبت لمقابلته في غرفة مجاورة، سألته على الفور: “هل وضع “النحاس” توقيعه حقا على رد الزعماء السياسيين الذي جاء به “حسنين”؟ وإذا كان ذلك فكيف يمكن تفسير تصرفه؟”. أكد لي “أمين” أنني لا يجب أن أهتم بأي شيء إلا بتأكيداته هو لي باسم “النحاس”. 

أضاف “أمين عثمان” أنه يستطيع أن يراهن إلى آخر دولار(!) عنده بأن “النحاس” متمسك بما اتفق علىه معي. وكذلك عدت إلى غرفة الاجتماع وطلبت إعداد نص بالكلام الذي أوجهه إلى الملك “فاروق” عندما ألتقيه في المساء، واتفقنا على نصين: 

النص الأول فيه ما أقوله للملك. 

والنص الثاني وثيقة تنازل من الملك عن العرش. 

النص الأول يقول “خلال السنوات الأخيرة تأكد لنا أنكم تحت تأثير بعض مستشاريكم، لم تكونوا مخلصين للحلف ولبريطانيا العظمى، وإنما على العكس من ذلك عرقلتم جهودهم بما يساعد خصومهم. 

إن الاتجاه العام وما يصاحبه من ظواهر تؤكد لنا قيامكم بخرق معاهدة التحالف مع بريطانيا بمقتضى المادة الخامسة التي تفرض علىكم ألا تقوموا بأية اتصالات أو علاقات مع أي بلد معاد للحلفاء. 

إن جلالتكم فوق ذلك وعن تعمد وبدون داع طلبتم من الحكومة السابقة الرجوع عن قرار اتخذته بمقتضى البند الخامس من المعاهدة (بطرد المسيو “بوتزي” الوزير المفوض الفرنسي في القاهرة). 

وأخيرا، فإنكم فشلتم في تأمين قيام حكومة وحدة وطنية ورفضتم أن تعهدوا بالسلطة إلى رئيس الحزب الذي يحظى بالأغلبية الشعبية في البلد والذي يستطيع وحده تأمين التنفيذ الدقيق للمعاهدة بالروح التي وضعت بها النصوص. ومثل هذه التصرفات الطائشة وغير المسؤولة من جانبكم تعرض أمن مصر وأمن القوات الحليفة فيها للخطر، وهنا فإنهم يعلنون لكم أنكم لم تعودوا جديرين بالجلوس على العرش. 

وأما النص الثاني (وثيقة التنازل عن العرش) فقد كان على النحو التالي: 

“نحن “فاروق” الأول ملك مصر تقديرا منا لمصالح بلدنا فإننا هنا نتنازل عن العرش ونتخلى عن أي حق فيه لأنفسنا ولذريتنا، ونتنازل أيضا عن كل الحقوق والامتيازات والصلاحيات التي كانت عندنا بحكم الجلوس على العرش. ونحن هنا أيضا نحل رعايانا من يمين الولاء لشخصنا”. 

صدر في قصر عابدين في هذا اليوم الرابع من فبراير 1942. 

توقيع “فاروق” 

طلبت من وزير الدولة (أوليفر ليتلتون) أن يبقى على العشاء ومعه قرينته الليدي “مويرا”. رحنا نناقش ما نحن مقبلون علىه، وكان يرى “أنه حتى “النحاس” رجل مذبذب في موقفه”، والدليل على ذلك توقيعه على عريضة الزعماء التي أيدوا فيها الملك واتهمونا بالتدخل في شؤون مصر عدوانا على المعاهدة. وهنا كان رأيه (وزير الدولة أوليفر ليتلتون) بعد نقاش طويل “أنه إذا تراجع الولد (the boy) واستسلم للإنذار فلا داعي لوضع وثيقة التنازل أمامه”. 

قبل أن أخرج من السفارة استدعيت “أمين” لمقابلة أخيرة أريد أن أتأكد فيها من أن كل شيء يسير على نحو ما أريد. قلت له إنني أتوقع ما يلي: 

1 إن “النحاس” سوف يؤلف وزارة وفدية إذا دعاه الملك “فاروق” وطلب منه. 

2 إنه إذا تنازل الملك عن العرش فإن “النحاس” سوف يؤلف الوزارة وينهض بالمسؤولية “بطلب منا”! 

تحركت من السفارة الساعة 40،8 متوجها نحو قصر عابدين، كان معي الجنرال “ستون” وكنت أعرف أن هناك قوة من المدرعات سبقتنا إلى حصار القصر، وكان معنا عدد من السيارات مشت خلفنا ومجموعة من الضباط يمثلون كل أسلحة الجيش البريطاني وفروعه ترافقنا. 

في الطريق رويت للجنرال “ستون” ما اقترحه وزير الدولة (أوليفر ليتلتون) على العشاء، وأبدى الجنرال “ستون” أنه يوافق بلا تردد، على أنه “إذا تراجع الولد فليس لنا أن نجبره على التنازل عن العرش وإلا وضعنا أنفسنا في مربع الخطأ”. 

وهكذا وصلنا إلى القصر، ولأن هذه المقابلة مهمة فإني أخصص لها في هذه اليوميات صفحات مستقلة. 

***********

ملحق إضافي: 

“لأن ما حدث في قصر عابدين مساء يوم 4 فبراير 1942 موضوع مهم من وجهة نظر تاريخية وإنسانية، فقد رأيت أن أودع في هذه اليوميات صورة كاملة من التقرير الذي بعثت به إلى “أنتوني إيدن” (وزير الخارجية) وهذا نصه: 

1 صاحب السعادة قد يهمك أن تعرف صورة كاملة لوقائع هذا المساء التي أعتبرها جديرة بالتسجيل. 

2 في الساعة التاسعة مساء وصلت إلى قصر عابدين مصحوبا بالجنرال “ستون” ومعنا مجموعة منتقاة من الضباط الذين يمثلون كل أسلحة القوات، وكانوا مسلحين حتى الأسنان. في طريقنا للقصر مررنا ببقية قواتنا التي كانت تتقدم في الظلام متجهة إلى القصر لاستكمال حصاره. وعندما وصلنا كان في وسعي أن أرى نظرة ذهول في عيون تشريفاتية القصر الذين وقفوا في استقبالنا عند مدخله، وكانت نظراتهم الذاهلة أول إشارة لي بأن المظاهرة التي قمنا بها حققت آثارها المبدئية. 

صعدنا إلى الطابق الثاني وانتظرنا قليلا ونحن نسمع أصوات الدبابات وهي تتخذ مواقعها حول القصر. وكان مشهد دخول وخروج تشريفاتية القصر والياوران من ناحية مكتب الملك وهم يهرولون في ذعر لمسة مضافة إلى جو توقعات الشؤم التي ينتظرها أهل القصر. 

3 بعد قرابة خمس دقائق من التأخير دُعيت إلى مكتب الملك في نفس اللحظة التي كنت فيها على وشك أن أبلغ رئيس الأمناء أنني لست مستعدا للانتظار ثانية إضافية واحدة. وتوجهت في الممر المؤدي إلى مكتب الملك ومعي الجنرال “ستون”، ولكن كبير الأمناء (سعيد ذو الفقار باشا) حاول أن يمنع الجنرال “ستون” من مرافقتي، وقد أزحته جانبا بذراعي ودخلت والجنرال “ستون” معي إلى مكتب الملك. 

4 بدا الملك “فاروق” مأخوذا، وسألني إذا كان يمكن أن يستبقي “حسنين” معنا أثناء المقابلة، ووافقت على طلبه. 

5 مضيت مباشرة إلى مهمتي وقلت للملك إنني كنت أتوقع منه ردا بلا أو نعم في الساعة السادسة على الرسالة التي بعثت بها إلى القصر صباح اليوم. وبدلا من ذلك جاءني “حسنين” في الساعة السادسة والربع برسالة اعتبرتها ردا “بلا”. وأنا الآن أريد أن أعرف وبدون مراوغة هل هي نعم أم هي لا؟ وبدا أن الملك يفكر ولم أترك له فرصة، وإنما أكملت كلامي على الفور مبديا له بازدراء شديد أن الأمور وصلت إلى نقطة خطيرة أعتبرها بوضوح إجابة بلا. وبناء علىه فإني بمقتضى السلطات المخولة لي أطلب منه توقيع وثيقة بالتنازل عن العرش، وليس أمامه غير أن يوقع علىها فورا، وإلا فإنني سوف أتخذ إجراءات أخرى للتصرف معه قد لا تكون مرضية له وناولته ورقة التنازل عن العرش. 

6 تردد الملك “فاروق” لثوان وأحسست للحظة أنه سوف يأخذ القلم ويوقع، لكن “حسنين” تدخل باللغة العربية وقال شيئا للملك الذي توقف وبدا علىه نوع من الهلع، وقد نظر إليَّ وسألني بطريقة محزنة وبدون أية ادعاءات مما كان يتظاهر به من قبل “إذا كان في الإمكان إعطاؤه فرصة أخرى وأخيرة”. وقلت له “إنني لابد أن أعرف فورا وبدون مراوغة ما الذي ينوي عمله”؟! وأجاب بأنه سوف يستدعي “النحاس” على الفور، وزاد فاقترح أن يدعو “النحاس” في وجودي إذا أردت، وأن يكلفه على مسمع مني بتشكيل وزارة جديدة. 

سألته: “هل يفهم بوضوح أنها يجب أن تكون وزارة من اختيار “النحاس” وحده؟”، وقال “إنه يفهم”. وقلت له “إنني على استعداد لأن أعطيه فرصة أخيرة لأني أريد أن أجنب بلاده تعقيدات قد لا تكون سهلة في هذه الظروف. ولكن علىه أن يدرك أن تصرفه لا بد أن يكون فوريا”. وقال مرة أخرى وبصوت متأثر بالانفعال “إنه يستوعب أن ضرورات محافظته على شرفه وعلى مصلحة بلاده تقتضي أن يستدعي “النحاس” فورا”. 

7 على هذا الأساس وافقت. 

8 حاول الملك “فاروق” بعدها وبجهد يثير الرثاء أن يتلطف وأن يجعل من نفسه شخصا ودودا، وأكثر من ذلك فإنه وجه إليَّ شخصيا شكره العميق لأنني ساعدته في اجتياز أزمة بهذه الحدة. 

9 تركت مكتبه وخرجت مارا بالبهو الطويل المؤدي إلى مكتبه، وكان البهو مزدحما على الآخر بعدد من الضباط البريطانيين ومن تشريفاتية القصر، كما أنه عند آخر الممر من الناحية الأخرى، كان هناك عدد من السيدات ظهرن لي وكأنهن قطعان من الدجاج المذعور. 

وعندما نزلنا إلى بهو القصر كان هناك حشد من الضباط البريطانيين، كما أنه من مدخل القصر بدا لي صلب الخوذات والمسدسات ومدافع التومي، وكلها على استعداد لحالة الإنذار. 

وبينما نحن نخرج من مدخل القصر ظهرت أمامي ساحته الواسعة بأضوائها الخافتة، كأنها غابة مغطاة بالدبابات والعربات المصفحة والمدافع المصوبة نحو القصر مستعدة للعمل. وكان المشهد قويا مثيرا للإعجاب بكفاءة الترتيبات العسكرية التي مهدت وساعدت على إنجاح مهمتي بهذه السرعة. 

10 فور أن وصلت إلى السفارة وجدت “حسنين” على التليفون ينتظرني بلهفة ويسألني “متى تنسحب القوات المحيطة بالقصر؟ وداعي لهفته أن وجود القوات يعرقل وصول زوار القصر الآن وأولهم “النحاس”، وهو لا يريد أن نتصور أن هناك تأخيرا ليسوا هم المتسببين فيه”، ووعدت “حسنين” أنني سوف أنظر في الأمر. 

وبعد نصف ساعة من هذه المحادثة وصل “النحاس” إلى مقر السفارة قال لي أنه قادم من مقابلة الملك الذي استقبله مع عدد آخر من الزعماء السياسيين وأن الملك كلفه أمامهم جميعا بتشكيل الوزارة على الفور وكما يريد. كما كلفه بأن يجيء على الفور لإبلاغي بأن كل شيء قد تم كما طلبت، وأن الملك تصرف حسب ما وعدني وبسرعة. 

بقي “النحاس” معي وطلبت أن ينضم إلىنا وزير الدولة، وأبلغت “النحاس” بحضوره أنني سوف أتراجع من الآن إلى خلفية المسرح وأترك له أن يقف في الواجهة ويتصرف ويقوم بتأليف وزارته. كان “النحاس” متحمسا وإن “عبر عن وساوس لا تزال تراوده حول شرور بعض عناصر القصر”، وكان رأيه أن هذه العناصر وعناصر أخرى من خارج القصر لا بد من استبعادها فورا. وقلت له إنني أفضل أن أكون الآن بعيدا، وعلىه هو أن يتخذ الإجراءات التي يراها ضرورية. 

11 لا بد أن أقول أنني استمتعت لأبعد مدى بوقائع هذه الليلة، ولقد راودني الإغراء في بعض اللحظات بأن أصر على تنازل الملك “فاروق”، ولكني راجعت نفسي لأن مقتضيات الحذر أقول ذلك مترددا جعلتني أترك له الفرصة لاستدعاء “النحاس”. والحقيقة أنه لم يكن في وسعي أن أرغمه على التنازل عن العرش لأنه تأخر في استدعاء “النحاس” وفق ما طلبت منه في إنذاري مدة ثلاث ساعات أي من الساعة السادسة كما طلبت إلى التاسعة كما حدث فعلا! 

ولم يكن في وسعنا أن نبرر سياسيا طرده على هذا الأساس أمام الرأي العام المصري أو الأجنبي. زيادة على ذلك فقد كان في اعتباري عندما ذهبت إلى القصر أنه من واجب الجانب المدني للسلطة البريطانية هنا في مصر، أن لا تتسبب في أي حرج للقيادة العسكرية التي تعاونت معي بطريقة نبيلة طول الوقت. وعلى أي حال فقد كان مسليا أن أرى نزول الملك على طلباتنا الأصلية دون قيد أو شرط، وهو ما أعتبره نصرا كاملا. 

12 في الختام لا بد أن أسجل تقديري الشديد للصلاحيات التي أعطيتموها لي بالتصرف، كما أنني أشيد بحكمة وقوة التأييد الذي أعطاه لي وزير الدولة طول الوقت. 

4 فبراير مساءً عندما وصلت إلى السفارة كان في انتظاري كثيرون ينتظرون معرفة النتيجة والتفاصيل، وكان بينهم وزير الدولة (أوليفر ليتلتون)، الذي أعرب عن سعادته بما توصلنا إلىه رغم أنه أثناء غيابي في المهمة التي ذهبت إلىها ساءل نفسه عما إذا كان قد جعلني أتردد في عزل الملك عندما أبدى بعض التحفظ (بسبب تشككه في “النحاس” باشا)، وقلت له أنني لم آسف طوال حياتي حتى الآن إلا لأن الملك استسلم بهذه السرعة، فقد كنت أتمنى أن يعاند وأن نتخلص منه. وعلى أي حال فاعتقادي أنني تصرفت بحكمة في الظروف الراهنة. “إن الولد ما زال في مكانه، لكنه أخذ صدمة عمره بمجيء النحاس إلى الحكم بهذه الطريقة، واعتقادي أننا قصقصنا أجنحته ولن يستطيع أن يطير لمدى طويل”. 

انضم إلينا “والتر مونكتون” (مساعد وزير الدولة القانوني الذي كتب وثيقة التنازل)، وواصلنا الكلام لبعض الوقت ثم انصرف الجميع راضين، لكنه كان عليَّ أن أسهر إلى ساعة متأخرة من الليل لأكتب تقريري إلى وزارة الخارجية. 

الخميس 5 فبراير 1942. 

اتصل بي “حسين سري” تليفونيا قبل الساعة التاسعة صباحا وسألته عن ردود فعل ما وقع بالأمس، قال إنه يخشى أنه لم يكن هناك سبيل آخر، وروى لي أنه وصل إلى القصر في الساعة التاسعة والنصف مع عدد آخر من الزعماء الذين دخلوا وسط طوابير القوات البريطانية التي كانت تحاصره. وهو يقدر “أن الولد أفلت بمعجزة”، لكنه يعتقد أن ما جرى كان الحل الأفضل. رأيه “أن الملك سعى وراء المشاكل ونال نصيبه منها”. وسألته إذا كان الملك قال شيئا آخر، وأجاب بالنفي، وقلت إنني سوف أحكي له التفاصيل في ما بعد. نزلت من الطابق الأعلى إلى المكتب واستدعيت “أمين عثمان” لحديث عام ضغطت خلاله على فكرتين طلبت منه أن يزرعهما to plant themفي عقل “النحاس” من البداية. 

الفكرة الأولى: أن يقنع “النحاس” بالعمل على تعيين “حسين سري” رئيسا للديوان بدلا من “حسنين”. 

والفكرة الثانية: العمل على نقل “حسنين” ليصبح رئيسا للتشريفات وهو مؤهل لهذه الوظيفة أكثر من رئاسة الديوان. 

وقال “أمين” “إنه سوف يعمل وفق ما طلبت، ولكنه سوف يوحي للنحاس بأن هذه الأفكار من عنده هو وليس من عندي”. ووافقت. 

وقلت لأمين بعد ذلك إن المهمة الأولى أمام “النحاس” أن يعمل على نقل “عبد الوهاب طلعت” وكيل الديوان الملكي من القصر، وكذلك إقصاء كل الإيطاليين العاملين في خدمة الملك. وأبلغته أهمية إفهام “النحاس” أن هذه تعلىمات لندن ولا ينبغي أن تكون موضع مناقشة. 

الخميس 5 فبراير ظهرا تلقيت البرقية التالية من “أنتوني إيدن” (وزير الخارجية) وقد سعدت بها، نصها: 

“أهنئك بحرارة. النتائج تشهد لك بالحزم وتؤكد ثقتنا فيك”. أنتوني شيء جميل! rather nice 


(ينشر باتفاق خاص مع مجلة وجهات نظر المصرية) 

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic