"حزب الله" في الاسبوع الثاني لهجمة شارون

ابرهيم بيرم

جريدة النهار  (لبنان)

الجمعة، 5 نيسان / أبريل 2002

 

     مع دخول الهجمة الشارونية المفرطة في وحشيتها على الانتفاضة الفلسطينية اسبوعها الثاني، ومع غياب كل المؤشرات الدالة على حدودها الزمنية وحيزها المكاني، صار في الامكان، الى حد ما، رسم صورة ذات خطوط اولية غير نهائية لمآل الاوضاع على جبهة الجنوب حصراً وعلى الوضع اللبناني عموماً.

"حزب الله" القطب الرئيسي في هذه الجبهة، يرفض مسؤولوه في بيروت، افساح المجال على مداه امام السائلين اياه على خطته للتعامل مع التطورات، على جاري عادتهم في مثل هذه الاحوال الحرجة، ويؤثرون الرد بجواب مختصر جداً مفاده: ان مآل التطورات في الاراضي الفلسطينية المحتلة سيفرض الرد المناسب.

ولكن الجليّ ان هذه "التقية" التي يمارسها الحزب راهناً، لا تعني اطلاقاً انه سيكتفي فقط بدور الصوت الاعلامي المدوي للانتفاضة التي راهن عليها منذ زمن وربط تكتيكه واستراتيجيته بها، وخصوصاً انه حوّل محطته التلفزيونية "المنار" "غرفة عمليات اعلامية" حقيقية لمواكبة الحدث الخطير في فلسطين، على نحو فاق كل الفضائيات العربية، بحسب اعتراف اسرائيلي.

وانطلاقاً من "التقية" عينها يلعب الحزب لعبة التسخين لجبهة مزارع شبعا، المستمر منذ خمسة ايام، وان كان يسعى الى وضعها في "نصابها الطبيعي" المألوف، اي انها جزء من معاركه في ارض لبنانية محتلة فهو لا يحاول ان يعطيها بعداً اكبر وحجماً اوسع من حجمها المحدود، لكنه لا يتورع في بياناته وتصريحات قادته عن القول انها عمليات دعم للانتفاضة الفلسطينية في اصعب محنها منذ انطلاقتها قبل نحو عام وثمانية اشهر.

ومع ذلك كان الحزب يعي ان المطلوب منه فلسطينياً وعربياً اكبر من هذه المساحة الضيقة بكثير، وخصوصاً انه دأب منذ زمن على "الدق بقوة على صدره" واطلاق التعهدات العلنية بالدعم والاسناد اللامحدودين للانتفاضة وخصوصاً اذا تجاوزت الهجمة الشارونية عليها الخطوط الحمر، ووضعتها في المواضع الصعبة والحرجة.

وقد بلغت مسامع دوائر القرار في الحزب اصوات تتعالى يوماً بعد يوم، تسأله بالحاح مفرط عن خطواته الميدانية السريعة مع بلوغ الهجمة الاسرائيلية حدود اجتياح كل مناطق السلطة الفلسطينية، وارتكاب المجازر الوحشية في حق البشر والحجر.

وفي موازاة ذلك يعي الحزب ايضاً ان كل التبريرات التي تشاع بين حين وآخر عن خصوصية معينة تتصل بالوضع اللبناني وتقعده عن الفعل غير العادي، ستطيحها تطورات الاحداث الدراماتيكية في الاراضي المحتلة واقتراب شارون من تحقيق الاهداف المعلنة وغير المعلنة لهجمته.

ولا يخفي بعض من في الحزب ان الضغوط عليه ليست من خارجه فقط، بل تطلع من قاعدته ومقاوميه انفسهم وجمهوره، وخصوصاً انه عوّد هؤلاء جميعاً عدم الاختباء والتواري خلف الخصوصيات ووراء موازين القوى، والمعادلات الصعبة.

طبعاً، سمح الحزب لبعض وجوهه بالقول او الايحاء ان لكتفيه وكاهليه قدرة محدودة على الاحتمال وليدَيه قدرة محدودة على الفعل وخصوصاً في ضوء التهور الشاروني الذي لا يقيم وزناً ولا يتوقف عند اعتبار، وهو مندفع بكل طاقته لانجاز ما عجز عن انجازه منذ توليه سدة رئاسة الوزراء في اسرائيل.

وتناهى للحزب ايضاً ما قالته المصادر الرسمية اللبنانية مثل نحو ثلاثة ايام ان لبنان لا يبيت نية التفجير في الجنوب ولا فتح الحدود هناك، كما تناهت اليه مخاوف حلفاء وأصدقاء لبنانيين، محسوبين على "الصف الوطني" من اخطار فتح جبهة الجنوب لوحدها، فضلاً عن تصاعد الاصوات المعروفة اصلاً بمعارضتها المزمنة لأي تصعيد في الجنوب، يعيد عجلة الاوضاع الى ما كانت عليه في الاعوام السابقة.

ومن البديهي ان الحزب قد قرأ بدقة ابعاد الزيارة التي قام بها السفير الاميركي فنسنت باتل قبل يومين للرئيس الحريري، والتحذيرات المبطنة التي اطلقها على الاثر من خطورة ما سماه "استمرار الخروق على الخط الازرق".

والحزب طبعاً ليس غافلاً عن اجواء هامسة تسري في الكواليس السياسية في بيروت، وعبر عنها عدد من السياسيين المحسوبين على دمشق، او الذين يوضعون عادة في خانة القريبن منها، عن رغبة سورية في الانكفاء والانحناء حالياً ، لتمر العاصفة الشارونية الهوجاء المغطاة بدعم اميركي لا محدود، يتكرر يومياً مرات عدة على ألسنة المسؤولين الكبار في واشنطن، ومعها تهديدات وتحذيرات مباشرة، جديدة من نوعها لهجة ومضموناً، تساق الى العاصمة السورية نفسها.

وفوق هذا وذاك فانه ليس خافياً على الحزب ولا على سواه من المعنيين بالوضع في الجنوب، خطورة التهديدات الاسرائيلية برد غير طبيعي على الهجمات المتكررة على مواقعها في مزارع شبعا وعلى الهجمات المتقطعة التي جرت او التي يمكن ان تجري على مواقع اخرى خارج هذا الحيّز الجغرافي.

كل تلك المعطيات تفرض نفسها على طاولة الحزب، ولكنها لا تحول دون اقدامه على اجتراح السبل والوسائل ليبقى "حاضراً في الميدان"، وقادراً على الايفاء بالقسم الاكبر من تعهداته، محافظاً على الدور الذي اضطلع به كطليعة في مشروع المواجهة والدعم.

وفي هذا الاطار، فان الرهان الاكبر للحزب هو على مدى الصمود الفلسطيني المقاوم في وجه الهجمة الشارونية، ففي قراءته ان كل هذه الهجمة ومراميها وأهدافها ستسقط الى حد بعيد عند اول عملية نوعية ينفذها المقاومون الفلسطينيون.

والحزب في هذا المجال يتذكر أن الهجمة الاسرائيلية الشرسة عليه في تموز ،1993 والتي اتت تحت اسم "تصفية الحساب" قد تبددت مع اول عملية نفذها مقاومون بعد ثلاثة ايام من انتهاء الهجمة في بلدة شيحين، وأدت يومها الى اعتراف اسرائيل نفسها بمقتل 6 جنود وجرح عدد آخر.

لذا، فالحزب ليس بعيداً عن التحليل القائل انه مهما طال أمد الهجمة الشارونية الحالية فانها ستنتهي ولا شك، وسيتضح لشارون بعدها ان رياح الامور ستسير عكس ما اشتهاه تماماً.

واذا كان في امكان الحزب ان يقنع القيادة الفلسطينية الواعية، بأنه يجب ان يكون احتياطاً فاعلاً لانتفاضتها، وانه وان استطاع ان يغير المشهد، ويعدل من الموازين، خلال رحلة جهاده طوال اكثر من عشرين عاماً، فانما كان ذلك بفعل حرب عصابات خاضها، وبفعل قراءات عميقة ودقيقة للمعطيات السياسية وليس بفعل حرب حدود او مواجهات مباشرة مع الآلة الحربية الاسرائيلية المعروفة بضخامتها وقدراتها الجهنمية، فان دوره كسند واحتياط للانتفاضة قد يضعف او قد ينتفي اذا اندفع الى ما هو مطلوب منه شعبياً، اي التحول قوة مواجهة غير متكافئة طبعاً مع هذه الالة، اذا ما انفتحت جبهة الجنوب على مصراعيها.

هذا الكلام الذي يقوله الحزب على نطاق ضيق، ولنخبة محدودة، لا يرد به على مطالبيه في شكل موسع، ولا يمكن ان يضحي جزءاً من خطابه السياسي اليومي، لأنه يعي انه غير مجد كلياً في هذه اللحظات.

والحزب داخلياً، ليس اسير هذه المعادلة الصعبة جداً، فهو يضاعف ضغطه الممكن في ساحة الجنوب، عبر دفع المزيد من الاستعدادات القتالية التي يملكها الى المنطقة هناك، ويؤدي دوره على اكمل وجه في الحيز الزماني والمكاني المتاح خصوصاً على جبهة المزارع التي من الطبيعي القول انه لن يدعها ترتاح وتبرد ابداً.

وفيما عينه على نتائج الملحمة البطولية التي يخوضها الشعب الفلسطيني في الداخل، فان عينه الاخرى على مآل التطورات في الشارع العربي الرسمي والشعبي، حيث ضغط هذا الشارع المحتقن، سيسقط تلقائياً كل التحفظات وكل الخطوط الحمر، وخصوصاً اذا ما واصل شارون هجمته وفق ما يردده، لأن تداعيات ما هو حاصل وانعكاساته ستطاول كل الساحات العربية بلا استثناء، ولأنه صار من المعقول القول ان شارون نفسه، اذا ما قيض له ان ينجح في هجمته، لن يكتفي بحدود فلسطين.

ولئن كان الحزب ليس في وارد استدراج كرة النار الجهنمية الاسرائيلية الى نفسه في الجنوب، فقد نجح في السابق في ايجاد مفاجآت للاسرائيليين وللمراهنين عليه في آن واحد، ولن يتأخر.

وفي كل الاحوال لا يعتبر الحزب انه صار محاصراً بطاقة النار الشارونية الهائلة، رغم كل ما يبديه ويمارسه.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic