الأستاذ الحجة السيد محمد تقي الحكيم
من عقول الأجيال إلى ذمة الله

هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 9 أيار / مايو 2002

 

     شيعت جامعة النجف الاشرف، ذات الألف عام من عمرها العلمي العالمي، الاستاذ الحجة السيد محمد تقي الحكيم، الذي توفي عن اثنتين وثمانين سنة، وأحد عشر كتابا مطبوعا ومثلها مخطوطا، وقد عرفت كتبه ودرّست في الجامعات، في اقطار عربية واسلامية عدة، كما اشتهر عنه من موضوعية ومنهجية مميزة، وتوزعت اهتماماته الكتابية على حقول شتى منها الفقه والأصول والتأريخ والأدب وفلسفة اللغة والفلسفة..

وتوفي عن ألقاب ومواقع علمية احتلها بجدارة وأهلية عالية، فبعدما استوى على مكانته العلمية في ريعان شبابه، شارك عددا من أعلام العلم والأدب في النجف، في تأسيس جمعية منتدى النشر عام 1944م والتي تحولت على مدى نصف قرن الى حاضن للأشد حيوية في النشاط الفكري والادبي والتربوي والاجتماعي في النجف وحولها، لتتوج بسعيها المنظم الطامح الى معاصرة موصولة بأصولها وذاكرتها، كلية الفقه، كوسيط عصري بين الحوزة بشروطها الكلاسيكية، والجامعة بشروطها المعرفية والتنظيمية المستجدة، وتولى فيها تدريس علوم ومعارف مختلفة، وبنكهة مختلفة، ونمط مختلف عن العلاقة التكاملية بين الاستاذ والتلميذ ثم انتخب عميدا للكلية عام 1965 من دون ان يترك دروسه وتدريسه فيها وفي الحوزة أستاذا لطلاب الدراسات العليا (الخارج) وعام 1964 منحته جامعة بغداد درجة الاستاذية، حيث أشرف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وفي نفس العام انتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي ثم مجمع اللغة العربية في مصر وسوريا والاردن تباعا، الى الكثير من العناوين التي كانت تسبقه او تلحق به ذاهبا او عائدا من المؤتمرات العلمية في عواصم الدول العربية والاسلامية. 

ودعنا فيه ومعه سيدا من أسياد النظر العلمي والمسلك التقوائي. والزيادة في إضفاء التنظيم على الحرية الموروثة، في طلب العلوم الاسلامية، طموحا الى تشكيل ضمانات حداثة تحول دون تحويل الحرية الى فوضى، واتسعت رقعة التلمذة على يديه، بالتلقي المباشر منه في الكلية والحوزة، حتى بلغ تلاميذه المباشرون آلافا، فيهم المئات من المشاهير والعشرات من المفكرين، الذين يعرف اهل الخبرة تلمذتهم عليه وأثره فيهم، من خلال نشاطهم الفكري ذي العلامات الفارقة.. ومثلهم عدد ممن تتملذوا على فكره من خلال المتابعة والاتباع المنهجي، المفيد او المستفاد من دون تقييد، بسبب جاذبية أتت من موضوعية ونشراته الحق والحقيقة، ونهجه الذي جمع بين التقانة العلمية، والاتقان في التعامل مع الموروث العلمي، وبين التقنيات الحديثة في البحث والقول والكتابة والمقارنة بين أنظمة المعرفة المختلفة..

الى ما عرف عنه واشتهر به، وتطابق فيه مع نزوع نجفي الى الوحدة على مقتضى التوحيد.. حتى كان رائدا علما في مجال التقريب بين المسلمين، وقد كان من نصيبي مع بعض اترابي في عمر التحصيل النجفي، ان تلقينا بعضا من دروسنا، على مدى سنتين، على ايدي اساتذة مصريين في كلية الفقه، حيث توفرت فرصة للتعارف والتثاقف ذهبية نادرة.. وعلى سبيل الاستطراد الدال، أذكر ما يعرفه العارفون من انه كان يعطي للمستوى العلمي اهمية قصوى ويجعله معيارا، ما أدى الى ان يتعاقب على التدريس في الكلية اساتذة من مذاهب متعددة ومن مشارب فكرية متعددة ومختلفة مع النجف بأعماق متعددة، حتى كان بينهم الوجودي الذي درسنا الفلسفة الحديثة، وجاهر بأنه استفاد منا وجاهرنا بفائدتنا منه، والى العلاقات والمؤتمرات والسفرات والمباحثات التقريبية والعلائق الودودة مع علماء المذاهب في سائر الاقطار، ألف السيد كتابا في التقريب وكتابا بعنوان: "التشيع في ندوات القاهرة" والعنوان يحكي كما المضمون عن حركة حوار علمي تقريبي جميل وعميق لدى فقيدنا الاستاذ الحجة، (كما كان المرحوم الامام محمد مهدي شمس الدين يصر على القول فيه)، بلغ من الشفافية والتواضع، حد انه كان يلتبس بتلاميذه، لا ينزل اليهم، بل يرفعهم اليه بأناة وحرص ودربة على التربية العلمية، وأحيانا كانوا يصدقون، فيلغون المسافة بينهم وبينه، ويعتذرون في نهاية البحث، ولكنه يزدهي فرحا علميا بهم. ولا يخفي رغبته في دفعهم او اندفاعهم الى مكانة علمية اعلى. كما كان يلتبس بأساتذته، المراجع او كبار المجتهدين (وقد تنكب طريق المرجعية حيطة عندما سعت اليه بعد وفاة الامام السيد محسن الحكيم). فيحلونه اساتذته مصافهم من دون مجاملة او مراعاة، بل إقرارا بعلو كعبه ونضج عقله، ولكنه يبقى متشبثا بتراتبية معيارية، لا يتخطى المقاييس في التصنيف العلمي، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، ما نكاد ان ننتهي، او لعلنا انتهينا اليه في مشهدنا العلمي الديني الراهن، بعدما اختلطت او خالطت الوظيفة او السياسة العلم حتى غلبت عليه، فأصبح العنوان الممنوح في الأعم الاغلب، منشأ لإلصاق النعوت العلمية بمبالغة احيانا ومن دون داع احيانا اخرى، في حين ان كثيرا من العلماء العلماء ما زالوا مصرين على المرور باللغو كراما. 

كأني أودع فيه مستقبلا لا ماضيا وحسب... ومن هنا فجيعتي ورغبتي في كتابة مفصلة، لولا ضيق المجال.. لقد كنا نرى فيه نموذجا حديثا ونجفيا للامام محمد عبده، على شروط نجفية خاصة، لا تلغي المشترك العام، العربي والاسلامي والعلمي، بين المصلحين من العلماء، ونميز بينه وبين الامام عبده، من دون ان نرى في خصوصية أي منهما او ميزته امتيازاً له على الآخر... فالامام عبده انتهى في مسيرته العلمية والعملية الى اكتشاف أولوية دوره الاصلاحي في المجال العلمي والتعليمي والتنظيمي بعد تجربة سياسية، او علمية سياسية طويلة وشاقة، في حين ان الحكيم فقيدنا، لم يخض هذه التجربة بكل متطلباتها، أي لم يستغرق فيها، من دون ان يعني ذلك مجانيتها كليا.

كان حريصا منذ شبابه ان يبدأ من موقع آخر، لا يمنع ولا يمانع في ان تصب الجهود العلمية المتراكمة بشروطها، في المجال السياسي والاجتماعي العام.. كان في ثلة من العلماء (رائدهم الشيخ محمد رضا المظفر) آثروا الابتعاد النسبي عن السياسي، لا القطيعة، أي من دون أعراض عن السياسي باعتباره متغيرا، مع عناية بالثابت او المكون المعرفي والديني، لإعادة تشكيله وإعداده لدوره المتجدد في ترشيد المتغير. من هنا كان إنجاحهم الى المأسسة، لأن المؤسسة، على موجبات المعاصرة في الهيكلية والتراتب والمشروع والحراك، هي الحيز الأمثل للمراكمة وصيانة الجهد العلمي والعملي من الضياع والفوضى والعقم. 

مات ودفن في النجف، التي سيق لقتلة ما!!! ان قتلوها ودفنوها، فاحتواها في قلبه الذي كانت فضاءه وكان فضاءها.. انطوى عليها فانطوت فيه وعليه.. وآثر الصمت فكان أبلغ.. وكان الباركنسون الذي عاناه من هول المشهد قد طال لسانه فآلمنا صمته وما التاع، لأنه كان يشرق وتلمع عيناه بالرضى والكلام الجميل عندما كنا نتحاور بين يديه.. ويطيل السهر في سامرنا.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic