|

|
|
فلسطينية وحفيدها حاملاً صورة والده الشهيد خلال تظاهرة في ذكرى النكبة في رفح أمس (أ ف ب)
|
حذّر سياسيون عرب من أن الفلسطينيين، إذا هُزموا فوق أرضهم، فهذا يعني أن نكبة جديدة حلت. قد يتضمن هذا التحذير قدرا من المبالغة. فالفلسطينيون، كشعب، صمدوا فوق أرضهم وإن كانت المواجهة الدامية مع الاحتلال تفتح باب التقييم على احتمالات ألا تكون النتائج المباشرة لهذه المعركة في صالحهم.
ولعل ما يثير القلق، انطلاقا من أن الترجمة السياسية هي المعيار في إصدار حكم، هو أن ثمة علامات مثيرة للريبة تشير الى ان المنطقة برمتها تدخل في منعطف جديد.
لقد كان مثيراً للغرابة أن تخرج الولايات المتحدة الأميركية أقوى نفوذاً في الشرق الأوسط كله بعد اتّباعها، على مدى شهور، سياسةً مغاليةً في انحيازها إلى إسرائيل الشارونية، وفي سعيها الى تطويع العرب، أصدقاء وخصوماً، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.
ويكفي استعراض سريع لمعالم السياسة الأميركية لاكتشاف أن وقائع كثيرة تبدو مبعثرة، إنما تندرج، في الواقع، في سياق ينتظمه لحن واحد ويضبط إيقاعه قائد أوركسترا واحد.
لقد جدّدت واشنطن الإمساك بطرفي المعادلة. فهي، من جهة، لم تتخل لحظة عن أرييل شارون واستخدمت حزب العمل من أجل “توضيب” السياسة الإسرائيلية العدوانية، وتقديمها، ومن أجل إنتاج لحظة وحدة وطنية لا يمكنها إلا أن تحتفظ بأفضل العلاقات مع “الحليف الاستراتيجي”، خاصة أنه بدا شديد التسامح معها بعد 11 أيلول. ومن جهة ثانية، تجاوزت واشنطن مرحلة ارتباك في علاقاتها مع المملكة السعودية ومصر، ونجحت، بعد ضغوط مارستها، في أن تجدد “البازار” الشهير الذي دعا إليه مارتن انديك. وهو “بازار” ينسب إليها دوراً ولكنه يطالب “محور السلام العربي” بأن يكون أكثر فعالية، لا بل بأن يفرض هيمنة سياسية على محصلة العمل العربي المشترك.
قدمت الولايات المتحدة عرضاً يقول: “الإرهاب مقابل الرؤية”. ومفاده دعوة العرب إلى انخراط جماعي في حربها بما في ذلك ضد المقاومة المسلحة مقابل أن تصر على “رؤيتها” للدولة الفلسطينية، وأن تجدد انخراطها الفعلي في الأزمة، وأن تسعى إلى إلزام إسرائيل بعدم اتّباع الخط الأهوج الذي دعا إليه بنيامين نتنياهو في الاجتماع الأخير ل”ليكود”. ولقد وفرت الولايات المتحدة تغطية سياسية لشارون ولكنها باعت أصدقاءها العرب مطالبتها الدائمة له بأن “يأخذ نتيجة أفعاله بالاعتبار”.
أكثَرَ الرئيس جورج بوش وأركان الإدارة من انتقاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ولكن ذلك لم يخرج مرة عن دائرة التلويح له بأن في إمكانه، إذا لبى دفتر شروط معيناً، أن يكسب “ثقة” بوش. ولا يقل دفتر الشروط هذا عن إعادة صياغة الوضع الفلسطيني برمته من أجل إطفاء جذوة المقاومة وترويض الفلسطينيين على الاستعداد لتسويات مؤلمة وربما انتقالية. لقد بات الاسم الكودي لذلك هو “الإصلاح في بنية السلطة” بعد المحاولة الإسرائيلية لضرب “بنية الإرهاب”. غير أن هذا الإصلاح، من وجهة نظر واشنطن، يعني أن يبدأ عرفات بقرن قوله بالفعل. أما إذا كانت حجته هي أن الأجهزة الأمنية في الضفة مضروبة فإن الرد هو ان الإدارة منعت شارون من دخول غزة فما على السلطة الوطنية إلا تحويل القطاع إلى “نموذج” عما يمكنها فعله علّ ذلك يتحول الى أوراق اعتماد جديدة.
رعت الولايات المتحدة، في إطار سياستها هذه، الدعوة الى مؤتمر دولي لا يزال غامض المرجعية والوظيفة والحضور والملامح. ووافقت على أدوار لكل من الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة شرط أن تكون متكاملة مع ما تقوم به وألا تشوش على الطابع القيادي الأميركي. مجلس الأمن، مثلا، يجتمع ليستصدر قراراً في خلال ساعات عند الطلب. ولكنه يعود فيدفن لجنة جنين عند الطلب. والاتحاد الأوروبي يستقبل المبعدين الفلسطينيين ويستعد لتمويل إعادة الإعمار ولكن بوش يؤيد التعنيف الإسرائيلي له على انحيازه الى العرب!
وتكاد واشنطن لا تخفي هدفها: تبريد الصراع. فهي تريد إحياء مؤسسة التفاوض وحمايتها من أجل استخدامها كثلاجة يدخل إليها النزاع الفلسطيني الإسرائيلي الى حين تنضج ظروف علاجه جدياً. ووظيفة التبريد ترتيب المسرح من أجل التسخين ضد العراق والذهاب في ذلك الى أقصى الجذرية: تغيير النظام. قد لا تكون الخطة جاهزة تماماً اليوم ولكن السيناريوهات المتداولة كثيرة، ويقال إن مسؤولين عرباً كباراً باتوا في أجوائها في صيغة “أخذ العلم” وليس “أخذ الرأي”.
ويمكن الافتراض، بناء على تجارب سابقة، أن المؤتمر الدولي العتيد يطلق آليات التبريد على أن تعود واشنطن، بعد الحملة العراقية، لتتعاطى مع مشهد شرق أوسطي مختلف تماماً... ومختلف باتجاه انتقال أطرافه العربية والإسلامية كلها الى موقع أدنى في القدرة على ممارسة التأثير.
محور السلام
إذا كان هذا التشخيص للتوجهات الأميركية صحيحاً، فإنه يفسر السلوكيات العربية التي افتتحتها المبادرة ولم تختتمها “شرم الشيخ” ومرت في محطة الزيارات الى واشنطن.
إن هناك الكثير مما يوحي بوجود صفقة كبيرة أو، على الأقل، توافقات جدية بين الإدارة في واشنطن وبين القوى النافذة في محور “السلام” العربي.
لقد ارتضت هذه القوى، بعد المبادرة الهادفة الى حل جذري، الدخول في ما يسمى “رسم خرائط الوصول”: تينيت، ميتشل، مؤتمر للتفاوض وليس للحل... كما أنها تبنت الطلب الأميركي بالضغط على عرفات لإنهاء “الازدواجية” في الساحة الفلسطينية وتغليب التيار الأكثر “اعتدالاً” وإلا فإنه سيدفع الثمن. ووافقت على أن تلبي الطلب الأميركي ب”إدانة العنف بكل أشكاله” ولو أنها حاولت، لاحقاً، التخفيف من وقع ذلك. وشرعت في اتخاذ مسافة عن قوى إسلامية اعتراضية كانت على صلة بها. وحاولت اجتذاب دول عربية الى خطها المستجد مستخدمة في وجهها التحذير من العزلة. ولوحت بأن أي دعم مالي لإعادة الإعمار في فلسطين سيكون مشروطاً. وكان سبق لها أن حيّدت أسلحة كثيرة بدءاً بالنفط وصولاً الى العلاقات مع إسرائيل مروراً باحتمال التعاطي بقدر من الندية مع أميركا.
إن السؤال الصعب الذي يواجه هذا المحور هو السؤال العراقي وخاصة بعد المصالحات المشهدية في قمة بيروت. غير أنه من الواضح ان الاستعدادات جارية للانسحاب في لحظة معينة بذريعة أن لا قِبَل لأحد بمناطحة الثور الأميركي الهائج.
يقوم هذا السلوك العربي على فرضية تجمع بين وهمين: الأول هو وهم الشراكة مع واشنطن أو تجديد هذه الشراكة. والثاني هو أن الإدارة الأميركية ستفعل جهدها من أجل الضغط على إسرائيل الشارونية من أجل القبول بالحد الأدنى المقبول عربياً وفلسطينياً. ولا تخفي الولايات المتحدة أنها لن تفعل ذلك ما دام الحكم في تل أبيب منتخَبا ديموقراطياً، وما دام نوع التحالف بين الدولتين ليس من النوع الذي تهزه أحداث مثل 11 أيلول أو عدوان جديد على العراق.
إسرائيل
ليست المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة بعيدة عن هذه الأجواء. لا بل إنها تواكبها بتنسيق بين شارون و”حزب العمل” ولا تتردد في تبرير ذلك بأن العلاقة مع “كبرى الصديقات” أثمن ورقة استراتيجية.
لقد شرع شارون يتراجع عن طلب تغيير عرفات الى طلب التغيير من عرفات. هذا هو معنى الحديث عن ضرورة “الإصلاح” الذي كلف شارون نفسه بوضع عناوين عريضة له: تقديم البراغماتيين، توحيد الأجهزة، توزيع الصلاحيات، تعدد مراكز القرار المالي.
وواكب ذلك استعداد لمواجهة مع نتنياهو في مؤتمر “ليكود”. فبغض النظر عن الطبيعة الشخصية والحزبية للصراع فإن ما يبقى منه أمران. أولهما الحرص الشديد على عدم تضييق هامش المبادرة لدى واشنطن. ثانيهما رفض إسقاط ورقة “الدولة الفلسطينية” لأن تعطيلها، الآن، يُضعف إسرائيل ويقلل من قدرتها على المساومة على القضايا الفعلية للحل: الاستيطان، اللاجئين، الحدود، نوع السيادة، حجم الانسحاب...
تستمر إسرائيل في استدرار مواقف عربية مناسبة لها. فلقد شنت حملة واسعة، وموثقة كما تدّعي، في ما يخص التمويل السعودي للإرهاب. ووافقت على تراجعات محدودة أمام واشنطن تخدم في تسليح هذه الأخيرة في مواجهة أصدقائها العرب: سجن أريحا، إطلاق عرفات، عدم الدخول الى غزة... وحتى ترحيل المقاومين الى الخارج بدا وكأنه هزيمة ارتضتها إسرائيل لنفسها كرمى لعيون بوش. غير أن ذلك لا يمنع احتفاظ تل أبيب لنفسها بحقها في التوغل والاغتيال وتحويل “الاحتلال الدوّار” الى حقيقة مسلَّم بها.
ترسم المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة حدودا دقيقة للتجاوب مع واشنطن من دون التخلي عن الرؤية الشارونية المتشددة للتسوية. والواضح أن رئيس الحكومة يمتنع على عكس نتنياهو عن استخدام الكونغرس في مواجهة البيت الأبيض. ولكن ذلك لا يمنعه، أيضاً، من توضيح خطوطه الحمراء الملتقية كلها عند النبذ الكامل لفكرة الحل النهائي، وقبل ذلك لتفريغ أي مؤتمر إقليمي أو دولي من مضمونه.
تجدر الإشارة، أخيراً، إلى أن إسرائيل ماضية في حملتها التحريضية ضد امتلاك دول معينة لأسلحة غير تقليدية. وهي، إذا كانت تفضّل أن تكون إيران على رأس القائمة، فإنها “لا تعارض” طبعاً اختيار العراق بصفته الهدف المقبل.
السلطة الفلسطينية
|

|
|
عرفات خلال جلسة المجلس التشريعي في رام الله أمس |
لا يحتاج المرء الى ان يكون شديد الملاحظة حتى يدرك أن عرفات اتخذ قراراً بالاندراج في هذا السياق الجديد. فهو يتصرف على ان البقاء في الخارج يعني الشطب ويفضّل، تبعاً لذلك، انحناءة قد تمنع تكريساً سياسياً لنتائج المواجهة الأخيرة.
إن تصريحاته كلها لا تقول شيئاً مغايراً. وقبوله بسَجن مقاومين أو إبعادهم ترجمة لنزعه الشرعية عن بعض أوجه الانتفاضة. وهو أمر لا يُخفي انه يريد للجانب العسكري أن يتراجع كثيراً، ويوجه رسائل عديدة بهذا المعنى تأخذ، أحياناً، شكل اعتقالات في صفوف “حماس” وغيرها.
غير أن خطابه أمس يبقى أوضح ما قام به لجهة إبداء الاستعداد للاندراج في المجرى الجديد للتطورات. فلقد تبنّى “خطاب الإصلاح والتغيير” معطياً إياه نبرة خاصة. يستطيع غيره أن يبرر بالقول إنه غير طارئ على هذه الدعوة. أما هو فلن يصدقه أحد إذا فعل ذلك. ولأنه أدرك هذا التمييز فإنه أعلن عن تحمله “مسؤولية شخصية”.
إن ما طرحه عرفات أمس قد يكون، في تفاصيله، حمّال أوجه. ولكن ما ليس قابلاً للتأويل هو أنه قرر الرقص مع الراقصين علّ ذلك يسمح له بتأثير ما على الإيقاع.
إن المهمة أمام عرفات هي أنه عاد مطالَباً، كما في ماض بعيد، بدفع ثمن بطاقة الانتساب الى معسكر المقبولين من أميركا وإسرائيل كأطراف في تسويات محتملة. ولقد فعل ذلك مرة فلم يتردد أمام الثمن المرتفع. لكنه، هذه المرة، لن يستطيع تقديم الأمر وكأن التساهل في “المرحلي” توطئة للتصلب في “النهائي”. إن ما هو مطروح على الشعب الفلسطيني، بالضبط، هو الصيغة التي يرتضيها لنفسه لسنوات مديدة مقبلة. وبما أن واشنطن وتل أبيب تدركان أن هذه الصيغة قد لا تكون مُرضية، فإنهما تطالبان، كما فعل شارون أمس الأول، بتغيير المجتمع الفلسطيني، أي بإعادة تشكيله ليدخل في الثياب المفصَّلة له.
ستستمر التباينات بين معسكر السلام العربي والسلطة الوطنية من جهة، وبين التحالف الأميركي الإسرائيلي من جهة ثانية. وقد لا تسير الأمور كما هو مقدَّر لها تماماً. غير أن جمع الوقائع الى بعضها تنتج عنه لوحة يصعب القول إنها تدعو الى تفاؤل كبير.
§
وصـلات:
