ما هي المقاومة؟ هل تتحدد المقاومة بالعنف، أم يتحدد العنف، بالأحرى، بغايات سياسية وثقافية وحضارية متنوعة؟ وهل تتعين المقاومة بماهية (ماهيات) ايديولوجية محددة، أخلاقية، طوباوية، مثالية، أم بكيفيات من الفعل والقول والعمل والفكر من أجل التغير والتحرير والتقدم الانساني؟ هل يُناط العنف بتصور فكري لقضايا الانسان والوجود والطبيعة والارض والوطن؟
وماذا عن الشهادة؟ هل تناط بغايات دينية ما ورائية مجردة؟ أم بغايات دينية وطنية؟ أم بغايات وطنية وإنسانية بحتة؟
ما الفرق بين المقاومة والارهاب؟ الارهاب عنف من أجل العنف في حالة العنف المرضي (الباتولوجي) وغايته الجريمة او السيطرة او الاستبداد. اما المقاومة فهي عنف من أجل الخلاص الفردي والجماعي بغية تحرير الفرد او الجماعة من كل اشكال العبودية والاستغلال والاستعمار.
المقاومة فعل تحرير بينما الارهاب فعل تدمير. وينطوي فعل المقاومة على تصور معين، سياسي وثقافي فكري ونظرة (او نظرية) لقضايا الانسان والوجود والطبيعة والارض والوطن، وعلى ماهيات ايديولوجية تحررية ما دام هدفها تحرير الانسان، وغايتها الحفاظ على هويته وكينونته وتقدمه الانساني . أما اذا كانت مقاومة تقوم على العنف والسيطرة والهيمنة والسلطة فإنها تصبح نوعا من العنف المضاد والمقاومة المضادة من أجل السلطة والسلطان. وشتان ما بين العنف لأجل الحرية، القائم على الشهادة والتضحية، والعنف من أجل السلطة والهيمنة والسيطرة القائم على القتل والارهاب والاستبداد.
تتعين المقاومة بكيفيات من الفعل والقول والعمل من اجل التغيير والتقدم، أما الارهاب فيقوم على الحفاظ على ما هو سائد وبال وعتيق ومتختّر ورجعي. وأيديولوجية المقاومة، اذن، تقدمية، بينما ايديولوجية الارهاب رجعية. ماذا عن العمليات الانتحارية (الاستشهادية)؟ الشهادة، بادئ ذي بدء، فعل سياسي (وجمالي وفلسفي) يصبح فيها الموت موقفا من الوجود والحياة، يتغير فيها معنى الموت. فإذا كان الفعل من اجل الخلاص الفردي والجماعي فهو فعل تحرري وبطولي بالضرورة، وغايته سياسية بل فلسفية وجمالية: هل يتخلى الانسان عن حياته وهي أعز ما يملك مجانا وبلا غاية؟ كلا! فشتان ما بين الانتحار السلبي القائم على اليأس والمنطوي على تدمير إرادة الحياة من اجل الموت والاستشهاد او الموت من أجل حياة “اخرى”، حياة أفضل للجماعات والشعوب والانسانية. الفعل الانتحاري فعل أنوي، انطوائي، ذاتي، بينما الفعل الاستشهادي فعل غيري، إيثاري، وخلاصي يقدم فيها الفرد روحه قربانا من أجل الآخرين.
وسواء كان الارهاب إرهابا فرديا او إرهاب دولة وإرهاب الدولة أشد هولا وأشد تنكيلا نظرا لما تملكه الدول من إمكانات القوة والعنف فإنه ينطوي، لا بد، على غايات تخدم الاستبداد والطغيان.
هل تسوّغ العمليات الانتحارية القائمة على الفعل الخلاصي، الايثاري، جوهريا، القتل العرضي للأبرياء (من اطفال ونساء ورجال)، كلا. فالعنف النبيل هو الذي يقوم على غاية نبيلة. لكننا في حالة الدفاع القصوى عن الكينونة والوجود، الدفاع عن النفس الفردية والجماعية قد نسوّغ رد الفعل من دون ان نؤيده كفعل قصدي ما دامت الغاية نبيلة، وها هنا يستدعينا رد الفعل الى تقصي أسبابه ودوافعه ومراميه؟ فقد يكون رد فعل ارتكاسي على فعل آخر.. إرهاب دولة غاشمة، او ارهاب قوة عظمى مهيمنة، او ارهاب جماعة ضغط سياسية او اقتصادية او اعلامية “ميديائية” مسيطرة. والعنف يولد العنف كما يولد الارهاب الارهاب. ولا يستبعد ان تكون عملية 11 أيلول ضد المركز التجاري الاميركي والبنتاغون اذا ثبت ضلوع أطراف اسلامية أصولية فيها رد فعل ارتكاسيا على سياسات اللامبالاة والغطرسة والانحياز الاميركي تجاه إسرائيل في المنطقة.
اذا كان منطوق العنف في العمليات الاستشهادية “الانتحارية” يقوم في فلسطين المحتلة على أولية رد الفعل ضد ارهاب الدولة الاسرائيلية، فإن عمليات اخرى كعملية نورا شهاب (الفتاة التي سحبت سكينا من مطبخ منزلها وهرولت مسرعة الى حاجز اسرائيلي قرب طولكرم وهاجمت جنديا عاجلها بطلقة أردتها) هو عمل من أعمال الفروسية والبطولة القائم على الفعل وليس على رد الفعل. هذا من دون ان نقلل من بطولة الاستشهاديين الآخرين. وعلينا كعرب ان نحبّذ قيم الفروسية والبطولة في صراعنا مع العدو.
ونحن لنا في المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان مثال على المقاومة النبيلة التي انتصر الانسان فيها على الآلة، والدم على السيف، والسواعد على المدرعات، حيث ألحقت المقاومة بالجيش الاسرائيلي الذي تصور يوما بأنه جيش لا يقهر الانتصار العسكري الثالث في التاريخ الحديث بعد معركة الكرامة وحرب تشرين.
المقاومة ليست فعلا عسكريا محضا، بل هي فعل مقاومة من أجل مشروع تحرري وتقدمي وإنمائي. فإذا استطعنا، كجماعة عربية، ان نمتلك مشروعا لإقامة مجتمع مقاومة عربي ديموقراطي تقدمي موحد يمكننا عندئذ ان نحقق مشروعية وجودنا، في مواجهة الاحتلال ومشاريع الشرق أوسطية التي تستبدل كما يقول بيريز في كتابه “الشرق الاوسط الجديد” الصواريخ البالستية بالسياسة والاقتصاد، في ظل سياسة العولمة الكونية.
والمقاومة هي فعل تحرير للارض والانسان، الفرد والجماعة، الشعب والأمة من التخلف والتأخر والتبعية والاتباعية والاقطاعية والعشائرية، والعائلية والطائفية وغيرها من سمات المجتمع الأبوي والرعوي. عندها تصبح المقاومة فعل تحرر وتحرير كلي وشمولي على كل أصعدة الوجود والكينونة..
واذا كانت الشهادة فعلا جماليا وبطوليا (جمالية وبطولية الموت والفداء) فالمقاومة هي ايضا فعل جمالي وحضاري وبطولي. فالأدب والشعر فيما يتعدى السياسة والفلسفة ليست منفصلة عن المقاومة. كما ان الشهادة هي فعل من أفعال الثقافة والحضارة، يتساوى فيه الدم والحبر، والموت من أجل الحياة، فالشهادة ليست فعل موت وحسب، بل هي فعل موت من أجل الحياة الفضلى للشعب والجماعة الانسانية. وبقدر ما نكون أقوياء في معركة الحياة والحضارة نكون أقوياء في معركة الموت والشهادة..
* باحث في الفلسفة
§
وصـلات:
