قال المؤرخ الاسرائيلي بني موريس، انه في دراساته عن نشوء قضية اللاجئين كان معنياً بالحقيقة لا بالعدالة. هذا التمييز بين الحقيقة والعدالة الذي لجأ اليه كبير المؤرخين الاسرائيليين الجدد في محاولة لتلافي الجواب الاخلاقي حول مسؤولية الجيش الاسرائيلي عن نكبة ،1948 هو الحيلة الجديدة التي تعلن ان الثقافة الاسرائيلية تعيش ازمة اخلاقية طاحنة. التمييز بين المعرفة والاخلاق، لا يقود الا الى الفاشية، والفاشية سوف ترتد ضد الحقيقة نفسها وتُلغي المعرفة، من اجل ان تقيم عالما غير معني بالحقيقة او بالعدالة. هذا هو جوهر السياسة الاسرائيلية اليوم. فالاجتياح المدرّع الذي تتعرض له فلسطين، هو تتويج لقرار اسرائيل ادارة الظهر للحقيقة والعدالة معا. واذا علمنا ان الجنرالين اللذين يقودان الجيش الاسرائيلي لم يكونا معنيين في تاريخهما العسكري سوى بارتكاب المذابح: الاول هو الجنرال شارون، بطل شاتيلا وصبرا، والثاني هو الجنرال بن اليعازر، البطل المشارك في تل الزعتر، نفهم الى اين تريد الطغمة العسكرية الاسرائيلية ان تصل، ويصير من العبث البحث عن المبررات والدوافع.
السؤال الكبير اليوم هو من يحكم اسرائيل: يغال عامير، قاتل رابين، ام شمعون بيريس، بطل اوسلو. باروغولدشتاين، سفاح الحرم الابرهيمي، ام ارييل شارون؟
* * *
أين القمة العربية؟
قبل اسبوع ونصف اسبوع، عُقدت في بيروت قمة الغياب العربي. والغياب لم يقتصر فقط على رئيس مصر وملك الاردن او الرئيس الفلسطيني الذي غُيّب مرتين. الغياب كان اكبر من ذلك، لأن القمة لم تناقش احتمال ان يلجأ الجيش الاسرائيلي الى التقويض الكامل للسلطة الفلسطينية و/او الى محاولة طرد الوف الفلسطينيين الذين عادوا الى العمل في اجهزة السلطة الامنية والسياسية.
لكن القمة بعثت الى العالم برسالتين، وهما في جوهرهما رسالتا سلام. الرسالة الاولى حول فلسطين، حيث قدمت مبادرة ولي العهد السعودي اقتراح السلام العربي الشامل مع اسرائيل وردّت اسرائيل على الرسالة بسرعة قياسية حين لم تكتف باعلان رفضها، بل قرنت القول بالفعل واجتاحت الدبابات فلسطين، وفُرضت الاقامة الجبرية على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
الرسالة الثانية حول العراق، وفيها اعلنت الدول العربية رفضها المنطق الاميركي الساذج حول محور الشر، واعلنت عدم قدرة العالم العربي على تحمل اجتياح للعراق، وسط بحر الدم الفلسطيني. وجاء الرد الاميركي مباشرا، حين اعطي الضوء الاخضر لاسرائيل باجتياح المناطق الفلسطينية.
الرسالتان عبّرتا عن الضعف العربي الكبير. فالعالم العربي فقد مناعته، بعد ثلاثة عقود من الهزائم والقمع والديكتاتورية. وهذا ما بدا واضحا في القمة في ثلاث لحظات: اللحظة الاولى، هي العجز العربي عن اقناع الولايات المتحدة بالضغط على اسرائيل من اجل السماح لعرفات بحضور القمة. وقد بلغ العجز ذروته عبر الصيغة المتذاكية التي حاول فيها السيد تشيني بيع الفلسطينيين وقفاً لاطلاق النار بالشروط الاسرائيلية. اعتقد السيد تشيني انه يستطيع الضحك على ياسر عرفات عبر اغرائه بلقاء ومصافحة وصورة! والغريب ان الآلة الاعلامية الاميركية صدّقت الكذبة، وأوحت أن عرفات سوف يتصرف كأحد زعماء قبائل الهنود الحمر، ويبيع حقه مقابل مصافحة وكاميرا!
اللحظة الثانية كانت الغيابين المصري والاردني اللذين بقيا سرا غامضا. ومثلما يبدو فإن اصدقاء الولايات المتحدة تعصف بهم خلافات حادة، ويرون ان الكبائر سوف تُرتكب لاحقا، لذا فضلوا نصف الغياب.
اللحظة الثالثة، كانت بيان القمة الذي قدّم عرض السلام، من دون ان يكون في حوزته اية بدائل، اذا قوبل العرض العربي برفض اسرائيلي.
كشفت القمة عن فائض العجز العربي، مما سمح لفائض القوة الاسرائيلي بتفجير المعركة الحاسمة ضد الاستقلال الفلسطيني. الحكومة الاسرائيلية، وبعد حساب دقيق لموازين القوى العسكرية التي تميل لصالحها في شكل واضح، نسيت ان تعير التفاتا الى عامل لا يمكن حسابه، هو ارادة المقاومة. فالشعب الفلسطيني بالنسبة الى اسرائيل لا وزن له، لأنه لا يملك الاسلحة او الجيوش، ويمكن سحقه بدبابات الميركافا.
فائض العجز العربي وفائض القوة الاسرائيلية انتجا هذا الواقع الذي تعيشه فلسطين اليوم. فالقمة العربية تُعقد اليوم في مباني "المقاطعة" المهدمة في رام الله، ويحضرها رئيس واحد تحوط به مجموعة من المناضلين الاوروبيين من اجل السلام، معلنين ان القمة هي ارادة المقاومة، وما عدا ذلك ليس سوى الحضيض.
* * *
ماذا يريد الجيش الاسرائيلي؟
الصحافي الاميركي توماس فريدمان، الذي خصّه الامير عبدالله بن عبد العزيز بسبق المبادرة السعودية، اتحفنا صباح الاحد 1 نيسان بمقال في جريدة "نيويورك تايمز" يلخص فيه كل شيء تقريبا. فالسيد فريدمان يرى في الحرب التي تشنها اسرائيل ضد الارهاب الفلسطيني حربا تخوضها الحضارة البشرية كلها... فيدعو الى سحق الارهاب اولا، قبل ان تتكرم اسرائيل بتقديم عرض للسلام. يعبّر هذا الرأي عن مدى الترابط بين المعركتين الاعلامية والعسكرية. فالخبر قد يكون اكثر ايلاما من المدفع والدبابة، والتلفزيون لم يعد اداة اعلامية، بل صار سلاحا في الحرب.
المسألة ليست في انهم يكذبون، فهذا نعرفه من زمان. المسألة انهم صاروا يصدّقون كذبتهم، ويجدون في بعض "المثقفين" العرب من يروّج لها. فالسيد فؤاد عجمي، على سبيل المثال، لا يخجل من الجلوس تحت كاميرا التلفزيون، مزايدا على الاميركيين ومرددا كذبة العرض "السخي" الذي قدمه باراك في كامب ديفيد، ومركّزا على شخصية الرئيس الفلسطيني التي تهوى سفك الدماء!
تعالوا نستقرئ بعض الحقائق، من اجل ان نفهم ماذا يجري:
1- نسي الجميع ان الجنرال ايهود باراك، حين كان رئيسا لأركان الجيش الاسرائيلي، ابدى تحفظات عديدة عن اتفاق اوسلو. الجنرال الاكثر اوسمة في تاريخ الجيش الاسرائيلي دهمه احتلال السلام قبل ان يغسل يديه من الدم الذي سفكه في بيروت، حين قام شخصيا باغتيال كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار، ثم قاد عملية اغتيال ابو جهاد الوزير في تونس.
* * *
الجنرال باراك قرر بعد الاندحار العسكري في الجنوب اللبناني، ايصال الفلسطينيين الى قعر الهاوية. فمن خلال عمل اسرائيلي - اميركي منسق اقيمت مسرحية كامب ديفيد على شرف رئيس اميركي يغادر السلطة، من اجل الايحاء ان الفلسطينيين لا يريدون السلام.
لم ينس باراك معارضته لأوسلو، فقدّم عرضا شفهيا بدولة فلسطينية لا حول لها، ولا تواصل جغرافيا بين اجزائها، محتفظا بالمستوطنات الكبرى. قطع اوصال فلسطين واراد السيادة على الحرم القدسي الذي يسمّونه جبل الهيكل. وعندما رفض الفلسطينيون العرض المسموم، سمح لشارون بالقيام بزيارته الاستفزازية الى باحة المسجد الاقصى، مما عجل في اندلاع الانتفاضة.
2- التذكير بباراك يقدم صورة عن الواقع السياسي الاسرائيلي. فديموقراطية الجنرالات لا تختلف عن اي طغمة عسكرية في العالم. فحين يملك الجيش فائض قوة مثلما هي حال الجيش الاسرائيلي الذي يملك احدى اضخم ترسانات الاسلحة في العالم، بما فيها السلاح النووي، فإنه يصير اسير قوته. منطق الجيش الاسرائيلي بسيط: نحن الاقوى فلماذا نتراجع. لذا وجد الجيش نفسه في احضان اليمينين القومي والديني في اسرائيل.
3- لا يتطلب السلام من اسرائيل سوى التخلي عن سياستها الاستيطانية الكولونيالية، وهذا امر كما لا يعلم الكثيرون، اكثر من صعب. المسألة ليست المياه واراضي المستوطنات ووادي الاردن والقدس، على اهميتها، وإنما تتعلق بطبيعة الدولة العبرية. اسرائيل قامت على الاستيطان والطرد. انها دولة الاسطورة التي تريد ان تتحول تاريخا. ومن اجل ان تتحقق الاسطورة، حشدت الحركة الصهيونية ثلاثة عناصر متناقضة: البعد الديني والاتجاه القومي والافكار العلمانية، ونجحت لأنها سوّقت نفسها بوصفها امتدادا لأوروبا والغرب في المشرق العربي. ثم اتت المحرقة النازية بكل همجيتها لتجعل من اقامة الدولة اليهودية اشبه بالحتم. فالغرب غسل يديه من الدم اليهودي بالدم الفلسطيني مشتريا راحة ضميره الشقي من جهة، ومؤسسا لامتداد له في المنطقة، من جهة اخرى.
ازالة المستوطنات والانسحاب الكامل من الاراضي المحتلة يخلخلان كل المعاني التي قامت اسرائيل عليها، لأنهما يحطمان الاسطورة الدينية، بحيث تترنح اسرائيل تحت ضغط واقع سوف يفتقر الى الكثير من عناصر "شرعيته".
لذا فإن المهمة التي وضعتها انتفاضة الاقصى - الاستقلال لنفسها ليست يسيرة، ولا يمكن ان تتحقق من دون تدخل دولي كبير، لا يزال بعيد المنال، بسبب السياسة الاميركية المتماهية مع اسرائيل.
4- كان سقوط باراك وفوز شارون اعلانا بأن الطغمة العسكرية قد استولت على السلطة في اسرائيل في شكل كامل. لا وجود لحكومة الوحدة الوطنية الا في شكل رمزي: حزب العمل مفكك، الليكود منقسم بين شارون ونتنياهو... انها حكومة وحدة الجنرالات الاسرائيليين، لذا فقد سُدت جميع الآفاق.
انسداد الافق ليس وليد الحادي عشر من ايلول، مثلما يشاع اليوم في اعلام اميركي ميزته انه يقوم بمحو ذاكرة الرأي العام. فالادارة الاميركية التي يقودها الثلاثي، بوش، تشيني ورامسفيلد، رفضت لقاء الفلسطينيين منذ انتخاب شارون في شباط ،2001 اي قبل ثمانية اشهر من الحادي عشر من ايلول، معطية شارون رخصة لتحطيم ارادة الفلسطينيين. حوادث ايلول سمحت للاعلام الاميركي المتصهين بأن يبدأ حملة غسل ادمغة من اجل تصوير الانتفاضة بوصفها ارهابا بهدف "طلبنتها". الاعلام الاميركي لا يميّز بين حركة وطنية علمانية هي حركة "فتح" ومعها فصائل منظمة التحرير، والاتجاهات الاسلامية الاصولية. وهنا بيت القصيد. الهجمات التي شنها المعسكر الكولونيالي في المنطقة العربية لم تكن ضد الاصولية الاسلامية، بل كانت ضد الحركة القومية. والحروب شُنّت من اجل سحق هذه الحركة بالذات. ولم يكن الخامس من حزيران سوى اعلان اميركي - اسرائيلي بانتصار خط المؤتمر الاسلامي، حليف الولايات المتحدة، على الخط القومي العربي.
لا يريد الاميركيون الاعتراف بحصتهم من المسؤولية عن الارهاب الذي اجتاح نيويورك ولا بمشاركتهم في الحلف الاسود الذي اقيم مع التيارات الاصولية من اجل محاربة الاتحاد السوفياتي عبر استخدام الدين والتمترس خلف الجهاد. لذا وجدوا انفسهم اسرى السياسة الاسرائيلية الخرقاء التي تقاتل من اجل تأبيد الاحتلال عبر محاربة الارهاب.
* * *
ما هو الارهاب؟
لن نعود الى السؤال عن كلمة ارهاب. يكفي ان نقرأ مقال اقبال احمد ("الملحق" العدد 520) كي نكتشف ان المسألة ليست اكثر من لعبة اعلامية.
السؤال ليس الارهاب بل العدالة. والمسألة ليست الامن، بل الاحتلال. هذا هو السؤال الذي يحاول الفلسطينيون اعادة طرحه اليوم عبر مقاومتهم وعذابهم وبطولتهم واخطائهم.
ربما كان غموض اوسلو هو المسؤول عن هذه الالتباسات التي يُدفع اليوم هذا الدم الكثير من اجل تبديدها. فالاعلام الذي صاحب اتفاق اوسلو اوحى ان القضية انتهت الى تسوية، وان السلام قد تحقق. القصف الاعلامي الاميركي اوحى ان الفلسطينيين وافقوا على صيغة "الابارتيد" الاسرائيلية، مقابل مـظاهر السلطة التي اعطيت لهم.
كاد الجميع ان يصدّق هذه الاكذوبة، وخصوصا وسط الحملة الشرسة التي شنتها "انظمة الصمود العربية" ضد منظمة التحرير.
بالطبع، لا يمكن عاقلا ان يبرّئ بعض اجهزة السلطة ورموز الفساد من هذه الصورة الشوهاء التي جرى تعميمها، الى درجة كادت تدفع الجميع الى التشكيك في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية برمته، وهي الحركة التي قدمت جميع قياداتها تقريبا على مذبح الشهادة، من عز الدين القسام الى عبد القادر الحسيني، ومن ابو جهاد الوزير الى ابو علي مصطفى. الانتفاضة كانت في احد اوجهها استعادة للخطاب الوطني الفلسطيني من هاوية السقوط في احد ثلاثة خيارات:
خيار الاستسلام الذي يقبل اي شيء ويضحّي بكل شيء من اجل استمرار السلطة.
خيار اللامبالاة الذي عبّر عن نفسه في الانتشار السرطاني للمنظمات غير الحكومية في اوساط النخبة الفلسطينية، بحيث بدآ كأن غالبية المثقفين انفصلت عن مجتمعها وعن النضال في معركة الاستقلال، وتعيش في نعيم مناخ شبه اكاديمي تموله الهيئات الاميركية والاوروبية.
وخيار التطرف الاصولي، الذي يقدّم ردا على العنصرية الاسرائيلية، مأخوذا من قاموسها نفسه.
اطاحت الانتفاضة هذه الخيارات الثلاثة، واعادت الاعتبار الى الفدائيين الذين ازيحوا عن المسرح السياسي وطُلب اليهم التقاعد في الاجهزة. نفض الفدائيون الغبار عنهم واستعادوا عبر عمل صعب وفي شروط لم تكن ملائمة دائما صورة الفلسطيني المناضل، الذي يقاتل ليس دفاعا عن وجود شعبه فقط، بل من اجل قضية العدالة. غير ان النضال الفلسطيني كان مرتبكا في خياراته الجماهيرية والعسكرية. فرغم ان هدف المعركة هو الاستقلال وطرد الاحتلال من الضفة وغزة، فقد نجحت التيارات الاصولية في القيام بعمليات خلف الخط الاخضر تستهدف المدنيين الاسرائيليين، مما زاد من حجم الهجمة الاعلامية والعسكرية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.
قد يكون الكلام عن العمليات الانتحارية نافلا اليوم او غير ذي جدوى، بعد القرار الاسرائيلي بتحطيم الشعب الفلسطيني. لكن من المفيد التذكير بأمرين:
الاول ان العمليات الانتحارية ليست بدعة اخترعتها التيارات الاصولية، بل كانت شكلا محدودا استخدمته الحركة الوطنية الفلسطينية في منعطفات معينة. نشير فقط الى دلال المغربي التي تسللت من لبنان الى الساحل الفلسطيني في عملية انتحارية وقّعتها حركة "فتح" عام .1978
الثاني ان هذه العمليات رغم دورها المحدود، كانت محل انتقاد دائم، لأنها تستخدم وسيلة هي نقيض الهدف. الهدف هو الدفاع عن الحياة وتأسيس العدالة، والعدالة لا يمكن ان تكون عشوائية او انتقائية.
التطورات المتسارعة في فلسطين، وسياسة صيد الاطفال وقنصهم التي اتبعها افراد الجيش الاسرائيلي ثم سياسة قتل المناضلين، واخيرا سياسة التدمير واعتقال رئيس السلطة في مقره المهدم، قادت الى شيوع العلميات الانتحارية، وهو شيوع مرشح للاسف الى الازدياد في ظل السياسة الدولية الرعناء التي تتبعها الحكومة الاسرائيلية. ومع ذلك فإن الانتحار ليس ردا على الجريمة الاسرائيلية. الجريمة لا تقاوم هكذا، بل بعمل وطني طويل النفس، يسعى الى العدالة بصفتها قيمة انسانية، ويؤكد الحق في حرية فلسطين واستقلالها.
* * *
الى أين؟
فلسطين تحترق اليوم، والمعركة طويلة. العسكر الاسرائيلي يحتل الشوارع والساحات. يقتل ويقصف ويعتقل ويهين ويقطع الكهرباء والماء ويعربد في شوارع شبه فارغة. غير ان سياسة فائض القوة الاسرائيلية نجحت في امر واحد هو تحويل جميع الفلسطينيين مقاومين. واذا استخدمنا التعبير الاسرائيلي - الاميركي الشائع نقول ان البنية التحتية للارهاب هي كل مواطن او مواطنة على حدة وجميع المواطنين معا. فماذا يستطيع الاحتلال ان يفعل؟
قد يشعر جنرالات اسرائيل بالفرح اليوم، لأن ايديهم أُطلقت من اجل تصفية الحساب مع الشعب الفلسطيني. لكنهم يسقطون هنا في خطأ قاتل. خطأهم انهم صدّقوا كذبتهم بأن المقاومة الفلسطينية تشبه حركة "طالبان"، ويمكن تاليا اجتثاثها بالعنف والنار. انهم لا يدرون ماذا يفعلون. ففلسطين هي المكان الاعمق في الوعي العربي، فهذه الارض التي قدستها الاديان السماوية في الماضي، يقدسها اليوم دم شعبها المسفوح، وهي لذلك لا يمكن ان تُمحى الا اذا محيت المنطقة بأسرها.
الطغمة العسكرية الاسرائيلية تعتقد انها قادرة على الحسم العسكري. لكن اي انتصار اذا لم يكن مطلقا فإنه سوف يكون هزيمة. لقد وضع شارون الجيش والحكومة امام امتحان الفشل الكبير. فحتى لو تم احتلال كل المدن الفلسطينية، فإن عملية عسكرية واحدة ضد حاجز او دبابة، سوف تعني ان كل هذه الجيوش الجرارة عاجزة.
قد يكون الجواب الشاروني هو طرد الوف الاسرى من رجال الشرطة الفلسطينية الى خارج الضفة وغزة، لكنه يعلم او لا يعلم ان الطرد لم يعد ممكنا، وان الفلسطينيين قادرون على اقامة مئة "مرج زهور" جديد، لأنهم لن يخرجوا من ارضهم ابدا. الافق الاسرائيلي مسدود لأن العالم العربي عاجز عن اي فعل. وهنا يحق لنا ان نسأل صاحب مبادرة السلام، الامير السعودي، ماذا يفعل؟ وهنا ايضا نريد ان نسأل الرئيس المصري والملك الاردني عن معاهدتي سلامهما مع اسرائيل؟ وهنا ايضا نريد ان نسأل سوريا ما هي خطتها لمنع سيناريو شارون من النجاح؟ من المرجح اننا لن نسمع جوابا من حكّام العرب، ومن الافضل ان نسأل الشعوب العربية لماذا تصبر على القمع والمهانة، والى متى؟
قد يكون الجيش الاسرائيلي اختار نقطة اللاعودة. وقد تكون الولايات المتحدة اعطت الضوء الاخضر للمذبحة الاخلاقية والبشرية والسياسية التي تجري، ولكن ماذا بعد؟ ماذا تريدون؟ من الواضح ان هذا العدد الهائل من الدبابات الذي تصاحبه اعمال اجرامية وسرقة ونهب ونسف للبنايات واحتجاز للاطباء واعدامات وقطع للمياه واعتقالات، هي اعلان صارخ ان اسرائيل قررت طي صفحة السلام في شكل نهائي، وادارت ظهرها لحقوق الشعب الفلسطيني، وقامت بتحطيم كامل للسلطة الوطنية واجهزتها.
اسرائيل قررت رفض السلام جملة وتفصيلا.
فالاقتراح الفلسطيني هو اقصى ما يمكن من تنازلات. لقد تنازلوا عن 79 في المئة من ارضهم، وقبلوا بالسيىء والمهين من فتات المائدة، لكن السيد الاسرائيلي رفض ذلك كله وقرر ان يجعلهم عبيدا.
الرسالة وصلت كلها، وهي رسالة ممهورة بالختم الاميركي، ثم يأتي من يسأل لماذا لا يحب العرب اميركا؟ ولماذا لا يقبلون بالفتات الذي يُلقى الى الخنازير؟
الرسالة وصلت، ومعها وصل موكب الشهداء والجرحى والاسرى والمهانين في ارواحهم وكراماتهم.
يعتقد الاسرائيليون ان الدبابة تستطيع ان تطفىء الضوء في عيون اطفال فلسطين.
ويعتقدون ايضا ان الضوء الذي حُرم منه الفلسطينيون، سوف يقتنع به الاسرائيليون ايضا.
ويعتقدون ان الخراب يستطيع ان يجلب غير الخراب.
الرسالة وصلت ومعها يجب ان يرتفع الصوت النابع من العدالة. لن يجد الجنود الاسرائيليون علما ابيض واحدا، بل مقاومة مستمرة حتى نقنعهم بأن هذا الشعب الذي قهروه نصف قرن، قادر على الصمود نصف قرن آخر، لكن هل استطاعت القلاع الصليبية البقاء في بلادنا، ام اندثرت وصارت آثارا وخرائب؟
* * *
في قصيدته الاخيرة "حالة حصار"، وجّه محمود درويش هذه الرسالة الى جندي اسرائيلي:
"لو تأملت وجه الضحية/ وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة/ الغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية /وغيّرت رأيك: ما هكذا تستعاد الهوية".
لكن جنرالات اسرائيل بدل ان يتذكروا وجه الضحية اليهودية في غرفة الغاز، قرروا تحويل الفلسطينيين الى يهود اليهود. نقشوا الارقام على اذرع الفتيان الفلسطينيين المعصوبي العيون، مقلّدين النازي الذي وسم ضحايا معسكرات الاعتقال بالارقام. هذه هي المفارقة الكبرى التي تواجهها اسرائيل اليوم، والتي دفعت السيد ايلي فيزيل الى كراهية الاطفال الفلسطينيين الذين يجبرون الجنود الاسرائيليين على تحطيم عظامهم، مثلما كتب مرة. ولم يدر في خلد الحائز جائزة نوبل للسلام ان يقترح على الجندي الاسرائيلي ان لا يسقط في الفخ وينسحب من الارض الفلسطينية المحتلة.
لو خطر هذا في باله، لصاح به مستوطن اتى حديثا من بروكلين، مسلحا بالعنف والكراهية والعنجهية: "لكن جميع سكان اسرائيل مستوطنون، فالى اين ننسحب"؟ بالطبع لن يجد السيد فيزيل جوابا عن هذا التحدي. الجواب سوف يقدّمه الفلسطينيون متى صاروا اسيادا على ارضهم واحرارا في بلادهم، عند ذاك سيأتي الحل لمشكلات المنطقة الذي لن يكون الا معنيا بعلاقة الحقيقة بالعدالة.
صوت العقل يتراجع اليوم، لأن العالم الذي تقوده روما الاطلسية ميزته الحمق والغرور والصلافة. لكن الشعب الذي تحوّل شهيد كل الشعوب، سوف يتابع مسيرته من اجل ان لا يرسم الوحش علامته على جبين القرن الحادي والعشرين مثلما فعل في القرن الماضي.
§
وصـلات:
