هل صحيح أن الصحف تقود عجلة العالم ؟

ادمون صعب

جريدة النهار (لبنان)

الإثنين، 24 حزيران / يونيو 2002

 

من أحضر الخوارزمي الى مؤتمر الاتحاد العالمي للصحف؟
وما علاقة العالم الرياضي العربي بانتاج الصحف وتوزيعها في العالم؟
 

     قد يكون أقرب الأجوبة الى المنطق هو أن أحداث 11 أيلول الأميركية وتداعياتها، وخصوصاً الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على المنظمات الإرهابية في العالم، هي التي استدعت الخوارزمي فحضر "متأبطاً ذراع" الباحث الشهير امارتيا سن الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد الذي نقض، بأسلوب علمي وتاريخي رائع، نظرية صدام الحضارات، مزيلاً الغموض الذي يكتنف الحديث عن استئثار الغرب بالإنجازات العلمية المعاصرة التي هي في نظره نتاج تفاعل انساني وثقافي بين أوروبا والفرس والعرب والهند، ومنتقداً الاعتماد على الخلفية الاستئثارية هذه، الناقصة تاريخياً، لتصنيف الحضارة "غربية" و"لا غربية"، وإعطاء النـزاعات الحالية، وخصوصاً بعد 11 أيلول، طابعاً دينياً. 

ورغم وجود باحثين وعلماء آخرين في المؤتمر في مقدمهم فرنسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" التي طلع بها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة والذي اعترف بأنه اقترف خطأ في شأنها، كذلك أخطأ أستاذه صموئيل هانتـينـغتون في نظريته عن صدام الحضارات - فان أفكار الدكتور سن كانت أبلغ ما طرح في المؤتمر، اذ هو أكمل على الصعيدين المهني والعلمي، ما عرضه المدير العام للمؤتمر تيموثي بولديـنغ حول التحديات التي تواجهها الصحف، والاتجاهات المستقبلية للصحافة التي قال عنها بولديـنغ أنها "لم تستكشف بعد كل الامكانات التي تجعل منها مؤسسة عصرية". 

وتضاف الى طرح سن وتقرير بولدينغ الجلسات الثلاث التي عقدها المؤتمر (قرابة 700 بين صحافي وصاحب جريدة) في مقر البرلمان الأوروبي في بروكسيل والتي جرى فيها تشديد على ضرورة صون استقلال الصحف والحرص على تطوير مضمون الأخبار، وتحسين النوعية، وتعزيز الصدقية، وتفعيل الثقة المتبادلة بين الصحف وقرّائها ومعلنيها، إضافة الى الوقوف في وجه التركّز والاحتكار لملكية الصحف كما للاعلان والتوزيع، وهو الموضوع الذي كانت لي مداخلة فيه باسم "النهار" التي كانت المشارك العربي الوحيد في المنتدى العالمي للصحافيين، من رؤساء تحرير ومديري تحرير ومعلّقين بارزين (راجع "قضايا النهار" الجمعة 31 أيار). 

قرابة ألف صحافي وصاحب جريدة من 81 بلداً في العالم، التقوا في مدينة بروج البلجيكية أواخر الشهر الماضي، في إطار المؤتمر الخامس والخمسين للاتحاد العالمي للصحف والمنتدى العالمي لرؤساء تحرير الصحف ومديريها، تدفعهم الرغبة في استكشاف مستقبل الصحافة المكتوبة في عالم ما بعد 11 أيلول الأميركي. وكانت "اللازمة" خلال الجلسات التي عقدها أصحاب الصحف والمحررون الكبار فيها: تطوير المحتوى، وتحسين النوعية، وتجديد الثقة بالمكتوب. وإذ أكّد نائب رئيس تلفزيون صحيفة "انترناشونال هيرالد تريبيون" جوان سينور ان "الصحافة النوعية هي التي تجلب القراء، مما يزيد الانتشار والبيع، أي تحقيق الأرباح"، قال المدير العام للاتحاد العالمي للصحف تيموتي بالدينغ ان "نموذج الصحيفة الغارقة في الإعلانات حتى 90 في المئة من مساحتها لم يعد ممكناً، وان المطلوب هو صحافة جيدة". وأضاف: "إننا عشية نقاش واسع حول المضمون والنوعية"، مشيراً الى أن الصحافيين يدركون جيداً "دور الصحافة في الثقافة الاستعراضية"، وخصوصاً بعدما "أثبتت الصحف أهميتها في نظر القراء بعد أحداث 11 أيلول الأميركية حيث تضاعف توزيعها، في حين لزم التلفزيون حدوده". وأوضح "أن الصحافيين يرفضون مقولة أن الصدارة هي للتلفزيون، لكنهم يعترفون بأن ثمة صحفاً كثيرة جيدة لا يقوم محرروها بالعمل المطلوب منهم، ويضعون ثقة كبيرة في وكالات الأخبار". 

وحذّر أحد الصحافيين الأميركيين الكبار من تقديم مادة تحريرية الى القارىء يصعب عليه هضمها، كأن يحضر مطعم بقرة كاملة ويضعها فوق طاولة زبون طلب عشاء قطعة من اللحم لا يتجاوز وزنها ثلاث مئة غرام! 
 

حال الاتحاد

     ومن تقاليد المؤتمر تقديم تقرير عن "حال الاتحاد"، يتناول اقتصاديات الصحف ومواردها والاتجاهات المستقبلية. 

وجاء في التقرير الذي أذاعه بالدينغ ان عام 2001 تميّز بهبوط الموارد الإعلانية للصحف التي حاولت المحافظة على حصتها من السوق. لافتاً الى أن الصين واليابان وحدهما حققتا نمواً في العائدات الإعلانية السنة الماضية. 

قال بالدينغ: "لقد اجتازت الصحف سنة صعبة في 2001، شأنها شأن بقية القطاعات الصناعية في العالم. فقد هبطت العائدات الإعلانية للصحف بنسبة 7 في المئة. وراوح هذا الهبوط داخل الاتحاد الأوروبي بين 0،6 في المئة (ايطاليا) و 19،3 في المئة (اليونان). إلا أن الوضع يبدو مختلفاً إذا ما نُظر اليه من خلال أرقام السنوات الخمس الماضية حيث زادت العائدات في ايرلندا بنسبة 67 في المئة، وفي ايطاليا بنسبة 39 في المئة. 

وأبدى التقرير ارتياح الاتحاد الى استقرار سوق الإعلان الصحافي للمرة الأولى منذ 15 سنة حين بدأت العائدات بالانحدار عام 1987 في أنحاء العالم باستثناء جنوب شرق آسيا حيث كان الاتجاه معكوساً. 

وتبلغ حصة الصحف قرابة ثلث الموازنات الإعلانية وبالتحديد 33 في المئة. 

وربط الاتحاد بين الازدهار الاقتصادي واستهلاك الصحف. فحيث يتحقق ازدهار اقتصادي يتراجع استهلاك المادة التلفزيونية لمصلحة المادة الصحافية. كما أن هناك علاقة بين حصة الصحف من السوق الإعلانية ومدى انتشار الصحف وزيادة مبيعاتها. 

وأشار الى أن الإعلانات المبوبة زادت عام 2001 بالنسبة الى عام 2000، في حين تراجعت الإعلانات التجارية. 

ولاحظ تبايناً في معادلة الإعلان/الانتشار في العائدات الإعلانية للصحف. ففي الولايات المتحدة تشكّل المداخيل الإعلانية 87 في المئة من عائدات الصحف، في مقابل موارد من المبيعات في اليابان تقدر بنسبة 61 في المئة من العائدات. بينما في أوروبا الغربية تصل عائدات الصحف من الإعلانات الى 79 في المئة في اللوكسمبور، و65 في المئة في المانيا، و63 في المئة في كل من النروج وبريطانيا، و41 في المئة في فرنسا وهي النسبة الأدنى في أوروبا في مقابل 59 في المئة من المبيعات. 

وذكر أن أصحاب الصحف أدركوا أخيراً أن "الاعتماد المفرط على المداخيل الإعلانية من شأنه الإضرار بالخطط التطويرية للنشاطات الصحافية". 

هذا على الصعيد الإعلاني: 

أما على صعيد الانتشار، فقد أدّت الأحداث الكثيرة التي شهدها عام 2001 الى تحقيق زيادة، وإن طفيفة، في الانتشار العالمي قدّرت بـ 46 في المئة. الا أن الزيادة تصبح ذات شأن إذا نُظر اليها من خلال فترة تمتد من 1997 الى 2001، حيث تبلغ الزيادة عندئذ 4،8 في المئة. 

وأوضح التقرير أن تسعاً من خمس عشرة دولة داخل الاتحاد الأوروبي سجلت هبوطاً في توزيع الصحف، كما هبط عدد الصحف داخل الاتحاد 37 صحيفة عام 2001، أي من 1467 الى 1430 إلا أن 30 في المئة من الدول التسع والستين التي شملها التقرير سجلت زيادة في المبيعات عام 2001، بينما 50 في المئة زادت مبيعاتها من مطبوعات غير يومية، إضافة الى 63 في المئة زادت مبيعاتها أيام الآحاد. وخلال الفترة بين 1997 و2001 سجلت نصف الدول التي شملها التقرير زيادة في المبيعات، بينما تحققت زيادة بنسبة 43 في المئة كمطبوعات صحافية غير يومية تشكل صحف الأحد ثلاثة أرباعها. 

وقد سجلت مثلاً زيادات في ايرلندا (2،4%)، وايطاليا (0،4%)، وفنلندا (0،21%). 

الى ذلك، سُجّل تراجع في المبيعات في الفترة بين 1997 و2001، في بلجيكا (4،9%)، والدانمارك (0،7%)، وفنلندا (1،12%)، وفرنسا (0،7%)، والمانيا (6،4%)، واليونان (11،4%)، واللوكسمبور (11،5%)، وهولندا (7،9%)، واسوج (4،9%)، وبريطانيا (8،7%). في حين سجلت زيادة في تلك الفترة في كل من النمسا (2،4%)، وايرلندا (8،1%)، وايطاليا (3،7%)، واسبانيا (2،9%). 

وفي أوروبا الغربية هبطت مبيعات الصحف عام 2001 في النروج (2%)، وتركيا (18،9%)، وايسلندا (9،7%)، وسويسرا (1،2%). 

أما في أوروبا الشرقية فقد زادت مبيعات الصحف في ليتوانيا (6،5%)، والمجر (2،5%)، وتشيكيا (1،3%). 

وهبطت في كرواتيا (17،1%)، واستونيا (1،5%)، وسلوفاكيا (7%). 
 

الصين أكبر مستهلك للصحف

     ولاحظ التقرير أن مبيعات الصحف الأميركية شهدت استقراراً عام 2001، مع بعض الانخفاض الخفيف (0،7%) في مقابل تراجع بنسبة 2% في السنوات الخمس الماضية. 

أما في اليابان، فقد انخفضت مبيعات الصحف على نحو طفيف (0،3%) عام 2001 وللسنة الخامسة على التوالي، في حين سجلت الصحف الصينية زيادة في المبيعات تجاوزت 10 في المئة عام 2001 بالنسبة الى عام 2000 

وفي الهند تراجع انتشار الصحف عام 2001 بنسبة 0،9 في المئة في مقابل زيادة بنسبة 18،3 في المئة سجلتها في السنوات الخمس الماضية. كذلك تراجع انتشار الصحف في سنغافورة عام 2001 بنسبة 4،2 في المئة، في مقابل زيادة بنسبة 2،4 في المئة في السنوات الخمس الماضية. أما في ماليزيا فقد زادت مبيعات الصحف عام 2001 بنسبة 9،5 في المئة، في مقابل 6،3 في المئة في السنوات الخمس الماضية. 

ولاحظ التقرير أخيراً أن القراء النروجيين واليابانيين هم الأكثر استهلاكاً للصحف في العالم إذ يشتري كل ألف نروجي 705 صحف يومياً، وكل ألف ياباني 667 صحيفة يومياً. يليهم الفنلنديون (546 صحيفة)، فالسويسريون (448 صحيفة). 

أما الصينيون فيستهلكون كميات هائلة من أعداد الصحف، بسبب عددهم الذي يتجاوز المليار. ويقدّر استهلاكهم بـ 117 مليوناً و815 ألف نسخة يومياً، يليهم اليابانيون بـ 72 مليوناً و699 ألف نسخة، فالهنود بـ 66 مليوناً، فالولايات المتحدة بـ 55 مليوناً و578 ألف نسخة. 
 

المفاجأة سن والخوارزمي

     مفاجأة المؤتمر كان الدكتور امارتيا سن حائز جائزة نوبل في الاقتصاد الذي حضر "متأبطاً ذراع" أحد مشاهير العلم في العالم، عالم الفلك والرياضيات العربي محمد بن موسى الخوارزمي الذي أقام في بغداد في عصر المأمون (القرن التاسع) ووضع أسس الجبر والحساب في كتاب "الجبر والمقابلة"، وقد استشهد به الدكتور سن لتأكيد مساهمة العرب في الحضارة والعلوم الغربية. وهو فصل بين علمي الحساب والجبر، وتوصل الى حساب بعض الأجسام مثل الهرم الثلاثي، والهرم الرباعي والمخروط، وقيل فيه أن نهضة أوروبا انطلقت مما أخذه عنه رياضيوها، ولولاه لكانت نهضة أوروبا في العلوم الرياضية تأخّرت كما تأخرت المدنية زمناً ليس بيسير. وقد حرص سن على ازالة الأوهام المحيطة بنظرية الصدام بين الحضارات التي عاب على بعض الصحافيين استلهامها في تقويمهم أحداث 11 أيلول ودوافعها وتداعياتها. 

قال سن: " لعل أهم مفاخر الصحافة المهنية هي المدى الذي يمكن أن يبلغه الصحافي الملتزم بركوبه الأخطار، إضافة الى التصميم والإخلاص اللذين يظهرهما لمهنته. إنها لمثار إعجاب، وخصوصاً الذين هم خارج هذه المهنة ولا يغامرون بأنفسهم وبأرواحهم ولكنهم يفيدون من نتائج هذه المغامرة. كما أنها - أي المهنة الصحافية - في الوقت عينه موضوع تقويم انتقادي وتفهّم متفحص بدقة". 

وإننا لنتساءل: ماذا يوجب هذا التكرس الصحافي، بل هذا الترسّل؟ والى ماذا يهدف؟ وأي تميّز يمكن أن يحققه للصحافي؟ 

أجاب سن: "هذه لعمري الأسئلة التي يطرحها المرء على نفسه في مناسبة انعقاد المؤتمر العالمي للصحف. 

ومن دون تبسيط الأمور كثيراً، يمكن تقسيم دور الصحافة الجيدة ثلاثة: 

1- الإعلام، أي نقل الأخبار. 

2- التحليل، أي اختيار الأخبار وشرحها. 

3- التقويم، أي الإضاءة على ما يجري ومدى تصديقه". 

وأضاف: "ان الصحف تحظى بالإعجاب بفضل وصولها الى المعلومات التي تكشف عنها وتنسّقها، ثم الحصافة في تحليلها، واظهار مدى الصدقية التي تظهر في مغزى التحليل وصدقه. 

وليس ضرورياً الأخذ بهذه الأمور كلها مع أنها تبدو مترابطة". 

وركّز على الدور الإخباري للصحف مندمجاً مع الدورين الآخرين، أي التحليل والتقويم "ذلك بأن أي تغطية صحافية تميل الى أن تضع نفسها في إطار من المفاهيم والخلفيات الأساسية. ويقول الكاتب المسرحي الأميركي آرثر ميلر : "ان الصحيفة الجيدة تمثل أمة تحاور نفسها". فالحوار والنقاش لا مفر منهما، وهما أبلغ من التحقيق الاستقصائي وتنسيق الأخبار وتبويبها. فبعض التحليلات للأخبار التي تقدمها الينا الصحف لا يأتينا في شكل صيغ متطابقة في الشرح والتفسير، بل يأتينا كجزء من رزمة تحليل للأخبار، مع تفسيرات وتقويمات ضمنية. وهذا اجمالاً ما ينبغي توقعه. إلا أن ثمة خطراً يتأتى من المفاهيم غير المدقق فيها ومن الاعتقادات غير الواقعية التي من شأنها أن تفسد التفهم الذي تجري الأمور في إطاره. 

وربما يقال أن الصحف النوعية هي الأكثر حرصاً على التدقيق في المحتوى الإخباري وكذلك في التقارير التي تنشرها، منها في تمحيص المفاهيم والخلفيات التحليلية التي ترافق تلك التقارير". 

وأعطى مثالاً ينطوي على مغزى معاصر يتعلق بطريقة تفسير الأحداث الجارية في ضوء فهمنا للماضي، قال: "اننا في تقويمنا النـزاعات الشاملة والاضطرابات، ثمة مراجع ثابتة في التقارير نشير بها الى أن هذا "غربي" وذاك "غربي" كذلك. 

وكذلك الإشارة الى أن هذه "ليبرالية غربية" وذاك "علم غربي" أو "عقلانية غربية". ان مثل هذه الخصائص المزعومة والملازمة للحضارة الغربية تفترض فصل هذه الحضارة عن بقية انحاء العالم. وحتى عندما يجري ايراد هذه الأمور دون مناقشة، فان تأثيرها قد يكون قويا من خلال التفسير الذي نعطيه للأحداث الجارية. 

إذ أن النزاع بين الحضارات شكّل موضوعاً شعبياً لفترة طويلة، قبل أن يطرح صموئيل هانتـينغـتون نظريته حول الصدام بين الحضارات عام 1997 في كتاب يحمل هذا العنوان. 

بالطبع كان ذلك قبل أحداث 11 أيلول المروعة التي دلّت على قرب حصول مواجهة مفتوحة وانعدام ثقة واسع في العالم. بيد أن هذه ألأحداث الرهيبة قد زادت الاهتمام بنظرية الصدام بين الثقافات". 

وأضاف: "في الواقع، وفي سياق تغطيتهم للأحداث التي جرت في 11 أيلول وبعده، جنح بعض المعلقين على ألأخبار الى إيجاد رابط بين النـزاعات ذات الطابع الشامل والصدامات بين الحضارات، وخصوصاً بين "الغرب" "والحضارة الإسلامية". وأصبح وضع "القيم الغربية" في مواجهة "الأفكار غير الغربية" شأناً حاضراً في المناقشات العامة، كما تصدّر هذا الموضوع صحفاً كثيرة، ودخل ألأدبيات المناهضة للأجانب والمهاجرين (من الولايات المتحدة وكندا الى ألمانيا وفرنسا وهولندا). 

واني أرى أن نظرية "الصدام بين الحضارات" هي في الأساس غامضة، وان الميل الى طرح هذه النظرية (وإن ضمنياً) لا يساعد في أي تحليل على الإطلاق، بل هو يؤدي الى نتيجة معكوسة. 

فثمة مسألتان أساسيتان في هذا المجال، الأولى منهجية وتتعلق بـ "نظرية التصادم". وهذه تقضي بقيام برنامج لتصنيف الناس في العالم، بحيث يتوزعون بحسب الحضارات التي ينتمون اليها، في ضوء منهج هانتينغتون. كأن يصبحوا أعضاء في "العالم العربي"، أو "العالم الإسلامي" أو "العالم الهندوسي"، أو "العالم البوذي" الخ... أي اختصار الناس ببُعد واحد، رغم أننا لنا جميعاً انتماءات متعددة ذات صلة باللغة، والأدب، والمهنة، والأعمال، والسياسة، والتعليم، وما اليها. 

إن النقص في نظرية الصدام بين الحضارات يبدأ، في نظري، من النقطة التي تسبق التساؤل عما إذا كانت الحضارات المختلفة محكومة بالتصادم. أي من نظرة ضعيفة الى عالم مصنّف بطريقة خاصة، ومقسم مجموعة خانات صغيرة. وإذ يكمن العيب النظري في مكان آخر، في الميدان الأكاديـمي لا الصحافي، فان الناس اعتادوا النظر الى شعوب العالم مصنّفة عوالم مختلفة ومتمايزة، مثل العالم الإسلامي، والعالم الغربي... الخ. 

ثم ان التصنيفات "الحضارية" هي أبعد ما تكون واضحة المعالم وحاسمة. 

وان المحاكاة التاريخية التي تظلل نظرية الصدام بين الحضارات تشكّل ادعاء لعالم يغلب عليه التناقض نظراً الى تجاهله الاختلاف الجذري داخل كل ثقافة، كما تتجاهل التفاعل التاريخي في ما بين الثقافات المختلفة. 

وإذا تأمّلنا الطريقة التي تنفصل بها "الحضارة الغربية" عن بقية أنحاء العالم، في ضوء هذه النظريات، فإننا نجد أن رواد "التناقضات الحضارية" يميلون الى اعتبار التسامح سمة خاصة ومميزة في الحضارة الغربية، تعود بها الى الماضي البعيد. فهانتيـنغتون يؤكّد أن الغرب يملك "تقليداً فريداً من نوعه في مجال الحقوق والحريات الفردية بين المجتمعات المتحضرة". 

ويتساءل سن: ولكن هل هذا التأكيد دقيق من الوجهة التاريخية؟ 

ويجيب: "ان التسامح والحرية هما بالتأكيد من أهم الإنجازات الأوروبية المعاصرة (متجاوزين انتهاكات النازيين في ألمانيا، واستبداد الإمبراطوريات الإنكليزية والفرنسية والبرتغالية في آسيا وأفريقيا). 

إلا أن النظر الى خط واحد في التقسيم التاريخي يدعو الى الغرابة. ذلك بأن الريادة في ميدان الحريات السياسية والتسامح الديني، في مظاهرها المعاصرة الكاملة، ليست حكراً على بلد معين أو حضارة بعينها في العالم. صحيح أنه لا مجال لإنكار وجود تسامح في الفكر الأوروبي الكلاسيكي، إلا أن ذلك لا يشكل تراثاً غربياً فريداً من نوعه في هذا المجال. اذ أن ثمة مسألة تصنيفية، في الدرجة الأولى، حول ما إذا كان اليونانيون القدماء قد شعروا بوجود تقارب فكري بينهم وبين الأوروبيين، أكثر مما بينهم وبين الفرس والهنود الذين كانوا يتعاملون مع فكرهم آنذاك. إضافة الى وجود أمثلة كثيرة عن رواد للتسامح في التقاليد القديمة". 

وأشار الى أن ما ندعوه "علماً غربياً" إنما ينتمي الى تراث عالمي. وقال: "أن ثمة سلسلة من العلاقات الفكرية التي تربط الرياضيات والعلوم الغربية بمجموعة من المهنيين غير الغربيين. واليوم، عندما يتحدث رياضي معاصر، سواء في أوروبا أو أميركا أو أي مكان آخر في العالم، عن علم الحساب من اجل حلّ مسألة صعبة في هذا الحقل، فانه يذكر بالخير مساهمة العالم الرياضي العربي محمد بن موسى الخوارزمي الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، في استنباطه نظرية الحساب العشري، إضافة الى وضعه أسس الجبر. 

وكثير من المكونات الأساسية لما بات يعرف لاحقاً بـ "العلوم الغربية" (وقد أشار إليها فرنسيس بيكون بالطباعة والبارود والمغناطيس) مصدرها الصين. كما أن كثيراً من المكونات الرياضية، بما فيها النظام العشري، وصلت الى أوروبا من الهند والعالم العربي. وقد أثّر علماء كثيرون ينتمون الى مجتمعات غير غربية - صينيون وعرب وهنود وفرس وآخرون - في الفلسفة والعلم والرياضيات واضطلعوا بدور مهم في النهضة الأوروبية، ثم في عصر الأنوار". 

واستنتج من كل هذا "أن الانفراد في التصنيف الحضاري المستند الى العنصر الديني، من شأنه جعل الرد الغربي على الإرهاب العالمي والنـزاعات التي أثارها، محبطاً وغير فعّال. فاحترام الحضارات لا يكون بامتداح الكتب الدينية للشعوب، بمقدار ما يكون بالاعتراف بمساهمة تلك الشعوب في الإنجازات التي تحققت في العالم. فلا مبرر تاريخياً، مثلاً، للتركيز في الحديث عن رواد التراث العربي أو المسلم، على الدين (القرآن أو الشريعة) وليس على العلوم والرياضيات التي كانت للعرب مساهمات كبرى فيها". 

ولاحظ "أن الهيكلية النظرية في التحليلات الصحافية تلعب دوراً رئيسياً في هذا المجال. فغالباً ما نشهد في الأدبيات العامة ميلاً الى الحديث عن التناقض بين "العلوم الغربية" والثقافات "غير الغربية"، عن التصنيفات الحضارية الخام التي تصرّ على حصر العلوم والرياضيات في سلة "الحضارة الغربية" تاركة لبقية الحضارات استخراج اعتزازها من عمق دياناتها، مما يسهّل على الناشطين المناهضين للغرب، بمن فيهم الأصوليون الدينيون و"المناضلون" الثقافيون، تولي دور قيادي بالتركيز على هذه المسائل وفصل العالم غير الغربي عن الغرب، بدل التركيز على العناصر التي تعكس التفاعل الايجابي الشامل الذي حصل عبر التاريخ (بما فيها العلم والرياضيات والأدب الخ...) بين مختلف شعوب العالم". 

وأوضح "ان جدلية التصادم يغذّيها بقوة الغموض الذي ينطلق من العالم الأكاديمي الى الفضاء الصحافي. وهذا ما نحذّر منه. فتصنيف الثقافات والحضارات على النحو الذي عرضنا، مثال واضح للغموض الذي يمكن التحليل الصحافي أن يلقي به على الأحداث، بدل المساعدة في جلائها وفهمها، وتبديد المعتقدات الخاطئة التي تتحكم بالنظرة اليها". 

وخلص الى القول: "أن فهمنا للعالم يتوقّف الى حدّ بعيد على نوعية التغطية الصحافية، وكذلك على الطريقة التي نشرح بها الأحداث ونقوّمها ونستخرج معانيها. 

ولأن وظيفة الصحف محورية من أجل حسن سير عجلة العالم، فإننا نطلب منكم المزيد من الجهد في هذه المهنة الرائعة. وإن مسؤوليتكم لكبيرة".

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic