غريغوار حداد ضحية لعبة سياسية تستهدف الساحة المسيحية!

فارس خشان

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 17 حزيران / يونيو 2002

 
غريغوار حداد

     لا ينتمي كارلوس عبود الذي تعرض للمطران غريغوار حداد بالضرب، امام عيون رجال قوى الأمن الداخلي و”الكاميرا الفاضحة”، الى “القوات اللبنانية”، ولكنه كمجموعة كبيرة من الشباب المسيحي، مناصر لها. 

لا يشكل هذا الشاب “العدواني الطبع” مع عدد من رفاق له تيارا أصوليا مسيحيا، كما يحاول البعض توصيفهم منطلقا من قياس قد يصح على طوائف اخرى، ولكنهم، كما غالبية الغيارى على “أبناء دينهم”، ينقادون الى فكر معمّم يحاول “تسييس” المسيحية على أسس مستقاة من “الكتب التوراتية”، بعيدا عن روح العهد الجديد ونصوصه. 

ذلك ان ما حصل امام محطة “تيلي لوميير” لم يكن مجرد خرق للقوانين الوضعية وتعدّ على القواعد الاخلاقية فحسب، بل يتعداه الى ما هو اخطر بكثير، مع تقديم الدليل على إسقاط مفهوم التسامح في المسيحية التي تصل الى ارقى مستوياتها بقول السيد المسيح “من ضربك على خذك الأيمن، فأدر له الأيسر” وإعلاء شأن “التأديب” الذي يستعيد حقبة محتها “المسيحية الاصولية”، عندما تصدى مؤسسها لرجم تلك الزانية بالحجر حتى الموت، سائلا الغيارى على “دين موسى” ان ينظروا الى أنفسهم، بحيث يتجرأ على رجمها فقط، من كان منهم بلا خطيئة. 

قبل مدة كان كارلوس عبود في السجن بتهمة قد تكون، الى حد كبير، اعظم من السرقة وهتك الاعراض، وهي إثارة النعرات الطائفية، إذ كان يرفض ان يتعلم مسلمو طرابلس في مدارس زغرتا الرسمية، ولما لم ينصع أحد لرفضه عمد هو الى تنفيذه عبر التعرض لعدد من هؤلاء الطلاب بالضرب فارضا عليهم عدم العودة الى مقاعد التحصيل العلمي. 

إذاً نحن أمام نموذج لفكر يصارع من أجل الصفاء في اللون الطائفي، ضمن المجتمع، وضاغط من أجل تقسيمه على أساس الانتماء الديني، ومستعد لتطبيقه بالقوة. 

حداد وعبو 

لا وجود لإحصائيات يستدل بها الى حجم “العبوديين” (نسبة الى عبود) في الشريحة المسيحية، ولكن الاحتكاك مع الأرض يؤكد انهم لن يجدوا ملتزمين كثراً، ولكنهم سيحصلون على تفهم وبالتالي حماية واحتضان. 

في المقابل يبرز المطران غريغوار حداد، كعامل يحاول، على قدر الامكانات المتوافرة له، ان يخلق تيارا معاكسا، لا يهدف الى تعميم النظرة الشاملة الى الانسان بعيدا من التمييز الديني فحسب، بل الى تهديم البعد الدنيوي لنقل السياسي في السلطة الروحية الممنوحة الى رجال الدين. 

أكثر من ذلك، فإن لهذا “المطران الثائر” نظريات سياسية تؤسس نفسها على معطيات روحية، لا تتلاءم أبداً مع تطلعات “العبوديين”، وتتصل بالعلاقة مع سوريا، وبالمفهوم العملي للسيادة، وبأسس بنيان الأوطان، وبضرورة مناقشة الشعارات الكبرى على قاعدة ما كتبه في مؤلفه “البابا ولبنان”: “ايتها الكرامة، أيتها السيادة، كم من جريمة اقترفت في لبنان باسمك”. 

بهذا المعنى، لا تعود الشريحة اللبنانية المنتمية الى الطوائف المسيحية، مشدودة الى نظريات معاكسة، كنظريات رئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم عبو، مثلاً، إذا ما نجحت حركة غريغوار حداد في ان تحتل لها مكاناً رحباً في وجدان الشعب اللبناني. 

“قانون الصدفة” 

بالتأسيس على ذلك، وعلى الرغم من عدم توافر أدلة دامغة قادرة على توكيد شبهة او ظن او اتهام، يمكن للمراقبين ان يجدوا لما حصل مساء الجمعة أمام “تلفزيون النور”، موقعاً في البعد السياسي. 

وفي اعتقاد هؤلاء، ان هناك من يطمح الى تحريك الساحة اللبنانية، في هذه اللحظة الاقليمية الحرجة، حيث مطلوب من سوريا، اولاً، ومن السلطة اللبنانية، ثانياً، تحقيق “رزمة” من المطالب ذات الصلة بروزنامة الإدارة الأميركية لمرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول. 

ويرى المراقبون أن الساحة التي يمكن تعبئتها للضغط من أجل إغلاق جبهة الجنوب نهائياً، وسحب السلاح من “حزب الله”، والعمل على إخراج العامل السوري من لبنان، هي الساحة المسيحية التي تحتاج فقط الى استنفار جماعي، من خلال دفعها، بزخم، ومن دون أي من أنواع التشكيك او الممانعة. 

ويبدو، برأيهم، ان “قانون الصدفة” لعب دوراً أساسياً لمصلحة ما هو مطلوب، لذلك يمكن ان يجد البعض في ما حصل ضد المطران غريغوار حداد، امتداداً لحوادث أخرى وقعت، في الآونة الأخيرة، فيما البعض الآخر يرى امكان “استثمار” الاعتداء على مطران جليل، لإحباط هدف “قانون الصدفة”، من خلال خلق تيار معاكس تماماً له. 

أصحاب الرأي الأول يقولون ان الساحة المسيحية تشهد تصفية لعوامل التهدئة فيها. 

هم يقرون بعدم وجود روابط حقيقية بين الحوادث، ولكنهم يتلمسون، بالتقاطع، الالتقاء على نتيجة واحدة. 

كيف ذلك؟ 

الحوادث التي يربطون في ما بينها هي: 
اغتيال الوزير والنائب السابق إيلي حبيقة في كانون الثاني الماضي. 
خطف واغتيال الناشط “القواتي” رمزي عيراني. 
والاعتداء على المطران غريغوار حداد. 

حبيقة 

يصر هؤلاء المراقبون الذين لا يلتفتون عمدا الى بعض التطورات على المستوى السياسي ويصرون على حصر التحليل بالحوادث ذات الطابع الجنائي، على عدم وجود جهة واحدة وراء كل ما حصل، ولكنهم يجدون نتيجة واحدة، على الرغم من اختلاف الصفات الشخصية. 

فحبيقة الذي يمكن ان يكون قد اغتيل لأسباب موضوعية كثيرة لا تزال كلها موضع تحليل وتحقيق، كان يعمل، عشية اغتياله، وبتنسيق ظاهر، بدءا من آب الماضي، وبالتفاهم مع فريق رئيس الجمهورية العماد اميل لحود، على خلق تيار ضمن الساحة المسيحية مناوئ لتيارات سياسية اخرى ك”التيار العوني” و”القوات اللبنانية” و”القاعدة الكتائبية”، وتجلى ذلك في دعمه الأساسي لوصول المحامي كريم بقرادوني الى رئاسة حزب الكتائب، ورضاه على تنشيط الرائد المتقاعد فؤاد مالك للهيئة الإدارية لحزب القوات اللبنانية. 

وجاءت تصفية حبيقة ووضعت حداً لما كان يُرجى تأسيسه، لا بل تحوّل اغتياله الى مناسبة صالحة لتعميم شائعات تطال مجموعة قوى مناوئة لنهج ما بعد الحادي عشر من أيلول، فسلط الضوء على دور محتمل لقيادة ياسر عرفات، وسرت أقاويل عن “حزب الله”، وروايات عن سوريا (؟!). 

وهكذا تحوّل حبيقة من عامل يسعى الى حلحلة العصب، داخل الصف المسيحي، في حياته، الى عامل “شدشدة” لهذا العصب، بمماته. 

عيراني 

أما قضية المهندس عيراني التي لا تزال تحت مجهر قاضي التحقيق الأول في بيروت حاتم ماضي، وحيث البعد السياسي للجريمة يتوكد يوماً بعد يوم، فلا تشذ كثيراً عن “الخط المرسوم”، وإن في مجال آخر. 

فالمهندس عيراني، وفق ما بات مؤكداً، كان عاملاً رئيسياً على تهدئة الحركة الطالبية المعارضة، تجاه سوريا والسلطة اللبنانية، وكان مساهماً أساسياً في إبراز تباينات كبيرة بين “القوات” و”التيار العوني”. 

وبدا أن نجاح النهج الذي كان يعتمده، عشية اغتياله، سيؤدي الى طرح تساولات ضمن “الخزان المعارض”، مما يؤدي الى تبريد تحركات هذا “الخزان” مهما كانت حامية. 

ولكن جاء خطفه، ثم قتله، لا ليشدّا فقط عصب الحركة الطالبية، وإنما الشارع المسيحي على امتداده، وسط شائعات تنال من أي التفاف حول “الثوابت الوطنية”، وتنال أولاً بأول، من مساعي إرساء وحدة داخلية حقيقية. 

وليس أدل على أبعاد اغتيال عيراني، سوى صوره المنتشرة في غير منطقة لبنانية ومن ثم رفعها، في خلال انتخابات المتن الفرعية. 

“اعتداء” السبعينيات 

في هذا الجو بالتحديد، جاء الاعتداء على المطران غريغوار حداد، وهو بالمحصلة اعتداء ليس على الشخص وإنما على ما يمثل من “قيم متميزة”. 

والهدف من هذا الاعتداء بالضرب يتصل تحديداً بمحاولة لإسكاته، لأن وجوده كله يتمثل بما يقوله. 

ويستذكر المراقبون محاولة، بطريقة مختلفة، لإسكات هذا المطران الذي لقب ب”المطران الأحمر”، عشية اندلاع الحرب في لبنان، إذ انه، على الرغم من قرار صدر عن الكرسي الرسولي الفاتيكاني بتبرئته من اتهام الكنيسة في لبنان له “بالهرطقة”، عزل من منصبه كمطران لبيروت، في العام 1974، وفرضت عليه عزلة كان من الطبيعي ان تمتد على مدى الحرب اللبنانية. 

وقد أصاب يومها ما أصاب المطران حداد، مجموعة كبيرة من رجال الدين والعلمانيين، سبق ان التقت على فكر واحد في ما عرف ببيان يسوع الملك الذي طالب بإصلاح للكنيسة وبوجوب احتضان القضية الفلسطينية. 

وما حصل، آنذاك، ضد المطران حداد ورفاقه من سائر الطوائف المسيحية كهكتور دويهي الذي أبعد عمداً الى المكسيك، جاء في سياق تحرك سياسي كبير شهدته الساحة المسيحية التي كان فيها الأباتي شربل قسيس يشرف على إنجاز ما عرف “بالجيش الأسود”. 

رعاية السلطة؟ 

ولكن قضية المطران حداد يبدو انها تسير، بفعل الاستنفار الاعلامي والسياسي، في اتجاه معاكس للريح، إذ إن الرجل يكاد، بفعل الاستنكار الشعبي لما رآه بأم العين، يتحول الى عامل جذب أول للإعلام، على قاعدة الاهتمام الذي يبديه لقضية الرأي العام. 

وهكذا لم يعد غريغوار حداد الذي يود لو يطلق الناس على المطران لقب “أخونا المطران” بدل “سيادة المطران” مجرد ضيف استثنائي في وسيلة دون أخرى، بل أضحى “مطلوباً” بقوة، على مدى المساحة الاعلامية في لبنان، وبالتالي فإن أفكاره التي كانت تنشر على مجموعة ضيقة أصبحت أكثر تعميماً. 

من هنا، يجد البعض ان كل ما أحاط بالاعتداء المتلفز على المطران حداد، لم يكن وليد صدفة، بل ثمة من رعاه للإفادة من معرفته بكارلوس عبود وطبعه، من أجل تهيئة انقلاب على انفتاح الساحة المسيحية على شعاراتها التقليدية. 

ويرى هؤلاء أن موقف رجال قوى الأمن الداخلي، على الرغم من التدابير التي اتخذت بحقهم لاحقاً، يؤكد هذه الشبهة، فما حصل أدى الى تسليط الضوء على شارع مسيحي “تجتاحه الاصولية” ليبرّر أي ضربة محتملة له، كرد اعتبار “لهزيمة المتن الشمالي”، من جهة أولى، وليرفع من هالة مطران يقول ما يناقض أقوال غيره من رجال الدين، في المواقع الروحية او التربوية من جهة ثانية. 

وإذا كان هذا التصور الأخير في مكانه، إلا ان الأساس يبقى معرفة التربة التي نما فيها كارلوس عبود، ومعالجتها بالحكمة لا بالقوة، ومناقشتها بالمثل الصالح لا بالاتهام الجاهز، باعتبار ان التطرف في لبنان لا يمكن ان يكون فضيلة لمجموعات على قاعدة الدور السياسي المطلوب منها، ورذيلة لمجموعات أخرى على قاعدة وظيفتها الداخلية.

 

§ وصـلات:

Main Page
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic