الجنوب بعد سنتين من التحرير يعاني البطالة والفقر والاهمال

أمل شموني
جريدة الأنوار (لبنان)

الأحد، 5 أيار / مايو 2002

 

     (... وسكتت لغة الكلام!) هكذا يمكن وصف قرى وبلدات ومدن الجنوب المحرر منذ سنتين، بعدما عاشت الناس على قوت الوعود، وظلت تنتظر حتى شعرت بالجوع الحقيقي. والجنوبي الذي شارك مواطنيه بفرحة التحرير، وهو اليوم حزين ومشتاق حتى الى الابتسامة.

انه الاهمال الذي ما بعده اهمال يهيمن على تلك الارض التي نفضت عنها غبار الاحتلال، فردت بذلك الى الوطن، العزة والكرامة والانتماء.

(الانوار) جالت في المنطقة الممتدة من بسري حتى بنت جبيل وعادت بهذه المشاهدات والانطباعات.

طرقات وعرة، قرى خالية سوى من بعض السكان والمزارعين والصيادين... هي حال القرى من بسري حتى كفرحونة مروراً بقرى مزرعة المطحنة، قتالة، انان، روم، عازور، مشموشة، جزين، كفرحونة.

في جزين، تجد بعض الشبان متجمعين في ساحتها. تسألهم عن الوضع، يبتسمون ويقولون مثل ما شايفه الحركة شبه معدومة. كانت الناس تزور البلدة في نهاية الاسبوع، ولكن مع تدهور الوضع المعيشي، اصبحوا يأتون مرة في الشهر.

في كفرحونة باتجاه مرجعيون، حاجز للجيش اللبناني. تتوقف ويسألك عن الاتجاه. ثم يسأل عن الهوية، ونسأل عما اذا كان هذا التدبير حديثاً? فتأتي الاجابة انه تدبير لمنع الغرباء من الوصول الى الداخل.

تابعنا سيرنا باتجاه مرجعيون، الطرقات وعرة، الحفر بحجم السيارة من دون مبالغة. لقد اخذتنا الطريق حوالى ساعتين من الوقت من عرمتى، الى الريحان فالعيشية وصولاً الى جديدة مرجعيون. جديدة مرجعيون هادئة، مع انها كانت تحتفل بأحد الشعانين.

مطران صور وصيدا وتوابعهما للروم الارثوذكس الياس كفوري قال: على صعيد انماء المنطقة، لم تحدث تغييرات كبرى منذ انجاز التحرير وحتى يومنا هذا. صحيح ان الجو تغيّر بصورة عامة، لان التحرير هو تحرير. ولكن على الصعيد الانمائي لم يحصل ما كنا نتوقع من جهد حكومي. صحيح انه تمّ انجاز بعض الاعمال، ولكن ببطء وليس بالمستوى المطلوب، وليس حسب الوعود التي اغدقت، او كما كان الشعب ينتظر.

وتابع: "في الحقيقة هناك اشياء مطلوبة من الناس انفسهم ان يقوموا بها كتصليح منزل والاهتمام بحديقة ومحاولة ايجاد او خلق فرص عمل... ولكن هناك امور مطلوبة من الحكومة. وفي هذا الاطار يطول الحديث عن التقصير في مجالات متعددة من بنى تحتية وخدمات. لا اعرف من اين ابدأ، ولكن هناك شعور لدى الناس بخيبة امل على هذا الصعيد."

وقال: "نحن نعيش في هذه الايام ذكرى السنتين للتحرر والحرية والحمد لله، وهذا الجو الجميل، فالجنوب من اجمل مناطق لبنان من حيث الطبيعة والموارد، وقد انعم الله علينا بالمياه والتربة الصالحة للزراعة. ولكن هل يجوز ان تمر سنتان من دون ان يتم انجاز تصليح طريق او تركيب هاتف او حتى دفع مستحقات الموظفين في المستشفيات التابعين للقطاع العام. هناك اشياء لا تدخل لا في عقل ولا في منطق."

وقال: "الدولة، لم تكن المشجع للمواطن، ولكن بعض الجمعيات الخاصة تقوم بمشاريع صغيرة زراعية او غيرها. ولكن استطيع القول ان مشروع مدّ خطوط الهاتف اخذ طريقه الى التنفيذ. كما ان مشروع الامم المتحدة الانمائي وعدنا كثيراً وبقيت المشاريع وعوداً في غالبيتها. ان الموضوع يختصر في منطقة مرجعيون التي تضم 36 ضيعة بما يلي: ان الانسان اللبناني هو انسان نشيط، وهو دائماً اكثر ذكاءً من الدولة. فالقطاع الخاص كان ولا يزال متفوقاً على القطاع العام في كافة المجالات. ولكن المطلوب من الدولة ان تؤمن للمواطن جواً من الامن والامان، وتسهّل له الخدمات وتترك الباقي على الشعب، وهو كفيل ان يجعل من الجنوب جنة."

وعاد بالذاكرة الى اشهر التحرير الاولى وقال: "نحن استقبلنا الكثير من المسؤولين، وسمعنا وعوداً كثيرة ولم يتحقق تقريباً شيء من هذه الوعود: فقط تحقق النذر اليسير. مجلس الجنوب عمل قليلاً ولكن هذا ليس كافياً."

واضاف في هذا الاطار: "اسمع من الناس انه ليست هناك مساواة في الحقوق وفي الواجبات في الجنوب. وهناك تمييز بين منطقة واخرى وحتى بين انسان وآخر. وطبعاً تلعب (الواسطة) دوراً بارزاً واساسياً. فلبنان بلد الواسطة والتمييز والفساد الاداري. ان المسؤولين وعدونا كثيراً وعلى كل المستويات."

وفي الشق الاقتصادي قال المطران كفوري: "المعاناة كبيرة، والازمة المعيشية العامة التي يعيشها لبنان، ولكن الجنوب يعيش ضائقة معيشية صعبة، اضافة الى الناس الذين فقدوا عملهم لسبب او لآخر، واضافة الى عامل الهجرة الذي يطال جيل الشباب. لقد وعدنا الرئيس الحريري بخلق فرص العمل في البيان الوزاري، لكن على ارض الواقع، موظفو الدولة يبقون اشهراً من دون قبض رواتبهم."

وفي الختام قال: "الوضع مأساوي، وهناك عائلات لا يمكنها حتى شراء الخبز لاولادها او دفع اقساط مدارسهم. ان البطالة مستشرية جداً."

السيد اسامة راشد صاحب افران ومطاعم قال: لقد اسست هذه المصلحة منذ 15 سنة، اليوم اصبح الوضع متأزما. ونسبة العاطلين عن العمل تتجاوز 60%. الحالة الاقتصادية متدنية جداً. ان المحلات في مرجعيون هي فقط للقول ان هناك سوقاً في مرجعيون. لم تلجأ الدولة لتأسيس اي مشروع يستقطب اليد العاملة المحلية. ان الالتزامات التي تحصل لا تشغّل ابناء المنطقة بل يأتي الملتزم بالعمال من الخارج. ان اهل المنطقة لم يعملوا مع اي مشروع للدولة. حتى انهم لا يستعملون المعدات الموجودة في المنطقة. لماذا لا يصار الى تشغيل اهل المنطقة? لا اعرف."

واضاف: "الحمد لله ان الحالة الامنية جيدة والقوى الامنية تقوم بواجبها على اكمل وجه، والمواطن يعيش اجواء من الحرية المطلقة. ولكن الوضع الاقتصادي متدهور. ولا يمكن الشكوى الى احد. نواب المنطقة يعرفون ماهية الوضع الاقتصادي. هنا لدينا نائب من شبعا، واهالي شبعا يعانون من الضائقة الاقتصادية. والخيام كذلك. غالبية الناس تفكر بالهجرة لأنه لا يوجد اي سبيل في ايجاد فرصة عمل."

وقال: "جاء العديد من الشخصيات الى المنطقة ووعدوا باقامة المشاريع التي بقيت كلاماً في الهواء. مثلا الاميركيون اسسوا مزرعة بقر تستفيد منها فقط اربع عائلات، في حين انهم يقومون بزيارة هذه المزرعة للدعاية كل فترة. وعندما فتحت المنطقة، جاء العديد من المزارعين البقاعيين مع عمالهم ليستثمروا الاراضي. حوالى 10 آلاف دونم، يهتم بها عمال من خارج المنطقة، في حين المزارع يتفرج."

وقال: "عندما تحركت المنطقة امنياً، اهل العرقوب مثلاً لم يعودوا يأتون خلال عطلة نهاية الاسبوع. من هنا فان الزيارات الى المنطقة اصبحت معدومة، واصبحت كل الايام تشبه بعضها. نحن اليوم في عيد الشعانين وغالبية المنطقة من طائفة الروم الارثوذكس، ولم يأتوا حتى للزيارة."

وقال: "مثلاً اليوم هناك مشروع لتمديد البنى التحتية للهاتف من مرجعيون حتى بنت جبيل. المتعهد من خارج المنطقة ولا يستعين بالمعدات الموجودة في المنطقة، بل يأتي بالباطون مثلاً من صيدا او من النبطية، في حين ان جبّالات المنطقة لا تعمل."

السيد كامل رزوق عضو المجلس البلدي في جديدة مرجعيون قال: "لقد كنت املك (سوبر ماركت) كبيرة قبل التحرير. بعد التحرير عدت الى العمل وفتحت متجراً متواضعاً. ومع ذلك العمل ضئيل، وانا امضي اوقاتي باللقاءات والتسكع من مكان الى آخر. ومن خرج من السجن لا يجد عملاً. في الحقيقة لا اعرف اذا كانت الدولة واعية لما يحصل من تردٍ اقتصادي. مع العلم ان ابناء المنطقة ليسوا أميين، بل يتمتعون بشهادات وخبرات جيدة. ولكن المشكلة ان لا احد يود ان يفتح مجال العمل لابناء المنطقة."

واضاف: "ربما مرجعيون هي افضل من سواها لجهة وجود متمولين من ابنائها المهاجرين يساهمون في مساعدة الاهالي، والا لما كان بقي احد. ولكن اهالي مرجعيون الموجودين في لبنان، لا يترددون على البلد."

واضاف: "مؤخراً قرأنا بالصحف عن مشاريع لتزفيت طرقات المنطقة، ولكن لم يتم لحظ طريق مرجعيون - القليعة - الخربة - نحن سنطالب الرئيس نبيه بري بهذا الامر لأن المنطقة بحاجة الى تحسين طرقات."

اداء تحت الصفر

بدوره المغترب العائد نبيل فؤاد غلمية قال: "ان الرئاسات الثلاث بالنسبة لي اداؤها تحت الصفر. انا كنت مهاجراً الى سيدني اوستراليا، وعدت منذ حوالى تسعة اشهر. واسست عملاً في مجال الملبوسات. ولكني اليوم لا ارى ان الوضع يمكن ان يتحسن. ان الدولة مقصرة بأبسط حاجات المواطن في الجنوب. فقط الجيش اللبناني يعمل في تثبيت الامن. الا ان الوضع الاقتصادي منهار ولم تقدّم الدولة اي بديل. لقد بنينا امالاً كبرى بالتحرير وبعودة الدولة ولم نطلب منها سوى تأمين لقمة العيش من خلال ايجاد فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد. الاّ ان الدولة بادرت بعد التحرير الى اخذ ما لدينا من مال من خلال مطالبتنا بالضرائب البلدية ومستحقات الكهرباء والمياه. لا افهم ماذا يريدون؟"

وقال: "انا كمواطن لبناني لا اطلب من الدولة سوى بعض الاعفاءات البسيطة وتحريك عجلة الاقتصاد من خلال خلق فرص عمل لكي نتمكن من الاستمرار. ان المنطقة خالية من الناس. صحيح في سيدني كنت ادفع ضرائب ولكن كنت احصل على الكثير من الخدمات في مقابل ذلك. والضريبة على القيمة المضافة كنت ادفعها في سيدني، ولكن في الوقت عينه اذا توقف عملي يساعدونني ويقدمون لي الطبابة، وغيرها من الخدمات. في لبنان الامر غير واضح. ان الفساد مستشرٍ في البلد، ولا اعتقد ان الوضع سائر نحو التحسن."

من جديدة مرجعيون توجهنا الى بنت جبيل، وطبعا لا بدّ من المرور في بلدات القليعة، برج الملوك كفركلا حيث بوابة فاطمة خالية تماماً من الزوار، والعديسة. حال هذه القرى لا يختلف عن سابقاتها. فالناس في الجنوب المحرر متساوون، كل بلداتهم طرقاتها محفرة!

في العديسة

في بلدة العديسة، التي تقع بالقرب من مستعمرة مسكافعام المحتلة، التقينا بالسيد علي عبد الكريم دياب المشرف الاداري في مصلحة الشؤون الاجتماعية فقال: "من الناحية الانمائية، هناك بعض المشاريع التي بدأ تنفيذها. اما على الصعيد الاقتصادي فان الوضع متدهور كما هي حال لبنان. هناك العديد من الناس عادوا الى بلداتهم، وتقوم وزارة الشؤون الاجتماعية ببعض الطبابة وبدورات للتعليم المهني. وبعض اجهزة الدولة الرقابية يعمل كمفتشي المدارس. وكذلك بعد اجراء انتخابات البلدية، بدأت المجالس البلدية بالعمل بالامكانات البشرية والمادية المتوافرة."

وقال: "ان بلدة العديسة كانت مركزاً استراتيجياً تجارياً واقتصادياً. ووضع العديسة قبل 1948 كان استراتيجياً لجهة قربها من الحدود. وشهدت العديسة اول مدرسة سنة 1920 واول محكمة. ويفصلنا عن مسكافعام من فلسطين المحتلة حوالى 4 امتار."

واضاف: "ان غالبية ابناء العديسة غير مقيمين فيها لانه ليس لدينا ارض زراعية، وهم باكثريتهم موظفون في القطاع العام."

بدوره أحد الأئمة الذي كان ماراً سيراً على الاقدام وصف الوضع الاقتصادي بالمذري للغاية. الا انه رفض التعريف عن نفسه والاستفاضة في الحديث بسبب انشغاله.

باتجاه بنت جبيل

من العديسة الى بنت جبيل مروراً ببلدات حولا، ميس الجبل، بليدا، عيترون، مشهد واحد يتكرر. الناس عابسون وكأنما الابتسامة قد سلبت من على وجوههم. شباب يقفون عند المفترقات يحملون المسابح في ايديهم ويتحادثون. وعندما تستوقفهم وتسألهم عن الوضع الاقتصادي، يسارعون الى التهرب من الاجابة المسجلة. ولكنهم يدردشون معك بعيداً عن آلة التسجيل او آلة التصوير. "لدينا الكثير من المشاكل يقولون ولا اريد ان نقول شيئاً يعود علينا بمشاكل اخرى". على هذه الطريق، ترى فلسطين المحتلة بأم العين، ولا يمكنك الاّ ان تتحسر وتشعر بالاحباط والحزن. فالمنطقة اللبنانية ارضها خصبة جداً وفيها الكثير من الينابيع، ولكنها جرداء الاّ من التراب والاعشاب الخضراء. هذه الاعشاب غير المثمرة التي ستتحول في فصلي الصيف والخريف الى اللون الاصفر. السيارات على هذه الطريق قليلة نسبة الى عدد السكان، وغالبيتها ما تزال تحمل لوحات قديمة او لا تحمل لوحات. وعندما تستفسر يبتسم الشباب ويقولون: "انت بحجم هؤلاء الناس؟ انهم مدعومون!".

غريب كيف ان الواسطة والفساد ومنطق ابن الست وابن الجارية وصل خلال سنتي التحرير، ولكن المشاريع الانمائية وفرص العمل والتخفيف من معاناة الناس لم تجد طريقها الى هذه المنطقة.

في بنت جبيل

عند مدخل بنت جبيل، شباب لا يزيد عددهم عن عدد اصابع اليدين، قالوا لنا: "نحن يعتبروننا عملاء ولا يتعاملون معنا. وكما ترين نمرر الوقت بانتظار (الفيزا) لنترك الوطن بحثاً عن لقمة العيش! مع العلم ان الدولة لم تجد ضدنا شيئاً ولم ندخل السجن. فقط ذنبنا اننا لم نترك ارضنا وبيتنا. ان ذنبنا كبير!"

وبعد الانتهاء من الحديث، تابعنا سيرنا الى مدينة بنت جبيل. سوق كبير تتراصف المحلات فيه على الصفين، واحد تلو الآخر. ولكنها شبه خالية الاّ من صاحبها او الموظف. وبما ان الاجابة على سؤالنا حول الوضع الاقتصادي موحدة، تركنا السوق لزيارة بيت احد مخاتير المدينة الخمسة. استقبلنا المختار نمر بيضون العائد من الولايات المتحدة الاميركية وتحديداً من منطقة ديربورن حيث توجد كثافة مهاجرين من مدينة بنت جبيل. والحديث دار حول الوضع الاقتصادي فقال: 

"انا عدت بعد التحرير، ولكن اولادي الثمانية ما زالوا جميعاً في ديربورن. صحيح اليوم ان الناس تنفست الصعداء بعد ازالة الاحتلال. وعاد بعض ابناء البلدة وان آخرين بدأوا ببناء مساكنهم وترميمها باعتبار ان الامر عاد الى طبيعته. وعادت الناس حرة بالكامل. الا ان الوضع الاقتصادي يؤثر سلباً على الناس خصوصاً لجهة ايجاد فرص عمل."

واضاف: "عندما تم التحرير، زار المنطقة العديد من كبار المسؤولين واطلقوا وعوداً كبيرة ولكن ما تحقق كان قليلاً بالنسبة لما وعدوا به. ولكن بعد اجراء الانتخابات البلدية والاختيارية تحرّك الوضع قليلاً. وبدأت البلديات بالعمل خصوصاً بلدية بنت جبيل بامكانياتها المتواضعة. ومجلس الجنوب عمل في المنطقة، ولكن في بنت جبيل كانت مشاريعه محدودة، وشملت المياه والكهرباء فقط."

وقال: "بنت جبيل محرومة الى اليوم من شيء اسمه تعويض عن الاضرار التي اصابت هذه البلدة الصامدة. وقد قدم ابناؤها العديد من التضحيات، وعمد قسم كبير منهم الى سلوك طريق الهجرة بسبب وجود الاحتلال الاسرائيلي. واليوم وبعد مضي سنتين على التحرير، لم تحصل بنت جبيل على حقوقها كاملة بالنسبة الى التعويضات. هناك بلدات مجاورة كثيرة حصلت على التعويضات."

واضاف: "ان بنت جبيل فيها خمسة آلاف مقيم وهذا العدد لا يتعدى 10% من مجموع ابناء بنت جبيل. ان 11 ألفاً من ابناء بنت جبيل مقيمون في ديربورن اضافة الى عدد آخر في كندا واوستراليا وافريقيا والدول العربية. وهذه الهجرة الواسعة يعود سببها ايضاً لعدم توفر فرص العمل. لقد كانت بنت جبيل مشهورة بصناعة الاحذية. وكان قسم كبير من ابناء المدينة يعمل في هذه الصناعة. اليوم توقفت هذه الصناعة نهائياً بسبب المزاحمة الاجنبية. وتعيش بنت جبيل بطالة شبه عامة بالنسبة للصناعات الاساسية."

وقال: "لقد اجتمع مجلس النواب في بنت جبيل بعد التحرير برئاسة الرئيس بري، ولدينا العديد من النواب والوزراء من ابناء البلدة. مع ذلك نحن نفتقد لمقومات البقاء في ارضنا. نعرف الدولة اللبنانية تعاني من عجز كبير لذلك نحن ننتظر. اليوم بادرت الدولة الى البدء بمشاريع جديدة كتشييد مسلخ حديث ومعمل للنفايات وهناك مشاريع اخرى منها بناء سرايا جديدة."

وختم قائلاً: "اتمنى ان تقوم الدولة بمساعدة ابناء بنت جبيل بكافة المشاريع التي وعد بها المسؤولون الذين اتوا الى هذه المدينة الصامدة والتي عانت كثيراً من جراء الاحتلال الاسرائيلي الغاشم. فلولا المهاجرون من ابناء بنت جبيل ومساعداتهم، لا نعرف ماذا كان حلّ بنا خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية التي يعانيها لبنان. مع ان منطقة الجنوب محرومة منذ الاستقلال نأمل ان يتغيّر ذلك من خلال مشاريع تحدث تحريكاً ايجابياً."
 

النائب نزيه منصور

بعد الانتهاء من الجولة الميدانية التقت (الانوار) ثلاثة من نواب المنطقة وهم السادة نزيه منصور وعلي بزي وقاسم هاشم. وقد اجمعوا على وجود مشكلة اقتصادية مستشرية في المناطق المحررة.

النائب نزيه منصور قال عن الوضع: "اريد ان اعود بالذاكرة الى تاريخ التحرير من 21 الى 24 ايار سنة .2000 في ذلك الوقت شهدت المنطقة المحررة زيارة كبار المسؤولين من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء وحتى ان مجلس النواب عقد جلسة في المنطقة. وتبارى المسؤولون في اسماع المواطن الجنوبي الخطابات والوعود التي جعلته يعيش في النعيم بعد ان زحف حافي القدمين الى تلك المنطقة التي تحولت من حلم الى حقيقة. وقد عقد المواطنون آمالاً كبيرة على الوعود الحكومية لاعادة وتشجيع وايجاد الحوافز على الاقامة والاستقرار في تلك المنطقة. مضى حوالى سنتين تقريباً، ونحن اليوم على مقربة من الذكرى الثانية للتحرير، لم يتحقق شيء يذكر من تلك الوعود للمنطقة. هذا الامر خلق جواً من التململ. وقد رفعنا الصوت عالياً، وقلنا ان هذا الاهمال يساهم في تصحير هذه المنطقة بجعلها خالية من السكان. وهناك محاضر عديدة سجل فيها هذا الامر."

وقال: "لقد تحولت منطقة الجنوب المحرر منطقة يزورها الناس لدفن موتاهم. واصبحت عبارة عن مقبرة يزورها الجنوبي في مناسبة الوفاة. لقد سئم الجنوب من العودة ويئس من الحوافز المشجعة للعودة نتيجة لارتفاع الاعباء المعيشية واسعار التنقل."

واضاف: "لا بدّ ان تسلط الحكومة الضوء على هذا الامر وان تستنفر مؤسساتها كاملة لاعطاء الفرص للجنوبي لتشجيعه على الاقامة. خصوصاً عندما نجد الجهة المقابلة في فلسطين المحتلة، يقيم العدو المؤسسات ونرى الازدهار الزراعي والتنمية بينما نجد المنطقة المقابلة شبه خالية من البشر والشجر. ولكني اريد ان اقول ان معاناة الجنوبي لا تعود الى التحرير بل هي تعود الى يوم اصبح هناك جنوب. ان هذه المعاناة تعود الى ما قبل الاستقلال اللبناني."

واشار الى ضرورة ايجاد حوافز لاعادة الناس الى قراها، منها الاعفاءات الضريبية والتخفيضات في سعر الكهرباء ووضع مكافآت او مساعدات لمن يستثمر ارضه في الجنوب، والا لن يعود الجنوبي الى ارضه.
 

النائب علي بزي

اما النائب علي بزي فقال: "لا شك ان انجاز التحرير كان هدية المقاومين والصامدين الى كل الناس والى الدولة اللبنانية لانها شكلت مصدراً من مصادر العزة والكرامة لهذه الدولة بمقاومتها وبمرجعيتها السياسية. ولكن للاسف الشديد، لم تقابل هذه التضحيات الجسام مواكبة ارتقاء الحكومة الى مستوى التنمية والاعمار والخدمات الاّ عبر امكانيات محدودة قام بها مجلس النواب الذي حلّ مكان كافة الوزارات والادارات والمؤسسات، مع ان ميزانيته ضئيلة جداً. وهذا لا يعفي الحكومة ووزاراتها الخدماتية من مسؤولية التنمية والانماء والاعمار في هذه المنطقة."

واضاف: "كان المواطن الجنوبي يعلق اهمية كبيرة على ارتباط الدولة بهذه المنطقة كما ارتبطت هذه المناطق بالدولة. ولكن المواطن اصيب بخيبة امل كبيرة نتيجة عدم تلبية الوعود التي قطعتها الحكومة على نفسها وخاصة في بيانها الوزاري حين قالت ان بداية عام 2001 سيكون عام اطلاق المشاريع التنموية والخدماتية والانمائية في الجنوب. تارة يبررون عدم ايفائهم بهذه الالتزامات بالوضع الاقتصادي المتردي، وطوراً يبررون بغياب خطة شاملة لانقاذ هذه المناطق ودمجها في عملية النهوض الاقتصادي على خريطة الوطن."

وقال: "نحن نرى غياب تصور شامل لخلق مناخات استثمارية انتاجية لامتصاص البطالة المتفشية، اضافة الى خلق دورة اقتصادية تعود بالمنفعة على مختلف المواطنين. ونقولها بنوع من المفارقة: انه لولا مساهمات المغتربين المنتشرين في جميع اصقاع الارض، لكان الامر يختلف على الارض. كان لا بدّ من الدولة ان ترتب اولوياتها. كذلك، خلال حرب الدولة والمقاومة ضد العدو الاسرائيلي كان يجب ايجاد خطة، حتى اذا تحقق التحرير تكون الخطة جاهزة لتعويض الناس عما حلّ بهم من جراء 22 سنة من الاحتلال. ولكن للاسف لم تكن الدولة في حالة جهوزية بل كان هناك كلام، والكلام لا ينعش مواطن او وطن."
 

النائب قاسم هاشم

بدوره النائب قاسم هاشم قال: "الوضع الانمائي او الوضع الاقتصادي او الدورة الاقتصادية بشكل عام في المناطق المحررة تدّل على مدى الاهتمام الحكومي الذي يصل الى الانعدام النهائي ولا يتخطى درجة الصفر. ان الوعود التي اطلقها كل المسؤولين والحكومة منذ لحظة التحرير لم تكن سوى خطابات وبيانات وقصائد مدح. والمؤسف ان هذه المسؤولية تقع على الحكومة. فهي عندما اشارت في بيانها الوزاري الى مبدأ الانماء المتوازن فانها حيدت المناطق المحررة منه."

واضاف: "ان انماء المناطق المحررة يجب ان يكون فوق الانماء المتوازن، لان هذا الموضوع متعلق بالانتماء الوطني. فهذه المنطقة دفعت الضريبة عن كل الوطن وعن كل العرب. ولكن للاسف ان الحرمان المزمن الذي كان قبل الاحتلال وخلاله زادت معاناته بعد التحرير، لان الحكومة لم تلتفت الى المنطقة الا بالوعود البرّاقة. ان حرمان المنطقة لا ينحصر بالانماء والخدمات والبنى التحتية فقط، بل يتعداه الى لقمة العيش وفرص العمل. لقد غاب عن ذهن المسؤولين ان الدورة الاقتصادية ولفترة 20 عاماً لم تكن مرتبطة بالدورة الاقتصادية للوطن. ونحن لا نذيع سراً ونقف وراء اصبعنا، فالدورة الاقتصادية خلال فترة الاحتلال لم تكن مرتبطة بشكل كامل بالدورة الاقتصادية الوطنية، وكانت مرتبطة الى حد ما بالعدو الاسرائيلي، ولكن الحكومة لم تنظر الى هذا الامر بعناية خاصة، ولم تضع خطة استثنائية. واليوم نطلق الصرخة مع اهلنا في المناطق المحررة والذكرى الثانية للتحرير على الابواب، ونطالب بمقومات صمود خصوصاً منطقة العرقوب التي ما تزال منطقة مواجهة."

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic