مطلوب حرب أهلية في فلسطين!

سليم الحص

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 30 حزيران / يونيو 2002

 

     كتب المعلّق الصحافي الاميركي وليام سافاير في جريدة "نيويورك تايمس" مقالاً نقلته جريدة "الانترناشونال هيرالد تريبيون" في 28 حزيران ،2002 قال فيه: "قد يجد الوطنيون الفلسطينيون ان الطريق الوحيد الى الدولة الفلسطينية يمر في حرب أهلية. فأكثر السكان في غزّة والضفة الغربية يحلمون بحياة هادئة ومنتجة في بلد حرّ. وهذا ما يحرمهم اياه اليوم، لا اسرائيل ولا اميركا، بل قلّة من الارهابيين بينهم يطمحون الى السيطرة الاستبدادية على جميع الفلسطينيين واليهود معاً. فهل سيعبّر هؤلاء الوطنيون الفلسطينيون عن ارادتهم في الحرية والاستقلال حتى ولو تطلّب ذلك صراعاً حتى النهاية مع الارهابيين؟ لا ندري. كما لا يستطيع احد ان يكون واثقاً من ان من يسمّيهم الرئيس بوش قادة مختلفين وجدداً يتجرؤون على البروز". 

هكذا بكل صراحة، المطلوب حرب أهلية بين الفلسطينيين. 

كل المقدمات كانت أساساً تمهد لهذا المطلب اسرائيلياً ومن ثم أميركياً. كان ذلك من خلال اصرار ارييل شارون، رئيس وزراء اسرائيل، على ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية، الاجهاز على حركات المقاومة، التي سمّاها ارهابية، من دون فتح كوة للحل السياسي لقضية فلسطين في شقّها المتعلق بحدود الدولة الفلسطينية واستطراداً بمصير المستوطنات اليهودية داخل الارض الفلسطينية، كما في شقها المتعلّق بالقدس العربية وشقها المتعلّق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم. وقد تبنى الرئيس الاميركي هذا الموقف مجدداً في اعلانه رؤيته للمخرج من الازمة الفلسطينية في 24/6/.2002 والسؤال هو: كيف يستطيع رئيس السلطة الفلسطينية الاجهاز على حركات المقاومة من غير التصدّي لها بقوة السلاح في غياب الحل السياسي للقضية الفلسطينية؟ الا يعني ذلك عملياً اشعال حرب اهلية فلسطينية لا تُعرف حدودها؟ 

ثم طرح شارون ضرورة اجراء اصلاحات داخل السلطة الفلسطينية شرطاً لاستئناف التفاوض حول الحل السياسي، من غير ان يخفي رفضه التعامل مع ياسر عرفات. ولم يلبث هذا الطرح الاسرائيلي أيضاً ان اضحى مطلباً أميركياً يتبناه الرئيس بوش. ففي رؤيته للمخرج أعلن الرئيس بوش صراحة ان المطلوب اجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية يجب ان يستبعد منها ياسر عرفات. هذا الطرح الاسرائيلي، الذي انقلب مطلباً اميركياً، يستثير جملة مسائل، منها السؤال: اي ديموقراطية هي تلك التي يشترط فيها سلفاً نتائج معينة لانتخابات مطلوبة؟ فماذا لو اسفرت الانتخابات عن فوز ياسر عرفات مجدداً برئاسة السلطة الفلسطينية؟ وهذا الاحتمال مرجّح حداً في ردة فعل محتملة للشعب الفلسطيني على الاملاءات الاسرائيلية الاميركية الجائرة. اما اذا تنحى عرفات عن الرئاسة كما يشاء بوش وشارون، فالتنافس على الخلافة بين الفصائل الفلسطينية قد يغدو سبباً لحرب أهلية. 

والسؤال الثاني الذي يفرض نفسه: كيف تكون الانتخابات حرة في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي للمدن الفلسطينية؟ ام المقصود هو املاء اسرائيل نتائج الانتخابات الفلسطينية. فهل في هذا شيء من الديموقراطية؟ ثم ان تنصيب اسرائيل حاكماً لفلسطين على هذا النحو، ماذا سيكون مردوده فلسطينياً؟ من الطبيعي ان يرفض الشعب الفلسطيني هذه النتيجة، وستكون عاقبة ذلك تفجير الساحة الفلسطينية في ما يؤدي الى فتنة قد لا تبقي ولا تذر. هنا ايضاً يبدو مطلب اشعال حرب اهلية بين الفلسطينيين ظاهراً للعيان. 

هذا الواقع لا يدع مجالاً للشك في ان مطلب الحرب الاهلية هو سبيل اميركا، ومن ورائها اسرائيل، لانهاء الانتفاضة الفلسطينية من دون ان يجني الشعب الفلسطيني اي مكاسب سياسية منها. فالمشروع الاسرائيلي، الذي عبّر عنه الرئيس بوش في اعلانه رؤيته للمخرج من الازمة، يجعل انهاء الانتفاضة الفلسطينية مقدمة للمفاوضة حول الحل السياسي، بدلاً من ان يكون الحل السياسي سبيلاً لانهاء الانتفاضة. ومن الواضح ان هذا التوجه يرمي الى اجهاض الانتفاضة من خلال الهاء الفلسطينيين بالاقتتال في ما بينهم وصرفهم تالياً عن مقاتلة اسرائيل. والهدف الابعد واضح وجلي: ان لا يكون للانتفاضة ثمرة، ان لا يكون للفلسطيني فرصة المفاوضة من موقع القوة، ان يكون السلام الذي يتحقق في حكم الاستسلام، ان يقبل الفلسطيني بأقل كثيراً مما يطالب به حيال قضايا الحدود والقدس وعودة اللاجئين. بذلك تأتي نهاية الانتفاضة نهاية لقضية فلسطين. 

سبق لي ان ذكرت في اكثر من مناسبة ان الانتفاضة هي عملياً الورقة التفاوضية الوحيدة المتبقية في يد الفلسطيني بعدما فقد ورقة الاعتراف باسرائيل في اتفاق اوسلو كما في تعديل الميثاق الوطني لجهة التخلي عن النص الذي كان يدعو الى تدمير الكيان الصهيوني. فلم يعد في يد المفاوض الفلسطيني، فيما لو استؤنفت المفاوضات مع اسرائيل، سوى الانتفاضة بما هي في واقع الحال الوجه الآخر لامن اسرائيل. فمع استمرار الانتفاضة يستطيع المفاوض الفلسطيني ان يقدّم لاسرائيل امنها في مقابل ما يطالب به في اطار قضايا الحدود والقدس وحق العودة. فإذا ما اخمدت الانتفاضة فإن الجانب الفلسطيني ينقلب من مفاوض الى مجرّد مطالب. ولن تكون اسرائيل مضطرة اذذاك للتجاوب مع اي من المطالب الفلسطينية. 

ان الرؤية التي اعلنها الرئيس بوش في 24/6/2002 تأتي مصداقاً للقول ان ليس لاميركا سياسة في الشرق الاوسط، بل هناك سياسة اسرائيلية تتبناها اميركا. هذا مكمن محنة العرب مع الدولة العظمى. ولم يجن العرب اي ثمرة من سلوك بعض حكامهم طريق المسايرة والممالأة واحياناً الاستزلام في علاقتهم مع اميركا. ولم يكن لمحادثات بعض الحكام العرب مع الرئيس الاميركي اي جدوى، كما لم يكن للمبادرة العربية التي اقرتها قمة بيروت العربية اي صدى، مع ان العرب ذهبوا في هذه المبادرة بعيداً في تقديم التنازلات التي ظهر انها كانت مجانية. 

فمما يؤخذ على المبادرة العربية انها طرحت نصف حل فيما كان من المفترض ان يصل العرب الى تسوية، او نصف حل، بعد المفاوضة. فالتفاوض يبدأ عادة بمواقف متعارضة ومتناقضة، على امل الوصول الى تسوية بنتيجة المفاوضة تحفظ لكل طرف بعض حقه. فإذا بالعرب، في مبادرتهم، يبدأون بطرح نصف حل مما قد يؤدي بهم بعد المفاوضة الى ربعه. وما فعل ذلك الحكام العرب الا رضوخاً لضغوط الادارة الاميركية او ارضاءً لها. 

لقد جاء اعلان الرئيس بوش رؤيته للمخرج من الازمة شاهداً على الخطأ الجسيم الذي ارتكبه الحكام العرب في طرح مبادرتهم من غير مقابل، كما جاء مصداقاً لعقم الرهان العربي على دور نزيه ومنصف تقوم به الادارة الاميركية في ايجاد حل عادل لقضية المنطقة. 

لقد كانت بعض الدول الاوروبية والامانة العامة للامم المتحدة اكثر انفتاحاً على الموقف العربي. ولكن قدرة هذه الدول على الضغط على اسرائيل محدودة جداً قياساً بما تستطيعه الولايات المتحدة الاميركية لو شاءت، نظراً للدعم المالي والعسكري والسياسي الذي تلقاه اسرائيل من اميركا. ومع ان العرب لا يستطيعون ان يعوّلوا على دور حاسم من دول اوروبا، الا ان تنمية التفهم الاوروبي للموقف العربي تعتبر حيوية في مواجهة التعنّت الاسرائيلي والعداء الاميركي. 

قدر الفلسطينيين ان يتحملوا المزيد قبل ان يتبدل الموقف الاميركي لمصلحتهم فيغدو في الامكان التطلع الى حل عادل لقضيتهم، وتبقى الانتفاضة في هذه الاثناء خيارهم الاوحد. 
 

* د. سليم الحص، رئيس وزراء سابق

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic