بحث إسرائيلي متواصل عن القوة الصاروخية ل”حزب الله”

إبراهيم الأمين

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 1 تموز / يوليو 2002

 

     ذات يوم من أيام سالفة، خرج سرب من 25 طائرة إسرائيلية إلى السماء اللبنانية. مقاتلات حربية وصلت حتى الشمال، ومروحيات حلقت على ارتفاعات منخفضة قرب الحدود، وطائرات تجسس من دون طيار غطت أمكنة عديدة من الجنوب. وربما كانت هذه المرة الأولى منذ زمن بعيد لم يخرج فيها الطيران الإسرائيلي بهذا الحجم الى الأجواء اللبنانية، ومن يرصد الحركة الكثيفة هذه في نهار واحد، يعتقد أن الإسرائيليين ينوون تغطية عملية برية كبيرة ضد لبنان. والى جانب خرق جدار الصوت في أكثر من مكان، كانت الطلعات الإسرائيلية تجري مسحا شاملا يترافق مع نشاط خاص للأقمار الاصطناعية، والتي تجري عملية مسح جوي لكل المنطقة الحدودية، بحثا عن أي تغيير يتم في البقع والتلال المجاورة للحدود، وبحثا عن أهداف عسكرية يعتقد أن رجال المقاومة يعملون فيها. 

و”حزب الله” الذي كان قد قرر عدم القبول بهذه المعادلة، وجد أنه من غير المناسب السكوت عن قرار إسرائيلي بتجاهل قاعدة: مضادات مقابل الطلعات، وهي قاعدة كان الحزب قد حصرها سابقا بنقطتين داخل فلسطين المحتلة. وكلما دخلت طائرة معادية الى الأجواء اللبنانية، كانت مضادات المقاومة تطلق قذائفها باتجاه سماء كريات شمونة في إصبع الجليل، فيما تطلق قذائف أخرى فوق مستعمرة شلومي الواقعة على الجانب الغربي من الحدود. وكانت الأهداف السياسية والنفسية محددة: إثارة ذعر وحالة ارتباك لدى سكان هذه المناطق، وإجبار الجيش الإسرائيلي على إعادة النظر بقرار الطلعات الجوية. وحين رفض الإسرائيليون الأمر بصورة قاطعة وأصروا على طلعات تحت عنوان تلبية الحاجات الأمنية، جرت اتصالات دبلوماسية بين الحكومة الأميركية وبين لبنان، وتحديدا مع الرئيس إميل لحود، الذي أكد أنه لا مجال لتعديل هذه القاعدة إلا في حالة توقف الخروقات الجوية الإسرائيلية. وفي لحظة معينة، تلقى لبنان رسالة أميركية مصدرها مسؤول رفيع المستوى، تقول إن إسرائيل سوف تقلص كل أعمالها الجوية، وهي ستربطها فقط بتقديراتها لوجود أعمال عسكرية معينة ضد جنودها أو ضد المستوطنين القاطنين عند الحدود الشمالية. 

ولما لم يلتزم الإسرائيليون بالأمر تماما، حاولوا اللعب على الوقائع، وهم أصلا اعترضوا لدى الأمم المتحدة من أن مدفعية “حزب الله” لا توجه قذائفها نحو الطائرات بل هي تطلق فوق الأحياء السكنية في المستوطنات بقصد إرهاب الأهالي هناك. والدليل بحسب الادعاء الإسرائيلي ان الطائرات لم تخرج الى الأجواء اللبنانية انطلاقا من سماء هذه المستوطنات. وإذا كانت وقائع من هذه الرواية صحيحة، فإن الأمر يعود الى كون الجيش الإسرائيلي قرر أن تخرج طائراته من قاعدة حيفا الساحلية وهي قاعدة مركزية لسلاح الطيران، وأن تقوم هذه الطائرات بالانطلاق نحو البحر ومن ثم العبور من فوق المياه الإقليمية اللبنانية نحو الأراضي اللبنانية، وعلى اعتبار ان هذه الطريق تمنع “حزب الله” من تحديد نقطة الانطلاق وبالتالي تمنع التذرع بأن الطيران انطلق من قواعد في وسط الشمال أو شرقه. 

لكن الحزب كان قد قرر أمرا حاسما: بمجرد أن تلتقط أجهزة الرصد الخاصة به إشارة الى وجود طائرة معادية في السماء اللبنانية تبادر وحدات الدفاع الجوي الى الرد حسب الخطة المقررة. وما جرى من جديد، أدخل تعديلا بحيث يتم تجاوز القاعدة السابقة التي كانت تحصر الأهداف بكريات شمونة وشلومي، لتشمل هذه المرة، كل الشريط الاستيطاني الممتد من مستعمرة كفريوفال الواقعة الى الشمال الشرقي لكريات شمونة، حتى مستعمرة كفر راس الناقورة والبصة المقابلة للمرتفعات القليلة في منطقة الناقورة على الجانب الغربي من الحدود. الأمر الذي يعني بالنسبة للمقاومة ان رفض الإسرائيليين لقاعدة وقف الطلعات مقابل وقف المضادات، يفرض على الحزب تذكير الإسرائيليين والآخرين بأنه لا مجال للقبول بأمر واقع، لا سيما وأنه لا توجد عوائق أمام تطبيق هذه القاعدة. 

على أن الإسرائيليين كانوا ناقشوا الأمر فيما بينهم وفق تسلسل يتربط بحجم الأذى الذي تسببت به مضادات “حزب الله”، وإذا كان لافتا انه في المرة الأولى صدرت تعليقات من جانب رؤساء مجالس المستوطنات الشمالية تطالب برد قاس على “حزب الله”، إلا أنه في مرحلة لاحقة، تقرر التقدم من القيادة العسكرية ومن الحكومة بلائحة مطالب تتضمن الأخذ بالاعتبار ان كل قصف بالمضادات من جانب “حزب الله” يتسبب بأذى معنوي للسكان نتيجة الأصوات المدوية لانفجار القذائف في سماء المستعمرات. كما أن ذلك أدى في معظم الحالات السابقة الى نزول الأهالي الى الملاجئ، أو الى إقفال المتاجر وحتى بعض المدارس، كما أدى الى أن يترك الأهالي أشغالهم لأجل أخذ أولادهم الى المنازل، والى إقفال رياض الأطفال مرات عدة، ولذلك طلب المستوطنون من قيادتهم العسكرية تأجيل الطلعات الجوية الى فترة ما بعد الظهر أو الى ساعات المساء، حيث يكون الكل مستعدا لتلقي نتائج رد فعل المقاومة، لا سيما وأن بعض القذائف لا ينفجر في الجو، بل على علو منخفض ويتسبب بأضرار في المنازل والسيارات ويمكن أن يؤدي الى إصابات بشرية قاتلة. 

وتبين ان الجيش الإسرائيلي عمد الى الأخذ بالتوصية بداية، وبعدما تراجعت الطلعات الجوية فوق لبنان مدة من الوقت، عادت في ساعات متأخرة من النهار، لكن الجيش الإسرائيلي اعتبر انه أعطى الحزب وقتا إضافيا يعمل به من دون رقابة مباشرة، وهو ما دفع به للعودة الى طلعات مفاجئة تتم في أوقات غير محددة لكن ليس في ساعات الصباح الباكر. مما دفع بالحزب الى العودة للعمل بقاعدته نفسها مع قرار بتكثيف المضادات وتوسيع رقعتها. 

أما الجانب الآخر المتعلق بالعمل العسكري على طول الحدود، فإن الإسرائيليين يركزون في الاتصالات وفي الأنشطة الاستخباراتية (القديم منها أو المستحدث)، على أنشطة أمنية وعسكرية ل”حزب الله”. والسؤال نفسه يلح به الإسرائيليون على الآخرين من المتواجدين في المنطقة وفي مقدمهم القوات الدولية العاملة في الجنوب، والتي تلخص من جانبها الوضع على الحدود بأنه بحث إسرائيلي مستمر عن نقطة واحدة اسمها: القوة الصاروخية ل”حزب الله”. والله وحده (الى جانب حزبه) يعرف حقيقة ما هو مرفوع وما هو مطمور حتى لحظة يبدو انها تقترب بأسرع من السابق!

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic