العمليات الاستشهادية

طلال عتريسي

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 21 أيار / مايو 2002

 

     تحولت العمليات الاستشهادية بعدما تصاعدت وتيرتها في الأسابيع الأخيرة من الانتفاضة قبل عملية “السور الواقي” الى كابوس يومي حقيقي اقضّ مضاجع الجيش وأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية. إذ يتعذر في عمليات مماثلة، على الرغم من كل الاجراءات الأمنية الصارمة والدقيقة، حماية كل شارع وكل مقهى وتفتيش كل شاب وفتاة، وكل باص في محطات الركاب. وهذا عمليا امر مستحيل. ولهذا السبب كان لتلك العمليات تأثير كبير على الأمن النفسي والشخصي، وعلى الاستقرار العام في الداخل الاسرائيلي، كما نقلت وسائل الإعلام العبرية على لسان الكثيرين الذين اصبحوا يخافون ركوب الحافلة، والجلوس في المقهى، والمرور في سوق مزدحم، كما ينتابهم الهلع اذا تأخر احد افراد العائلة في العودة الى البيت.. وهم الذين ما جاؤوا الى هذه البلاد إلا لأنهم وُعدوا بعيش رغيد وحياة هانئة.. كما نقلت تلك الوسائل رغبة بعضهم في مغادرة البلاد الى اماكن اخرى.. 

أدت تلك العمليات على مستوى آخر الى تكذيب شارون ووعوده بالقضاء على الانتفاضة، والى إفشال استراتيجيته في سحق ارادة المواجهة عند الفلسطينيين قبل الحديث في اي مشروع امني او سياسي. لا بل تبين ان الرغبة في تنفيذ عمليات استشهادية باتت اكثر اتساعا ووصلت الى صفوف الفتيات.. حتى اماكن حصولها تجاوزت “الخط الأخضر” وصارت اكثر تنوعا.. حتى بات مجرد التفكير في التنقل والذهاب الى اي مكان محفوفا بالمخاطر، يخشى معه كل شخص ان يصبح في عداد القتلى الذين سيسقطون في عملية مفاجئة هنا او هناك. 

وبسبب هذه الفاعلية الأمنية والسياسية المؤلمة في اوساط الحكومة والجيش والمستوطنين تحولت العمليات الاستشهادية الى “هدف” اسرائيلي اميركي. ينبغي التصويب نحوه والتحريض ضده، من اجل القضاء عليه. فارتفعت الأصوات الأميركية تتهم رئيس السلطة الفلسطينية بالمسؤولية عن استمرار هذه العمليات، انسجاما مع التهديدات الاسرائيلية له، ولسلطته. وخصوصا ان العمليات الاستشهادية تحولت في الاشهر الأخيرة من الانتفاضة، الى السلاح الأبرز إن لم نقل الأوحد. كما ان الضربات الموجعة للانتفاضة باتت العمليات الاستشهادية وحدها. وبناء على هذه المعادلة التي كرستها تلك العمليات اراد شارون من اقتحام مدن الضفة الغربية ومخيماتها في اطار “السور الواقي” تحقيق ثلاثة اهداف دفعة واحدة: اولها، “تجفيف” منابع تلك العمليات من خلال قتل أو اعتقال اكبر عدد ممكن من الناشطين الفلسطينيين من التنظيمات كافة، الذين يتخذون من مخيمات الضفة ملجأ آمنا لنشاطهم وللإعداد لعملياتهم. ثم ضرب البنى التحتية ومقرات السلطة الفلسطينية وحصار رئيسها، في اعنف تهديد لها، بسبب عدم تعاونها الجدي في ايقاف الانتفاضة. ثم استعادة هيبة الجيش والقوى الأمنية الاسرائيلية وصدقية شارون المفقودة، بعد وعوده المتكررة بفصل الأمني عن السياسي في العلاقة مع الفلسطينيين. ومن المهم الاشارة الى ان ذلك كله كان يحصل في ظل حملة اميركية محمومة ومستمرة ضد الارهاب، وفي ظل تركيز الهجوم السياسي والمعنوي على عرفات وتحميله هو مسؤولية ما يجري. وهذه الإشارة تعني ان الضغوط الدولية، بما فيها الاوروبية، اصبحت شديدة في رفض واستنكار ما يسمى “قتل المدنيين”، وإن كان المقصود من هذا التعبير المدنيين الاسرائيليين فقط. وقد وصلت “عدوى” هذا الاستنكار الى بعض الدوائر العربية التي بدأت تتحدث عن ضرورة وقف هذه العمليات لإفساح المجال امام المباحثات السياسية... وبغض النظر عن نتائج عملية “السور الواقي” وعن حجم الارباح والخسائر التي نجمت عنها، وبعيدا من النقاش حول قدرة الانتفاضة على استئناف عملياتها الاستشهادية.. فقد اثبتت تلك القدرة بعد ايام فقط على توقف “السور الواقي” وأثناء وجود شارون في الولايات المتحدة، في عملية نفذتها شمال تل ابيب.. اذا بعيدا من ذلك كله، ثمة اسئلة تفرض نفسها في موضوع العمليات الاستشهادية بعدما بدأت هذه الأخيرة تتحول قضية سجالية، وبعدما بلغت ذروتها في إيذاء العدو وإرباكه، حتى ان جورج بوش جعلها هدفا من اهداف حملته على القادة العرب، داعيا اياهم الى الضغط لوقف تلك العمليات وحتى الى استخدام تعبير القتلى بدلا من الشهداء في وصفهم لأولئك الذين ينفذون عمليات استشهادية. 

ينبغي التأكيد بداية على ان هذه العمليات هي السلاح النوعي الذي يمتلكه الشعب الفلسطيني في الداخل، في مقابل اسلحة الجيش الاسرائيلي المتطورة ووحشيته. ولا ينبغي التخلي عن هذا السلاح الذي اثبت فاعليته، والذي لا يملك احد سلاحا مضادا له. ومعنى ذلك ان هذه العمليات يجب ان تستمر. ولكن هذا لا يفضي الى القول ان استمرارها يمكن ان يكون من خارج اي حسابات سياسية او ميدانية. فاذا اتفقنا ان العمليات هي سلاح نوعي، فهذا يفرض على حامليه عدم التفريط فيه. ومن هنا يصبح السؤال كيف يمكن ان تخدم العمليات الاستشهادية اهدافا سياسية او اهدافا ميدانية مباشرة؟ طبعا لا يمكن الاكتفاء هنا بما يتردد دائما من ان هذه العمليات مستمرة حتى دحر الاحتلال. اذ من غير المعقول ان نتصور ان هذا الاحتلال سيحزم امتعته ويرحل بعد عشرات العمليات المؤلمة والموجعة. بل المطلوب من هذا التساؤل، هو كيفية توظيف العمليات الاستشهادية، بالطريقة نفسها التي تم فيها توظيف استخدام الكاتيوشا في جنوب لبنان. بحيث تصبح هذه العمليات هي الكاتيوشا الفلسطينية. ويمكن، بناء على ذلك، ان تكون العمليات ردا على مجزرة، او على قتل مدنيين فلسطينيين... وبحيث تصبح اداة لردع الاحتلال عن ارتكاب مثل تلك المجازر او التعرض للمدنيين او للأطفال. مثلما لعب الكاتيوشا في جنوب لبنان دوره في حماية المدنيين اللبنانيين، ولم يتحول الى سلاح يستخدم في اي لحظة بحيث يفقد فاعليته وتأثيره ووظيفته، او ان تتركز هذه العمليات في المستوطنات وتستهدف تفكيكها، او في مناطق عسكرية.. مع ما لذلك من صعوبات ميدانية لا يمكن تجاهلها. 

ثم، وعلى صعيد آخر، لماذا الاعلان عن الجهة التي تنفذ عملية استشهادية؟ لقد بقيت هوية بعض منفذي العمليات الاستشهادية في جنوب لبنان طي الكتمان نحو سبع سنوات لدواع امنية. ولا تزال بعض العمليات لم يكشف فاعلوها الى اليوم.. فلماذا، في اطار التنافس التنظيمي، تعطى الذرائع للاعتقال ولهدم البيوت ولتوجيه التهم؟ فليكن الشعب الفلسطيني هو الذي ينفذ هذه العمليات، وليلاحقوا هذا الشعب برمته، او ليبذلوا جهودا كبيرة على الأقل، حتى يعرفوا من هي الجهة التي نفذت هذه العملية او تلك.. 

إنها مجرد تساؤلات من موقع الحرص، تحتاج الى التأمل. وخصوصا ان الاحتمالات القادمة ربما تكون اشد وطأة على المستويات السياسية والأمنية في ظل استعداد عربي رسمي متزايد لاستنكار هذه العمليات، ناهيك من استعداد السلطة الفلسطينية نفسها. من دون ان ننسى بطبيعة الحال الضغوط الاميركية على الجميع من اجل التعهد بوقف هذه العمليات افساحا في المجال امام الحلول السياسية. ربما ستكون هذه الاحتمالات اكثر خطورة من اجتياح الضفة ومخيماتها، ومن “صفقة” إبعاد المحاصرين، ومن “ترتيب” فك الحصار عن الرئيس الفلسطيني، ومن الدعوات الاميركية الاسرائيلية الى اصلاح بنية السلطة الفلسطينية وتوحيد اجهزتها الأمنية (!).. وهذا يفترض عدم تعريض الوحدة الوطنية الفلسطينية الى التصدع، كما يرجى في وضع مماثل استمرار الانتفاضة بكثير من الحكمة والصلابة في وقت واحد. 

* كاتب وأستاذ جامعي

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic