الكتمان

فيصل سلمان

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 22 أيار / مايو 2002

 

     في الصحف يوم أمس، شاهدتُ صورة الشاب الفلسطيني الشهيد أسامة بوشقار، 18 سنة، الذي كان نفذ العملية الاستشهادية قبل ثلاثة أيام في نتانيا قرب تل أبيب وأدت الى مقتل ثلاثة مستوطنين اسرائيليين وإصابة خمسين بجراح. 

الخبر الذي وزعته وكالة الصحافة الفرنسية مع الصورة، نقلته عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ينتمي اليها الشهيد. وفي المعلومات التي ذكرها متحدث باسم الجبهة أن بوشقار كان يعمل نجارا وهو من سكان مخيم عسكر القريب من نابلس في شمالي الضفة الغربية. 

في اليوم نفسه، أي أمس، نفى وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر، أي علاقة لإسرائيل بعملية اغتيال المسؤول في الجبهة الشعبية القيادة العامة ونجل زعيمها، جهاد أحمد جبريل، في بيروت. 

لنلاحظْ الآتي: الجبهة الشعبية وفّرت لإسرائيل معلومات في غاية الأهمية عن الشهيد بوشقار، ودلت على مهنته ومكان إقامته حيث لم يزل يسكن أهله، على الأرجح، ولعلهم باتوا الآن في السجون الاسرائيلية رهن التحقيق. 

في المقابل، لم تعترف اسرائيل مرة بإقدامها على اغتيال أي فلسطيني، في الأراضي التي تسيطر عليها، بخلاف الحالات المعروفة منذ بدء الحرب على الفلسطينيين إثر الانتفاضة الأخيرة. 

سبق للجبهة الشعبية أن أعلنت عن أعضائها الذين نفذوا عملية اغتيال الوزير الاسرائيلي رحبعام زئيفي التي جاءت رداً على اغتيال الأمين العام للجبهة أبو علي مصطفى الذي طالما اتهمته اسرائيل بتشجيع العمليات ضدها، والتخطيط لها. 

اليوم، تكرر “الشعبية” الخطأ نفسه، وهي تعلن عن أسماء استشهادييها ومواقع سكنهم داخل الأرض المحتلة، وهو خطأ تقع فيه فصائل فلسطينية عديدة، تسارع غالبا الى تبنّي عمليات نوعية أو استشهادية، ثم لا تتمهل في الكشف عن منفذيها. 

ثمة خطأ أفظع يُرتكب، ويتمثل في توزيع شرائط “فيديو” لبعض الاستشهاديين قبل تنفيذهم عملياتهم، وفي هذا تأكيد على الانتحار، ما يستفيد منه العدو في حربه المعلنة ضد العرب. 

ليست المسألة مسألة إعلامية، وكان يتوجب على جميع الفصائل الفلسطينية أن تتعلم من تجربة بيروت، وليست طبعا مسألة تسابُق على بطولة كأس في التنس. 

إنها الحرب. وفيها، تكون الغلبة لمن يعرف أكثر، فهل تتوقف هذه الفصائل عن تزويد اسرائيل بأسماء الشهداء، ومن خلالها بأسماء الأصدقاء والأقارب والأهل، فيقعوا في أسر المراقبة والاعتقال أو الاغتيال. 

وفي المناسبة، أذكر أني قرأت قبل سنوات كتابا لمسؤول اسرائيلي، جاء فيه أن اسرائيل كانت تعرف عدد الضباط والجنود المصريين الذين قُتلوا في حرب 1967، والذين كانوا يُقتلون في حرب الاستنزاف 1969. 

ويذكر ذلك المسؤول أن العاملين في أجهزة المخابرات كانوا يدققون في صفحة الوفيات بجريدة “الأهرام” ويستخرجون منها خسائر الجيش المصري. 

لا أحد يريد الاستخفاف بشهادة أي مقاتل فلسطيني، ولا بتصميم أي فصيل على القتال لاسترداد الأرض، ولكن أحدا لا يريد أن يساعد اسرائيل على معرفة أسماء وعناوين الشهداء، الذين سنحتفل بشهاداتهم بعد التحرير.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic