نعم هزمنا في هذه الجولة

صقرابو فخر

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 10 أيار / مايو 2002

 

     لعل عدم الاعتراف، اليوم، بأن الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في 28/9/2000 قد هُزمت، بل سُحقت، هو من قبيل المكابرة ومعاندة الوقائع المرّة والقاسية. على ان هذه “الهزيمة” ليست مؤبدة بالتأكيد، انما هي موقتة حتما. فالانتفاضة هذه ليست الاولى في التاريخ الفلسطيني المعاصر، بل هي شوط باهر في سلسلة طويلة من معارك الصراع المحتدم الذي بدأ قبل 120 سنة بالتمام. 

نعم، هُزمنا في هذه الجولة بلا ريب. وحتى لو استمرت المقاومة وعملياتها هنا وهناك، وهي ستستمر بالطبع، فالمحصلة الواقعية هي ان هزيمة مروّعة حاقت بنا وبالانتفاضة معا. ولهذا صار من الحيوي جدا الآن تدشين نقاش عاصف في صفوف النخب الفلسطينية والعربية، المناضلة والمفكرة، والشروع في جهد جماعي لابتداع رؤية جديدة الى المستقبل الفلسطيني، استنادا الى الوقائع الجديدة والى النتائج الماثلة أمامنا بوضوح وجلاء. 

لنعترف، اذن، ان الكلام الذي كان يهرّ من الأفواه عن قدرة الانتفاضة على تحقيق النصر ودحر الاحتلال كان هذرا وثرثرة، وفي أحسن أحواله زجلا وخيالا، أما في أدنى حالاته فهو تخلف مريع في فهم السياسة والمتغيرات السياسية. ومهما يكن الأمر، فان المنهج النقدي التحليلي يرغمنا على الإقرار بالوقائع الراهنة، بل الصدوع للواقع الجديد، وهذا الواقع الجديد يزعم التالي: 

- ان اسرائيل نجحت في تهميش الانتفاضة، وحتى تهشيمها، ولو الى حين. 

- ان اسرائيل كسبت الموقف السياسي للولايات المتحدة الاميركية المنحاز، في الأساس، اليها بما يفوق ما كان متوقعا ونجحت في تقديم نفسها ضحية للارهاب، وان ما تفعله ليس أكثر من دفاع مشروع عن النفس. 

- ان الموقع الخاص لإسرائيل في الاستراتيجية الكونية الاميركية تعزز بقوة وصار رصيدا لا يضاهى، بل ثروة لا يمكن التفريط بها وبأمنها. 

- ان العمل العسكري الفلسطيني الاستعراضي، او غير المحسوب بدقة، يؤدي، حتما، الى الخسران، فالعمليات العسكرية يجب أن تكون في خدمة البرنامج السياسي او الهدف السياسي أولا وأخيرا. 

- ان فكرة ردع الخصم الاسرائيلي بالعمليات الانتحارية سقطت في الاختبار العملي (مثلها مثل خرافة “توازن الرعب”)، فلم يرتدع الخصم البتة، بل أمعن في تدميره اليومي للمؤسسات الفلسطينية وللمدن الفلسطينية وللمخيمات الفلسطينية. 

- ان فكرة إرغام الخصم على الاذعان للمطالب الفلسطينية المشروعة بالعمليات الانتحارية مراهنة لم تستند الى قوائم قوية. 

- ان فكرة ترويع المجتمع الاسرائيلي وخلخلته بهذه العمليات لم تكن مجدية البتة. وأكثر ما نخشاه اليوم أن تزود هذه العمليات اسرائيل بإمكان إعادة انتاج “الترانسفير” بصيغة جديدة. 

- ان الفصائل الفلسطينية في الاراضي الفلسطينية، وان تمكنت من إنجاز بعض مظاهر الوحدة الميدانية، الا انها فشلت في توحيد الرؤية السياسية، ولم تتمكن حتى من الاتفاق على الاهداف القريبة، وامتنعت، امتناع العاجز، عن صوغ برنامج الحد الادنى المشترك. 

هذه النقاط هي ملتقطات أولية، وغير نهائية، من المشهد السياسي الراهن، وهي تحتاج، لجلاء المشهد، الى المزيد من الاضاءة والاضافة، والانكباب على البحث المعمّق في أسبابها وفي ظواهرها معا. ولعل سرد هذه العلامات الناطقة ليس مجرد تمرين ذهني، انما هو ما ينبغي البدء منه، والتأسيس عليه في اي رؤية سياسية ممكنة لمستقبل الشعب الفلسطيني. 

بين نكبتين: التجربة المريرة 

     يحلو لبعض الكتّّاب أن يجد في المصير الذي آلت اليه الانتفاضة الحالية ما يشبه، تماما، النكبة الاولى في سنة 1948. وفي هذه المقارنة تعسف كبير بلا شك وعدم دراية. ان عناصر الاشتراك بين “النكبتين” هي الهزيمة والمرارة والخيبة. أما عناصر الافتراق فتكمن في السياسة أولا وأخيرا. ففي سنة 1948 هُزمنا لأن رياح السياسة الدولية وموازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية كانت تميل، بقوة، لمصلحة الصهيونية. وكان إمكان تحقيق الانتصار من المحال، لأن الصهيونيين امتلكوا عشية قرار التقسيم في سنة 1947 نحو 62 ألف مقاتل مدرب تدريبا رفيعا، ولديهم قيادة واحدة تعرف أهدافها جيدا. بينما العرب لم يتمكنوا من تجميع أكثر من 12 ألف مقاتل مشرذمين الى ثلاث فُرق: جيش الجهاد المقدس، وجيش الانقاذ، وسبع جيوش عربية بتسليح بدائي وبقيادات متنافرة الاهداف والأهواء. وفي تلك الفترة وقف القادة العرب أمام لعبة الأمم كالمجاديب، وكان أثر تقاعسهم الحربي، في المحصلة النهائية، محدودا في تقرير نتائج المعركة. 

في سنة 1948 انهار المجتمع الاهلي الفلسطيني برمته تقريبا، وتحول شعب من الأعيان والملاك والتجار والفلاحين وصغار الكسبة الى شعب من اللاجئين تقريبا. أما في سنة 2002 فالمجتمع الفلسطيني برمته، على الرغم مما حل به، بقي فوق أرضه صامدا الى جانب مؤسساته وممتلكاته المدمرة. لكن دور الأنظمة العربية في محنته الجديدة كان حقيقيا. وكي لا نوغل في التحليل أقول، بسذاجة وبدهية انه لو كانت في أيدي الفلسطينيين أسلحة بسيطة جدا مثل قاذفات الآر بي جي واللاو والألغام المضادة للأفراد والدروع، لتغيرت حصيلة المعركة الى حد كبير. لكن، من الذي منع هذه الاسلحة عن المقاتلين في فلسطين؟ أليست هي الانظمة العربية وأجهزتها التي تطوّق اسرائيل لحماية أمنها أولا وأخيرا؟ 

مهما يكن الأمر، فان المعركة الأخيرة انجلت عن بعض الحقائق التي ربما تندرج في إطار أسئلتنا الأولى وهي: 

- ان أريئيل شارون، بما يمثل، فشل في الحصول على توقيع إذعان من القيادة الفلسطينية. 

- إن ما جرى الاتفاق عليه لفك الحصار عن مقر الرئيس عرفات وعن كنيسة المهد، هو مجرد مخرج لا صفقة سياسية. 

- إن أريئيل شارون فشل في اعتقال القيادة الفلسطينية، (وأبو عمار بالذات) ونفيها خارج فلسطين او حتى الى غزة، لا لعدم القدرة العسكرية، بل لعدم الامكان السياسي. 

- إن أريئيل شارون اضطر الى التراجع عن شروطه، ولا سيما اعتقال المطلوبين المحاصرين في مقر أبو عمار وفي كنيسة المهد، وأُرغم على اللجوء الى الحلول الوسط والمخارج الممكنة. 

- إن الانظمة العربية، في معظمها، ليست الا أحزمة لأمن اسرائيل. فبعضها اتخذ موقف الحياد في هذه المعمعة، وبعضها الآخر استنفر نصف جيشه لحماية حدود اسرائيل، ثم نشر النصف الثاني لقمع تظاهرات شعبه. وثمة رئيس وملكان أنذروا ياسر عرفات، في ذروة الانتفاضة، بأن يوقف هذه الانتفاضة لأنها باتت، بالجموع المتظاهرة يوميا في الشوارع، عبئا على الأمن الداخلي لهذه الحكومات، وتهديدا سياسيا يدق أبوابها. فالجيوش العربية أضحت مرصودة، منذ زمان بعيد، لا للدفاع عن الاوطان، بل لقمع الشعوب. انها ، والحال هذه، أنظمة هشة لكنها تستمد بقاءها من الولايات المتحدة الاميركية، او تضمن أمنها لدى المتعهد الاسرائيلي الذي سيسارع، بالتأكيد، الى نجدتها لو تعرضت الى أي مخاطر جدية. 

الحوار الممكن 

     ان أي رؤية جديدة للمستقبل الفلسطيني عليها ان تُنصت، بانتباه شديد، الى الحقائق الراهنة والوقائع المستجدة والمتغيرات الجديدة التي، ربما أوغلنا في تكرارها، وأفضنا في الحديث عنها مرارا. وقصارى القول ان على القيادة الفلسطينية، وأقصد أبو عمار بالتحديد، ان تباشر، فورا، رحلة الخروج من هذا المأزق العسير، ومن هذه الدوامة المدوّخة من غير الالتفات الى الاصوات التي اعتادت المناكفة هنا وهناك. ولا ريب في أن العالق في الدوامة يتخبط كثيرا قبل ان يتخلص منها. فهو كالعالق في المصيدة تماما، عليه أولا ان يفك طوق المصيدة عن رجليه قبل ان يقرر اي طريق سيسلك لخلاصه. وفي محاولة لتحديد اي السبل سنسلك لا أجد مخرجا إلا ان تدعو القيادة الفلسطينية وياسر عرفات بالتحديد، الى مؤتمر طارئ تجتمع فيه نخبة الفاعليات الفلسطينية، والعربية اذا كان ذلك ممكنا، والمفكرون والناشطون وقادة المنظمات السياسية وممثلو النقابات وهيئات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الانسان... الخ لتقويم الانتفاضة تقويما نقديا صارما وجريئا، ولاعادة مناقشة عناصر السياسة الفلسطينية كلها بالتفصيل، مثل اتفاق أوسلو والنهج السياسي الذي اتبعته القيادة والمعارضة في الآونة الاخيرة، والعمليات الاستشهادية الموجهة الى المدنيين الاسرائيليين، والمحصلة الهزيلة للسياسات العربية التي فضحتها الشهور الدموية الماضية. 

ان خلاصة هذا المؤتمر من شأنها أن تدل، بالاصبع الشاهد، على السبيل الافضل للاصلاح السياسي وللسير مجددا نحو الاستقلال ودحر الاحتلال. وفي ما لو لم يكن المؤتمر ممكنا، فسيكون الرئيس عرفات أمام خيار وحيد، هو ان يعمد، فورا، الى تنظيم انتخابات عامة نزيهة وحرة وشفافة الى أبعد الحدود، او إجراء استفتاء شعبي عام. وحسب الفلسطينيين المكتوين بالنار الآن، انهم يواجهون برنامجين: إما برنامج السلطة او برنامج حماس. فاذا جاءت النتائج لمصلحة المعارضة، فعلى الرئيس عرفات ان يتنحى ويسلم حماس وحلفاءها مقاليد الأمور، وعلى هؤلاء، في هذه الحال، تحمل المسؤولية الكاملة عن جموع الشعب الفلسطيني، تحت الاحتلال وفي الشتات، فضلا عن ادارة الصراع مع اسرائيل. وهيهات ان تتمكن المعارضة من ادارة مدرسة ثانوية ادارة عصرية! أما اذا جاءت النتيجة لمصلحة برنامج ياسر عرفات، فعليه ان يبني على الشيء مقتضاه، فيعيد تأسيس السلطة الفلسطينية تأسيسا جديدا، وينفّذ، بحزم وقوة، ومن غير الالتفات الى الخطب الغوغائية التي تكاد توهمنا بأننا أصبحنا على أسوار عكا وأننا نفرض شروط المنتصر على العدو، برنامجه الجديد، أكان ذلك بمشاركة المعارضة او من دونها او ضدها اذا لزم الأمر. 

ان السلطة الفلسطينية الآن أمام مغامرة كبرى، بل اختبار كبير. وفي هذا الحقل من التفكير، ومهما تكن فرادة التجربة الفلسطينية، حيث الدولة لم تولد بعد، بل انها تنبثق، بالتدريج، في عملية شائكة جدا وفائقة الألم، فان على النخب الفلسطينية التي انتدبت نفسها لبناء دولة مستقلة وحرة ألا تسمح، تحت اي ذريعة، للشأن الأمني بأن يقضي على براعم الديمقراطية وعلى التعدد وحق الاختلاف. وما يحمي الديمقراطية في المستقبل هو تكوين رأي عام متوثب للدفاع عنها، ثم تأسيس هيئات جريئة لصون الديمقراطية بالقانون، لان المستقبل ليس الا ما يجري تأسيسه منذ الآن. ومنذ الآن بات من الضروري جدا مناهضة الاتجاهات الفكرية المتخلفة التي لا ترى في الديمقراطية الا مجرد حمار ذي مهمة وحيدة هي ركوبه الآن للانقضاض على السلطة لاحقا على الطريقة الجزائرية. 

في خضم هذا الاختبار، على من أنجدته ذاكرته ألا ينسى أبدا ان من لم يُنجد الانتفاضة طوال تسعة عشر شهرا (وأقصد القوى السياسية الفلسطينية والدول العربية معا)، ومع ان له، بالتأكيد، الحق في أن يخوض كما يشاء في جدل الأفكار والأهواء، لن يكون لرأيه اي أثر او وزن او احترام.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic