المؤتمر العام لحركة "أمل" نتائج ودلالات
بيضون خارج الحركة ومعه كل تجارب الاصلاح

ابرهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الثلاثاء، 30 تموز / يوليو 2002

 

     العلامة الفارقة شبه الوحيدة في المؤتمر العام العاشر لحركة "امل" الذي انهى اعماله الاحد الماضي، كانت احتجاب الوزير محمد عبد الحميد بيضون عن منصب رئاسة المكتب السياسي لهذا التنظيم، وهو الذي شغله على مدى نحو ستة اعوام. واختفاء العديد من الوجوه الجديدة التي واكبته، مقابل عودة كل الرموز الحركية القديمة التي تعتبر نفسها صاحبة الكلمة الفصل كونها ساهمت في التأسيس والمراحل التي تلتها. 

الذين يعرفون بواطن الحركة، يخرجون باستنتاج اكيد مفاده ان تجربة الانفتاح، وفتح الابواب امام الجيل الثاني والثالث، والتي خاضها الرئيس نبيه بري في المؤتمر العام السابق، عندما طلب يومها منحه استثنائياً حق التعيين، قد اخفقت الى حد بعيد، واثبتت التجربة الاخيرة مجدداً، ان هذه الحركة عصية على تجديد نفسها، واستيعاب وجوه من خارجها، وبالتالي فتح جسمها للتطور فكرياً وتنظيمياً. 

الوزير بيضون الذي لم يشارك اطلاقاً في جلسات المؤتمر. هو المثال الابرز و"الشهيد الحي" لهذا المشهد. فالرجل الذي انضم منذ عشرين عاماً الى المكتب السياسي للحركة بالتعيين، وكان ابرز المعبرين عن خطها السياسي، والمحاور الوحيد باسمها في اكثر من محفل، لم يمحضه الحركيون "الاصليون" يوماً ولاءهم المطلق، ولم يسبغوا عليه الرداء الحركي الكامل، فبقي "المشكوك" فيه منبتاً ومسلكاً. 

وقد ادرك ذلك منذ عام 1985 عندما سقط في انتخابات اقليم بيروت كمسؤول سياسي له، وفضّل الحركيون عليه رمزاً آخر كان آتياً لتوّه من دراسة في الخارج كونه "ابن" الحركة في عرفهم. 

ولكن حينها كان في الامكان الصمود، فالحركة في ذروة امتدادها وتوسعها، والرهان على التطور والانفتاح والقبول بالآخر كان له محله وخصوصاً انه كان يحظى بغطاء كامل من الرئيس بري، والحركة نفسها مقبلة على مرحلة جديدة من دورة حياتها السياسية تجعلها في حاجة الى كوادر من غير رحمها وخصوصاً انها تخرج من كونها حالة اعتراض جامحة لتصير الشريك الشيعي شبه الوحيد في كعكة الحكم والنظام. 

ومنذ النصف الثاني من الثمانينات حتى نهاية التسعينات من القرن الماضي، لم يكن ثمة مجال داخل الحركة للانتقاء، فالمعلوم ان الحركة خاضت في شكل دائري حروباً عدة شرسة اولها مع الفلسطينيين ثم مع "حزب الله"، ثم حرباً باردة مع الحزب الذي كان يتغلغل تدريجاً في عمق الساحة الشيعية مشكلاً منافساً جدياً للحركة وخصوصاً انه يقبض بيد من حديد على ورقة المقاومة ضد اسرائيل مسجلاً عليها انتصارات لا يستهان بها. 

وبعد نهاية المؤتمر العام التاسع للحركة والتفويض الذي ناله بري بتسمية جميع الكوادر، بادر بيضون الى تسمية مكتب سياسي يضم رموزاً شبابية جديدة. وبذا كان يخوض تجربة مختلفة يحاول عبرها ارساء امر واقع جديد يكون منقطعاً عن التجربة الحركية، يعمد الى تكريسه وشرعنته لاحقاً بدعم من الرئيس بري. ولكن، ووفق المعلومات، ثمة خطأان ارتكبهما بيضون حالا دون وصول الامور الى الخواتيم التي ينشدها، وبالتالي افضيا الى سحب الغطاء القوي عنه وهو غطاء بري. 

الاول: الكلام "الكبير" الذي كان يقوله بيضون في مجالسه الخاصة وخصوصاً في بهو فندق ماريوت، عن الحركة وادائها وعن بعض رموزها والتسميات التي كان يطلقها على بعضهم، وبالطبع تناهى كل هذا الكلام الى من يعنيهم الامر. 

الثاني: العلاقة الوثقى التي ربطت بيضون برئيس الوزراء رفيق الحريري، والتي صارت موضع تندر داخل الحركة وخارجها، وثمة كلام كثير يقال في هذا المجال، وخصوصاً اضطرار الرئيس بري الى الهجوم العلني حيال قضية "الفيول" العائدة الى مؤسسة كهرباء لبنان قبل بضعة اشهر، اضافة الى موضوع سد شبروح في كسروان وما اثاره من ملابسات دفعت بالرئيس بري الى التدخل شخصياً مع عدد من نواب المنطقة لمعالجة الموضوع بالتي احسن. 

ومع ذلك، فان الوزير بيضون، بحسب المعلومات، حاول في الايام القليلة الماضية سبر الاغوار ومعرفة ما اذا كان بقي له مطرح داخل الحركة، عندما قدم ترشيحه لرئاسة المكتب السياسي ومورس عليه ضغوط لسحبه، (وهذا ما فعله) وقد ادرك يقيناً انه صار شخصاً غير مرغوب فيه داخل جسم الحركة التي حملته اولاً الى مكتبها السياسي، ثم الى رئاسة مجلس الجنوب، فالوزارة فالنيابة ثلاث مرات، وأخيراً الوزارة. 

ورغم ان بيضون سيكون حتماً عضواً في المكتب السياسي للحركة، بحكم نيابته، فان ذلك لا يعني اطلاقاً، ووفق اكثر من مصدر، ان ثمة متسعاً وفرصة لتؤول الامور الى المعالجة مجدداً وخصوصاً ان قسماً كبيراً من الحركيين بدأوا يتداولون اسم البديل الجاهز الذي سيحل محل الوزير بيضون في النيابة عن دائرة صور الانتخابية، خلال دورة الانتخابات المقبلة سنة .2005 

وفي كل الاحوال، فان ثمة من يعتبر ان خروج بيضون، وكل الفريق الذي اتى به وحاول تكريسه، يعني في شكل او آخر انطفاء موقع حوار وانفتاح رئيسي داخل الحركة، التي باتت تفتقر الى عقول سياسية تحمل لغة جديدة، وفي مقدورها تقديم افكار ورؤى داخل التنظيم وخارجه. ويعطي بعض الذين شاركوا في اعمال المؤتمر الاخير مثالاً على ذلك، فيذكرون ان الوثيقة السياسية التي اقرها هذا المؤتمر تليت داخل المؤتمر فقط، ولم تحظ بالنقاش السياسي اللازم، بل كادت تمر من دون اي نقاش، كما ان النقاش الذي جرى حول مستوى الاوضاع التنظيمية، قد غرق في "الاطر الخدماتية والمصلحية اكثر مما اخذ منحى البحث عن سبل تطوير البنى التنظيمية ومعالجة الثغر التي برزت خلال الاعوام الثلاثة التي انقضت على المؤتمر الاخير"، مما اتاح للفريق المحسوب على الرئيس بري ترتيب "انتخابات مضبوطة" خلال المؤتمر سمحت لعدد لا بأس به من الذين اطاحتهم انتخابات الاقاليم الاربعة، بالعودة الى مراكز القرار، وخصوصاً في الهيئة التنفيذية والمكتب السياسي، والمناخ نفسه هو الذي حال دون الاتيان برئيس للمكتب السياسي. فعندما رفض اي من المرشحين الوحيدين لهذا المنصب وهما الشيخ حسن المصري، وهيثم جمعة، الانسحاب للآخر وصمما على خوض المعركة حتى النهاية، حسم الرئيس بري الموضوع بتسمية النائب ايوب حميد رئيساً لهذا المكتب اضافة الى منصبه كنائب لرئيس الحركة، وهي بالاجمال نتيجة يعتبرها العديد من المشاركين في المؤتمر "ضربة" للجو الديموقراطي الذي ساد انتخابات الاقاليم قبل اسابيع. 

كذلك، لم تفت هؤلاء الاشارة الى ان نتائج المؤتمر وحضوره عكست ضعف الوجود الحركي في اوساط ابناء الضاحية الجنوبية الاصليين، مما يعني اخفاق كل المحاولات التي وعد سابقاً باجرائها لتلافي هذا الخلل الكبير خصوصاً بعد سيطرة "حزب الله" على بلدتي هذه المنطقة. 

وبين هؤلاء من يعد النائب محمود ابو حمدان واحداً من غير الموفقين خلال المؤتمر رغم انه استطاع خلال انتخابات اقليم البقاع تسجيل انتصار كبير. 

في اي حال لم يكن الامر في حاجة الى هذا المؤتمر، لكي يتأكد الجميع ان الرئيس بري هو الحركة، والحركة هي الرئيس بري، وان لا مجال اطلاقاً لمن يحاولون اثبات العكس، او القول ان في الحركة مؤسسات وأطراً لها حق التحرك والفعل والابداع والحركة السياسية.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic