اللبنانيون وصورة “الزعيم”

عايدة الجوهري

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 8 تموز / يوليو 2002

 

     في لبنان تشكل صورة الزعيم السياسي، احدى وسائل التعبير والحوار او (اللاحوار) السياسيين. 

يلوح الناس بصور زعمائهم في المناسبات على أنواعها والمهرجانات علي أنواعها، ويثبتونها في شوارعهم فتفرض على المارة، كقدرهم، واحيانا يكونون أكثر خفرا فيعلقونها في منازلهم، او يلصقونها داخل ألبومات صورهم، ويُحسد من ظفر بصورة مع أحدهم. 

لا تعبر الصورة عن تماه كامل بالزعيم فحسب، بل على عدم قدرة اللبنانيين على التجريد في ما يخص قيمهم ومواقفهم السياسية، وصياغة أفكارهم وطموحاتهم بمعزل عن هذا الزعيم او ذاك، فهم، بشكل مفارق، يمكن ان يرفعوا شعارات الحرية وحقوق الانسان والمساواة بين المواطنين ولكنهم لا يلبثوا ان يتخلوا عن حريتهم وإرادتهم وحقوقهم لصالح هذا الزعيم او ذاك، فيعملون عكس طموحاتهم وينفون قيمهم في الآن معا. 

يرى بعض علماء النفس التربوي المعنيون بشرح عمليات الادراك لدى الانسان (cognition)، وأيا كانت فلسفاتهم، ايمانية روحانية، او مادية إلحادية، لا تعترف الا بالملموس الحسي، يرون ان انتقال الانسان من عبادة الأوثان والاصنام، الى الاعتقاد بقوة مطلقة مجردة خالقة للكون ومدبرة له، يدلل، ذهنيا وعقليا، على بوادر قدرة الانسان التاريخية على التجريد والتخيل والتأمل، وتجاوز ما يقتصر على الادراكات الحسية البحتة، وهذه القدرة على التجريد تفترض ايضا القدرة على الاستقراء والاستنباط والاستدلال والتأمل، اي استخدام كامل الملكات العقلية. 

ولكن بعض المجتمعات، العالمثالثية، وخصوصا العربية، ومنها لبنان، تبدو في ما يخص خياراتها واتجاهاتها السياسية والبنى المعرفية الملازمة لها، غير قادرة على التجريد وعلى صياغة نوازعها وحاجاتها وطموحاتها بأفكار وجمل ومشاريع فكرية، وتحتاج الى وسيط دائم، يعبر عنها على طريقته، وهذا الوسيط هو عموما إنسان، يقرر أفكارها ومواقفها وانفعالاتها، واهمة لفرط تماهيها، انها تشارك فيها. 

يلتصق اللبنانيون بزعمائهم الى درجة أنهم يحولونهم الى صورة، صورة بلا ماهية، لا تحتاج لأن تنطق، يحملونها في كل المناسبات يلوّحون بها كأيقونات مقدسة، ولا يترددون في تعليقها على جدران قاعاتهم وبيوتهم وشوارعهم، حيث تتضخم هذه الصور لتُفرض على المارة كقدرهم. وفي كل موقف سياسي جماهيري ترتفع الصور والهتافات، لتمجد زعيما او قائدا، تهلل له وتناجيه، دونما حاجة لان ينطق، وهي تصنع وثنها سواء كانت اتجاهاته السياسية تغييرية أم لا. 

واذا كانت تطمح الى الحرية فهي تختزل توقها الى الحرية بإيكال أمرها الى شخص بطل، ولا تعود تفكر بدلالات المصطلح ولا تعود تصوغ مفهومها لها ولا مفاعيل هذه الحرية العملانية، لتجعل منها أداة للتغيير البنيوي، او للتأثير على سياسات عامة جائرة، فتتحول المناداة بها، الى تمرين خطابي، الى تعبير انشائي، يذكّران، من حيث عموميتهما، بمواضيع الانشاء في المناهج القديمة، حيث كان يُطلب التحدث عن الحرية كما عن استهلالات الربيع والخريف، ووصف الجد والجدة، وكأنهما ممثلا سينما. ويكاد يقتصر مفهومها للحرية على الدلالات الأولية، وهي التحرر من القيود العائقة للفعل من دون ان يتحول التفكير فيها الى تمرين ذهني وفكري يتجاوز حدود موضوعات الانشاء الغنائية الخطابية. 

واذا كانت تحلم بدولة حديثة وبقوانين وسياسات عادلة وبمجتمع أفضل، تبحث عن قائد تُسقط عليه طموحاتها، يعطي للمفاهيم الصيغ التي يريد، ويسعى اليها كما يريد، وان شاء تركها وأهملها وانشغل عنها، واذا توفاه الله نسي أتباعه، مشروعه وقيمه. 

والحال ان الحر هو العامل بإرادته او طبيعته، يقال ليس للمريض والسجين حرية، لأنهما لا يستطيعان ان يفعلا ما يريدان. وفي المعنى الفلسفي، الحرية مضادة للاندفاع اللاشعوري، او الجنون، كما انها تدل على حالة شخص لا يقدم على الفعل الا بعد التفكير، سواء كان ذلك الفعل خيرا او شرا. 

والحرية هي الحد الاقصى لاستقلال الارادة العالمة بذاتها، المدركة لغايتها. والفاعل الحر هو الذي يقيد نفسه بعقله وإرادته، ويعرف كيف يستعمل ما لديه من طاقة وكيف يتنبأ بالنتائج، وفق تعريف المعاجم الفلسفية. 

هي إذاً مضادة للهوى والغريزة والجهل، وتقوم على الادراك الواعي واستقلال الفكر والفعل، واذا كان هذا التعريف مثاليا فالحرية هي محاولة للتوصل اليه. 

اي على المطالب بمساحات اضافية من الحرية او بالحق في المواطنة والقانون والعدالة ان يكون مدركا، واعيا وعاقلا، مستقل الفكر، ويعمل بمحض ارادته، متحللا من الغرائز والأهواء، وإلا أصبح عبدا لها وأضحى يحتاج الى تحريرين، التحرير الشخصي في هذه الحالة يسبق العام، ويحتاج أولا الى ان يتحرر من عبوديته لزعيمه. 

يبدو مفارقا ان يطمح الى الحرية وان يكون مواطن فرد في دولة حديثة، من لا يستقلّ بآرائه وأفكاره وإرادته ويعمل بإرادة وأفكار غيره. 

يصبح القادة المؤلَّهون عائقا معرفيا وسلوكيا أمام مناصريهم، ولو كانوا من طينة (تشي غيفارا) كي لا أستشهد بقادة عرب ولبنانيين ثوار، ومفكرين ثوريين، يوجد حولهم حد كبير من التوافق. 

في الاتجاهات السياسية للبنانيين تفاوت في النظر الى الحرية، اذا كان هناك من يجسدها بسلوك قائد ويترك له أمر إدارتها، فمنهم من يرى ان الحرية هي حرية هذا القائد نفسه في الفعل والتحرك، فإذا هددت حريته شعرت مجموعته بأنها مهددة وكأنه ينالها شيء منها، كالأقرع السعيد بشعر جاره، فهو يقرر ساعة يشاء حرارة الحريات في البلاد، يثور متى هُددت سلطته فتظن مجموعته بأنها مهدَّدة. ومنهم من يرى ان الحرية تقتصر على التخلص من غير اللبنانيين على ارضه، ولا همّ لما يجري في الداخل فالحرية بالنسبة لهؤلاء رديفة للسيادة. 

هذه مقاربة أولية لمفهوم الحرية والحقوق وممارستها لدى اللبنانيين كل في موقعه، والتي تفيد بأن استعمالات المصطلح متفاوتة وتقتصر على دلالاته الابتدائية، وان الآليات الموضوعة للمطالبة بهذه الحرية تسيء الى دلالاتها وتكرس نقيضها، ان كلف بالدفاع عنها قائد، لا يحاسَب والى الابد، وتبين في كل مرة ان اللبنانيين يدافعون عن أنفسهم، و”قيمهم”، وهم بعلاقتهم مع مفاهيم سياسية فلسفية لم يتجاوزوا عصر ما قبل التجريد ويحتاجون الى وثن والى صورة... بالألوان. 

* أستاذة جامعية

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic