|

|
في الاسبوع العظيم المقدس الذي نستهله غدا بالشعانين لا يسعني ان افصل آلام السيد عن آلام الشعب الفلسطيني. ويتعذر علي ان أنسى المأسورين في كنيسة المهد. انهم اليوم بهاء المسيح. ولا أقدر ان أنسى مخيم جنين التي اصبحت اليوم جلجلة العالم المتمدن. لقد أمست جنين صليب الدنيا وأنين المتألمين كلهم. هي صورة الانسان الذبيح ظلما. "كان شبانها أنقى من الثلج وأنصع من اللبن الحليب وأجسامهم أشد حمرة من المرجان وبشرتهم لازورد". (مراثي ارمياء 7:4). يبقون شهودا الى الابد على حقد شعب آخر، حاملين الحق في أجسادهم. ما كانوا يعتقدون ان الذين اضطهدت الفاشية آباءهم قادرون على ان يسلكوا مسلك الفاشية. ربما سيق الجند سوقا الى ارتكاب المذبحة. غير ان خطيئتهم انهم لم يتمردوا. لقد حوكم بعد الحرب العالمية الثانية ليس فقط الذين أمروا بقتل اليهود، ولكن المنفذون الصغار ايضا لكونهم لم يعصوا أوامر جائرة. ليس أحد مبرأ من مجزرة جنين ولا من ابادة الناس في كنيسة المهد جوعا وعطشا. "جلدنا كتنور احترق لتضورنا من الجوع".
من يحاسب هذا "الوحش الطالع من الهاوية" الذي انقض على أهل نابلس ورام الله وبيت لحم وسواها. أي جاورجيوس ينقذ فلسطين العذراء من التنين؟
ستقوم فلسطين ليس فقط بمقادسها ولكن بمجاهديها الميامين. ستقوم لكونها دعوة الحياة، لكون قلب الله عليها، لأن أدعيتنا محيطة بها، لان فيها كثافة الهية، لان الله سيبيد الظالمين.
"القدس لنا" ليست فقط شعارا لمدينة هي صميم العالم. الصرخة تجند لكل قضية عدل، ولكنها اليوم محك الصدق للمتحدثين بالعدل. أي سلام هذا الذي ليس فيه حق الحياة للشعوب كلها؟ هل يحمَل السلام على دبابة ام يتوب الطاغية عن طغيانه؟ ان الذي يعتبر الارض المقدسة كلها له لا يؤمن بوجود الآخر وبقدرته على الابداع والمشاركة في قيام مجتمع انساني واحد.
غير أني لا أريد ان أنساق الى التحسر. أمنيتي ان كل الذين يقيمون أسبوع الآلام بدءا من غد يجب ان يدمجوا المسيح مع أهل جنين وان يرجوا ظهور قدس جديدة يسوسها الحق. لا مصالحة بلا حق وسقوط العنجهية واستئثار شعب واحد بالدنيا.
واذا فهم العرب دخول المسيح القدس رمزا فلا معنى لأي تدين لهم ان لم يستنفروا قواهم جميعا لنصرة العدالة فيها.
أية قيامة للعرب في جو التخاذل العميم؟ أنا لست بسياسي ولا اقتصادي لأملي عليهم موقفا. ولكن لا بد للعقل العربي ان كان طاهرا ان يقوم بعمل جدي حاسم يمكن معه انقاذ الحياة في فلسطين. ان يتمسك العرب بكل أموالهم وكل منافعهم وكل اتصالاتهم يعني انهم لا يحبون ان يترجموا أقوالهم فعلا تغييريا.
ومثلما أتعزى بصمود أهلنا في فلسطين - وهذا يبدو عندهم قناعة وقرارا - أحزن لتقاعس العرب. اذا الفلسطينيون وحدهم مشتركون في القيامة. نحن المسيحيين الشرقيين سنقيم الفصح في العبادة ونقيمه هذه السنة في حب متخصص. اما الذين ليس عندهم الفصح عيدا ولا عبادة أفلا يقيمونه هم ايضا بحب متخصص لأولئك الذين تسفك دماؤهم حبا وكرامة؟ متى يحل فصح العرب وهو نوع من عيد الاضحى؟ ولكن هل يرضى الله عن لحم الأضاحي أم عن القلوب المبذولة استنفارا وعملا ومشاركة في سبيل الذين يقدمون وحدهم أجسادهم أضاحي للحق؟
واذا كان المسيحيون جوهريا قياميين فأقله ان يروا فصحهم الذي مضى او الآتي بعد ثمانية أيام ممتزجا بقيامة الشعب الفلسطيني كله في الحرية.
§
وصـلات:
