من هو غريغوار حداد؟

جيروم شاهين

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 23 حزيران / يونيو 2002

 

جـرح المطران !

 
     يشكل المطران غريغوار حداد منذ اكثر من نصف قرن "ظاهرة" متجددة في المجتمع اللبناني، تضاربت حولها الآراء: من مؤيد لها الى معارض، ومن لا مبال بها الى متردد في اتخاذ موقف منها. وعلى الرغم من ان هذه الظاهرة مرّت بمراحل تردد فيها اسم صانعها على كل شفة ولسان، وتناولتها وسائل الاعلام في شكل مميز جداً، فقد بقي الكثير من الغموض يكتنف معالمها. 

فلو طرحتَ على الناس السؤال الآتي: مَن هو غريغوار حداد؟ لحصدت عدداً من الاجابات، متناقضة ومبهمة وناقصة وصحيحة بعض الشيء ومغلوطة بعض الشيء. كأن تسمع هذا او ذاك يقول عنه: مطران، رجل دين، مصلح اجتماعي، أسقف محروم، شيوعي، صاحب مشاكل مع طائفته، قديس، متجرد، المطران الاحمر، مطران الفقراء، المطران "الأبونا"، والى ما هنالك من تسميات واحكام واوصاف. 

اليوم، وبعدما ازدادت "نجومية" غريغوار حداد وهجاً اثر حادث الاعتداء الذي تعرض له، مساء الجمعة في 14 حزيران الجاري امام مبنى تلفزيون "تيلي لوميار"، على يد شاب مسيحي متعصب لدينه أراد ان يعاقب المطران "المحروم" - على حد قول المعتدي - وعلى الرغم من السباقات الصحافية التي تبارت فيها وسائل الاعلام لتغطية اخبار الحادث واسبابه وذيوله، يبقى جهل كبير يغلّف عقول الناس في فهم قصة غريغوار حداد الحقيقية. 

لذلك توخينا من كتابة هذا المقال ان نطرح امام القارئ عناصر تأريخية موضوعية تتناول الظاهرة من بدايتها حتى يومنا هذا، وتحليلاً سوسيولوجياً لشرح هذه الظاهرة في عناصرها وأطرها ووظائفها واهدافها، للوصول، اخيراً، الى استشراف انعكاساتها ومستقبلها. 

مساء الجمعة في الرابع عشر من حزيران الجاري، نقلت "المؤسسة اللبنانية للإرسال" مشهداً غرائبياً. كانت الكاميرا تصوّر والشاشة تنقل جريمة تحصل أمام مبنى "تيلي لوميار". شاب يُدعى كارلوس عبود يتحرش بالمطران غريغوار حداد، ثم يسدّ أمامه الدرب الى المبنى. وحين يحاول المطران التقدم، يصفعه الشاب ويُسقطه أرضاً، وذلك أمام القوى الأمنية التي لم تحرّك ساكناً. 

معظم المشاهدين شعروا أن اللطمة موجهة إليهم باستثناء تلك المرأة التي صرخت استحساناً من على شرفة منزلها المواجه: "ليتنا نملك العشرات من أمثالك". 

وتوالت مشاهد المستنكرين، ونقلت وسائل الاعلام عشرات البرقيات، وعُقدت اجتماعات، وصدرت بيانات. والمطران حداد، بهدوء منقطع النظير، يغفر للمعتدي عليه، ويكمل الحلقة التلفزيونية الاخيرة بالبوح بما يعني له السيد المسيح. 

ويعود الناس الى مشاغلهم وهمومهم اليومية. بعضهم استبطن جرحاً في الذاكرة، سيغور عميقاً في الذاكرة، حتى اللاوعي الذي لا ينام ابداً. 

مشهد الاعتداء هذا كانت سبقته مرحلة تحضيرية تضمنت جميع عناصر التوليف للمشهد الدرامي الاخير. فعلى مدى ثمانية اسابيع قبل وقوع الحادث المذكور، كانت محطة "تيلي لوميار" تستضيف، كل نهار جمعة، المطران غريغوار حداد في حلقة تلفزيونية مباشرة، "بلا عنوان"، يحاوره فيها الاب ايلي قنبر طارحاً عليه اسئلة تتعلق بسيرة حياته واعماله ومشاريعه وافكاره وكتاباته. ولم تخلُ الحلقات من اسئلة للمشاهدين، وردات فعل راوحت بين معترض على بعض افكار غريغوار حداد ومرحّب بها، لا بل متحمّس لها. 

الى ان ظهرت مجموعة من حوالى اربعين شخصاً من المعترضين على برنامج غريغوار حداد عبر الشاشة الصغيرة، ما لبثت ان وجهت رسالة اعتراضها هذا الى ادارة محطة "تيلي لوميار" مطالبة اياها بأن توقف البرنامج، وأرسلت نسخاً عنها الى البطاركة في لبنان والى السفير البابوي والى مجمع العقيدة والايمان في الفاتيكان. ولما رفضت ادارة "تيلي لوميار" وقف البرنامج، توجه الفريق المعترض الى البطريرك نصر الله بطرس صفير الذي أحالهم على البطريرك غريغوريوس الثالث لحام. لكن هذا الاخير أوكل أمين سره معالجة الامر لأنه كان مسافراً الى اميركا، فطلب امين السر من هؤلاء ان يتحاوروا مع المطران غريغوار حداد لكنهم رفضوا ذلك. 

وقبل اسبوع من وقوع حادث الاعتداء حاول اثنان من المجموعة التعرّض للمطران حداد وهو خارج من مبنى التلفزيون بعد انهاء الحلقة ما قبل الاخيرة، لكن حراس المحطة صدّوهما. 

ولما صرّح المعترضون انهم سيتعرضون للمطران غريغوار عندما سيأتي في 14 حزيران الى محطة "تيلي لوميار" لاجراء الحلقة الاخيرة من برنامجه، أعلمت ادارة المحطة القوى الامنية بالامر، واخذت الاحتياطات الامنية التي تضمن سلامة المطران حداد. ثم حصل ما حصل. 

لن ندخل في بحث مسألة ما يُعزى من تقصير للقوى الامنية في التدخل لحماية المطران حداد حين حضر الى مبنى التلفزيون، فالمسألة في يد القضاء المختص. 

لقد سردنا هذه الوقائع لنشير الى امرين، الاول: ان تذرّع بعض الاشخاص بالاختلاف مع افكار المطران حداد اللاهوتية، لا يشكّل اطلاقاً سبباً للتعرض له جسدياً. فلماذا أدى اعلان غريغوار حداد لافكاره، وهي معروفة، الى هذا المسلك العنفي المدان، وفي هذه المرحلة بالذات؟ 

اما الثاني فهو ان ذروة اعلان المطران غريغوار لافكاره اللاهوتية والروحية التجديدية كانت مع اصدار مجلة "آفاق" في بداية العام 1974 الذي أعقبته احداث مهمة. لكن، لم يحصل اي عنف من اي طرف، فما الذي طرأ اليوم على المجتمع اللبناني المسيحي؟ وما هي، في الاصل، ظاهرة غريغوار حداد؟ 
 

هو

ولد غريغوار حداد سنة 1924 في سوق الغرب من عائلة بروتستانتية متحدرة من اصل ارثوذكسي. سمّاه والده نخله وعندما سيم كاهناً اتخذ اسم غريغوار تيمناً بالبطريرك غريغوريوس حداد الذي ترأس كنيسة انطاكيا، اليونانية الارثوذكسية، من سنة 1906 حتى سنة ،1923 وذلك لإعجاب والده بذاك البطريرك المتزهد والعلاّمة، صديق اهل المعرفة، وصديق الاسلام، ذاك القومي العربي الذي وزّع خيرات الكنيسة، إبان المجاعة، للفقراء المسيحيين والمسلمين على السواء. 

سيم كاهناً سنة 1949 بعدما درس اللاهوت في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في بيروت، وبعد ثلاث سنوات عُيّن نائباً عاماً على ابرشية بيروت للروم الكاثوليك. رسم اسقفاً سنة 1965 فقام بمهمته اولاً كأسقف معاون للمطران فيليبس نبعه الذي اسند اليه مسؤولية خدمة ابرشية بيروت إبان مرضه. وبعد ثلاث سنوات توفي المطران فيلبس نبعه فانتخب السينودس غريغوار حداد مطراناً اصيلاً. 

ومنذ ذلك الحين، أخذ البعض يتململون من بساطته وفقره وافتقاره الى مظهر الأبهة، ومن انه لا "يمثّل" خير تمثيل مركز مطران يترأس اكبر ابرشية للروم الكاثوليك في البلاد العربية واهمها، عددياً واقتصادياً. والأب غريغوار حداد (هكذا رغب في ان يدعوه الناس) كان واحداً من المطارنة الذين وقّعوا وثيقة يتعهدون فيها ممارسة الفقر في حياتهم الشخصية، وقد صدرت تلك الوثيقة في الدورة الاخيرة للمجمع الفاتيكاني الثاني عام .1965 

لم يكثر من الكتابة، ولا رغب في الرحلات الى خارج لبنان الذي يعرف عن ظهر قلب مناطقه الاكثر حرماناً. 

في داخله قوة روحية لا تتجلى من دون ابتسامة ولا تعمل الا بتحفظ شديد وحشمة لا تفارقها الدعابة، فاذا هو قريب من الناس، مع احتفاظه باستقلال ذاتي يبلغ حد العزلة احياناً. 

اما عظاته فيلقيها بلغة عربية يستوعبها الجميع، فهي تحمل سامعيه على التفكير، من دون ان تثير فيهم غوغائية الجماهير. 

منفتح دائماً على الحوار، مستعد للاصغاء، من دون ان يفقد مثابرته العنيدة على اتمام رسالته. وإنك لتراه يعمل بنشاط بالغ من دون اي انهماك او ارتباك. 

رجل بلا قناع، لا يتردد في الافصاح عن معاناته الداخلية، لانه لا يعيش لذاته. رجل يعرف ماذا يريد، وفي تعبير آخر، يعرف ما يريد منه الله. 
 

على صعيد العمل الاجتماعي والراعوي 

في العام 1957 أسس "الحركة الاجتماعية"، التي حازت الرخصة في العام .1961 وتألفت لجنة التأسيس من ستة شبان وشابات ينتمون الى الطوائف المسيحية والاسلامية الكبرى في لبنان. الحركة الاجتماعية منظمة غير حكومية، طوعية، لا حزبية، لاعقائدية، ولا تدّعي التمنين بالاحسان. هي حركة تفكير وعمل جماعي علمي يلتزم التنمية الاجتماعية الاقتصادية. حركة ذات دوافع ذاتية، متكاملة، مصممة لخلق انسان اكثر انسانية ومجتمع اكثر انسانوية. 

تعمل الحركة في ضوء الدراسات والابحاث في الحقول الاجتماعية (الصحة، التربية، الثقافة، الترفيه التربوي، الاستشارات القانونية، تسلّم دعاوى المحتاجين، مكاتب التوظيف للعاطلين عن العمل، بيوت رعاية الاطفال لدى خروج امهاتهم للعمل، المساكن الشعبية...) كما انها تعمل بالتنسيق مع الدوائر الحكومية، واخيراً تسعى بعمل جماعي متكامل الى تحقيق العدالة الاجتماعية. 

اتهمت بعض الاوساط الحكومية هذه الحركة بأنها تريد خلق دولة ضمن الدولة، كما سمّاها اليسار حركة اصلاحية فأخذ عليها أنها تصرف الشبيبة عن العمل السياسي، او تمتص النقمة الشعبية. 

ولربما كان عمل غريغوار حداد في الحقل الاجتماعي، وراء اطلاق الناس عليه اسم "المطران الاحمر" وايضاً "مطران الفقراء". 

اذاً، عندما تمارَس المحبة على مستويات يكون فيها المطران مسؤولاً، فلا يمكن ان تنتهي عند حدود الابرشية وآفاقها الضيقة، وخصوصاً في بلد متعدد العقيدة والثقافة والنمط الحياتي، وفي بلد حيث الطوائف تريد، مع محافظة كل منها على ميزاتها الخاصة، ان تتخطى الفروقات التي قد تكون عائقاً في سبيل الوصول الى تناغم فريد ونادر. 

لقد كان الامر واضحاً منذ البداية: لم يكن متوقعاً من المطران غريغوار حداد ان يقتصر نشاطه على ادارة املاك الابرشية ولا ان ينحصر نضاله في حماية حقوق طائفته وحسب، ولا ان يحوط نفسه بمسيحيين متصامين عن سماع نداء العالم. 

لكن اهتمام الأب غريغوار بمجمل القضايا الوطنية لم يمنعه من العمل الحثيث على اصلاح احوال الابرشية اصلاحاً جذرياً، هذه الابرشية التي تضم عشر رعايا في بيروت وعشراً في ضواحي بيروت وعشرين في جبل لبنان. 

وكان سلفه المطران فيلبس نبعه حاول ان يحد من تباعد الفروقات بين دخل الكهنة، الذي يراوح بين 1500 ليرة و150 ليرة شهرياً، بحسب اختلاف المراكز الراعوية، فوضع المطران غريغوار تنظيماً مالياً جديداً تشترك في تمويله العائلات بحسب امكانات كل منها، فتصير جميع الخدمات الدينية، من عمادات وزواجات وجنازات، مجانية، على ان يتقاضى كل من المطران والكهنة رواتب متساوية من الصندوق العام. وكذلك طبقت مبادئ العدالة الاجتماعية على العمال العلمانيين المشتغلين في الابرشيات. وهكذا مكّن العائلات التي كانت تعمل لسنوات طويلة في اراضي الوقف من ان تستملك تلك الاراضي. فعلى هذه الاسس سار العمل الرسولي من دون ان يتعثّر بالمشاكل المالية. اذ انه أقام الحوار ونشّطه في كل المستويات فألّف مجلس الكهنة، والمجلس الرعوي الذي يضم عناصر من العلمانيين والرهبان والراهبات والكهنة وممثلين عن المجالس الرعوية، كما اسس لجنة الطقوس الكنسية ولجنة الوعظ واللجنة المدرسية واللجنة الاجتماعية. وبهذا طبّق غريغوار حداد أحد توجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يدعو الى إشراك العلمانيين في ادارة الكنيسة. 
 

على صعيد الفكر 

بعد مرور 25 سنة من الخدمة، بقي الأب غريغوار محافظاً على التزامه البديهي الاساسي، فهو يعتبر ان من واجبه مضاعفة الجهود الرعوية من اجل من هم في الخارج، اولئك الذين ما زالوا يذهبون الى الكنيسة ولو بدون ايمان، واولئك الذين أهملوا كل شيء: الممارسات الدينية، الايمان بالمسيح، الايمان بالله... فالحركة الاجتماعية لم تكن كافية للتدليل على شدة اهتمامه بكل الانسان لأن مجال عملها لا يطاول الامور الدينية. 

هنا قرّر غريغوار حداد تأسيس مجلة "آفاق" مع صديقين له هما بولس الخوري وجيروم شاهين الذي ترأس تحريرها، وباشتراك عدد كبير من المثقفين اللبنانيين كمستشاري تحرير. توخت المجلة ان تكون مستقلة وتعددية تريد مخاطبة شبيبة هذه البلاد، وفي نوع خاص المسيحيين النقديين، والذين خلعوا عنهم المسيحية، وحتى غير المسيحيين وغير المؤمنين. 

لكن التعددية والانفتاح على الحوار فيها لا يعنينان مطلقا الحياد "الموضوعي" اللاسياسي. فالحياد الموضوعي اللاسياسي في الكنيسة وفي مجتمع تمزقه التناقضات ما هو سوى موقف مقنّع يخفي وراءه دائما التزاماً معيناً. 

لقد اتخذت "آفاق" موقفها بمساندة المسحوقين، واعلنت التزامها السير نحو التحرير. ولها نظرة مستقبلية تستشرف نهضة اصيلة في المسيحية العربية وفي التطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية. بهذا الالتزام تصبح التعددية ذات معنى، واي مفهوم آخر لتعددية "آفاق" ليس سوى هزال وانهزامية ووهم سراب. 

واذا بكتابات الاب غريغوار تُدخل على المجلة عنصرا جديدا يختلف عن كل ما في غيرها من المجلات. ولم يسلك غريغوار حداد بمقالاته في اللاهوت الاكاديمي، بل خاض لاهوتا يتجاوب مع مقتضيات الواقع الاجتماعي والسياسي ومع ازمة الشبيبة في تحديد هويتها ورفضها وحيرتها او لامبالاتها. 

تعرضت مقالاته لانتقادات عنيفة من اولئك الذين لم يمكّنهم عقلهم من السلوك في منظور الكاتب وادراك اسلوبه، فدخلوا معه في مجابهة لم تقتصر على الروم الكاثوليك وحدهم بل تناولت المسيحيين في لبنان وفي الخارج. 

عندئذ هب الكثير من المؤمنين، ناهضين من غفوتهم، واعين مهامهم وموقعهم في الكنيسة، فانجلت لهم خطورة الموقف ولو في درجات متفاوتة، وحفزتهم "قضية" غريغوار حداد على اتخاذ مواقف معينة منها. 

لم يكن قد صدر من مجلة "آفاق" سوى ستة اعداد، ومع ذلك نشأت ازمة في الكنيسة وبالتحديد في كنيسة الروم الكاثوليك، من جراء المقالات الستّ التي كتبها المطران غريغوار حداد في المجلة. لن ادخل هنا في تفاصيل ما جرى، فالمسألة يطول شرحها وليس من مجال للاطالة. فلكي لا اسيء الى احد اذكر فقط ما انتهت اليه القضية تاركا لمن يريد الاطلاع على التفاصيل مراجعة العدد الخاص من مجلة "آفاق" رقم 13/14 الصادر في العام 1975 الذي خصص بكامله لهذا الموضوع. 

تاليا اقول: اعتبر البطريرك (الراحل) مكسيموس الخامس حكيم ان كتابات المطران غريغوار حداد في "آفاق" تتناقض مع العقيدة الكاثوليكية. وتم بحث هذا الامر في سينودس مطارنة الروم الكاثوليك في ثلاث دورات انعقد فيها، الاولى استثنائية (في ايار 1974) والثانية عادية (في آب 1974) والثالثة استثنائية (في 24 كانون الثاني 1975). 

كلّف السينودس لجنة مؤلفة من خمسة لاهوتيين دراسة الجوانب الايمانية والعقائدية في كتابات المطران حداد. قدمت اللجنة المذكورة تقريرها الى السينودس. واحد من اعضاء اللجنة فقط رأى في كتابات المطران حداد خروجا على المعتقد الكاثوليكي الرسمي. اما الاعضاء الاربعة الباقون فأشاروا الى وجود بعض الالتباسات في التعابير اللفظية فقط، لكنهم اكدوا كلهم بالحرف الواحد ما يأتي: "هناك نقطة نتفق عليها جميعا وهي اننا لا نجد ما يبرر حكما من قبل السينودس المقدس. ولا نريد اطلاقا ان تستعمل اسماؤنا وآراؤنا لصياغة مثل هذا الحكم". 

في هذه الاثناء كانت القضية قد رفعت الى السلطة الفاتيكانية. الا ان البطريرك حكيم كفّ يد اسقف بيروت المطران حداد عن ادارة ابرشيته مدة شهرين، ثم مدّد تعليق صلاحياته، ثم تم اتفاق بأن يعود المطران غريغوار الى ابرشيته في السادس من شباط 1975 في ابعد حد. وفي الموعد المحدد اعلن البطريرك انه تلقى من المجمع الشرقي رسالة تدعو الى تمديد فترة تعليق صلاحية المطران غريغوار حداد الى ان يبت مجمع العقيدة والايمان نهائيا الموضوع. 

في هذه الاثناء ايضا كانت الصحافة تتناول القضية باهتمام كبير، كما ان لجانا تألفت من علمانيين وكهنة، لمساندة قضية المطران حداد وقامت مسيرات شعبية الى دار البطريركية وجرت اعتصامات، من دون حدوث اي اعمال عنف او إخلال بالأمن. 

استدعي المطران حداد الى الفاتيكان ومثل امام اللجنة المختصة وجاء قرار اللجنة يؤكد ان كتابات المطران غريغوار حداد لا تخرج اطلاقا على العقيدة الكاثوليكية. 

رغم ذلك اتخذ سينودس كنيسة الروم الكاثوليك قرارا اداريا بنقل المطران غريغوار حداد من ابرشية بيروت للروم الكاثوليك، مسندا اليه منصب مطران فخري على ابرشية أضنة في تركيا. 

حينذاك تفرغ غريغوار حداد كليا للعمل الاجتماعي، وفي الاخص لضمد جروحات اللبنانيين كافة التي كانت الحرب اللبنانية آنذاك تستنزفها. وكانت كنيسته تلجأ اليه في مهمات صعبة (كرئاسة ابرشية بعلبك في العام 1977 ثم رئاسة ابرشية صور في العام 1988 اثناء شغورهما) وحجب دخان الحرب صدور "آفاق" الى ان عادت عام ،1987 ثم توقفت لتعود في شكل منتظم في العام .1998 
 

على صعيد الحوار الاسلامي - المسيحي والعيش المشترك 

من اهتمامات غريغوار حداد الاساسية، فكرا وممارسة، اقامة الحوار الاسلامي - المسيحي في سبيل انماء العيش المشترك وتعميقه. في الستينات والسنوات الاولى من السبعينات عمل المطران حداد في مسألة الحوار الاسلامي - المسيحي، على خطين: عمليا، بتعميق الحوار الحياتي، لاسيما في اوساط الشبيبة عبر العمل الاجتماعي المشترك. وفكريا، بمحاولة الوصول الى قواسم مشتركة (ويسمّيها هو جوامع مشتركة) على صعيد الفكر اللاهوتي. 

الا انه ما لبث ان تحقق من لاجدوى الحوار الاسلامي - المسيحي على الصعيد اللاهوتي والعقائدي. كما وجد ان الحوار الممارَس في لبنان غالبا ما يكون حوار طوائف، وحوار صالونات، واحيانا رياء متبادلا. 

لذلك انكبّ على القيام بنشاطات عديدة تجمع الشبيبة، من الدينين ومن مختلف الطوائف، لتقوم بمشاريع اجتماعية وبيئية وصحية وثقافية مشتركة. وهكذا يتم التعارف المتبادل وتصحَّح الصور المشوهة، وتزول الاحكام المسبقة. 

الى هذا يدأب المطران حداد اليوم على صياغة ما يجمع المسيحيين والمسلمين على صعيد الروحانية والاخلاقيات والقيم. ولا ينفك ينادي بأن المرض الذي يتفشى في المجتمع اللبناني التعددي، ويمزق نسيج الوحدة الوطنية هو الطائفية. من هنا جاءت دعوته الى العلمانية. لكنه يردد باستمرار ان العلمانية المرتجاة ليست علمانية بعض الدول الغربية، في بعض حقباتها التاريخية، وهي علمانية إلحادية، بل علمانية نصوغها نحن بمقتضى اوضاعنا الاجتماعية والسياسية والثقافية ونجعلها صيغة لا تلغي الطوائف بل تتبنى المواطنة الواحدة المؤسسة على المساواة والعدل والحرية، وذلك لخدمة الدين وخدمة للانسان، "كل انسان وكل الانسان"، وفق قوله الشهير. 
 

بعد نصف قرن 

هكذا تجلت حتى اليوم "ظاهرة غريغوار حداد". 

ففي منظور قراءة "علامات الازمنة"، ايّ عِبَر يمكن ان نستخلصها من تلك الظاهرة؟ 

1- لربما جاءت بعض اقوال غريغوار حداد وتأويلاته في غير مكانها وفي غير وقتها، علما ان معظم تلك الاقوال والتأويلات لم يبتدعها بنفسه بل قطفها من اغصان شجرة المعرفة المتطورة والتي لها منابت عديدة غير محرمة في الكنيسة الجامعة. لكن، هل يستوجب هذا الامر تحريم القائل بها الى حد رفضه هو، برفض افكاره واقصائه وتعنيفه حتى حدود الالغاء؟ 

يقول السيد المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم". لم تأت شهادة واحدة تقول انه ابعد احدا عن عبادة الله ومحبة المسيح والناس. فلماذا يحاول البعض ان يجبره على كمّ فمه وان يكفّره؟ فمن منطلق مبدأ الحرية المسؤولة في التعبير، له الحق في ان يعبّر عن آرائه، كما لغيره الحق ان يعبّر عن آرائه. ولتُفتح الابواب امام الحوار. الحوار الهادئ والصادق والمحترم للآخر. اما من يرفض مثل هذا الحوار فليرفضه لنفسه ولا يمنعه عن الآخرين. 

2- من ثوابت ظاهرة غريغوار حداد - منذ بدايتها حتى يومنا - ان هناك اناسا، افرادا وجماعات، لا يرون اي مصلحة ذاتية في تغيير الاوضاع القائمة، وعلى جميع المستويات. ويتذرع هؤلاء بالدين والتديّن والاصالة والتراث وصيغة التعايش ليبقوا وطننا وابناءه في اوهام التعايش الكاذب في واقع التشرذم والانقسام والطائفية (وهي غير الطوائفية) حتى حدود الاستسلام الكلي للامر الواقع. 

3- كأنما لم نقع في افخاخ حرب اهلية ذقنا مرّها ولم نتعلم الكثير من امثولاتها بعدما حلّت عنا. وحين نقول ذلك لا نكون مفرطين في التشاؤم. والبرهان على ما نقول هو ان "قضية غريغوار حداد" في العام 1975 - كما سُمّيت آنذاك - جرت وقائعها على ارض اجتماعية شعبية اكثر انفتاحا وتسامحا مما هي الحال في قضية غريغوار حداد الثانية التي عشناها في 14 حزيران الجاري وما قبله بقليل. 

نحن اذاً، اليوم، اكثر تطيفا وانعزالا واقل قبولا للآخر وللرأي الآخر مما كنا عليه عشية الحرب اللبنانية في العام .1975 

4- حادثة 14 حزيران لم تفتعلها وسائل الاعلام ولم تضخمها كما ادعى البعض. بل ان وسائل الاعلام تصرفت بحكمة ومسؤولية مع مراعاة القيام بمهماتها. وكذلك تصرف جميع الافرقاء، والحمد لله. لكن الحدث لم يكن هامشيا ولا عرضيا، ولربما ايضا لا فرديا. لذا هو يستحق ان نتوقف عنده تحليلا وتفكيرا ومراجعة ضمير ومحاسبة وتخطيطا للمستقبل يمنع من ان يتكرر هذا الحادث في صيغة او أخرى. 

5- المسائل الاساسية التي يطرحها هذا الحادث عديدة اعدد - تعدادا فقط - بعضا منها: 

- متى نكف عن تنشئة اولادنا (مباشرة او في شكل غير مباشر، قصداً او في غير قصد) على الطائفية، ذهنية وروحا وقيما وصورا ومشاعر وصيغة ومسلكيات؟ 

- كيف نتجذر اكثر فأكثر في الاصالة والاصول، ولا نتغرب ثقافة ودينا، في "الاصولية" التي لا تتفق مع جوهر المسيحية ولا مع جوهر الاسلام؟ 

- كيف نتخطى كمسيحيين، هواجسنا ومخاوفنا، فنكف عن السلوك انطلاقا من مقولتي "الاقلية" و"الاكثرية"، ومن احتمال العودة الى انظومة "اهل الذمة" ونكف عن اللجوء الى الهرب في شتى اشكاله: الهرب في الجغرافيا والتاريخ، الهرب عزوفا وانعزالاً وتقوقعاً، الهرب الى الامام والى الوراء. بل نلتزم كليا، ومع جميع ابناء وطننا، تقويم حاضرنا وبناء مستقبلنا على قاعدة المواطنة الواحدة في المساواة بالحقوق والواجبات. 

آنذاك لن تعود قضية او ظاهرة تسمّى باسم غريغوار حداد بل تصبح لجميع اللبنانيين قضية واحدة، اسمها العبور الفصحي، العبور من الظلمة الى النور ومن الموت الى الحياة.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic