وقائع أنتجت أزمة ثقة ومهّدت لانفجار الأوزاعي

نصير الاسعد

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 29 حزيران / يونيو 2002

 

     تقدم الأوساط المقرّبة من رئيس الحكومة رفيق الحريري، في معرض تفسير مقدمات المواجهة الاخيرة مع “حزب الله”، رواية لمحطات قريبة من الخلاف الذي تراكمت معطياته وصولا الى “الانفجار”. 

تقول الاوساط ان الرئيس الحريري، وهو رئيس وزراء لبنان، مقتنع تماما بالمقاومة في الجنوب وبدورها، وهو عندما يدعمها، كما في محطات عدة خلال السنوات الماضية، إنما يمارس قناعته أولاً ويؤدي واجبه ثانيا. بيد ان ذلك لا يلزمه بالتعاطف مع مشروع مقاومة ما لحزب الله في فلسطين عنوانه دعم الانتفاضة الفلسطينية عبر ارسال مقاومين او اسلحة الى الداخل الفلسطيني يقتضي في جملة ما يقتضيه تسللا لهؤلاء المقاومين عبر حدود عربية. ومع ذلك، فان الرئيس الحريري عمل جهده مع السلطات الاردنية لإطلاق سراح ثلاثة مقاومين من “حزب الله” اعتقلهم الاردن، وهو يعلم تمام العلم ان توسطه مع الملك عبد الله الثاني في هذا الموضوع لن يبقى سرا لا تعرف به الولايات المتحدة وإسرائيل، كما يعلم تمام العلم ايضا ان اداء مهمة من هذا النوع ليس اقل من مغامرة سياسية في مثل الظروف الناجمة عن احداث الحادي عشر من ايلول الاميركي، والتي بات معها ليس فقط “حزب الله” تحت المجهر الاميركي الاسرائيلي خصوصا، بل لبنان كدولة تحت المجهر، والحرص ضروري تاليا على عدم اعطاء ذريعة لاعتبار لبنان بلداً راعياً لما يسمى “الإرهاب”، خاصة ان الامر في حالة المقاومين الثلاثة لا يتعلق بمقاومة على الارض اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي لجزء من الارض، وهي مقاومة يتمسك الرئيس الحريري بالتمييز بينها وبين “الإرهاب” الذي تحاول واشنطن وتل ابيب دمغها به. 

لكن هذا الالتزام المغامرة من قبل الحريري قوبل من “حزب الله” بموقف يدعو الى لون من ألوان “التوجس”. ذلك ان الحزب، وعند إطلاق سراح مقاوميه قبل نحو شهر، اصدر بيانا، الاقل اهمية فيه بالنسبة الى الاوساط المقربة من رئيس الحكومة انه لم ينوّه بجهود الحريري، والطبيعي فيه ان يتوجه بالشكر الى رئيس الجمهورية باعتباره رئيس البلاد، لكن غير الطبيعي والمفهوم والمنطقي من وجهة نظر الاوساط ان ينوّه الحزب بأحد الاجهزة الامنية ويتعاطى مع هذا الجهاز بوصفه عنوانا على قدم المساواة مع مواقع اخرى ومن بينها موقع رئاسة الجمهورية. 

هذه المسألة “حزّت” في نفوس اوساط الحريري الذي قرّر على ما يبدو “حفظها” على الرغم مما حركته من تساؤلات. 

وتضيف الاوساط نفسها ان ثمة امراً لا يعرفه “حزب الله” لان الحريري لم يبلغ الحزب به. فأثناء وجود رئيس الحكومة في لندن في زيارة رسمية الاسبوع الماضي، كان معلوما ان ثمة ضغوطا اميركية على الدول الاوروبية لإدراج “حزب الله” على اللائحة الاوروبية للارهاب، وان ذلك كان مرتبطا، الى هذا الحد او ذاك، بالمفاوضات حول رفع اسم لبنان عن لائحة “غافي” للدول غير المتعاونة في مجال مكافحة تبييض الاموال. فكان عندئذ تحرك “مدعوم” من الحريري للرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي بادر الى الاتصال بوزير الخارجية الاميركي كولن باول ل”يفهمه” ان فرنسا لن تسير في ادراج “حزب الله” على لائحة الارهاب وانه ستكون لها اجراءات ومواقف اذا لم يتم رفع اسم لبنان عن لائحة “غافي” الامر الذي ادى الى تبديل واشنطن وجهتها عبر مساواة اسرائيل بلبنان في رفع الاسم عن لائحة “غافي”. وتوضح ان الرئيس الحريري الذي يعتبر انه قام بواجبه هنا، لم يتصرف على اساس السعي الى “تسويق” هذا الامر لدى “حزب الله”. 

وتتابع الاوساط ان الرئيس الحريري “فوجئ” بعد ذلك بأن محطة “المنار” التابعة لحزب الله تستضيف الاسبوع الماضي في احد برامجها النائب السابق نجاح واكيم الذي اتخذ من المحطة منبرا لمهاجمة رئيس الحكومة وتجديد اتهاماته له بأنه جزء من مشروع إسرائيلي!. استاء الحريري ليس من واكيم الذي لا يهمه امره في شيء، بل من اتخاذ المحطة منبرا ضده، وابلغ هذا الاستياء الى الحزب بوسائط مختلفة، فكانت النتيجة ان اعادت المحطة بث الحلقة. وهنا تقول الاوساط انه على الرغم من ان ثمة تقليدا لدى المحطة وغيرها من المحطات في اعادة البرنامج في اليوم التالي، فإن ذلك لا يمنع عدم بث المقابلة ثانية اذا كانت عنوانا لمشكلة سياسية. وهذا يعني أحد امرين: فإما ان المحطة تعرضت لضغوط معينة فضعفت امامها، لكن في المقابل فإن الرئيس الحريري يتعرض هو نفسه لضغوط اقوى لمهاجمة “حزب الله” ولا يفعل... واما ان المحطة ومن ورائها الحزب موافقان بطريقة او بأخرى على مهاجمة الحريري، وفي الحالتين ثمة مشكلة. 

وتصل الاوساط الى ما حصل في الاوزاعي الأربعاء الماضي، وتسأل: لو تمكّن مستشار رئيس الحكومة فادي فواز من وضع حجر الاساس لمشروع الجسر، كم من الوقت كان سيستغرق صب اوّل رقعة من الباطون المسلح؟ وتجيب ان الوقت الذي كان الامر سيحتاجه ليس اقل من ستة اشهر. وتعود الى السؤال: ألم يكن في وسع “حزب الله” تمرير وضع حجر الاساس بما لا يكسر قرار الحكومة والتوجه نحو حوار معها خلال الفترة المقدرة بستة اشهر... ألم يكن متوقعا الوصول الى تفاهم اذا كانت نيّة الوصول الى تفاهم موجودة اصلا؟. 

عند هذا الحد تتوقف رواية الاوساط المقربة من الرئيس الحريري، وهي رواية لا تقدم الاستنتاجات ولا توحي بتوجه في ما يخص مستقبل العلاقة مع “حزب الله”. لكن اذ تتوقف الرواية، يأخذ المحللون على ذمتهم ومسؤوليتهم تقديم الاستنتاجات. 

من الواضح، يقول المستنتجون، ان الرواية الآنفة تقدم عناصر ما يمكن تسميته “ازمة ثقة” عميقة بين الحريري و”حزب الله”. والحديث هنا عن “ازمة ثقة” ليس فيه أي اكتشاف جديد بطبيعة الحال، غير ان ما تسلط الرواية الضوء عليه من وجهة نظر أصحابها ومن دون قوله مباشرة، هو ان “حزب الله” غدا، بحسب الاوساط المقربة من رئيس الحكومة، طرفا “مصروفا” في السياسة المحلية ل”رصيد” فريق من الحكم وجزءا من معارضة الحريري من موقع ذلك الفريق من الحكم. وبكلام آخر، فإن الحزب في اعتقاد اصحاب الرواية السالفة ومن غير ان يقولوه مباشرة، لم يعد فريقا يستدعي الاجماع حوله وينزه نفسه عن الاستقطابات الداخلية، بل اضحى طرفا يجيّر لحساب معارضي الحريري. 

من هنا، وإذ يتوقف المستنتجون عند الاشارة الاخيرة في الرواية والمتعلقة بجسر الاوزاعي، والمفتوحة بصيغة سؤال على ان احتمال التسوية كان ولا يزال مفتوحا حول موضوع الجسر، يقولون على مسؤوليتهم ان المسألة اذاً ليست مسألة جسر، بل هي مسألة سياسية بامتياز، أي أن الجسر هو “الاسم الحركي” للمشكلة السياسية، لا بل ان الجسر هو المدخل الذي جرى اختياره ل”الرد” على تراكم انحيازات الحزب ضد الحريري بعد الانتهاء من “تكوين الملف” الذي “يضبط الحزب متلبسا” ضد رئيس الحكومة على ما يبدو من مضمون رواية الأوساط المقربة منه... 
 

مناصرو “حزب الله” 

في المقابل، ومن غير تقديم رواية متسلسلة ووقائعية، يؤكد سياسيون ومتابعون مناصرون ل”حزب الله”، ان الحزب الذي يقود المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وعلى رأسه الامين العام السيد حسن نصر الله، لا يمكن له وخاصة في الظروف التي تعيشها المنطقة والضغوط والتهديدات الاميركية الاسرائيلية المسلطة على لبنان وسوريا، وفي ظل الحرب الشارونية المفتوحة علي الفلسطينيين، لا يمكن له ان ينصرف عن أولوية مواجهة هذه الضغوط والتهديدات. 

وأكثر من ذلك، يدعو مناصرو “حزب الله” الى الانتباه الى نقطة رئيسية جوهرية، لا بل بنيوية، وهي ان “حزب الله” لم يعِ نفسه في أي يوم من الأيام الا بصفته مقاومة ضد المشروع الاسرائيلي، ولا تستهويه وضعية حزب سياسي ذي برنامج متعدد الاولويات، وهو سيبقى، ومهما تقلبت الأحوال، ساعيا الى مواصلة الانخراط في الصراع ضد اسرائيل لان هذا الصراع قدر لا فكاك منه. 

من هذه المنطلقات، فإن “حزب الله” بنظر المناصرين، لا يستطيع التحول الى الداخل اللبناني باحثا عن مشاكل مع أي كان في وقت يرى فيه الاولوية القصوى لوحدة الداخل ووحدة موقفه. ويعطي المناصرون مثالا حديثا على ذلك من كيفية تعاطي الحزب مع أحد مقررات المؤتمر الماروني العالمي الأخير في لوس انجلس، والذي لم يكتف بالدعوة الى اقفال ملف الجنوب اقفالا محكما، وإلى اعتبار ان قسط لبنان من الصراع مع اسرائيل قد انتهى، بل دعا بشكل شبه مباشر، وكنتيجة لما تقدم، الى تجريد “حزب الله” من سلاحه، فكان ان امتنع الحزب عن الخوض في سجال وقرر سلوك جادة الحوار مع فريق الاعتدال المسيحي، وهو حوار قائم أصلا. 

من هنا يعتبر المناصرون ان جسر الاوزاعي مشكلة “افتعلها” الرئيس الحريري وفريقه، ويرون ان لها استهدافا مركزيا هو تجريح صورة الحزب واستضعافه للقول ان “حزب الله” ليس حزبا مقاوما... فحسب، بل هو حزب غارق في ملفات داخلية “ملتبسة”... وإلا فما معنى ان تثار قضية التخابر الدولي العام الفائت موجهة ضد “حزب الله” لاتهامه ب”القرصنة”، لتتوج هذا العام مؤخرا باتهامه بوصفه “قاطع طريق” أمام التنمية والاعمار، علما بأن تجربة الضاحية تشهد للانماء بتعاون مع الحزب والبلديات التي يقود؟. 

لذلك يقول المناصرون انه، وبعيدا عن كل التفاصيل، فإن ثمة شبهة سياسية تحوم فوق المشكلة التي افتعلها الحريري وفريقه، الشق الاول ليس أقل من تحريض الداخل على الحزب لإغراقه في مشكلات هو في غنى عنها، والشق الآخر ليس أقل من “رسالة” الى الخارج، الاميركي خصوصا، بأن ثمة بداية استجابة للضغوط في الجانب المتعلق بحزب الله منها. 
 

“المستنتجون” 

وهنا يعود المستنتجون الى الكلام، فيقولون ان في تعريف “حزب الله” لنفسه كمقاومة دقة كبيرة، وان في حديث مناصريه عن اولوياته مصداقية عالية. بيد ان ما يطرحه المناصرون هو تأكيد في المقابل على “ازمة ثقة” عميقة من الحزب بالرئيس الحريري. 

ويضيفون انه بصرف النظر عن المآخذ التي عددتها رواية الاوساط القريبة من رئيس الحكومة على الحزب، وبصرف النظر عن ان تلك الرواية توحي بأن جسر الاوزاعي كان بمثابة “الرد” من قبل فريق الحريري على تلك المآخذ “الذرائع”، فإن “حزب الله” لم يعر على ما يبدو، وعلى الرغم من وعيه الكبير لضرورة عدم الاصطدام بقوى الداخل اللبناني، اهتماما ل”الاداء” الداخلي أو انه تساهل في هذا الاداء، ربما ثقة منه بأنه لا يمكن في حال من الأحوال، وهو حزب المقاومة، ان “يتجرأ” أحد عليه. 

والحال انه اذا كان لا مصلحة للحزب في مشكلة مع أحد، فالأحرى ان لا مصلحة له في مشكلة مع الحريري، بالاضافة الى ان ضمانة الحزب داخليا ليست موقعا في ذاته في الحكم وليست موقعا لوحده، وإذا كان صحيحا القول ان “الاجماع الوطني” حول المقاومة ليس بديهيا خصوصا بعد أيار من العام 2000، ان لم يكن غير بديهي أصلا قبل التحرير، فإن ذلك يرتب على “حزب الله” مسؤولية مضاعفة لجهة الاداء الداخلي وعناية خاصة بصيغه. ويضيف المستنتجون ان ما حصل في الاوزاعي ولو نجح الحزب في منع الجسر، يعطي حججا لمزيد من “التجرؤ” عليه، خاصة بالنسبة الى من يقفون على طرف نقيض منه تماما في موضوع الصراع مع اسرائيل ودور لبنان فيه، كما بالنسبة الى من يكسبون مباشرة من تراكم أخطاء في الاداء بما في ذلك ضمن بيئته... وكل ذلك من شأنه ان يشرع الأبواب أمام “مناقشة في المقاومة” بطريقة غير متزنة. 

ويقول المستنتجون انه على الارجح ان الرئيس الحريري كسب الجولة على “حزب الله” سياسيا حتى لو منع مستشاره من وضع حجر الاساس، بمعنى انه احرج الحزب برده من مدخل الجسر على ما يعتبره انحيازات الحزب ضده، وعلى الأرجح ان “حزب الله” خسر سياسيا ولو كسب في موضوع الجسر مباشرة. لكن رد الحريري لم يكن محتما بالصيغة التي حصلت وفي الظرف الذي تم فيه، وكذلك فإن “حزب الله” استدرج نفسه الى أداء “مثير”.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic