الاعتداء على غريغوار حداد في “الصدى” الإسلامي
يحرّك النقاش حول “التنوير الديني”

نصير الأسعد

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 20 حزيران / يونيو 2002

 

     أثار الاعتداء الذي تعرّض له المطران غريغوار حداد الأسبوع الفائت وما زال يثير موجة من الاستنكار التي وعلى الرغم من كونها “حاشدة” فإنها ليست عارمة وشاملة. وبدا للمتتبعين ان التضامن الذي أبداه عديدون، رجال دين كانوا أو سياسيين، كان مشوبا بقدر لا يستهان به من التحفظ: مسيحيا لأن الطرح التنويري التجديدي للمطران حداد يقع خارج “المألوف” أو “المقدس” بنظر الكنيسة والرعايا، وإسلاميا لأن من شأن التعاطف مع طرح من هذا القبيل أن يلزم المؤسسة الدينية الإسلامية بالتعاطي بالمثل مع طروحات الانفتاح في الاجتماع الإسلامي. 

بيد أن الاعتداء على المطران حرّك لدى المرجع الإسلامي السيد محمد حسين فضل الله والعلاّمة محمد حسن الأمين الكثير من “الشجون”، ليس كونهما كل على طريقته مارس “اجتهادا” معينا، بل كون كل منهما تعرض لألوان من “الاعتداء” عليه في فترات معينة، سواء كان الاعتداء منشورا يوزع أو تحريضا سافرا أو محاصرة سياسية أو تكفيرا أو اتهاما بالزندقة الخ.. فمن مثلهما قادر على الإحاطة ب”ظاهرة” غريغوار حداد وسياق تكونها، وعلى تسليط الضوء حول الدور الذي يمكن (ويجب) أن يؤديه عالم الدين، وحول أسباب ما تعرض له حداد في مسيرة بدأت قبل نحو ثلاثة عقود؟ 

فضل الله 

يرى السيد محمد حسين فضل الله ان مثل هذه الممارسات (الاعتداء بالضرب على المطران) “تتحرك في المناخ الذي يسيطر فيه الانفعال على واقع الناس حيث يعيش الواقع أمام أي طرح غير مألوف حالة من السلبية التي تنطلق من فقدان الهدوء الفكري والرحابة والانفتاح على الرأي الآخر والإنسان الاخر”. ويعتبر هذه الممارسات “جزءاً من هذه المنظومة التي تضع المسألة السياسية والمسألة الاجتماعية والمسألة الدينية في دائرة الانفعال الذي يوحي بالتصلب للفكر الذي يلتزمه الشخص هنا أو هناك”. ويضيف ان هناك “ظاهرة التعصب التي أسميها ظاهرة شرقية لا تقبل الآخر ولا تتسع لوجهة النظر الأخرى”، وان ثمة “من يزعمون الحقيقة المطلقة في السياسة (تحت عنوان مصلحة الأمة) وفي الاجتماع وفي الدين، ما يجعلهم يتعاملون مع الفكر الآخر بطريقة الرجم بالكلمات أو اللكمات أو الحجر”. 

ويوضح المرجع الإسلامي السيد فضل الله ان “المسيحية عاشت في تاريخها الكثير من حركية الاجتهاد في مفردات العقيدة فتنوعت المفردات العقيديّة حتى داخل الدائرة الواحدة”، في إشارة من السيد فضل الله الى ان المطران ينهل من سوابق تاريخية. لكنه يسارع الى القول “أتصور أن المسيحية في النطاق الديني وصلت في تنوعاتها المذهبية الى مستوى وقف معه الاجتهاد ولم يعد يفسح في المجال للفكر الديني في الدائرة الرسمية أن يجتهد بما يخالف العقيدة الرسمية المقنّنة”. 

“التنظيم المسيحي” 

من هنا يصل السيد فضل الله الى اعتبار أن “المسيحيين أكثر تشددا من المسلمين في المسألة العقيديّة حيث هناك كثير من التشدد في مفردات اللاهوت المسيحي”، ومما يجدر أخذه في الاعتبار لدى الإشارة الى التشدد ان “هناك في التنظيم المسيحي الديني مواقع رسمية تمثّل في الخط العام العقيدة المسيحية الرسمية التي لا يسمح لأحد داخل الأكليروس بالابتعاد عنها أو إنكار بعض جوانبها”، وهذا ما يؤدي الى ان “يعاقب الشخص الذي يقوم بذلك بالحرم”. ويلاحظ انه “في الواقع الديني الإسلامي الذي لا يخضع لتنظيم تراتبي معين أو لصفات رسمية تنظيمية، تصدر أحكام متحركة من قبل مرجعية هنا أو مرجعية هناك أو غوغائية هنا وغوغائية هناك بكلمات التضليل والتكفير وما الى ذلك مما قد يقود الى تصرفات سلبية في بعض الحالات”. 

على ان المرجع فضل الله، ومن موقع “التجربة”، يعرب عن اقتناعه بأن “رحابة الأفق الديني تفرض داخل الجو الديني أو المؤسسة الدينية إعطاء الحريّة لمناقشة بعض الأفكار بطريقة علمية موضوعية لتأصيل المفاهيم الدينية بإخضاعها للحوار العلمي على قاعدة فكرية لا تترك مجالا لأي شبهة وتتحوط مما قد يتعرض له الفكر الديني من قبل الذين ينكرون الدين في الأساس وينتقدون بعض المفردات لا سيما على مستوى الأصول العقيديّة”. 

ويشرح السيّد وجهة نظره بشكل إضافي فيقول ان في المسألة الدينية “نوعين من الخطوط العقيدية”، الأول “يأخذ موقع البداهة ويمثل مسلمات فكرية واضحة في طبيعتها الدينية”، والثاني “يمثل حالة نظرية تخضع للاجتهاد وتفسح في المجال لأكثر من رأي تثبيتا أو نقدا”. ويرى ان على “القائمين على شؤون العقيدة الدينية أن يفسحوا في المجال لمناقشة هذه الخطوط النظرية في العقيدة في مناخ علمي وعلى أساس موضوعي”. ويعتبر ان “أي نوع من أنواع مصادرة الرأي الديني المرتكز الى أسس علمية، بكلمات الحرم والتكفير سوف لن يخدم القضية الدينية لا سيما في الواقع المعاصر حيث أصبح الفكر كله يعيش في الهواء الطلق من خلال الحركة الفكرية في العالم التي باتت تناقش في كل شيء بما في ذلك المقدسات”. 

العقل والعقيدة 

ويطلق المرجع هنا “صيحة” من واقع تجربته أيضا: “ان إخضاع الفكر الديني للدراسة العلمية الموضوعية هو الذي يحمي هذا الفكر من الخرافة و من كل عناصر التخلف والاهتزاز الداخلي”. وفي ما يشبه ملاقاة الدعوة التي وجهها المطران حداد الى التطور والتجدد، يقول السيد فضل الله ان “على القائمين على شؤون الدين الإسلامي أو الدين المسيحي ان يدرسوا كل التطورات التي أحاطت بالموقف الثقافي للمسألة الدينية لتتطور أساليبنا ووسائلنا”، موضحا ان الإسلام “يؤكد ان العقل هو الأساس في العقيدة وان العقيدة ليست فوق العقل بل تكتسب أصالتها من خلال العقل الذي يجمع داخل منظومته المعادلات الفكرية والعناصر الوجدانية التي تختزنها الفكرة التي تمثل عمق إحساس الإنسان بالحقيقة بشكل تلقائي”. 

ويشدد السيد على ضرورة “أن يأخذ الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين للفكر الديني بأسباب الثقافة الدينية على الأسس العلمية في كل جوانب الدين لأننا قد نرى متخصصين في الشريعة لا يملكون التخصص في العقيدة أو المتخصصين في الفقه لا يملكون التخصص في القرآن”. ويؤكد ان “المشكلة ليست في الدين الذي هو كلمة الله العليا والحقيقة الأصلية لكن المشكلة في المتخلفين الذين يفرضون أنفسهم وتخلّفهم على الدين أو الذين ضاقت صدورهم عن فكر الآخر فلم تتسع لأية علامة استفهام”. 

“الأصولية”... و”الاجتهاد” 

ويسارع المرجع الكبير الى القول ان الأصولية بين مزدوجين “تتحرك في دائرتين: عدم الاعتراف بالآخر والعنف وسيلة للتعبير”، ويشير الى ان “العنف الذي قد يحصل في الدائرة الإسلامية بشكل عام، ينطلق من خلال التعصب الطارئ لدى بعض الناس الذين قد يرون أن هذه الفتوى أو الفكرة تمثل هدما للدين وإسقاطا للشريعة بما يجعل القائمين على الشريعة يرجمون هذه الأفكار”. ويلفت الى “اننا كمسلمين نعتقد ان عناصر الإيمان هي التوحيد والنبوة واليوم الآخر فمن أنكر واحدة منها لم يكن مسلما”، ومن هنا فإن “التكفير مسألة ثقافية ونسبية تتعلق بجحود الإنسان بالعناصر الأساسية لهذا الدين أو ذاك لكن كلمة تكفير أصبحت تختزن الكثير من الخلفيات السلبية”. 

ومع ذلك يختم المرجع الإسلامي بتأكيد ان “المؤسسة الدينية الإسلامية بدأت تتقبل الكثير من الفكر الخارج عن المألوف الذي قد يخالف بعض الخطوط الثقافية الإسلامية المتداولة، ونجد جيلا جديدا في الحوزات والجامعات ممن يتقبل هذه الاجتهادات وأتحدث عن الذين يفكرون ويجتهدون حتى لو لم يصلوا الى درجة الاجتهاد”. ويشدد على ان “المؤسسة الدينية الشيعية تمتاز بأنها حرة، فليست هناك سلطة مسؤولة بشكل يطبق على كل الحوزة، بل الحوزة تختزن الكثير من الاختلافات حتى مع المراجع الذين يُرجع إليهم في التقليد، وهذه ميزة هامة”. 

الأمين 

من جهته، يذهب العلامة الكبير السيد محمد حسن الأمين الى أبعاد أخرى إضافية. يبدأ بالقول إن ثمة مستويين “مستوى النص الإلهي الذي نؤمن به ومستوى القراءات التاريخية لهذا النص والإشكالية في الإسلام بدأت عندما انتقلت القداسة من النص الى تفسير النص”. والمشكلة في رأي السيد الأمين ان “المرحلة التي تمت خلالها قراءة النص وولّدت المذاهب والتيارات كانت مبكرة وشكل العصر العباسي مسرحها”. ومن هنا “بدا أن أي تجاوز لهذه القراءات التي حصلت في العصر العباسي، فيه نوع من التجديف والجرأة على المقدس أي ان ما يسمى الزندقة والتجديف والتكفير ليست مصطلحات جديدة في الاجتماع الإسلامي”. ولذلك فإن “كل محاولة لقراءة النص الديني بصورة تختلف عن القراءات السابقة له تشكل بدرجة أو بأخرى مظهرا من مظاهر انتهاك المقدس الديني وتعرّض أصحابها للتكفير أو لدرجات من تهم الانحراف عن الدين أو ما يسمى الثوابت الدينية”. 

ويعرب المجتهد الأمين عن اعتقاده ان “نقص المعرفة الدينية لدى الجمهور يجعله قابلاً لأن يأخذ تفسيرات الدين وتأويلاته من رموز هي نفسها التي باتت تمثل الطبقة الكهنوتية في الإسلام، وكل محاولة لاختراق أفكار أو ثوابت فقهية أو كلامية يقوم بها علماء متنورون تعرضهم لتهم تؤدي في بعض الأحيان الى التكفير”. 

ويوضح العلامة ان الفقه في الإسلام “ليس منزلاً لأنه اجتهاد بشري وإن كان الوحي نصا إلهيا”، ولذلك فإن الفقه “متغير وليس ثابتا. وكل محاولة تجديد للبنية الفقهية بطريقة مختلفة عن المألوف تصبح مظهرا من مظاهر النيل من المقدس الديني بالنسبة الى فئات إما ساذجة تشكو من نقص في معرفة الدين أو فئات محترفة قادرة على ان تعطي لتفسيراتها للدين صفة المقدس”. 

عالم الدين... مفكر 

ويقارب السيد الأمين نقطة رئيسية من وجهة نظره. فبالنسبة اليه ان عالم الدين “إذا كان يعي طبيعة المشاكل والأزمات المسؤولة عن تخلف المجتمع، هو مفكر يبحث ويعمل على إنجاز مهمة التغيير العام سواء في حقله الديني أو في الحقول الأخرى لأن التخلف كل لا يتجزأ”. ويشرح ان “عالم الدين المتنور لا يختلف عن أي مفكر آخر يدعو الى التجاوز لكن المفكر عندما يكون عالما دينيا فإنه سيعمل بالضرورة في حقل بالغ الحساسية هو الدين وسيكون إدراكه للعناصر الدينية المختلفة والمعوّقة لتطور المجتمع إدراكا أعمق وأشمل من إدراك الآخرين لهذا الجانب بالذات”. ويرى انه “من الطبيعي ان يساهم عالم الدين المتنور في مهمة إزالة العوائق أمام التقدم بوصفه عضوا ملتزما في المجتمع، وستكون مهمته تاليا حساسة وخطيرة لأنها ستدفعه الى تناول موضوعات هي في الغالب من الثوابت والمقدسات لإعادة النظر فيها وتجاوزها، الأمر الذي يجعله عرضة وبصورة أكثر شراسة للهجوم ولعوامل التكفير والزندقة والعبث بالدين بأكثر مما يتعرض لذلك المفكرون العاملون في حقول أخرى غير دينية”. 

النظام الطائفي .. والعلمانية 

وإذ يرى العلامة الأمين ان ما سبق يشكل قاسما مشتركا بين جميع العلماء المفكرين المتنورين في المجتمع الإسلامي عموما، يرى من الضروري لفت الأنظار الى مشكلة إضافية في لبنان تتعلق ب”النظام الطائفي”، الأمر الذي “يوجد أعباء إضافية يتحملها عالم الدين في مجال طرحه النظري والفكري والسياسي، هي أعباء ناجمة عن الاعتبارات التي يقوم عليها النظام الطائفي نفسه بما يجعل عالم الدين المتنور أمام مهمة سياسية محرّمة تضاف الى المهام المحرّمة الأخرى وتسهّل عملية التجييش الشعبي والطائفي ضد أفكاره وتأويلاته”. والسبب هو ان هذه الأفكار “في نظر مراكز النفوذ تتجه الى تقويض البنية الطائفية السياسية، ذلك ان هذه البنية التي لا مبرر اجتماعيا وسياسيا لاستمرارها، إنما تستمد أقوى عناصر استمرارها من حماية الدين ورجال الدين لها، والمقصود هنا هو الدين كما يعيه العامة من الناس”. ويلفت الى ان “كل عملية كشف وفضح لهذه البنية ولخلوها من أي مبرر ديني، تغدو مؤهلة لأن تتهم بالخروج عن الدين ولأن تحارب بصورة شرسة علما ان هذه المحاربة ليست صادرة عن عاطفة دينية حقيقية لكنها تتوسل الشكل الديني كي تحافظ على هذه البنية السياسية ومصالح القيمين عليها”. 

وعما تقدم، يعطي السيد الأمين مثالا محددا. يقول ان بعض علماء الدين “يرون ان هذا النظام اللبناني هو في واقعه نظام علماني ولكنه في الوقت نفسه نظام طائفي أي ان عنصر القوة في النظام العلماني يتعرض للإفراغ من المحتوى عن طريق الجانب الطائفي”. لذلك “رأى البعض (من علماء الدين) انه إذا كان لبنان لا يصلح لأن يكون دولة ذات نظام ديني فلماذا لا نسعى من أجل ان تكون هذه الدولة علمانية بالكامل”. ويوضح انه “لا يوجد في هذه النظرية ما يسوّغ اعتبارها تجديفا على الدين لكن مع ذلك فإن التعبئة القائمة على استغلال الجهل الديني لدى المواطنين مسلمين ومسيحيين تذهب الى مواجهة هذه الرؤية باسم الدين نفسه وتعتبرها دعوة الى التخلي عن الدين في حين انها دعوة الى التخلي عن نظام الاجتماع الطائفي”. 

حداد.. والمجتمع المدني 

ويتطرق الى ما حصل للمطران حداد “الذي اتهم من قبل المعتدين عليه بأنه علماني وهذا من أغرب الأمور”. فيرى السيد ان “الذين تسوءهم علمانية المطران حداد لا يعرفون ان القانون في لبنان قانون وضعي أي علماني ولا يريد المطران سوى ان يزيل العوائق التي تحول دون تفعيل النظام العلماني”. بكلام آخر ان المطران حداد “لا يخترع علمانية النظام ولا يقترحها، هو فقط يدعو الى إصلاحها والى إزالة المعوقات التي تحول دون فاعلية هذه الصيغة العلمانية والتي فقدت فاعليتها بسبب تقييدها بالطائفية السياسية”. 

والى ذلك، فإن المطران يرى ان “مسار التطور في عصورنا مرتبط بصورة عضوية بقيام المجتمع المدني”. ويشير الى ان “هذا ما يلتقي المسلمون المصلحون مع هذا الكاهن المسيحي عليه حيث بدأ إدراك أهمية تنشيط مؤسسات المجتمع المدني في الاجتماع الإسلامي والتماس القواعد الفقهية والأدلة الدينية على أهمية قيام مجتمع مدني إسلامي”. ويلفت الى ان “دعاة قيام المجتمع المدني الإسلامي لا يصطدمون بالنص الديني بل بالقيادة الأصولية التي كادت ان تحصر عملية الانبعاث الإسلامي وعودة الإسلام الى الحياة بفكرة إقامة الدولة الإسلامية أي النظام الإسلامي الذي ينتهي بالقبض على مقاليد السلطة”. ويشدد على ان “أصحاب هذه النزعة الأصولية وليس النص الديني، هم الذين يواجهون بعنف أحيانا فكرة التركيز على المجتمع المدني، وهؤلاء هم الذين حملوا سيف التكفير ضد النظرية القائلة إن الإسلام ليس بالضرورة دينا ودولة معا، وان الإسلام دين بالدرجة الأساسية وأما الدولة فهي شيء آخر طارئ”، علما انه “لا يوجد في النصوص الدينية (الوحي أو أقوال الرسول) ما يدعم القول ان الإسلام هو في الوقت نفسه دولة”. 

ويستنتج العلامة والمجتهد الكبير السيد الأمين ان “مأساة التنويريين الإسلاميين هي إيمانهم بالتطور والتجاوز وممارسة حقهم في القراءة التاريخية والمتجددة والمتنوعة للنص الديني أمام تيارات تحتكر لنفسها مهمة تفسير هذا النص”. 

ويعتبر ان “مهمة المصلحين التنويريين لم تكن ولا مرة منفصلة عن المهمة العامة والشاملة للتغيير والنهوض على المستويات السياسية والاجتماعية والتنموية”، ويسجل ان “الحركات الدينية التنويرية تنمو بصورة أفضل في ظل حركات الدعوة الى التقدم والتجدد إن لم نقل ان الكثير من حركات التجدد والتقدم يستند الى فكر ديني تنويري أساسا”. 

ويختم العلامة الأمين بأن “هناك ما يشبه الأصوليات عند الطوائف كلها”، وان “تسمية المعتدين على المطران حداد بأنهم يمثلون اتجاهات أصولية مسيحية فيها وجه من الصحة”. ويقول “ان مظهر الأصولية المسيحية في بلد كلبنان، يتناغم بصورة واضحة مع مظاهر أخرى في الطوائف الإسلامية وتبدو هذه الأصوليات المتناحرة ذات هدف مشترك هو إبقاء لبنان في حالة اصطفاف طائفي ومنعه من التطور الى مرحلة الدولة والمواطنة”. ويضيف “أشتمّ هذا المعنى من دون أن أسميه مؤامرة، معنى منع الانتقال من دولة الطوائف الى الدولة العصرية والحديثة والمواطنة والخروج من نفق الطائفية كنظام للاجتماع في لبنان”. 

من الواضح مما تقدم أن لأفكار المطران غريغوار حداد صدى في الدائرة الإسلامية، وان دعوته الى التجديد في الكنيسة والإسلام تلاقيها مرجعيات إسلامية بالترحيب... لا بل ان ثمة في هذه الدائرة من “يشبه” المطران حداد وإن كانت التعقيدات التي تواجه المحدّثين ليست نفسها مسيحيا وإسلاميا. 

وما تحدث عنه المرجع السيد فضل الله والعلامة المجتهد السيد الأمين فيه تقاطعات على مستوى تحبيذ التجديد والتطور وعلى مستوى الحديث عن حرية تفسير النص الديني بالعلاقة مع التطورات. ومع ان الحديث معهما لم يكن شاملا بحيث يمكن التعرف الى مروحة أوسع من التقاطعات أو الاختلافات، فإن تركيز السيد فضل الله على النطاق الديني في مقابل ذهاب السيد الأمين الى الإطار الاجتماعي السياسي “المباشر” بشكل أكبر، من شأنهما ان يجعلا “حركة” المطران حداد لا تبدو منعزلة... طالما ان المشترك بين الثلاثة (بصرف النظر عمن يشبهه أكثر من بينهما) هو البعد التقدمي لدور “المصلحين” أو “المحدثين” من رجال الدين، في الاجتماع والسياسة. ولم يكن الهدف من هذه الوقفة، إلا إظهار ان “الصدى” موجود فعلا، وسيشكل حاجة ماسة في المقبل من الأيام.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic