22 تموز 1987 - ناجي العلي المقام العالي

نضال حمد

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 22 تموز / يوليو 2002

 


 

     اليوم 22 تموز 2002 يكون ناجي العلي قد أكمل عامه الخامس عشر في عالم الشهداء الأحياء، عالم الرجال الذين طاولت جباههم قمم الجبال. 

ولد الشهيد عام 1937 في قرية الشجرة الفلسطينية قرب طبريا التي احتلها الغزاة بعد معارك عنيفة ودامية سقط فيها اكثر من الف شهيد معظمهم من جيش الانقاذ وكان معهم ايضا الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود صاحب الأبيات الشهيرة: 

“سأحمل روحي على راحتي وأمضي بها 
في مهاوي الردى 
فإما حياة تسر الصديق 
وأما ممات يغيظ العدى..” 

على نهج هذه الأبيات ووهجها الحار والمضيء عاش ناجي حمايته واختار رسالته وعنوانها الواضح، بعدما نزح مع عائلته الى لبنان حيث عاش طفولته في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا الساحلية في جنوب لبنان، وعمل في مهن عدة قبل ان يصبح بعد فترة وجيزة احد اهم الأعمدة الأساسية للصحافة الحرة والمستقلة في الوطن العربي الكبير. فالرسم هو المهنة التي خلقت ابداع ناجي والتقط هو بدوره سر النجاح فيها، فأصبح رسام الكاريكاتور الأول في العالم العربي، والمبدع بلا منازعة في مجال تحديد الهدف وتشخيص الحدث بدقة. ولم يكن الوطن العربي يومها أحسن حالا من يومنا هذا. إذ كان لا زال يعج بالتخبطات السياسية والسياحة الثورية وانعدام الديموقراطية والمساواة وحكم الشخص والعائلة والأقلية والجنرالات وأولياء العهود وأصدقاء الصهاينة اليهود. 

ومن حسن الصدف ان يكون الأديب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني هو الذي نشر العمل الاول للفنان الكبير والمبدع. لكن من تعاسة الصدف ايضا ان يستشهدا في نفس الشهر ولو اختلفت السنة والأيدي التي ارتكبت الجريمة مع ان الهدف النهائي للقتلة كان واحدا وهو قتل رموز الابداع الفلسطيني وتغييبهم. 
عمل في الكويت بداية الستينات في حقل الرسم، وفي بيروت كان يرسم ل “السفير” منذ بداياتها، كما ان معظم الصحافة الفلسطينية والتنظيمية التي انتشرت في حقبة السبعينات والثمانينات تسابقت على نشر رسومه الكاريكاتورية التي تحكي واقع حال الوطن والقضية والشعب، كما أنها كانت تعتبر اقوى موقف سياسي وتحليلي لواقع الوطن العربي. 

كان هدف ناجي العلي قول كلمة الحق وإيصال الحقيقة كل الحقيقة للجماهير الفلسطينية والعربية المغيبة وشبه المستعبدة والمستبعدة من دوائر صنع القرار. لذا لم يبحث عن المجد ولا عن الشهرة والسمعة والألقاب والجوائز والأموال، مع انه لو اراد مالا لانفتحت عليه كنوز الحكام والأثرياء ممن كانوا ضيوفا في رسوماته اليومية. ناجي كان من النوع المغاير تماما، كان ابنا بارا للمخيم ووفيا للفقير الجائع والبائس المتشرد ولعراة الأزقة الضيقة والطرقات المحفرة وخيام الحرمان في المخيمات التي قادت الثورة وأنجبتها وقوتها وعززتها بدماء ابناء المخيمات المقموعة، تلك التي ثارت على المخابرات والظلم والقمع، كما حدث في هبة 29 نيسان 1969 في مخيمات لبنان، حيث استشهد اصدقاء ومعارف للفنان ناجي العلي. 

لم يقبل ان يكون شاهد زور ولا مجرد شاهدا لم ير “حاجة”، بل على العكس تماما كان الشاهد الذي يدلي بشهادته على الفور والناقد الذي يبدي رأيه بلا خوف وبلا تردد او حساب وعقاب. كان أبا للفقراء وناطقا باسم ملايين العرب الغلابة والجياع والمقموعين والمخدوعين بأنظمة لم تجلب لهم سوى التخلف والتشرذم والتسلط والتبعية والقمع بكل معانيه. 

كان للفقر واللجوء والحرمان والاضطهاد والبؤس الذي تعاني منه المخيمات الفلسطينية اكبر الأثر في تكوين شخصيته الانسانية، عدا عن تكوينه الوطني الفلسطيني والقومي العربي والامتداد الفكري الثوري والأممي الذي ساعد في اختيار ناجي العلي لدرب التمرد والمواجهة والتحدي وتعرية الزيف والخداع والظلم ورفع راية العدالة والمساواة والحرية والديموقراطية والدفاع عن البؤساء والفقراء والكادحين والمعدومين وقبل كل شيء راية الكفاح والمقاومة وتحرير فلسطين. هذه الأصالة العريقة في انسانية هذا الرجل الأصيل والفنان العريق جعلته هدفا لسهام الأعداء والمتربصين، اولئك الذين ضاقوا ذرعا برسوماته ونقده اللاذع لهم ولحاشيتهم وزبانياتهم ومخابراتهم. كان ناجي في كل صباح يقلع شوكة من جسد الوطن العربي الكبير المهشم بالأشواك والجروح، وذلك من خلال رسمه الصباحي الجميل والمعبر الذي كان يشفي غليل الملايين. 

منذ البداية اختار ناجي العلي طريقا معدوم السلامة وغير آمن وممتلئاً بحقول الألغام وبالحواجز والعوائق. اختاره بإرادته وعن اقتناع تام بأن الدرب المعبد بالأشواك هو الدرب الصحيح لأنه الأقرب للجماهير الكادحة والمقهورة، الأقرب للاجئين والمشردين والمتعبين، للفقراء وللبؤساء، لجيش الثورة الآتية لا محالة والبنادق التي سوف تعيد للشجرة الفلسطينية ثمارها المنهوبة وللجليل الفلسطيني سكانه المشردين ولفلسطين الحرية والاستقلال والجبين العالي والمقام الذي يليق بها في وطن العروبة الكبير. 

كان شعار ناجي العلي وما زال قائما مهما حاول النسيان وغبار المرحلة طيه او تغطيته: التراب كاملا والتراب الوطني كاملا، لم يكن يرضى بأي بديل من الشجرة وطبريا والجليل وبأقل من فلسطين التاريخية. 

في رسوماته كان التراب الوطني فوق الجميع وأقدس من الرؤساء والحكام والوزراء والمتنفذين وأصحاب القرارات. إذا خرج احدهم عن خط الكمال والتربة الكاملة، او مال عن البوصلة التي حددها الشعب، سرعان ما ذكره ناجي بأن وراءه جمهورا وخلفه امة تنتظر الوضوح في المواقف والشفافية في العمل والمحاسبة والعودة الى الاتجاه الصحيح والطريق الصواب والخط السليم. لم يستثن من انتقاداته احدا لا من اليسار ولا من اليمين ولا من المنظمة او المعارضة او من التابعين او المنشقين. كان الرقابة المركزية والمفتش العام لشعب الشهداء ولمنظمة التحرير التي ابتلت بالأوباش وبداء الفساد ووباء الاستزلام والمحسوبيات وأجهزة الأمن التي توزعت على قادة المصادفة. 

ناجي لم يهادن احدا بل كان العين الساهرة على كل صغيرة وكبيرة تخص الوطن الكبير والقضية الكبرى. ويعتبر ناجي العلي من الفنانين الذين حطموا ارقاما قياسية في عدد التهديدات التي وصلته على خلفية اعماله الفنية وانتقاداته ومواقفه السياسية. مع هذا تابع مشواره ولم يرتعد او تهن له عزيمة بل كان يزداد قوة وعنادا مع كل تهديد يصله من هذه الجهة او تلك ومن هذا الطرف او ذاك. كان ناجي يقول عن نفسه: “أنا إنسان عربي فقط، اسمي حنظلة، اسم أبي مش ضروري، امي اسمها نكبة ونمرة رجلي لا اعرف لأنني دائما حافي.. ولدت في 5 حزيران 1967.”. 

هذا الفنان الأبيّ، صاحب العقل المتفتح والقلب الكبير، الانسان الوفي والمبدئي والذي يحتكم للقلب وللعقل في كل عمل يفقد المعنيين به رباطة الجأش والعقل والصبر، لم ترهبه رزمة التهديدات التي تلقاها من الأقارب والأشقاء ومن العقارب والأعداء ولم يمنعه المنفى البريطاني من التواصل مع العالم العربي عبر الفاكس. 

فبعدما تم ترحيله من الكويت بناء على رغبة البعض الفلسطيني الذي لم يعد يحتمل رؤية رسومات ناجي اليومية وهو عاجز عن قمعه او حرق اصابعه عبر وضعها في الأسيد، كان من الواضح ان حياة ناجي في خطر وأن أعداءه كثيرون ومن كافة الاصناف والأنواع والأشكال وأنهم بالمرصاد ويتربصون به وينتظرون تعليمات اسيادهم، فالفرصة اصبحت الآن سانحة اكثر من ذي قبل لتصفية الحساب معه. 

يوم الاربعاء الواقع في 22 تموز 1987 وأمام المنزل رقم واحد بشارع ايفز اطلق مجهول النار على ناجي العلي فأصابه اصابة مباشرة في وجهه، نقل على أثرها الى المستشفى وبقي في حالة غيبوبة الى ان وافته المنية يوم 29 آب 1987. وهذه الحالة التي عاشها ناجي العلي تذكرني بالشهيد الشاعر علي فوذة الذي استشد جراء اصابته بقذيفة بارجة حربية صهيونية اثناء حصار بيروت فبقي لأيام فاقدا الوعي الى ان استشهد. دفن ناجي العلي في لندن ولم يتمكن من الرقود في مقبرة الشجرة او مقبرة مخيم عين الحلوة لنفس الأسباب التي جعلته يموت في المنفى. هذا ليس غريبا علينا لأن معظم عظماء فلسطين ما زالت قبورهم منتشرة في العالمين العربي والأجنبي. 

ان الوفاء لناجي وتخليد ذكراه يكون بالحفاظ على حنظلة طفله المستيقظ دائما والساهر على حراسة الأمة والقضية وعبر البحث عن قتلته وإحضارهم الى المحكمة ومحاسبتهم على جريمتهم البشعة. وهذا العمل يتطلب جهدا فلسطينيا كان في الماضي مفقودا بسبب دور البعض المشبوه في اغتيال ناجي العلي. 

(أوسلو)

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic