ماذا يريد رفيق الحريري من “حزب الله”؟

إبراهيم الأمين

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 27 حزيران / يونيو 2002

 

     لتبسيط الصورة وفق تلفزيون “المستقبل”، فإن رئيس الحكومة المهتم دوماً ومن دون توقف بالإنماء العام في البلاد، يواجه مشكلة معينة في منطقة الأوزاعي، ومثل العادة فإن نائبا واحدا على الأقل من كتلة رئيس الحكومة يتولى شرح ما يغضب رئيسه. يقول النائب وليد عيدو إن المشكلة تتمثل في أن “حزب الله” يعيق العملية الإنمائية. ولأن الأمور مقررة فإن الجهد لا يتوقف عند هذه النقطة، إذ جرت محاولة قوية لتحييد الرئيس نبيه بري بصورة نهائية، وعندما شعر بأن الأمر ليس بهذه السهولة، أبلغ الحريري مساء أمس الأول رئيس المجلس انه يتفهم حراجة موقف “أمل” ازاء الجمهور الموجود في المنطقة والخشية من سحب البساط الشعبي لمصلحة خصمه الأهلي السياسي أي “حزب الله”، وهو سيحرص طوال الوقت على عدم اعتبار الحركة موجودة في التحرك المضاد له، وهو التزم بهذه النقطة نهار أمس عندما ركزت ماكينته الإعلامية على مواجهة “حزب الله” من دون أي ذكر لنواب أو لوزير من حركة “أمل” كانوا موجودين هناك، ولدرجة أن معدي التقارير الإخبارية لم يلحظوا وجود هؤلاء في الصور المنقولة من منطقة المواجهة. وهنا بدا أن الحريري لم يرتب أوراق معركته بصورة جيدة. 

وعلى خط آخر، كان رئيس الحكومة يستكمل العدة، فلقد سعى أيضاً لتحييد رئيس الجمهورية إميل لحود، فأثار الأمر من زاوية أن هناك قرارا متخذا وفق قانون مقر في مجلس النواب، وأن التأخير في تنفيذه يتعارض وموقف رئيس الجمهورية الملح دوماً هو الآخر على التقيد بالقوانين، ولم يفت رئيس الحكومة أن يشير بعد اجتماعه الأخير مع لحود إلى الأمر، من دون تحميل الرئيس موقفا معينا، وتبيّن لاحقا ان الرئيس استمع منه الى رزمة مواضيع يتعلق بعضها بجدول أعمال الحكومة التي تعقد اليوم اجتماعاً نادراً لناحية أن الحريري سوف يترأس الجلسة ويديرها، وأن البحث بملف “أليسار” لم يتطرق الى خطوات عملية معينة، ولا يعني هذا الكلام ان رئيس الجمهورية أعلن وقوفه الى جانب “حزب الله” والمعارضين لمشروع بناء الجسر. ومن ثم حاول اجتذاب النائب وليد جنبلاط الى صفه لأن الأخير قال إنه لا توجد الظروف الملائمة لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا حتى اجتماعيا، وفي كل مرة لم يكن رئيس الحكومة يتأثر بموقف الآخرين وكان يتابع طريقه، رغم أن أعضاء من كتلته النيابية قالوا له صراحة إنهم لا يعتقدون انها الطريقة المثلى لمعالجة المشكلة الموجودة، وأن ما كلف به أو تطوع له النائب وليد عيدو يعقد الأمور ولا يساعد على الحلحلة. ومرة جديدة لا يعد الحريري أوراقه بصورة جيدة. 

ولأجل المزيد من عناصر التشويق، كان رئيس الحكومة قد أعد بواسطة مستشاره لشؤون التنمية والتعيينات الإدارية فادي فواز مشروع إنشاء شركة عقارية تعمل وفقاً لقرار “أليسار” نفسها، وهو انتبه بعد وقت قصير، الى ان الأمر لا يسير بهذه السهولة، إذ ان الأمر يحتاج الى قانون في المجلس النيابي، ثم ان تمرير الأمر في مجلس إدارة المؤسسة المذكورة لا يتم إلا بالتصويت، وهو هنا سيكتشف ان مندوبين عن “حزب الله” وعن حركة “أمل” وعن النائب وليد جنبلاط وحتى عن الوزير سليمان فرنجية، لا يوافقونه الرأي. ومع ذلك فإن بين يديه خمسة أصوات مقابل هذه الأصوات الأربعة، لكنه تصويت سياسي يقابله اعتراض سياسي يتجاوز قوة مجلس الإدارة نفسه. وما لبث ان سحب رئيس الحكومة يده من المشروع وقال إنه مجرد فكرة وليس أمرا رسميا. ومرة جديدة يكتشف ان الأوراق غير مرتبة بصورة جيدة. 

لكن واحدا من المحيطين به، أظهر له صورة قوانين أقرت في عهد حكومة الرئيس سليم الحص وتتعلق بالسماح بإنشاء الجسر كواحد من مشروعين لحل مشكلة الطريق في الأوزاعي. ولكن تبيّن سريعا ان الجلسة التي أقر فيها القانون المذكور، شهدت سجالا شارك فيه رئيس المجلس نبيه بري ونواب “حزب الله” وحتى النائب القريب من الرئيس الحريري وهو باسم السبع، وتم تسجيل تحفظ كل هؤلاء على فكرة الجسر، ثم جرى التصويت بمعارضة معظم هؤلاء أيضا. وبناءً عليه فإن الفلاش الإعلامي الذي تولاه فادي فواز أمس، وتضمن كلاما عن أن القانون أقر بموافقة “حزب الله” لم يكن كلاما صحيحا، عدا عن فكرة مقاربة بقية المناطق بتلك التي ل”حزب الله” نفوذ بارز فيها، لم يكن موفقا أيضا، إذ سبق لفواز نفسه ان أشار الى كمية الأعمال الكبيرة التي نفذت في الضاحية الجنوبية نفسها والتي شملت بنى تحتية وشق طرقات وارتفاع جسور على مدى ست سنوات، وهي مشاريع كانت تتأخر بسبب ان الحكومة قليلة الاهتمام بتغذية المقاولين المسؤولين عنها، وبالتالي فإن الرفض الوحيد هو ما خص هذا الجسر الطائر الذي لم يتراجع الحريري لحظة واحدة عنه، إلا إذا جاءه “حزب الله” ومعه لوائح بأسماء قاطني المنطقة وموقعة على تفويض بالرحيل عن تلك المنطقة وبتعويضات يترك له أمر تقديرها، وهو لا يرفض أصلاً تكرار تجربة وادي أبو جميل، شرط ان تتولى شركة عقارية أيضا تمويل هذه العملية. ومرة جديدة يظهر ان أوراق معركة الرئيس الحريري غير معدة بصورة جيدة. 

ولكي لا ينتهي الأمر عند هذه الحدود، يجري على عجل إعداد بيان بمعطيات تتعلق بالمشروع المقترح إطلاقه، ولأن العجلة طريق النجاح في هذه الدائرة، فقد كُتب البيان بإشراف فادي فواز نفسه، وتمت طباعة بيان فيه كلام سياسي عن “قوى أمر واقع”، مرفقا بالدراسات الخاصة بالمشروع مع إضافات من نوع أن التعويضات التي يريدها “أهالي الأمر الواقع” تساوي هذا الرقم أو ذاك، من دون الكشف للجمهور عن الجهة التي تولت تخمين التعويضات، وهل صحيح ان قانون عمل “أليسار” يتضمن هذه الفكرة، وبالتالي هل صحيح ان البحث الرسمي أو السياسي كان يقوم على فكرة نقل سكان ومستخدمي هذه المنطقة الى خارجها بصورة نهائية أو نقلهم الى أماكن أخرى تقع ضمن الرقعة الجغرافية الخاصة بعمل المؤسسة، إن لناحية الوحدات السكنية أو لناحية التجمعات الخاصة بالصناعات الخفيفة أو المحترفة. ولكن البيان الذي وصل الى وسائل الإعلام من مصدر مجهول “رسميا”، بمعنى انه غير موقع وغير مكتوب على أوراق رسمية تخص جهة معينة، بدا أن من الصعب تمريره كما هو، الأمر الذي دفع بفريق رئيس الحكومة الى البحث عن صيغة، فرفض أولا وبصورة قاطعة فكرة الإشارة الى المصادر الحكومية، ثم قال بمصادر مجلس الإنماء والإعمار، ثم قرر في لحظة توتر حسم الأمر بنسبه الى مجلس الإنماء والإعمار مباشرة، ومن ثم طلب الى إدارة هذا الجهاز الغياب عن السمع ليلة أمس الأول، قبل أن يعقد بعض رجال هذه الإدارة مؤتمرا صحافيا لا يحوي على أي توضيح بشأن طريقة إعداد وإرسال البيان الى وسائل الإعلام، ثم من دون وجود تفسير لإيراد كلمة “قوى الأمر الواقع”. ومرة جديدة فات رئيس الحكومة الإعداد الجيد لأوراق هذه المعركة. 

هذا في الشكل، أما في الجوهر، فإن التقدير كان يقول بأن رئيس الجمهورية ومعه “حزب الله” وحتى الرئيس بري وكل الآخرين، يعرفون اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد على مختلف الصعد، وبالتالي فإن هؤلاء ليسوا في موقع القادر على خوض مواجهة قاسية الآن، وفات الحريري ان “حزب الله” على الأقل، وهو الطرف الأكثر تضررا من أي مواجهة من هذا النوع، لا يمكنه تمرير الأمر لمجرد عدم إغضاب هذا الطرف أو ذاك، وفي ذلك إشارة الى ان الموضوع ليس بالسهولة التي يمكن التساهل فيها، وهو أمر أدركه الحريري أصلاً خلال كل السنوات السابقة التي جرى خلالها البحث بأصل الفكرة وبمتفرعاتها. وكان الحريري يرد على تحفظات الحزب بالامتناع عن المباشرة بأي خطوة من المشروع وحجته: لا إنفاق من دون واردات، وليس لدينا أي تمويل لأي من مشاريع هذه المنطقة! 

والشق الآخر يتعلق ربما بموقف دمشق من الذي جرى، إذ يبدو من غير الجائز قراءة مبسطة لمعنى افتعال مشكلة، وفي هذا التوقيت، مع جهة مثل “حزب الله”. والرئيس الحريري يعرف أنه في حالة الحزب، فإن دمشق لا تنظر إليه على أنه مجموعة سائقين عموميين أو قاطنين في محلة الأوزاعي، كما هي حال السفارات الغربية التي لا تعرف من الموضوع إلا أن هناك من يوجه الآن، وفي هذه اللحظة ضربة إلى “عدو” لها وهو “حزب الله”، ثم ان في ما حصل من مغريات ما يكفي لإغضاب دمشق، ومع ذلك فإن جهودها تركزت كما الملفات الأخرى على ضرورة احتواء الأمر ومنع حصول أي تصعيد سياسي، والطلب الى الجميع اللجوء الى الحوار للتوصل الى علاجات للمشكلات القائمة، مع التأكيد بأن دمشق لا تضع نفسها الى جانب هذا أو ذاك في هذا النوع من المشكلات. 

ولذلك، فإن معركة بهذا القدر الكبير من النقص في عدتها الأولية، وبهذه الآلية المتدحرجة من الخطوات التصعيدية، تضطر الآخرين الى السؤال ومن دون براءة عن الهدف منها، وفي أي حساب تصرف؟ وإذا كانت التطورات المتلاحقة من حولها لا تكفي للإجابة، فإن الأكيد أن القوى التي لا تستطيع افتعال مشكلة مع “حزب الله” تحت عنوان المقاومة، تبحث عن أشكال أخرى لنفس الهدف، وهو الهدف الذي لا ينفع فيه لا مال ولا فنون!

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic