جارحة... لكنها حقائق

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 9 أيار / مايو 2002

 

     كان يقال، عن حق، ان الشعب الفلسطيني، وحده، لا يستطيع تحرير فلسطين. ويعني ذلك ان ما قد ينطبق على حركات وطنية عديدة لا ينطبق عليه. والسبب في ذلك هو الطبيعة الاستيطانية للمشروع الصهيوني. 

كان يقال أيضاً، عن حق، ان التصدي لاسرائيل مهمة عربية عامة. ليس من باب التضامن مع شعب شقيق بل من باب تأكيد المصلحة المشتركة التي يوحدها، عملياً، ارتباط المشروع الصهيوني بالاستهدافات الاجنبية العامة في المنطقة. 

ومن باب أولى يجدر ان يقال اليوم ان “شعب الضفة الغربية” لا يستطيع تحريرها. ان توفير أفضل الشروط الذاتية يُبقي هذا الهدف بعيد المنال ومستحيلا. فلو كانت القيادة اكثر حكمة وجذرية، والتنظيمات اكثر وحدة ونضالية، وادارة الحكم الذاتي اكثر شفافية وديموقراطية، لو توفرت هذه العوامل كلها، واكثر، لما كان ثمة مجال لحسم الثنائية مع الاحتلال لصالح التحرير والاستقلال. 

هذه حقيقة جارحة. لكنها حقيقة. وما شهدته الارض الفلسطينية المحتلة في العقد الاخير هو، في العمق، نكسة لخيارين استراتيجيين ينطلقان من الثقة بقدرة الفلسطينيين وحدهم. يقول الخيار الأول ان الالتصاق باسرائيل، وطمأنتها، وكسب ود الولايات المتحدة، والاستعداد للدوران في هذا الفلك الشرق اوسطي المرعي اميركياً، ان ذلك كله سيقنع اسرائيل باحقاق بعض الحقوق الوطنية الفلسطينية وذلك بغض النظر عن الصلة بالمسارات العربية الاخرى وبالوضع العربي العام. 

ويقول الخيار الثاني ان الدخول في مواجهة عسكرية شاملة مع اسرائيل سيقود الى استنزافها، واضعافها، وارغامها على الجلاء، من دون قيد او شرط تقريباً، من الضفة والقطاع. ويؤدي ذلك الى قيام دولة فلسطينية تُبقي المعركة مفتوحة. ويجادل دعاة هذا الخيار بأن الدور العربي يمكنه ان يكون داعماً من بعيد لان القدرات الفلسطينية، خاصة في صيغتها الاستشهادية، تكتفي بذاتها. وقد جاء نموذج الانسحاب الاسرائيلي من لبنان ليزكي هذا الوهم. 

لقد بدا لوهلة ان الوضع الفلسطيني انشق الى تيارين احدهما دون مستوى الممانعة العربية الضعيفة، وثانيهما فوق مستوى هذه الممانعة. ولقد انعكس ذلك تعايشاً بين خطين فلسطينيين يختلفان حول الكثير ولكنهما يلتقيان عند حدود الرهان على القدرة الذاتية الوطنية سواء كانت سلمية أم حربية. 

لقد آن الأوان لمراجعة نقدية لهذا الرهان. 

ان صعوبة المراجعة كامنة في ان التدهور في الوضع العربي وصل الى حد مقلق. لم تعد انظمة حاكمة تجد مصلحة نظرية ووطنية لها في منع الهزيمة الفلسطينية امام ارييل شارون وجيشه. فتعريف هذه المصلحة بات جغرافياً بالمعنى الحصري للكلمة لا يستطيع ان يستشرف الآثار الدراماتيكية لبزوغ قوة اقليمية عظمى في هذه المنطقة الحساسة والواقعة على تماس مع العرب الافارقة، وعرب الخليج، وعرب المشرق. 

تعيد الانظمة العربية صياغة مفهومها لأمنها الوطني باتجاه اكثر تواضعاً اي اكثر اعترافاً بالهزيمة. وهي، إذ تضطر لمراعاة فورات شعبية، فانها تدرك ان في الامكان تطويق الاحتجاج ومنعه من ان يجد حبل الصرة الذي يشده الى قضية فلسطين. 

ان مراجعة فلسطينية “واقعية” لاساليب العمل واستراتيجياته في ظل هذا الوضع العربي، ستقود، للوهلة الاولى، الى التسليم بالارجحية الاسرائيلية. ان هذه الواقعية خادعة لاسباب عديدة اهمها ان اسرائيل لا تملك صيغة واقعية لممارسة هذه الارجحية. لقد فاض بها جموحها فوضعت لنفسها اهدافاً يكفي منعها من تحقيقها حتى يكون ذلك مساوياً لالحاق هزيمة بها. إلا ان هذا الانجاز يقتضي توافقاً فلسطينياً داخلياً على وقف التأرجح بين التصدي المسلح المفتوح الآفاق والتراجع بسرعة نحو الانضباط تحت سقف املاءات صعبة. عدا عن ضرورة الخلاص من ممارسة الأمرين في الوقت نفسه وبشكل يهدد بجعل الاقتتال الاهلي شبحاً دائم الحضور. يجب الكف عن سياسة الانتحار الجماعي عبر تنازلات لا قعر لها والكف عن السياسة المراهنة على تحويل الانتفاضة الى عملية استشهادية جماعية. 

وعلى قاعدة هذا التوافق يمكن تجديد نسج العلاقات العربية، الرسمية والشعبية، وعلى اساس ان المواجهة مديدة وانه من غير الجائز الزج بالقوى الحية كلها في مواجهات ذات توقيت سياسي خاطئ بل مدهش في تجاهله للخطأ. 

اذا حصل ذلك فانه لن يعني انتزاع انتصار سهل. يمكنه ان يعني فقط عدم ارتهان المستقبل وتدمير الاحتمالات التي يحتويها من اجل اشباع نرجسية وطنية وتنظيمية تكاد تصبح خطراً داهماً. 

هذه الحقائق جارحة. ولقد كان الأجدى مواجهتها بعد العدوان الاسرائيلي الاخير بدل تسريع الاحداث بطريقة تزيد التفارق ضمن الصف الفلسطيني، وتقفز فوق حقائق الوضع العربي، وتوفر لشارون توسيعاً، ولو مؤقتاً، لهامش المبادرة.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic