ثورة يوليو.. خمسون عاماً: هل كانت الثورة لازمة؟

محمد حسنين هيكل

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 31 تموز / يوليو 2002

 

1
جيش مجروح وشعب موجوع

Mohammed Hasanein Haykal - محمد حسنين هيكل

     من الظواهر العصية على الفهم وغير القابلة للتصديق أن الجيش العائد من فلسطين مع بداية سنة 1949 كان بذاته علامة الاستفهام الكبرى التى ظهرت لأول مرة على الأفق السياسي. وكان بذاته العنصر المجهول الذي يحتمل أن يكون الأشد تأثيرا على معادلة السلطة في مصر ابتداءً من تلك اللحظة، ومع ذلك فإن علامة الاستفهام الكبرى لم تعثر على إجابة لها. كما أن العنصر المجهول الذي تخوف منه الجميع، وصل إلى حيث فعل فعله بعد ثلاث سنوات (يوليو 1952) دون عائق جدي يعترض أو يمنع! 

ولم يكن ما هو حاصل في قلب الجيش العائد من فلسطين سرا خافيا على أحد، بل لعل التخوف منه بالتحديد كان الداعي الذي وصل بقلق السفارة البريطانية في مصر إلى الإلحاح بشدة لافتة على عودة حزب الوفد إلى السلطة، تحقيقا لنوع من الاستقرار الشرعي تتطلبه الظروف المستجدة، وكل ما فيها يدعو إلى التوجس ومن ثم التحوُّط المسبق. وهنا فإن التقارير البريطانية عن تلك الفترة تحفل كلها بطلب عودة الوفد إلى الحكم، وبعدها يمكن أن يتسع المجال للتفاوض في أمر معاهدة سنة 1936 التي أصبحت قابلة للتعديل في جانبها السياسي منذ سنة 1946 أي بعد أربعة عشر عاما على توقيعها (ولم يكن جانب التحالف العسكري فيها قابلا للتغيير لأن سريان مفعوله كان مطلقا بغير أجل). 

ولم يكن الملك “فاروق” غافلا عن خطر الجيش العائد من فلسطين واحتمالات اتصاله بالغضب المتراكم في مصر والشحنة الحرجة التي يمكن أن تتفاعل بهذا الاتصال بين جيش مجروح وشعب موجوع، حتى إذا لم يكن الاتصال مباشرا واقتصر على مجرد التواجد في نفس المناخ! 

وفي الواقع (وكما يظهر في تقارير الحرس الملكي ضمن محفوظات قصر عابدين) فإن الملك كانت لديه وسائل علم بما يجري داخل الجيش من ثلاثة مصادر يمكن الوثوق فيها: 

- المصدر الأول هو “المخابرات العسكرية” للجيش المصري، وكانت تابعة للفريق “محمد حيدر” (باشا) مباشرة، وكان “حيدر” يرسل التقارير وافية إلى القصر، وكان الملك كما يبدو من بعض العلامات والإشارات على هوامش التقارير يهتم بالجزء الأمني فيها. 

- والمصدر الثاني هو القلم المخصوص في وزارة الداخلية وهو المسئول عن متابعة النشاط السياسي في الداخل، وكان يكتب تقريرا يوميا للقصر تحت توقيع ومسؤولية رئيسه اللواء “محمد إمام إبراهيم”، ولم يكن القلم المخصوص يكتب عن أمن الجيش عموما، فذلك ليس اختصاصه، ولكن اهتمامه بالتحديد تركز على نقط التلاقي بين عناصر عسكرية وعناصر مدنية (بالذات الإخوان المسلمين والشيوعيين)، وكانت تقارير القلم السياسي للإنصاف تدل على جهد كبير، يظهر فيها ما يدل على أن القلم المخصوص نَبَّه إلى خطر مؤكد من عودة جيش جريح في فلسطين إلى مناخ سياسي “مضطرب” في القاهرة، (نتيجة لكل ما وقع سنة 1948 ابتداءً من إضراب البوليس، إلى حرب فلسطين، إلى حل الإخوان المسلمين إلى اغتيال رئيس الوزراء “محمود فهمى النقراشى” إلى اغتيال مرشد الإخوان المسلمين الشيخ “حسن البنا” بأمر مباشر من رئيس الوزراء وبواسطة هيئة مكتبه بما فيه حرس الوزارات). 

- وكان المصدر الثالث هو تنظيم “الحرس الحديدي” التابع للدكتور “يوسف رشاد” المقرب من الملك (والطبيب الخاص له) وهو تنظيم أقسم أفراده يمين الطاعة للملك والإخلاص غير المحدود لذاته، إلى جانب تعهد بالانتقام من أعدائه السياسيين وتصفيتهم، ثم حماية شخصه بالأجساد والأرواح إذا اقتضت سلامته أو مصلحته، وكان على الدكتور “يوسف رشاد” أن يحوِّل هذا كله إلى توجيهات وخطط. 

وكان ضباط الحرس الحديدي بطبيعة الأمور وسط الجيش، بل وكان بعضهم في فلسطين سواء بدافع الحماسة الوطنية أو بدافع جس نبض القوات المسلحة ومتابعة أحوالها، بما في ذلك “المزاج” السائد وسط سلك الضباط (وضباط الصف الذين ركز عليهم الشيوعيون، في حين ركز الإخوان على الضباط).
 

**********

 
وقد اطلعت على تقرير من ورقتين بملاحظات كتبها اليوزباشي “مصطفى كمال صدقي” (من ضباط الحرس الحديدي المقربين في ذلك الوقت) تعهدت له السيدة “ناهد رشاد” قرينة الدكتور “يوسف رشاد” بأنها سوف تُسلمهما للملك بنفسها وفي يده، وأكدت هي لي فيما بعد (أكتوبر 1952) أنها انتهزت فرصة وجود الملك بمفرده مرة وسلمته مظروفا فيه ما كتبه “مصطفى” بخط يده، واستحلفته أن يقرأه بعناية ووعدها!).

ومعنى ذلك أن الأطراف المشاركة في معادلة السلطة المصرية (السفارة البريطانية والقصر الملكي والوفد) كانت مع بداية سنة 1949 ترى “النُذُر” على الأفق وتدرك أن مجال الخطر المستجد بالظروف هو حالة “السخط” في القوات المسلحة العائدة من فلسطين، وأن التهديد يحل حين يتلاقى السخط العائد من فلسطين مع الغضب المتراكم في القاهرة. 

ومع أن السفارة البريطانية كانت هي التي بدأت الاتصالات التمهيدية الأولى لتحقيق الائتلاف الكفيل بمواجهة المخاطر بين القصر (وهو رمز شرعية الدولة)، وبين الوفد (وهو ممثل أغلبية الشعب)، إلا أن الواقع الفعلي اقتضى تغييرا وتبديلا لتسهيل الحركة وتجنب الحساسيات. ومقتضى التغيير والتبديل أن يدخل القصر فيها مباشرة مع الوفد وتغيب السفارة البريطانية مؤقتا. وكان ممثل القصر الذي تقدم لأداء الدور هو “كريم ثابت” (باشا) المستشار الصحفي للملك، معتمدا في فتح الأبواب على علاقته بالمليونير “أحمد عبود” (باشا) الذي كان يقوم وقتها بدور “الراعي الموجه” للاتصالات والترتيبات المؤدية إلى عودة الوفد. ومع أن “فؤاد سراج الدين” (باشا) كانت له آراء شديدة القسوة في “كريم ثابت” أصلا وفصلا، شخصية ومسلكا إلا أن “واقعية” “فؤاد سراج الدين” تغلبت على أحكامه، وكذلك وجد نفسه يشارك في اتصالات وترتيبات انتقلت من “تشابمان أندروز” (الوزير المفوض للسفارة البريطانية) إلى “كريم ثابت” (المستشار الصحفي للملك فاروق) وقصدها عودة الوفد إلى السلطة، ومطلبها إنشاء سد منيع أمام احتمالات مجهولة ناشئة من عودة جيش مجروح في فلسطين إلى أحوال وطن موجوع بِعِلل تراكمت على طول عشر سنوات ثم خلفت هموما تناقضت مع آمال وتطلعات زحمت أجواء العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية! 

وكان الملك “فاروق” وهو يتفاوض (عن طريق كريم ثابت) على صفقة يعود بها الوفد للمشاركة في الحكم، يدرك أنه مقبل على التغيير (الانقلاب) الدستوري الرابع في خمسة عشر عاما قضاها على العرش! (أي بمعدل تغيير (“انقلاب”) دستوري كل أربع سنوات تقريبا).

لكن ذلك التغيير (الانقلاب) الذي شرع يمهد ويرتب له الآن كان أصعبها على مشاعره “المؤسسة” على عداء الوفد، وكان عزاؤه أمام نفسه وأمام الآخرين أنه هو الذي يجيء بالوفد هذه المرة إلى الحكم وليس دبابات الجيش البريطاني. 

كان التغيير (الانقلاب) الدستوري الأول الذي قام به “فاروق” هو الإقالة الأولى في عهده لوزارة “مصطفى النحاس” (باشا) أواخر سنة 1937، ولم يكن قد مضى على توليه العرش غير شهور قليلة، وقد راح الملك “فاروق” بعد إقالة “النحاس” (باشا) وهو وقتها صبي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره يمارس سلطته عن طريق وزارات قصر ليس لها سند غيره ولا مصدر للشرعية خارج إرادته الملكية. وحدث أنه في تلك الأوقات انتهز الفرصة ليعلن بنفسه وبصوته لأول مرة على موجات الإذاعة المصرية منهاجه في الحكم ومذهبه، موجها الخطاب إلى: “شعبي العزيز” قائلا: 

إنني مع إعجابي العظيم بوالدي طيب الله ثراه وتغمده برحمته، قد أكون خالفته في بعض طباعه، لكني قد احتفظت بأبرز هذه الطباع، فأنا مثله لا يستطيع أن يؤثر على أحد إذا تبينت صواب أمر، واعتمدت بعد تقليب وجوه الرأي أنه في صالح شعبي أفرادا وجماعات. وأن ثقتي في نفسي وتوكلي على الله هو الذي يلهمني تصريف الأمور ويوجهني الوجهة التى أختارها”. 

وفى تاريخه عن مقدمات الثورة المصرية، يرصد الأستاذ “عبد الرحمن الرافعي هذا البيان ويعلق عليه بقوله “كان ذلك هو الإعلان عن انحراف “فاروق” نحو الدكتاتورية والغرور والطغيان”، فتلك لم تكن كلمات صبي في التاسعة عشرة من عمره وإنما كلمات وضعها على لسانه رجال من حاشيته الملكية راحوا يعلمونه احتقار الدستور واعتبار نفسه حاكما بأمره فوق شعب مصر!”. 

والواقع أنه تطبيقا لهذا البيان جاء الملك بوزارات يرأسها من اختارهم من رجاله: “على ماهر” ثم “حسن صبري” ثم “حسين سري”. 

وكانت تلك مرحلة حكم فيها القصر منفردا. 

كان التغيير (الانقلاب الدستوري) الثاني هو 4 فبراير 1942 حين تحركت الدبابات البريطانية من ثكنات قصر النيل، متوجهة لحصار قصر عابدين تفرض “مصطفى النحاس” (باشا) زعيم الوفد رئيسا لوزارة تجيء إلى الحكم رغم أنف الملك. 

ثم كان أنه من 4 فبراير 1942 وحتى 8 أكتوبر 1944 حَكَمَ الوفد معتمدا على السفارة البريطانية وحدها، ومع أنه صاحب الأغلبية في البرلمان، فقد كان درس التجربة الدستورية في مصر ظاهرا للعيان، ومؤداه أن الأغلبية البرلمانية ليست كافية وحدها لإبقاء حزب في الحكم ولا لإخراجه. 

وكذلك لم يتردد الملك حين رفعت السفارة البريطانية يدها عن حماية وزارة “النحاس” (باشا) في إقالة هذه الوزارة وملاحقة رئيسها وأعضائها بالتهم والكثير من هذه التهم صحيح. ولم يتراجع الملك عن تقديم “النحاس” (باشا) إلى المحاكمة إلا أمام إنذار مباشر من رئيس الوزراء البريطانى “ونستون تشرشل” نفسه، الذي قال له صراحة “إن الخدمات التى قدمها “النحاس” (باشا) للجهد الحربي البريطاني سنوات الحرب الصعبة، تجعل حمايته واجبا أخلاقيا على الحكومة البريطانية”. 

وكان التغيير (الانقلاب الدستوري) الثالث الذي قام به الملك “فاروق” هو إقالة وزارة “النحاس” (باشا) يوم 8 أكتوبر 1944، وفى هذه التجربة فإنه لم يحكم بوزارات قصر، وإنما حكم برؤساء وزارات من أحزاب الأقلية، أظهرهم ثلاثة من السعديين: “أحمد ماهر” (باشا) حتى اغتيل ثم “محمود فهمى النقراشى” (باشا) حتى اغتيل هو الآخر ثم “إبراهيم عبد الهادي” (باشا) حتى طُرد من الوزارة طردًا (مع فترة انقطاع في رئاسة “النقراشى” (باشا) للوزارة جاء فيها “إسماعيل صدقي” (باشا) لم تطل عن سنة واحدة) لكن السنوات الخمس من 1944 وحتى سنة 1949 كانت رعاية ملكية لوزارات أقلية من السعديين والأحرار الدستوريين وحزب الكتلة (مكرم عبيد) والحزب الوطني أحيانا. 

وكانت عهود تلك الوزارات هي التى أوصلت الملك مباشرة إلى حافة الخطر، وعند هذه الحافة تخلى وابتعد خاف وحاول أن يهرب. 

وفى مخاوف الملك على عرشه بعد توقف معارك حرب فلسطين، والاحتمالات الناشئة من عودة جيش مجروح إلى شعب موجوع، فإن الملك وجد أنه جرب كل توليفة ممكنة في الحكم، ولم تبق أمامه غير وصفة واحدة. 

جرب أن يحكم وحده ولم تكن النهاية سعيدة مساء يوم 4 فبراير 1942، وجرب أن يتخلى عن السلطة للوفد عامين ونصف العام، وكانت التجربة ذات مرارة لا تطاق من أول يوم فيها (8 أكتوبر 1944)، ثم جرب أن يعطي الحكم لوزارات أقلية (أواخر سنة 1948) ثم نظر تحت قدميه ورأى الهاوية رأي العين. 

ثم توصل إلى أن خياره الوحيد الباقي هو التعاون مع “الشيطان الوفدي”، وهنا كانت اتصالات ومفاوضات مستشاره الصحفي “كريم ثابت” مع سكرتير عام الوفد “فؤاد سراج الدين”، تحت إشراف “أحمد عبود” (باشا) ومعاونة “حسين سري”. 

وفى المحصلة العملية تلك الأيام أن القصر كان مُرهقا خائفا ويريد أن يبتعد ويهرب. 

وفى نفس الوقت فإن حزب الوفد كان مُرهقا هو الآخر لكنه على عكس الملك يريد أن يقترب ويشتهي العودة للحكم بعد غياب خمس سنوات وجدها قاسية على زعامته وعلى قياداته وعلى أنصاره! 

 

**********


الحسابات الملكية لا تتحقق! 

 
كانت الاتصالات والترتيبات بين المستشار الصحفي للملك “كريم ثابت” (باشا) وبين السكرتير العام للوفد “فؤاد سراج الدين” (باشا) في حضور “أحمد عبود” (باشا) ومشاركة صديقه “حسين سري” (باشا) تجري على أرضية غير ممهدة بسبب تجارب تعيسة سبقت بين القصر والوفد، وكذلك فإن كلا من الطرفين راح يكتشف مشهدا بعد مشهد أن الطرف الآخر لديه “مستجدات” و”طوارئ” لم تكن معروفة لديه من قبل. 

كان القصر قد رتب موقف مفاوضه الرئيسي “كريم ثابت” (باشا) درجة بعد درجة: 

نقطة البداية أن الملك “فاروق” لم يعد لديه مانع من مشاركة الوفد في السلطة لمواجهة “مخاطر تهدد الجميع”. 

وعلى هذا الأساس فإن الوفد مدعو للمشاركة في وزارة ائتلافية ترأسها شخصية محايدة تحظى برضى “النحاس” (باشا)، ولتحقيق هذا الغرض فإن القصر على استعداد لطرح أسماء عدد من الساسة المستقلين تربطهم علاقة طيبة بالوفد أولهم “حسين سري” (باشا).

أن الملك لا يمانع في إجراء انتخابات برلمانية، لكنه في حالة حصول الوفد على أغلبية، يفضل أن يرى على رئاسة الوزراء شخصية وفدية غير “النحاس” (باشا)، والداعي أن علاقاته القديمة بالملك بعد 4 فبراير تركت “ما لا تستطيع الأيام أن تمحوه”، فإذا عاد الآن إلى رئاسة الوزارة بعد انتخابات لا يمانع الملك أن يحصل الوفد فيها على أغلبية” ثم وقعت أزمة بسيطة فإن هذه الأزمة ربما استدعت مخزون المشاعر القديمة وهي بذلك تفتح الجراح التي التأمت، وفي ترويج القصر لهذا المنطق فقد جرى استدعاء سوابق لمجالس نيابية كانت للوفد فيها أغلبية برلمانية دون أن يكون رئيس الوفد بالضرورة رئيسا للوزراء، والمثال الأشهر على ذلك أن “سعد زغلول” (باشا) نفسه اكتفى برئاسة مجلس النواب في برلمان له فيه أغلبية كاسحة. 

وفى رغبة القصر لتسهيل الأمور أكثر وأكثر فإن “كريم ثابت” كان مخولا باقتراح أن القصر سوف يرحب في حالة حصول الوفد على أغلبية برلمانية أن تكون الوزارة برئاسة “فؤاد سراج الدين” نفسه، وهو موضع الثقة من “النحاس” (باشا) وهو زعيم الحزب بلا منازع، وكذلك من السيدة قرينته (وهي الجهة الأقوى تأثيرا على الزعيم تلك الأيام).

على الناحية المقابلة عرض “فؤاد سراج الدين” موقف الوفد (وموقفه الشخصي) من عروض القصر بالترتيب التالي: 

نقطة البداية أن الوفد يتمنى أن يفتح الملك معه صفحة جديدة لا علاقة لها بكل ما سبق، وسوف يجد الملك من الوفد “إخلاصا حقيقيا” لا يستطيع أي حزب سياسى في مصر أن يقدمه ل “مولانا”؛ لأن الآخرين جميعا يحبون مصلحتهم أكثر مما يحبون “جلالته”، فإخلاصهم له نابع من اعتمادهم عليه كي يكلفهم بالحكم، وهم في ذلك الوضع يحملونه بأخطائهم وأوزارهم لأنهم بلا سند أمام الناس غير “جلالة الملك”. 

إن اقتراح تشكيل وزارة ائتلافية يدخل فيها الوفد، موضوع لا يستطيع “رفعة الباشا” قبوله، ليس فقط لأنه مخالف لكل تقاليد الوفد طول تاريخه، ولكن فوق ذلك لأن “النحاس” (باشا) يعرف أن أي وزارة ائتلافية هي محاولة للتوفيق، مؤدية لا محالة إلى الخلاف لأن طبيعة الحياة السياسية في مصر لم تتوصل إلى توافق مقبول من الجميع على أهداف محددة يقوم عليها ائتلاف وزاري، ومعنى ذلك أن الوزارة الائتلافية سوف تكون باستمرار في حالة احتكام إلى القصر، وذلك يقحم القصر في الخلافات الوزارية، وقد يؤدي كذلك إلى استعادة أجواء قديمة شابت علاقات الوفد بالقصر، وذلك احتمال من المستحسن تجنبه، خصوصا أن “رفعة الباشا” جاهز لأن يثبت هذه المرة إخلاصه العميق للقصر، وهو يريد أن يتوج حياته السياسية “برابطة مقدسة” بين حزب الأغلبية وبين العرش لم يسبق لها مثيل في التاريخ السياسي المصري. 

أن الوفد على استعداد للمشاركة في وزارة ائتلافية إذا كانت مدتها محدودة وهدفها محددا، بإجراء انتخابات برلمانية حرة (يثق الوفد أنه سوف يحصل على الأغلبية فيها)، ولذلك فإن الحزب على استعداد للاشتراك في وزارة يرأسها “حسين سري” (باشا)، تكون مهمتها إجراء هذه الانتخابات في ظرف ستة شهور، ثم تترك مكانها لوزارة أغلبية حزبية، والوفد يريد في هذا الصدد ومرة أخرى أن يكرر أن “مولانا” لن يندم مطلقا على فرصة أخرى وأخيرة يثبت فيها أنه الأكثر إخلاصا للذات الملكية والأقدر على خدمته. 

وفى حالة فوز الوفد بالأغلبية فإن رئاسة الوزارة يصعب جدا أن تذهب إلى رجل آخر غير “مصطفى” (باشا) فإن أي رجل غيره لا يستطيع أن يحصل على ولاء جميع الوفديين، ولا على المصداقية أمام جماهير الحزب، ولا حتى على ثقة “زينب هانم” كما ألمح “سري” (باشا) أثناء كلامه. 

وهنا كان سؤال “كريم ثابت” المباشر لفؤاد سراج الدين: 

“هل تريد أن تقول لي أن “زينب هانم” لا تستطيع أن تقنع زوجها برئاستك أنت للوزارة؟”. 

ورد “فؤاد سراج الدين” ودون مهلة يصوغ بها رده في ألفاظ تُغطى أو تُزَوِّق: 

“هي نفسها أول من يرفض أن يتولى الوزارة أحد غير “مصطفى” (باشا).

ويلح عليه “كريم ثابت”: “ولا حتى أنت”؟ 

ويرد “فؤاد سراج الدين” بنفس السرعة: “خصوصا أنا”. 
 

**********

 
فيما بعد (ديسمبر 1953) روى لي “حسين سري” (باشا) ونحن في بيته وكان ملاصقا لمسكني في شارع شجرة الدر في الزمالك، وكنا عائدين معا في نفس الاتجاه من حفل استقبال في قصر الطاهرة بمناسبة زيارة قام بها الملك “حسين” للقاهرة، وهي أول زياراته لمصر بعد ثورة يوليو ما مؤداه “أنه ذلك اليوم في بيت “أحمد عبود” فوجئ عندما سمع من “فؤاد سراج الدين” أن قرينة رئيس الوفد تعارض رئاسته للوزارة “خصوصا” على حد ما قال”. 

وروى “سري” (باشا) تلك الليلة في حديث دار بيننا حتى الثالثة صباحا “أنه بعد خروج “فؤاد” من بيت “عبود” (في لقاء أوائل يناير 1949) وفي حضور “كريم ثابت” جلس الثلاثة وانضم إليهم بعد نصف ساعة “تشابمان أندروز” الوزير البريطانى المفوض وراحوا يتذاكرون ما سمعوه من “فؤاد سراج الدين” وانقسموا فيه إلى رأيين:

- رَأي يرى أن “فؤاد سراج الدين” فيما قال يكشف عن حرص لا يريد أن يغامر بشىء، فهو بالتأكيد يتشوق إلى رئاسة الوزارة، لكنه يفضل أن يخلف “النحاس” (باشا) بطريقة طبيعية، بمعنى أن تجري انتخابات برلمانية بالفعل تحت إشراف وزارة محايدة، ثم تجيء أغلبية برلمانية وفدية وهذا أرجح الاحتمالات ثم يرأس “النحاس” (باشا) الوزارة، وبالطبع يكون “فؤاد سراج الدين” أبرز أعضائها، وبعد شهور خصوصا أن صحة “النحاس” (باشا) لا تساعده على الاستمرار ولا على التركيز يكون “النحاس” (باشا) نفسه هو الذي يفتح الطريق لسراج الدين. 

وكان ذلك رأي “تشابمان أندروز” وقد أفاض في تفصيله ضمن تقريره إلى لندن قائلا: “إن “فؤاد سراج الدين” في الأوضاع الحالية هو المرشح لرئاسة الوزارة رغم أنه سياسي محلي وليس رجل دولة، وهو أقرب إلى عقلية “عمدة” (كتبها بالإنجليزية Omda) يعرف فنون التعامل بالمجاملة مع الناس أكثر مما يعرف عن مسؤوليات المستوى الأعلى في سلطة الدولة”. 

ويضيف “تشابمان أندروز” في تقريره “إنه يظن أن إحجام “فؤاد سراج الدين” عن رئاسة الوزارة الآن متعللا بأن رئيس الوفد وقرينته لا يقبلان بذلك إنما هو تأمين مبكر لطموحه إلى رئاسة الوزارة، فهو يخشى أن قبوله بالرئاسة الآن قد يبدو صفقة على حساب زعيمه يتكشف أمرها فيما بعد وتظهره على هيئة لا يريد أن يظهر بها!"

- لكنه طبقا لرواية “حسين سري” (باشا) تلك الليلة في بيته سنة 1953 فإن “كريم ثابت” كان له رأي آخر، فقد أحس بقرون استشعار مُدَرَّبة أن شيئا ما طرأ على الصداقة بين قرينة “النحاس” (باشا) وبين “فؤاد سراج الدين”، وقد راح “كريم” يستعرض استنتاجاته على أساس ما قاله “فؤاد سراج الدين”، والطريقة التى قاله بها. 

وكانت الاستنتاجات التى عرضها “كريم”: 

أن “فؤاد” في السنوات الأخيرة زاد نفوذه وأصبحت له دائرته المستقلة (Constituency) وهذا طبيعي. 

أن الصداقة بين الاثنين السكرتير العام للوفد وقرينة زعيم الوفد وقد بدأت في قصور شمال الدلتا ومزارعها زمن الغارات الإيطالية والألمانية على القاهرة سنة 1941 طالت حتى الآن 1949 قرابة عشر سنوات، ولذلك فقد جرى عليها ما يجري على العلاقات بين البشر من عوارض الحياة وطبائعها. 

والراجح أن ما يخشاه “فؤاد” هو أن “زينب هانم” قد تظن أنه برئاسة الوزارة سوف “يكبر” على الكل، وحينئذ يصبح “سيد نفسه” يتصرف كما يشاء. 

وحين بلغت الاتصالات والترتيبات لعودة الوفد إلى السلطة نتائجها المتوقعة، فإن الملك “فاروق” مع من استشار من رجال القصر وبينهم “حسن يوسف” (باشا) الذي قام باستقصاء لآراء عدد من الساسة الحزبيين والمستقلين توصلوا إلى نتيجة مؤداها “أنه من الأوفق تكليف “حسين سري” (باشا) بتشكيل وزارة ائتلافية يدخل فيها الوفد (بشخص فؤاد سراج الدين)، ثم تقوم هذه الوزارة بإجراء انتخابات، لكن “التوجيه السامي” يصدر لرئيس الوزراء بأن “يضبط الأمور” بحيث لا تتحقق للوفد (مهما كان) أغلبية برلمانية كاسحة (كما يحدث في العادة)، وإنما ينبغى الحرص على أن تتواجد جميع الأحزاب السياسية (بالذات السعديين والأحرار الدستوريين) في نتائج الانتخابات بطريقة تكفي لحفظ توازن بينها يمكن العمل على أساسه بمعنى أنه لا مانع من أن يفوز الوفد بالنصيب الأوفر من المقاعد، ولكن دون الحصول على أغلبية تعطيه الحق في تشكيل الوزارة وحده وفدية بالكامل”. 

وكان خطاب الملك بتكليف “حسين سري” (باشا) برئاسة الوزارة (25 يونيو 1949) معبرا عن مطالب الملك منه ومن وزارته واضحا فيما يرمي إليه. 

عزيزي “حسين سري” (باشا):
“إن من أعز أمانينا ورغباتنا دائما إلى إسعاد شعبنا ورفاهيته، أن تقوم حكومة قومية تعمل والبلاد مقبلة على انتخابات جديدة على توحيد الصفوف وجمع الكلمة، وتضافر القوى، وتركيز الجهود في هذه الظروف الدقيقة التى تواجهها بلادنا العزيزة في الداخل والخارج”. 

وكان تقدير “حسن يوسف” (باشا) وهو مسجل بصوته لمطلب الملك أن الوفد مسموح له أن يحصل وحده حتى نسبة 40% من المقاعد، والسعديون على ما بين 20% 25%، ويكون للأحرار الدستوريين ما يُقارب 15%، والباقي يمكن أن تتقاسمه الأحزاب السياسية الأخرى ومعها المستقلون. وبذلك (وفق حسابات النسب المضبوطة!) فإن الوفد مع أنه سوف يكون صاحب أكثر المقاعد قد يجد نفسه مضطرا لتشكيل وزارة ائتلافية، وفى هذه الحالة فإن “النحاس” (باشا) قد لا يكون حريصا على رئاسته شخصيا لها، ومن ثم يتركها لفؤاد سراج الدين. 

وفي رواية “حسن يوسف” (باشا) وهي مسجلة بصوته، وفي رواية “حسين سري” (باشا) وقد سجلتها بخطي على أوراق مكتبي يظهر الاتفاق على نقطة مهمة مؤداها أن السفارة البريطانية رأت مبكرا أن حسابات القصر الملكي في الانتخابات غير دقيقة، وأن فكرة تحديد نسبة الأحزاب المختلفة في مقاعد مجلس النواب وصفة مؤكدة لحالة من التوتر، تثير من المخاطر أكثر مما تواجه، وكانت النصيحة الدائمة الصادرة عن السفارة البريطانية “أنه من الأنسب والأسلم إزاء احتمالات المستقبل أن تجيء وزارة وفدية بالكامل تحشد أغلبيتها المؤكدة في مواجهة المخاطر المحتملة”. 

ومع أن تعليمات الملك إلى رئيس وزرائه “حسين سري” (باشا) كانت قاطعة فإن النتيجة جاءت أغلبية وفدية كاسحة، وكانت تلك مفاجأة للقصر دعت الملك إلى غضب شديد ضد رئيس وزرائه “حسين سري”، وغضب أشد ضد وزير الداخلية “محمد هاشم” (باشا) وهو صهر رئيس الوزراء، الذي لم يقبل الملك إشرافه على الانتخابات إلا عندما أبلغه “سري” (باشا) أنه اختاره بالذات لهذه المهمة حتى يضمن تنفيذ تعليماته بخصوص النسب بين الأحزاب (وتعليماته هي تعليمات الملك). وقد دافع “سري” (باشا) عن نفسه وعن صهره وعما جرى قائلا للملك “إن الخلل في الخطة كلها نشأ من حقيقة أن ضباط البوليس وهم المشرفون بالاختصاص على العملية الانتخابية كانوا على عداء مع أحزاب الأقلية التي أنكرت عليهم حقوقهم، ودعتهم إلى القيام بالإضراب (ما بين أواخر سنة 1947 وبداية سنة 1948)، ثم اضطرتهم إلى فَضِّهِ بوسائل ملتوية وهم لم ينسوا لهذه الأحزاب (السعديين والدستوريين الذين كانوا في الحكم وقتها) ما فعلوه وقد ردوا لهم الجميل”. 

ومع أن الملك لم يقنع بهذا التبرير فإن “سري” (باشا) أصر عليه، ومع ذلك فقد كان ظاهرا للعيان أن هناك تفسيرات أخرى: 

أولا: أن “سري” (باشا) (كذلك سمعت منه وسجلت) لم يشأ أن يأخذ على تاريخه تدخلا بالتزوير في الانتخابات، خصوصا أن مثل هذا التدخل سوف يكون سافرا، لأن الملك جعلها “معضلة رياضية”! 

ثانيا: أن أصدقاءه جميعا (وأولهم أحمد عبود باشا) نصحوه، بل أقنعوه بأن حكاية التوازن بين الأحزاب قفزة إلى حالة من عدم الاستقرار تضر بمصالح البلاد. 

ثالثا: أن ذلك أيضا كان رأي السفارة البريطانية، وأن “تشابمان أندروز” أقنعه (إذا كان في حاجة إلى إقناع) بأن مناورات الملك في المجهول إزاء المخاطر المقبلة، وأولها جيش مجروح عائد إلى شعب موجوع قد تساعد على تفاقم مناخ يتيح الفرص لمؤامرات عناصر شريرة أولها “الإخوان المسلمين” والشيوعيون”، كلٌّ منهما بأساليبه ولأغراضه. 

وقد ظلت تقارير السفارة البريطانية من القاهرة حتى بعد إجراء انتخابات برلمانية مفتوحة، وحتى بعد أغلبية تحققت لحزب الوفد فيها تشعل الأضواء الحمراء تلفت وتشد. وركزت تقارير السفارة تلك الفترة (في أكثر من ثلاثمائة صفحة من الأرقام والتحليلات) على تفسير ملخصه أن جماهير الشعب المصري في الواقع لم تشارك في الانتخابات البرلمانية ثم توصلت إلى إثبات حقيقتين: 

- الأولى: أن نسبة التصويت في المدن (حيث الرأي العام المؤثر في رأيها) لم تزد على نسبة 15% وهذه نسبة متدنية. 

- الثانية: أن نسبة التصويت في الريف (وهو الكتلة الضخمة المكشوفة أمام سطوة الإدارة) وصلت إلى 70% (على أن تقارير السفارة البريطانية توصلت إلى أنه حتى لو كانت الأرقام صحيحة فهذه النسبة العالية تشهد للبوليس والعُمد ومشايخ البلد بالنشاط وخفة الحركة، أكثر مما تعبر عن رأي أو تأييد شعبي لأي حزب).

ويضيف أحد تقارير السفارة البريطانية “أن وزارة الوفد القادمة عليها أن تتحرك بسرعة لمواجهة أوضاع خطرة تشبه “منجما من الكبريت” ينتظر شرارة طائرة في الجو لينفجر”. 

ومن الملاحظات التي تسترعي النظر، أن أول تعليق ورد للسفارة من لندن على تقريرها كان طلبا عاجلا من وزير الخارجية البريطانية يسأل “أريد أن أعرف حجم الأصوات التي حصل عليها مرشحو الإخوان المسلمين في الانتخابات؟!”. 

 

**********

3
دموع ملك في حالة قلق!

 
لم تتحقق مطالب الملك “فاروق” في نتيجة الانتخابات، وكان غضبه على “حسين سري” (باشا) شديدا لأنه لم يستطع أن يضبط النتيجة وفق الحسابات الملكية. على أن الملك كان في حاجة إلى عازل بينه وبين رئيس الوفد، وهكذا فإنه طلب إلى “حسين سري” (باشا) أن يظل قريبا منه يساعد على ضبط العلاقات مع الوفد مادام قد فشل في تحجيم أغلبيته في البرلمان الجديد. وروى “سري” (باشا) أنه عندما قدم استقالته للملك بعد إعلان نتيجة الانتخابات، قال له الملك “أنت سوف تبقى هنا لتتعامل مع المشاكل التى تسببت فيها”، ثم أبلغه أنه سوف يعينه رئيسا للديوان الملكي، وكلفه بتسيير الأمور مع حكومة الوفد الجديدة؛ لأن “حسن” (يقصد وكيل الديوان “حسن يوسف” (باشا) ) لا يقدر على الوفديين، في حين أنهم قادرون على “أكله”، ولذلك فإني أريدك هنا، وأضاف الملك “هنا في السراي”! 

وقال “سري” (باشا) إنه يلتمس من “مولانا” أن يعطيه مهلة 24 ساعة للتفكير لأنه الآن وبعد ستة أشهر مضنية في رئاسة الوزارة جاءت خاتمتها هذه “الانتخابات المزعجة” يجد نفسه في حالة إرهاق شديدة! 

وقال الملك لسري (باشا) (طبقا لروايته): “لا تقل هذا الكلام. المسؤولية عليك وأنت لا تستطيع أن تتركني وتجري!”، وهنا قَدَّر “سري” (باشا) أن الفرصة متاحة “ليتعلم الملك درسا عن حقائق الأمور في بلاده وفي بيته!"

ويوم 14 فبراير 1950، وكانت نتائج الانتخابات تعلن تباعا، كتب السير “رونالد كامبل” (السفير البريطانى في القاهرة) تقريرا بالغ الأهمية يستحق القراءة المتأنية، لأنه جاء أشبه ما يكون بوصف للأحوال في مصر عند ذلك المنعطف الهام في التاريخ المصري الحديث. 

كان التقرير (80347/ 371 ملفات الخارجية البريطانية) على شكل خطاب موجه إلى السير “وليام سترانج” الوكيل الدائم لوزارة الخارجية، وقد تواصل على امتداد ست صفحات كاملة بدأها السير “رونالد كامبل” بقوله: 

“ذهبت لمقابلة “سري” (باشا) بعد إعلان نتائج الانتخابات في المرحلة الأولى. بدأ “سري” (باشا) بلفت نظري إلى أنه يتحدث معي بصراحة كصديق شخصي وموضع ثقة. قال لي “إن “فاروق” جاء إلى بيته أمس يلح عليه بضرورة أن يتولى رئاسة الديوان الملكي”. قال “سري”: “إنه قبل ولكنه اشترط أن يسمع منه الملك تقييمه للأوضاع دون تزويق”. قال لي: “إنه جلس مع الملك طيلة أربع ساعات وأنه تكلم معه بطريقة لا يمكن لغيره أن يُجازف بها، وساعده عليها أنه عرف الملك منذ كان صبيا، وكذلك كان صهرا له، باعتباره زوج خالة الملكة فريدة التى طلقها الملك قبل أقل من عام. قال لي “سري”: “إنه على يقين من أن الملك سوف يكرهه بسبب ما صارحه به، وأنه سوف يقصيه بعيدا عن دائرته الأقرب، ولكن ذلك ليس مهما في مثل هذه الظروف”. قال لي “سري” “إنه سوف يتصرف بمقتضى فهمه لمسؤوليات منصبه، وأنه سوف يَبِت في كل المسائل بنفسه، ولن يعرض على الملك إلا ما يراه ضروريا، ويحتاج دستوريا إلى موافقته. قال لي أيضا: “إن الملك سوف يحاول بالتأكيد أن يتجاوزه ويتدخل في شتى الأمور، وذلك بنصيحة أفراد من الحاشية المحيطة به”. قال “سري”: “إن هذه الحاشية سوف تبذل جهدها في عزله عن الملك، وسوف يجيء يوم يسدون فيه الطرق عليه، بحيث لا يعود أمامه غير أن يكتب إلى الملك بما لديه مع علمه مسبقا أن ما قد يكتبه لن يصل إلى المرسل له في معظم الأحيان، وأكثر من ذلك فهو يتوقع أيضا أن لا يتمكن بسهولة من محادثة الملك تليفونيا، ولكنه عازم على أن يشق طريقه حتى لو اضطر إلى طلب لقاء الملك أو محاولة الاتصال به تليفونيا مرتين وثلاثا وأربعا وخمسا وستا، لأنه مصمم على القيام بأعمال مهمته كما يتصورها مادام هو باقيا في هذا المنصب”. قال لي “سري”: “إنه عدد أمام الملك قائمة بأخطاء “جلالته” بما في ذلك التصرفات المسيئة التي أقدم عليها في السنوات الأخيرة، وحدثه عن حياته الخاصة ولياليه في ملاهي القاهرة، مبينا أن ذلك ينتقص من كرامة الملك، وهيبته أمام شعبه”. وأضاف يقول لفاروق: “إن الملكية مؤسسة مهمة ولازمة للبلاد وتصرفاته على هذا النحو المسيء إلى شعبه، قد تعرض العرش للخطر، وموقفه في البلد هو في الحقيقة مثل بالون منفوخ لا ينتظر غير لمسة من سن دبوس، ثم إذا هو فارغ حتى من الهواء”. 

قال لي “سري”: “إن الملك حاول أن يناقش معه قائمة ما نسبه إليه “سري” (باشا)، وسمح “سري” (باشا) لنفسه أن يقول لفاروق “إنه لا يحتاج إلى دفاع عن نفسه، وإنما يحتاج بالدرجة الأولى إلى تصحيح تصرفاته دون أن ينخدع بحاشية السوء التى تحيط به فكل أفرادها وبدون استثناء لا يساوون شيئا(Worthless). وقال لى “سري” أنه فوجئ بتأثر الملك ولمح دموعه، ورأى أن يقوم من مجلسه ويتجه إلى نافذة يطل منها على حديقة بيته، وبحيث يترك للملك فرصة استعادة سيطرته على مشاعره. قال لي “سري”: “إنه بعد أن هدأ الملك، قال له إنه يقبل المنصب لأنه يريد أن يخدمه بأمانة”. ورد الملك بأن رئيس ديوانه الجديد سوف يكتشف بنفسه أنه (الملك) سوف يحاول جديا أن يكون على مستوى مسؤولياته”. 

قال لي “سري”: “إن قبوله للمنصب لم يكن مجرد استجابة لطلب “فاروق”، ولكنه استجابة لإحساسه بالواجب العام، وأن هذا القبول ينطوي على تضحيات جسيمة يقبلها برضى، فهو رجل لم يعد يطمع في منصب لأنه تولى رئاسة الوزارة أربع مرات حتى الآن، كذلك لا يطمع في شرف يُضاف إلى ما عنده، لأنه يحمل أرفع الأوسمة والألقاب”. 

قال لي “سري”: “إنه بما قاله للملك أراد أن يصدمه لعله يفيق، وأنه يعلم مقدما أن مهمته صعبة، وأن الملك لن يستوعب درس الحقائق، وأنه في الغالب لن يصحح من سلوكه الشخصي ولا من قراراته غير المسؤولة ولا من تدخله في شؤون الدولة، لكنه أي “حسين سري” سوف يحاول بأقصى ما يستطيع”. 

قال لي “سري”: “إنه واثق أن الملك ذكي، ويمكن أن يكون معقولا وهو يستطيع أن يناقش موضوعا من المواضيع بجدية لمدة ثلاثة أرباع الساعة وفي بعض المرات لمدة ساعة، لكنه فجأة يتصرف كما لو أن موجة كهربائية اخترقت رأسه، فإذا مسلكه ينقلب وإذا هو يكابر ويعاند”. 

فيما يتعلق بالوفد قال لي “سري” عندما سألته “إنه لا يشعر لسوء الحظ أنهم جاهزون للمسؤولية التي جاءت إليهم، فالنحاس (باشا) في “عالمه الخاص”، وأعضاء الوفد كلهم متلهفون بسرعة لاستعادة النفوذ والامتيازات التي يظنون أنها ضاعت عليهم جراء خمس سنوات خارج السلطة، وكلهم الآن في عجلة من أمرهم. أضاف “سري”: “إنه تحدث إلى أصدقائه الوفديين مشيرا إلى ضرورة أن يتصرفوا بروية وإلا أساءوا إلى أنفسهم”. قاطعت “سري” وقلت له: “إننى آمل أن يستطيع الوفد دراسة الموقف الدولي بدقة، وأن تتفهم زعامته مقتضى الضرورات الاستراتيجية لهذا الموقف الدولي، ثم لا يطلبون منا على وجه العجلة أن نفتح باب التفاوض معهم في شأن تعديل معاهدة سنة 1936”. قال لي “سري”: “إنه مستوعب لما قلت وطلب إلي أن أساعده بما أقدمه من نصائح شخصية لمن أراهم من أقطاب الوزارة الجديدة”. 

قلت له: “إنني قمت بذلك فعلا وعلى أساس شخصي بحت، وأضفت أنني نصحت هؤلاء الأصدقاء فعلا أن ينتهزوا الفرصة، وأن يحسنوا التعامل مع الملك، وأن يتعاونوا معه في ما يخص مصلحة البلد”. قال لي “سري” (باشا): “إن ما فعلته شىء مفيد للغاية”. 

قال لي “سري” (باشا) “أن الملك سوف يدعو “النحاس” ويكلفه بالوزارة، ومع أن الملك لم يكن يريد أن يرى نفسه في يوم من الأيام مرغما على مقابلة “النحاس” وتكليفه برئاسة الوزارة، إلا أنه الآن يدرك أن ذلك أمر لا مفر منه، مع العلم أنه تلقى تأكيدات بأن “النحاس” سوف يكون هذه المرة حسن السير والسلوك على نحو يفوق كل التوقعات”. 
 

**********

 
ينتقل سير “رونالد كامبل” في تقريره فيشير إلى لقاء له بعد ذلك مع الملك “فاروق”، كان الغرض منه تقديم زائر بريطاني مهم هو اللورد “ماك جوين”، ثم كان أن “فاروق” استبقى السفير بعد انصراف اللورد “ماك جوين” “لأنه كما قال يريد أن يتحدث معه عن بعض التطورات الأخيرة”. وبدأ الملك فقال: “إنه مندهش من تركيبة مجلس النواب الجديد، فغالبية أعضائه كم مجهول لا يعرفهم أحد حتى بين جماهير حزب الوفد، رغم أنهم نجحوا في الانتخابات على قوائمه”. أشار الملك إلى “عبود” (باشا) بوصف: “إنه المهندس الحقيقى وراء نتائج الانتخابات وأسماه “الرجل الخفي وراء الستار”، وقال إنه كان دافع كل الأموال التي صرفها الوفد على الانتخابات، وذكر الملك رقما ضخما في تقديره لما صرفه “عبود” في الانتخابات الأخيرة”، وأضاف بمرارة: “لكنه مهما كان المبلغ كبيرا كذلك قال الملك فإنه لا يزيد بالنسبة لثروة “عبود” عن سردينة اسْتُخْدِمَت لاصطياد حوت”. وعلى هذا الأساس فإن الملك يتوقع أن يكون لعبود نفوذ هائل على الوزارة الوفدية المقبلة، وإلى حد يسمح له بتسخيرها حتى أقصى مدى لتحقيق مصالحه”. 
 

**********

 
انتقل سير “رونالد كامبل” بعد ذلك في تقريره إلى لقاء بينه وبين “إسماعيل صدقي” (باشا) وقال: 

“قابلت “إسماعيل صدقي” (باشا) السياسي المصري المخضرم على عشاء في بيت أصدقاء مشتركين مصريين، وكان متشائما واعتقاده أن المستقبل مظلم وأن الوفد لن يعرف كيف يتصرف في أوضاع تختلف عما تعود عليه في ظروف سابقة، فالنحاس (باشا) ليست لديه إحاطة بالشؤون الدولية، والراجح أن الأشد تأثيرا عليه سوف يكونون الأعلى صوتا بين وزرائه، في حين أن العناصر العاقلة في الحزب سوف تكتم آراءها أو تنأى بنفسها عما يجري”. قال “صدقي” “إنه لا يثق في أي تعهدات يعطيها “فاروق” بالتزام حدوده الدستورية، فقد أدمن على تدخل القصر في كل الشئون حتى في تنقلات الموظفين”. ختم “صدقي” (باشا) تقديره للموقف بأنه لا يستطيع تصور صيغة يمكن أن تستقيم بها الأمور. 
 

**********

 
وأخيرا ينتقل السير “رونالد كامبل” في تقريره إلى لقاء بينه وبين “كريم ثابت” جرى قبل ليلتين ويكتب: “سألت “كريم” عن مزاج الملك الحقيقي عندما تلقى نتائج الانتخابات، وأكد لي أن الملك استقبل النتيجة بروح رياضية، وبنفس هذه الروح فإنه كلف “النحاس” بتشكيل الوزارة، وكلف “سري” برئاسة الديوان، ذكرت له بعض ما سمعته من الملك عن نتائج الانتخابات، ورجائي عدم نسيان أن الملك أحيانا يعبر عن مشاعره بطريقة عفوية، خصوصا مع الأصدقاء، ثم ذكر لي أنه من الضروري عليّ أن أقدر موقف “جلالته” إزاء زعيم الوفد، لأن “جلالته” لا يستطيع نسيان إهانة 4 فبراير سنة 1942، لكن الملك في الحقيقة على استعداد لأن ينسى ويفتح صفحة جديدة مع الوفد على أن ذلك حتى من الناحية الإنسانية يتطلب وقتا!”.

وتُظهر ملفات وزارة الخارجية البريطانية (5187 بتاريخ 21 يناير 1950) أن ذلك التقرير المستفيض من السفير البريطانى وصل إلى وزير الدولة البريطانى وقتها “هكتور ماكنيل” الذي علق عليه بخط يده يوم 25 يناير بما نصه: 

“إننى أشعر بالقلق وأنا أقرأ التقارير الأخيرة من سفيرنا في القاهرة، خشية أن يبدو موقفنا وكأن لدينا شيئا من التعاطف مع الملك، إن عودة “النحاس” إلى الحكم تؤكد إلى جانب علامات أخرى شعورا لدى الناخبين معادٍيا للقصر، ومع اعتقادي بأن نسبة المشاركة في التصويت ضئيلة جدا، فإن ما يمكن استخلاصه منها هو أن الطبقات ذات الوزن في مصر لم تعد على استعداد لهضم تصرفات “فاروق” وهذه ظاهرة مهمة. 

إنني أقترح ألا نقترب أكثر من اللازم من “النحاس” رغم كل ما قدمه لنا من خدمات، وأن نحتفظ لأنفسنا بمسافة عما يجري، فضلا عن أنني أظن أن “النحاس” لن يستطيع بسهولة أن يتخلص من الشعارات الوطنية التى أطلقها رؤساء الوزارات الذين سبقوه في السنوات الأخيرة، ومن المهم أن يفهم ذلك الملك الصغير “فاروق” دلالة نتائج التصويت الأخير، وإذا فهم فسوف يكون عليه أن يتواضع، وفي كل الأحوال فليست لدينا دموع نذرفها إشفاقا عليه”. 

ثم يضيف وزير الدولة “هكتور ماكنيل” إلى ما سبق فقرة شديدة الغرابة: 

“إن السفير يحسن صنعا لو نسق خطاه مع “عبود” (المليونير أحمد عبود باشا)، نحن نعلم أن “عبود” نصاب (Crook)، ولكن ميزة الرجل أنه لا يخفي حقيقته سرا، ثم إنه رجل بارع جدا فيما يقوم به، ومع أن مصالحه هي التى تحركه، إلا أنه يبقى أنفع لنا وسط هذه الفوضى في القاهرة. وفي كل الأحوال فإن علينا أن نبقى بعيدين لبعض الوقت، ونترك الأمور لتفاعلاتها في مصر، ونقوم نحن بِطَى أشرعتنا Trim Our Sails. 
إمضاء: ه. ماكنيل! 

 

**********

4
مشهد “الذروة” في مأساة السياسة المصرية

 
بعد إجراء الانتخابات البرلمانية التى أشرفت عليها وزارة “حسين سري” (باشا) في أول يناير 1950، وبعد ظهور نتائجها مؤكدة نجاح حزب الوفد فيما يشبه الاكتساح الكامل للدوائر كانت الأحوال النفسية للملك “فاروق” تتقلب بسرعة على مسار متعرج: 

فهو الغضب أولا على “حسين سري” الذي عجز عن ضبط النتيجة ثم هو القبول بما حدث لأنه أصبح أمرا واقعا يصعب تجاوزه وبالطبع فقد كان الأفضل ألا يعود “النحاس” (باشا) إلى رئاسة الوزارة حتى ولو كان زعيما للأغلبية لكنه في نفس الوقت فإن المرشح البديل (في تقدير حاشية الملك) وهو “فؤاد سراج الدين” ليس قادرا أو ليس جاهزا الآن لأسباب أقوى من طموحه ثم إنه ليس هناك داخل الوفد بديل آخر جاهز للدور، خصوصا أنه ليس بمقدور أحد في الوفد أن يقبل رئاسة الوزارة دون موافقة “النحاس” (باشا) يزيد على ذلك أنه مما لا يقبل شكا أن “النحاس” (باشا) مصمم على حقه، وأن المؤثرين عليه وأولهم قرينته “زينب هانم الوكيل” أكثر منه تصميما وإذن فليس أمام “فاروق” غير أن يستدعي “النحاس” (باشا) إلى قصر عابدين، ويكلفه مهما كان طعم المرارة في حلقه بتشكيل الوزارة الجديدة. 

وكان أكثر ما يثير توقعات الملك “فاروق” أن كل الإشارات والتلميحات الواصلة إلى القصر تؤكد أنه في هذه المرة سوف يلتقي (بمصطفى باشا) لم يتعرف عليه من قبل، لأنه في التجربة الراهنة رجل جديد تماما، مستعد للخدمة بغير تحفظات، مفتوح القلب، متخفف من كل أثقال الماضي ورواسبه. 

وبعدها لم يعد الأمر مجرد إشارات وتلميحات، لأن قرينة رئيس الوفد انتهزت مناسبة اجتماعية التقت فيها مع “سعدية هانم” قرينة “حسن يوسف” (باشا)، وإذ هي تطلب منها توصيل رسالة إلى قرينها (وكيل الديوان) مؤداها أن جلالة الملك لن يندم إذا أتاح “لرفعة الباشا” فرصة جديدة يثبت فيها ولاءه للعرش وإخلاصه “لمولانا”، وأن صفحة بيضاء لابد أن تُفتح بين جلالة “الملك” و”مصطفى” (باشا) دون أن تترك مجالا “للدساسين” الذين عاشوا وحققوا مآربهم “باللعب” على الحبال بين القصر والوفد. 

وفوجئت “سعدية هانم” بما سمعته من قرينة “زعيم الوفد”، لأنها على طول حياتها مع زوجها، لم تسمح لنفسها بالخروج عن دور الزوجة، وقد كانت تتمنى أن تجد “زينب هانم” أحدا غيرها لإبلاغ رسالتها، لكنه لم يكن في وسعها “من باب الأدب والاحترام” لزينب هانم بُدٌّ من أن تسمع الرسالة إلى الآخر. 

وعندما نقل “حسن يوسف” (باشا) إلى الملك “فاروق” ما سمعته زوجته من “زينب هانم”، أبدى “فاروق” تشككه، وكان تعليقه: “ح يقول كلام النهارده ويرجع فيه بكره!”. 

على أن لحظة الحقيقة جاءت أخيرا عندما التقى الملك مع “النحاس” وجاءت هذه اللحظة متفوقة على كل التوقعات والاحتمالات، متجاوزة كل الحدود سياسية وتاريخية في العلاقات بين القصر والوفد. 

عندما دخل “النحاس” (باشا) (وفق شهادة “حسن يوسف” (باشا) و”حسين سري” (باشا) و”على رشيد” (باشا) الأمين الأول) إلى مكتب الملك ليتلقى التكليف، هَمَّ “فاروق” واقفا مبادرا بعبارة “مبروك يا باشا ثقة الناس فيك، وإن شاء الله تحقق لهم “هذه المرة” ! ما ينتظروه”. ورد “النحاس” (باشا) إنه قبل أن يتكلم في أي شيء فإن لديه عند “مولانا” طلب هو مصمم عليه ولن يحيد عنه”. 

(وقال الملك “فاروق” بعد المقابلة لحسن يوسف (باشا) أنه توجس عندما سمع مقدمة “النحاس” وقال في سره “ابتدينا”!)

وعلى أي حال فقد رد على “النحاس” بقوله: “خيرا يا باشا تفضل). وقال “النحاس”: “إنه يريد أن يأذن له الملك بتقبيل يده الكريمة تأكيدا وتعزيزا لولائه للعرش وللملك فاروق”. 

وفوجئ الملك وكان رده بسرعة “العفو يارفعة الباشا” لكن “النحاس” (باشا) أصر ومد يده وأمسك يد الملك الذي حاول أن يسحبها ولم يستطع بسبب حرصه على ألا يشتد في المقاومة مع رئيس وزرائه “الشيخ”! 

واستغرقت المقابلة ثلاثة أرباع الساعة عرض فيها “النحاس” (باشا) أفكاره عن تشكيل وزارته وعملها. 

(لكن الملك “فاروق” قال بعد المقابلة “إنه لم يستوعب أي شيء مما قاله النحاس”، لأن فكره كان مشغولا بالمشهد الافتتاحي للقاء. وذكر “فاروق” ما معناه “إن فكره شرد لبعض اللحظات، وتمنى لو أن “روح” الوالد الملك “فؤاد” كانت موجودة في المكتب لترى كيف نجح الابن فيما عجز عنه الأب طول سنوات جلوسه على العرش في “تأديب” زعيم الوفد “المشاكس” و”العنيد”!)

ولأيام بعد هذا المشهد الذي لا يُصدق كانت الدوائر السياسية والحزبية والدبلوماسية في مصر مأخوذة بالصورة، كما تناقلتها الروايات والحكايات في قصور العاصمة ومنتدياتها السياسية. 

(وكان المشهد لسوء الحظ حقيقيا وليس ادعاءً من صحف دار أخبار اليوم لتشويه سمعة الوفد ورئيسه كما قيل فيما بعد!)

والسؤال الذي حير الجميع وقتها بمن فيهم كثيرون في القصر الملكي نفسه هو “لماذا تَصَرَّف رئيس الوفد على هذا النحو؟!” والحاصل أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد تفسير كاف يتسع لحجم المعنى الرمزي “الهائل” لما وقع في مكتب الملك “فاروق” ذلك اليوم. 

وربما أن التفكير على مهلٍ يستطيع أن يكشف عن أسباب ظاهرة تماما، ويومئ إلى أسباب أخرى غير ظاهرة تماما، لكن المشهد في حد ذاته وفي وقته كان يغطي على كل الأسباب: مرئية أو محسوسة أو حتى خفية تطال بالظنون، مهما كان ما تعتمد عليه هذه الظنون من استنتاجات. 
 

**********

 
وفي هذه الواقعة فقد سمعت وسجلت روايات كل من: “حسين سري” (باشا) و”نجيب الهلالي” (باشا) و”حسن يوسف” (باشا) و”كريم ثابت” (باشا) و”مكرم عبيد” (باشا) الذي استبعدت شهادته عند كتابة هذا الحديث، فقد وجدتها رغم إعجابي بكثير من مزايا “مكرم” (باشا) متحيزة بقسوة ومعبأة بشحنة من الكراهية العميقة والعنيفة لقرينة “النحاس” (باشا) ولفؤاد سراج الدين (باشا)، لدرجة أن “مكرم” (باشا) روى عن تفاصيل مشهد وصل إليه خَبَرُهُ وقع بين “مصطفى” (باشا) وبين “زوزو” (كما كان يسمى زينب هانم) وهو مشهد بدا لي وقت سماعه وما زال كذلك حتى الآن مستحيلا على التصديق! 
 

**********

 
على أنه باستقراء الوقائع ومضاهاة الروايات يمكن تصور خلفية عامة لذلك المشهد الذي وقع في مكتب الملك “فاروق” يوم جاءه “النحاس” (باشا) يتلقى منه تكليف تشكيل الوزارة ثم إذا بالنحاس (باشا) (بكل ما يمثله) يبدأ المقابلة بطلب يتمسك به وهو تقبيل يد الملك (بكل ما يرمز إليه).

والصورة التى يمكن اعتمادها لخلفية هذا المشهد (وهو ليس مجرد مشهد ضعف إنساني عابر، بل هو نقطة فصل في السياسة المصرية، تجمعت فيها دواعي سقوط عصر بأكمله ما بين ثورة سنة 1919 وحتى ثورة سنة 1952) ترسم ملامح ظاهرة ومعقولة لما جرى: 

- كان الوفد كحزب سياسي يملك الأغلبية الساحقة بين جماهير الشعب المصري يعتمد دائما على قيادة عُليا قوية، دورها أن تحرك وتلهم. 

وفي بداية صعود الوفد، فقد كان على رأس الحزب رجلان: “سعد زغلول” (باشا) و”فتح الله بركات” (باشا): سعد يقود وبركات ينظم. 

- وبعد رحيل “سعد” ظهرت في الوفد قيادة أخرى: “مصطفى النحاس” (باشا) و”مكرم عبيد” (باشا): “النحاس” هو “الزعيم الجليل”، و”مكرم” هو “المجاهد الكبير” مرة ثانية الأول يقود والثاني ينظم. 

- وبعد خروج “مكرم عبيد” (باشا) وكان ذلك آخر وأخطر انشقاق في الوفد وقع على قيادة الوفد تغيير، فالأستاذ “صبري أبو علم” الذي خلف “مكرم عبيد” على السكرتارية العامة للوفد كان محاميا من قلب الريف، وكان قديرا في مهنته لكن مشكلته كانت “شدة محليته” و”محدودية تجربته”، (في حين أن “مكرم عبيد” جاء من جامعة أوكسفورد إلى قلب الشارع المصري، ثم إنه حاز ثقافة عريضة أخذته من حفظ القرآن كاملا إلى استيعاب أفكار الجمعية “الفابية” بعمق، إلى جانب أنه كان خطيبا “ساحرا” لا يقرأ من خطب مكتوبة، مقبولة في صياغتها وإلقائها وإنما كلمات تتدفق لهبا وتتدحرج جمرا). 

- يزيد على ذلك أنه في فترة وزارة 4 فبراير وما تلاها حتى إقالة وزارة الوفد (8 أكتوبر 1949) كان الوفد في السلطة، والإنجليز وراءه، والأحكام العُرفية مُعْلَنَة، وظلام الحرب يحجب كل شىء وبالتالي لم يكن الحزب في حاجة إلى عمل سياسي جماهيري، أي أنه في الواقع لم يكن في حاجة إلى قوة تحرك أو إلهام يستثير! 

- لكن الأمور اختلفت بعد الإقالة (1944) وهي لم تختلف في الداخل وحده، وإنما في “الإقليم المحيط بمصر” وكذلك في العالم الخارجي بعد خمس سنوات من نهاية الحرب العالمية وهنا تبدت أزمة الوفد: فالنحاس (باشا) من ناحية كان مُرهقا بعبء سنوات طويلة من الكفاح إلى جانب أثقال المرض التي نزلت عليه ومن ناحية أخرى فإن القوة الحقيقية تلك الفترة في الحزب كانت قيادة ثنائية مؤجلة لأنها كانت شراكة بين قرينة رئيس الوفد “زينب هانم الوكيل”، وبين السكرتير العام الصاعد في الوفد “فؤاد سراج الدين” (باشا). 

وإلى حد ما فإن فؤاد سراج الدين كان على نمط “صبري أبو علم” (باشا) هو الآخر أسير “محليته” و”محدودية تجربته”، (والفارق بين الرجلين أن “فؤاد سراج الدين” واثق من نفسه بحكم الطبقة التي جاء منها، ثم إنه أكثر نشاطا بحكم شبابه، وفوق ذلك فهو رجل يسهل على الذين يعرفونه أن يحبوه لمزاياه الشخصية، وفيه ذكاء فطري لماح، وشهامة تجهد نفسها لإرضاء الجميع، وابتسامة حلوة غير متكلفة، حاضرة طول الوقت). 

ومن الناحية الواقعية فإن هذه القيادة الثنائية في قلب الحزب لم تكن تستطيع أن تخرج إلى الناس كفريق عمل متكامل فيه من يقود وفيه من ينظم. والتقدير المنطقي لهذه القيادة الجديدة وقتها أنها كانت قوة تستطيع أن تؤدي دورها في الصالونات، وفي الاجتماعات المغلقة، وتقدر على الاتصال والمناورة وتذليل العقبات وإجراء الاتصالات وعقد الصفقات لكن تلك ليست روح الوفد، ولا هي حركته المؤثرة بين الجماهير المصرية. 

- وعندما دب النشاط وسرى الدم في العروق بمد جسور الاتصال تمهيدا لعودة الوفد إلى السلطة في يناير سنة 1950 كان أول ما تَكَشَّفَ أن القوة الحقيقية داخل الوفد ممثلة في التحالف بين قرينة رئيس الوفد والسكرتير العام للحزب ليست كما كان العهد بها وكما كان متصورا! 

كان التحالف بين الاثنين ما زال قائما لكنه لم يعد على تماسكه السابق، بمعنى أن ضرورات الواقع ظلت تضمه وتحافظ عليه، ولكن الطبائع الإنسانية على طول السنين واختلاف المقادير ومؤثرات المناخ مضت تثير شكوكا بين الاثنين فيها المبرر وفيها المتوهم. 

والمحصلة أنه حين تمت صفقة عودة الوفد إلى السلطة، وجرت الانتخابات، وفاز الوفد كانت قرينة “النحاس” (باشا) فيما تقول به كل الشهادات الموثوق بها “ترفض بشكل قاطع أن يجور أحد مهما كان على حق “رفعة الباشا” ومقامه”. 

كان إصرارها كما بدا لكل العارفين والمتابعين بمجرى الحوادث والمشاعر أيامها: 

أن أي كلام حول رئيس آخر غير “مصطفى” (باشا) مستحيل. 

أن “رفعة الباشا” لا يجب أن يترك اتصالاته وعلاقاته مع الملك لأي شخص آخر مهما كانت ثقته فيه. 

أن سنوات البُعْد عن السلطة (من 1944 1950) أضرت “بكل الناس”، ولابد أن يكون تفاهم “الباشا” هذه المرة مع “الملك” نهائيا وبدون رجعة، لأن الظروف وضعت سلطة تكليف رؤساء الوزارات وحل البرلمانات في يد “فاروق” وحده، فلا إنجليز الآن في القاهرة يفرضون بالدبابات، ولا “شارع سياسي” يتصدى لمعارضة إرادة الملك وهي معززة بسلطة أجهزة الدولة، وأما “بعد ذلك فإنه كفانا كلاما يضر ولا ينفع!”. 

- وكانت “زينب هانم” قد سمعت بالتفصيل عن رغبة ملكية في أن يحل وفدي آخر “فؤاد سراج الدين” بالذات محل “رفعة الباشا”، وقد علمت أن “فؤاد” رفض العرض فور سماعه، لكن شكوكها لم تهدأ وخشيتها أنه في “ظرف محتمل” فإن “فؤاد” قد يقبل غدًا ما اعتذر عنه اليوم، خصوصا وهو راغب فيه “داخل قلبه”. 

وبالتأكيد فإنه مما يمكن تصوره أن هواجس “زينب هانم” كانت “عميقة وقوية” إلى حد يسمح لكلامها أن يؤثر على زوجها صراحة أو إيحاءً، والشاهد أن المنطق الذي تَبَنَتْهُ “زينب” يمكن تَبَيُنَهُ من خلال حوار على مائدة بيتها، حضره “نجيب الهلالي” (باشا) بعد مشهد التكليف وأثناء مشاورات تأليف الوزارة وتوزيع اختصاصها، فقد قالت قرينة رئيس الوفد للجميع ما مؤداه: “إن الباشا كان عليه أن يذهب مع الملك إلى أقصى حد “يطمئنه” و”يريح باله”، الرجل (تقصد الملك) يشعر بجرح في كرامته بسبب إهانة 4 فبراير 1942، ولذلك فلا بد من “حركة” غير عادية حتى يشعر الملك بصفاء نية “الباشا” ويطمئن ويستريح، الكلام وحده لم يكن كافيا وإنما لابد من “فِعْلْ”! 

وأكدت قرينة “النحاس” (باشا) تحليلها بقولها ما معناه “إن قوة الوفد الحقيقية حين يكون في الحكم وليس حين يكون معزولا في “البيت” بلا حول ولا طول، وهو في الحكم يستطيع أن يخدم الناس، وهو في بيته لا يستطيع أن يخدم حتى نفسه”. 

 

**********

5
حروب أهلية داخل الوفد

 
لم تكن “زينب هانم الوكيل” وحدها المتشككة، وإنما كان هناك آخرون غيرها ساورتهم شكوك في أن “فؤاد سراج الدين” (باشا) وقد كان هو ممثل الوفد المتحدث باسمه في صفقة عودة الحزب إلى الحكم سواء مع السفارة البريطانية ممثلة بالوزير المفوض “تشابمان أندروز” أو مع القصر الملكي (ممثلا بالمستشار الصحفي للملك “كريم ثابت” (باشا) (وبرعاية “أحمد عبود” باشا في الحالتين) سوف يكون هو المُمسك بكل المفاتيح يتصرف في الأبواب كما يشاء، بمعنى أنه يقدر أن يتأخر مرة عن رئاسة الوزارة (رغم تحريض ملكي) ويقدم “النحاس” (باشا) على نفسه، أو يتقدم مرة ثانية (بدافع طموحه الإنساني) ويُرضي ضميره ويشتري سكوت آخرين بأن يرفع “النحاس” (باشا) إلى أعلى تاركا له لقب زعيم الأمة مدى الحياة ببيعة شعبية وربما رئاسة مجلس الشيوخ باعتباره نبع الحكمة (وكان ذلك تقدير “حافظ عفيفي” (باشا) رئيس الديوان الملكي فيما بعد). 

ومعنى ذلك أن الشكوك كانت تساور الجميع في بيت زعيم الوفد وفي الحزب الذي يقوده. 

وفي المحصلة النهائية فقد كانت “زينب هانم” في البيت تشك بغريزة سيدة بلغت سن النضج وقاربت الأربعين من عمرها ثم إنه في الحزب كانت شكوك لدى القدامى من رجال الوفد توسوس لهم أن “فؤاد سراج الدين” يسعى للسيطرة على الحزب ويتطلع أكيدا إلى رئاسة الوزارة. 

وعلى أي حال فقد كانت عملية تشكيل الوزارة واختيار أعضائها هي المناسبة التي عبرت فيها كافة الشكوك عن نفسها، والظاهر أن “مصطفى النحاس” (باشا) نفسه كان لحظتها في “نوبة يقظة” عادت فيها إليه ملكات السياسي “الواعي” الذي كانه ذات يوم، وقد لاحظ كثيرون حتى في القصر الملكي أن “النحاس” (باشا) يمسك الزمام في عملية تشكيل الوزارة، ويُصغي إلى كثيرين ويبحث وجهات نظر متعددة، ويبذل جهدا كي يقرر ويختار، وبعض الاختيارات محصلة لحسابات معقدة لا يبوح بها لأحد. 

وقد اختار “فؤاد سراج الدين” (باشا) لوزارة الداخلية وهو منطقي. 

لكنه اختار معه “محمد صلاح الدين” (باشا) لوزارة الخارجية وهو يعلم بما بين الاثنين من تنافر في الشخصية وفي الرؤى. 

وفي شأن وزارة الحربية وهي وزارة يعرف “النحاس” (باشا) أنها تهم القصر فإن رئيس الوفد لم يأت معه لهذه الوزارة هذه المرة بوزير عسكري كما كان يفعل عادة باختيار اللواء “حمدي سيف النصر”، وإنما اختار مهندسا مدنيا هو “مصطفى نصرت”، والإيحاء أن ذلك المهندس المدني يستطيع التعاون دون تعقيدات (عسكري ضد عسكري) مع الفريق “محمد حيدر” (باشا) رجل القصر القوي الذي تعهد رئيس الوفد مقدما للملك، أنه سوف يقدم مرسوم تعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة. 

وكانت المفاجأة الأهم في التشكيل الوزاري أن “النحاس” (باشا) اختلى طويلا بأحمد نجيب الهلالي (باشا)، وظن بعضهم أن “رفعة الباشا” يعرض عليه مقعدا وزاريا، لكن هؤلاء اكتشفوا أن “نجيب الهلالي” اعتذر عن أي منصب، قائلا للنحاس (باشا) “إن دخوله الوزارة الآن قد يسبب مشكلة لأن الملك حتى هذه اللحظة لم يغفر له (للهلالي) أنه الذي قاد حملة الرد على الكتاب الأسود (عريضة مكرم عبيد) في مجلس النواب (1943)، وأنه في معرض رده هاجم رئيس الديوان الملكي “أحمد حسنين” واتهمه باستغلال نفوذه. وكانت اللهجة التي استعملها “الهلالي” في ذلك الوقت تتجاوز “حسنين” (باشا) إلى “فوق”. 

وفى الظروف المستجدة كان رأي “نجيب الهلالي” أن الأسلم بقاؤه بعيدا عن المناصب الوزارية ورضى “النحاس” (باشا)، على أن “الهلالي” في نفس اللحظة استطاع إقناع “النحاس” (باشا) بأن الوقت قد حان لتغيير الأسماء التقليدية المتكررة في تشكيل وزارات الوفد بحيث يحس الناس، وترى أجيال جديدة أن الوفد قابل للتطور. وفي تلك الخلوة الطويلة فإن “الهلالي” (باشا) قدم لزعيم الوفد قائمة برجال وصفهم “بأنهم وجوه شابة متعلمة مجربة تملك لو واتتها الفرصة أن تحصل على احترام الناس، بما يعيد للوفد صورته الأولى ك: “مصنع قيادات”. 

وكانت القائمة تشمل أسماء لافتة للنظر، معظمهم أساتذة جامعات، ومع أن بعضهم كان دون “ماضٍ” وفدي يدعم ويؤيد فإن “النحاس” (باشا) وافق أن يعطيهم الفرصة. وكان أبرز هؤلاء: الدكتور “حامد زكي” (وزيرا للدولة في رئاسة الوزارة بجانب “رفعة الباشا”) والدكتور “زكي عبد المتعال” (وزيرا للمالية بناءً على خدمة طويلة في البنك الأهلى) والدكتور “أحمد حسين” (وزيرا للشؤون الاجتماعية وكان من قبل وكيلا لهذه الوزارة). 

وكانت الجائزة الكبرى التي عرضها “نجيب الهلالي” على “النحاس” (باشا) في آخر الخلوة ترشيح الدكتور “طه حسين” وزيرا للمعارف، وقد تردد “النحاس” (باشا) لوهلة، مبديا تحسبه من أن “طه يمكن أن يشطح” لكن زعيم الوفد لم يلبث أن غير موقفه على أساس أن “طه حسين” سوف يعطي للوزارة “رونقا” يعجب “المتعلمين في البلد”. 

وكان تعليق “فؤاد سراج الدين” عندما عرف بما وقع في خلوة “النحاس” (باشا) مع “الهلالي” (باشا) قوله: “أصبح في الوفد الآن حزب من الدكاترة” وشاع وصف “حزب الدكاترة” بعد ذلك في القاموس الوفدي. ومع أن “فؤاد سراج الدين” أحس بذكائه أنها محاولة لتطويقه أو على الأقل لتحجيم دوره في الوزارة بما يشبه انقلابا دبره “الهلالي” فإنه لم يُبْدِ تبرما، واثقا ربما من قدرته على كسر الطوق، ومُراهنا على أن “الدكاترة” لا يعرفون ما فيه الكفاية عن ممارسة الحكم في مصر، وكل ما لديهم مجرد “أحلام” و”نظريات” سوف تنتهي عاجزة أمام الواقع! 

ويستحق الملاحظة هنا أن “فؤاد سراج الدين” (باشا) بدأ ينتهج سياسة خاصة به لمواجهة محاولات تطويقه، فعندما وجد أن الحزب ينقسم إلى مجموعات وكتل تتصادم مع بعضها أو تلغي إحداها تأثير الأخرى رأى أن يلتفت إلى خارج الحزب باحثا لنفسه عن “قاعدة قوة” يستطيع الاستناد عليها أو على الأقل استغلال دورها أو نفوذها. وكان اختياره منطقيا ومتسقا مع طبيعته الشخصية ومع طبيعة الأحوال في نفس الوقت وهكذا التفت “فؤاد سراج الدين” (باشا) إلى البوليس، وخطته أن يكسب الشعور العام في صفوف ضباطه أولا ثم يعزز مركزه بحركة ترقيات وتعيينات واسعة تؤكد نفاذه عميقا داخل مؤسسة الأمن، وكان المنطق وراء هذه السياسة واضحا: 

فهو نفسه وزير الداخلية المكلف بالبوليس وعن مؤسسته المسئولة عن الأمن. 

وهو يعرف أن البوليس على علاقة سيئة من أيام الإضراب مع أحزاب الأقلية إلى درجة أن ضباطه اتهموا بالانحياز للوفد وإنجاحه اكتساحا في انتخابات سنة 1950 (رغم تعليمات القصر)، وإذن فهناك “ثأر قائم ونائم”. ومثل هذا النوع من العلاقات والمناورات مجال يحفظه ويتقنه أي “عمدة” مجرب في الريف. 

يُضاف إلى ذلك أنه إزاء إحساس عام بوجود أزمة في “الأمن” بعد كل ما جرى في السنوات الخمس ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) ومجيء وزارة الوفد الأخيرة (1950) فإن المجال مفتوح لوزير الداخلية لكي يحصل دون معارضة تُذْكَرْ على كل الاعتمادات اللازمة ل “تحسين أحوال البوليس”، وهنا يتجلى نفوذه. 

وكذلك أنشأ “فؤاد سراج الدين” إدارة خاصة في مكتبه من “نظاميين ومدنيين” مهمتهم القيام بحملة علاقات عامة بين مكتب الوزير وبين مؤسسة البوليس. 

وقد لمحت ثلاث من السفارات الأجنبية في القاهرة محاولة “سراج الدين” بناء نوع من الولاء الشخصي له في البوليس، وهي سفارات بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وسجلتها في تقاريرها إلى عواصم بلادها، مشيرة إليها كظاهرة، بل إن سفير فرنسا كتب “إن وزير الداخلية وهو يعرف أن الملك هو القائد الأعلى للجيش يريد أن يجعل نفسه “القوميسير” الأكبر للبوليس!”. 

ويقول السفير البريطاني السير “رالف ستيفنسون” في تقرير علق به على نفس الظاهرة “إنه ليس واضحا لماذا يبني “فؤاد سراج الدين” لنفسه هذه الشعبية الشخصية وسط البوليس، فهذا نفوذ يصعب تصور أن صاحبه يستطيع استعماله لحسابه الخاص إزاء أي تحدٍ حزبي أو سياسي يواجهه، والغالب أنه منطق “ادخار” (تحويش) أدوات السلطة، بصرف النظر عما يمكن أن تستعمل فيه هذه الأدوات، وربما أنه تعبير عن “قلق” ذاتي لا يفصح عن نفسه!”. 

وخلال الأسابيع والشهور التالية لتشكيل الوزارة الوفدية الجديدة، فإن نفس تقارير السفارات البريطانية والأميركية والفرنسية راحت تحفل بملاحظات ترسم صورة بدت متناقضة كلها مع الدافع الرئيسي الذي استوجب التقارب بين القصر والوفد وهو بالتحديد مواجهة حالة نذير يوشك أن يتحقق نتيجة سوء الأحوال في البلاد بعد سنوات طويلة من التخبط والفوضى، مع اتفاق بين الجميع على أن مصدر الخطر هو التقاء جيش مجروح عائد من فلسطين، بشعب موجوع تكاثرت عليه الهموم الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب حالة توتر أمني، خصوصا بعد سنوات دوت خلالها انفجارات القنابل في الشوارع، ولعلع رصاص أودى بحياة رجال بارزين وساسة لهم شأن، واغتيال زعماء وراءهم جماهير. والشاهد أنه تبدى لكل المراقبين وأولهم سفارات القوى الكبرى أن الذين تمنوا أن يروا تعاونا بين القوتين الأكبر في الداخل: القصر والوفد لإيقاف حالة من التردي العامة أصابت الشأن المصري وأضرت به ما لبثوا أن اكتشفوا أن المحصلة النهائية لكل ما تمنوه وسعوا له أصبح اتفاقا بين الوفد والقصر يقسم السلطة بينهما، وفي الجوهر فإنه لم يكن اقتساما للسلطة وإنما كان توافقا على ألا يتعرض أحد الطرفين للآخر، وبدا لكل المراقبين على الأرض أن كلا من الطرفين انشغل بأحواله وتلهى بها! 

وفي واحد من آخر التقارير التي كتبها السير “رونالد كامبل” قبل أن يترك السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزير الخارجية (أرنست بيفن الزعيم العمالى المرموق)، قال السير “رونالد كامبل” (رقم 50/33/1011): 
ملاحظاتي على الموقف: 

1 قابلت “حسين سري” (باشا) رئيس الديوان الملكي المُعَيَّن أمس 25 فبراير، وكان حديثه متشائما عن قدرة الحكومة الوفدية الجديدة على إنجاز شيء. 

2 صحة “النحاس” (باشا) ساءت جدا، وإرهاقه أصبح باديا للعيان بعد ومضة نشاط ظهرت منه أثناء مشاورات تشكيل الوزارة. 

3 في الوزارة الجديدة ثلاث كتل متصارعة على النفوذ، الأولى: مجموعة تلتف حول “فؤاد سراج الدين” وأظهر من فيها “إبراهيم فرج” (وزير الشؤون البلدية والقروية). والثانية: مجموعة محسوبة على “نجيب الهلالي” (باشا) وفيها الدكتور “طه حسين” والدكتور “زكي عبد المتعال” والدكتور “حامد زكي” والدكتور “أحمد حسين”. والثالثة: مجموعة من الوفديين القُدامى يعتبرون أنفسهم على صلة برئيس الوفد له وحده ولاؤهم ويُلاحظ أن وزير الخارجية “محمد صلاح الدين” يقف “مجموعة” وحده ويفضل أن يمارس الشؤون الخارجية بمفرده بتفويض من “النحاس” (باشا) مباشرة. 

4 يبدو واضحا أن “فؤاد سراج الدين” ما زال الرجل الأقوى في الحزب، وهو يتصرف باعتباره خليفة “النحاس” (باشا)، لكنه في هذه الأيام يمشي متواريا بطيء الخطى حتى ينفي الأقاويل التى تتهمه بأنه متعجل لإقصاء “النحاس” (باشا) عن رئاسة الوزارة لكى يجلس مكانه. 

5 والملحوظ أن “فؤاد سراج الدين” (باشا) يصرف جهدا كبيرا في تنمية علاقاته مع القصر الملكي عن طريق “كريم ثابت” الذي يأمل في مساعدته بسخاء أكثر حين يصل لرئاسة الوزارة. 

6 هناك شعور بأن مجموعة الوزراء المحسوبين على “نجيب الهلالي” (باشا) ينتظرون فشل التركيبة الحالية للوزارة، ويلعبون مع “نجيب الهلالي” لعبة صبر وانتظار حتى يكون هو خلف “النحاس” (باشا) المفضل حين تجيء اللحظة المناسبة. ومع أن مجموعة “الهلالي” متماسكة إلا أن خلافا بدأ يظهر بين الدكتور “زكي عبد المتعال” وزير المالية والدكتور “طه حسين” وزير المعارف الذي يُلِح في طلب اعتمادات أكثر لمشروعات تعليمية أثيرة عليه. 

7 ومن المحسوس به أن الملك “فاروق” غير راض عن مجموعة “الهلالي” لأن خطابهم ما زال موجها إلى عناصر الوفد التقليدية المعادية للقصر في صفوف الوفد، وقد لفت النظر أن الدكتور “حامد زكي” رفض عامدا أن يُقَبِّل يد الملك كما فعل غيره. وقد علمت أن الملك قال للدكتور “طه حسين” مباشرة “قيل لي إنك شيوعي يا باشا”، وارتبك الدكتور “طه حسين” من المفاجأة. 

8 الصراعات بين المجموعات المختلفة في الوزارة ظهرت على السطح، فقد تناقضت تصريحات الوزراء مع بعضها وخرجت جريدة يملكها شقيق لفؤاد سراج الدين تهاجم الدكتور “حامد زكي”. وذهب الدكتور “محمد صلاح الدين” إلى “النحاس” (باشا) يطلب تدخله لتحديد اختصاصات كل وزير، لأنه يخشى أن بعض الوزراء تستهويهم القضية الوطنية فيصدرون بشأنها تصريحات لا ضرورة لها، بينما هو بوصفه وزيرا للخارجية يستعد لفتح باب المفاوضات معنا (مع الإنجليز). 

9 وقد تأكد لي فعلا أن هناك تضاربا في التصريحات بين الدكتور “حامد زكي” و”محمد صلاح الدين” و”فؤاد سراج الدين”، وخشيتي أن الوزارة الجديدة قد تعجز عن توفير الخبز للناس ثم يعوضون ذلك بتوفير الشعارات الحماسية. 

10 سألت “عبود” (باشا) عن الأوضاع، وأكد لي أن “فؤاد سراج الدين” ما زال “الرجل الكبير” في الوفد، وهو على وجه التأكيد خليفة “النحاس” على رئاسة الوزارة، وأبدى “عبود” تخوفه من تيار بين قُدامى الوفديين والجُدد يحذر من التكالب على إرضاء القصر وكسب رضا الملك بأي ثمن! 

وأبدى لي “عبود” أنه مع أن “النحاس” (باشا) يركب “حصان الدكاترة” إلا أن هؤلاء الدكاترة لن يحصلوا على الاعتمادات اللازمة لتحقيق مشروعاتهم وسوف ينكشف أمرهم أمام الجميع. 

وعبر لي “عبود” (باشا) كذلك عن نقد صريح لفؤاد سراج الدين بسبب عدم قدرته على التعامل مع “مجموعة الدكاترة”، رغم أن في استطاعته “مداراتهم حتى ينكشف أمرهم وتضيع هيبتهم، وعلى أي حال فهو يأمل أن يستطيع “فؤاد” بسرعة أن يتدارك ما فاته”. 

ومضت أسابيع وذهب سفير بريطاني هو السير “رونالد كامبل” وجاء سفير بريطاني آخر هو “رالف ستيفنسون”، الذي وقع الاختيار عليه ليمثل بريطانيا في القاهرة، تحسبا لمرحلة خطيرة قادمة فيها احتمالات تفاوض بين مصر وبريطانيا! وكتب السفير الجديد السير “رالف ستيفنسون” تقريره الافتتاحي (رقم 5/100/1011): 

1 “لقد مضت شهور قليلة على عودة الوفد للسلطة ويبدو للعيان الآن أن الحكومة الجديدة خيبت مبكرا توقعات الرأي العام إزاءها، بمن فيهم أنصار الوفد وأصدقاؤه. ومن الواضح أنها فشلت في استيعاب دروس الماضي ولم تستطع الارتفاع إلى مستوى التوقعات المنتظرة منها. 

وما يدعو أي مراقب إلى مثل ذلك الاستنتاج أن الحكومة الجديدة لم تستطع بعد أسابيع من تشكيلها أن تخلق فريق عمل ينسجم مع بعضه، يتحرك متعاونا لتحقيق برنامج مُتفق عليه. 

2 ويجمع أكثر المهتمين بالشأن المصري استقلالا وموضوعية، أنه قد تأكد الآن أن هدف الوفد الوحيد من الصفقة مع القصر كان الوصول إلى السلطة، والاحتفاظ بها، ولا بد أن أقول أنني لا أجد تفسيرا آخر يقنعني بما رأيته من هذا الخضوع الذي لا لزوم له من جانب “النحاس” (باشا) أمام الملك “فاروق”. ومع أن “النحاس” (باشا) يرصع قصائد مديحه في الملك بإشارات إلى الدستور الذي كان الوفد دائما يستند عليه في مقاومة تجاوزات العرش فإن الإيحاء العام للمديح الزائد ثقيل على الأعصاب، ولو أن أحد المقربين من “النحاس” (باشا) ذكر لأحد أعضاء سفارتنا أن “النحاس” لم يتغير، لكنه يريد إذا وقع الصدام بينه وبين الملك أن يكون ذلك على أرضية يختارها هو ولا تُفرض عليه. 

3 أن التجمع الأكثر تأثيرا في السياسة المصرية الداخلية الآن هو ذلك التحالف الثلاثي الذي يجمع “فؤاد سراج الدين” (باشا) وزير الداخلية مع “كريم ثابت” (باشا) الرجل الأقوى في حاشية الملك الآن، مع “أحمد عبود” (باشا) وهذا هو الثلاثي الذي رتب عودة الوفد إلى السلطة، وهو الذي ما زال يمسك بدفة توجيه الشأن المصرى. 

4 ومن الواضح أن “فؤاد سراج الدين” (باشا) يحاول أن يقوي علاقاته بالقصر، والانطباع العام أنه يأمل في رئاسة الوزارة، لكنه لا يبدو أنه سوف ينجح في مسعاه، فهو لا يملك مؤهلات رجل دولة، وما لديه هو أساليب عمدة قرية (كتبها السير رالف ستيفنسون كذلك من الإنجليزية والعربية بحروف لاتينية (Village Omda)، ثم إن ممارسته للسياسة في العاصمة أقرب ما تكون إلى ممارسات السماسرة المحليين في السياسة الأميركية تعتمد على الإغراء أو على التهديد. 

وقد أكد لي “جلاد” (باشا) (صاحب جريدة الجورنال ديجبت ومن المقربين من القصر) وشقيقه هو “فيليب جلاد” (باشا) مدير الإدارة الأفرنجية في قصر عابدين) “أن الملك مستريح إلى “النحاس” (باشا)، وأن رئيس الوفد لن يترك رئاسة الوزارة لغيره ما دام بقي لديه نَفَسْ يتردد”. 

وحسب ما توقعت وزارة الخارجية البريطانية وهو منطقي فإن موضوع البدء في مفاوضات مصرية بريطانية كان يطرح نفسه بالضرورة على جدول أعمال الوزارة الجديدة، وكان ذلك ما استعدت له الخارجية البريطانية عندما اختارت لسفارتها في مصر رجلا بوزن السير “رالف ستيفنسون”. 

وفي تقريره التالي من القاهرة كتب “رالف ستيفنسون”: 

“في أول لقاء لي مع “النحاس” (باشا) أثرت معه موضوع العلاقات بين بلدينا، وقد أشار علي بأن أتحدث في الموضوع بصفة مبدئية مع وزير الخارجية “محمد صلاح الدين”، وبالفعل بدأت سلسلة اجتماعات مع “صلاح الدين” لم يظهر لي فيها شيء جديد”. 

وفي تقرير آخر قال السير “ستيفنسون”: 

“إن “عبود” (باشا) أسر إلي بأن “فؤاد سراج الدين” يرغب في زيارة للعاصمة البريطانية يقدم بها نفسه إلى لندن حتى يتعرفوا عليه ويفهموه”. 

وعلى نحو ما فإن الاقتراح بسفر “فؤاد سراج الدين” تسرب إلى الدكتور “محمد صلاح الدين” وزير الخارجية، وكان أن ذهب الدكتور “محمد صلاح الدين” لمقابلة “النحاس” (باشا) في غرفة نومه يشكو إليه “أن سفر وزير الداخلية في هذه الأوقات إلى لندن قد يؤدي إلى “تشابك في الخطوط” لا لزوم له”، وكان أن اتصل “النحاس” (باشا) بحضور الدكتور “محمد صلاح الدين” بالسكرتير العام للوفد ووزير الداخلية “فؤاد سراج الدين” يؤنبه على مشروع زيارة لندن، ويكرر أكثر من مرة “دا موش كلام يا فؤاد”، وحاول “فؤاد سراج الدين” أن يشرح للنحاس (باشا) أن اقتراح الزيارة جاء لسبب طبي وعائلي، ولكن “النحاس” (باشا) قطع الحديث قائلا “موش وقته” (وكانت تلك رواية الدكتور “محمد صلاح الدين” بنفسه لنجيب الهلالي (باشا) ). 

ومع أن هذه كانت حكاية غريبة، فقد لحقها ما هو أغرب منها، ذلك أن “زينب هانم الوكيل” وبسبب حقيقة وجود “مصطفى” (باشا) معظم الوقت في البيت ملازما لغرفة نومه (وهو ما كان يعطيها فرصة كاملة لمتابعة ما يجري في الوزارة) سمعت بما وقع من إشكال بين وزيري الداخلية والخارجية، وكان تعليقها: “إن موضوع العلاقات مع الإنجليز هو المشكلة التي يمكن أن “يلعب فيها من يريد اللعب”، وأضافت “ما صدقنا أن رسينا على بر مع الملك والآن يريدون “تبويظ” العلاقة مع الإنجليز”. (رواية زينب هانم الوكيل لناهد هانم سري قرينة حسين سري باشا). 

وتلى ذلك أنه بعد أسبوعين ظهرت في الوثائق البريطانية إشارة من الخارجية في لندن إلى سفارتها في القاهرة تسألها: “من هو توفيق مفرج؟”. 

ثم تمضي الإشارة فتقول “إن ذلك الرجل ظهر في لندن يطلب مقابلة مع وزير الخارجية أو مع مسؤول كبير في الوزارة لا يقل عن مستوى الوكيل الدائم، وهو يقدم نفسه باعتباره مبعوثا من “النحاس” (باشا)، وأنه جاء لمهمة سرية دقيقة”. 

وراحت السفارة البريطانية تتحرى، واتضح أن “توفيق مفرج” رجل أعمال من أصل لبناني، تربطه علاقات عمل وثيقة مع السيد “أحمد الوكيل” شقيق قرينة “النحاس” (باشا)، كما أن زوجته (السيدة لمياء مفرج) صديقة مقربة من “زينب هانم”، ويظهر أن قرينة رئيس الوفد رأت “إنه إذا كان من الضروري لأحد أن يتكلم أو يسمع من لندن فالأفضل أن يكون ذلك من بيت “النحاس” (باشا) مباشرة”. 

وكتبت السفارة البريطانية في القاهرة إلى لندن تنصح بعدم استقبال “توفيق مفرج” في وزارة الخارجية من ناحية المبدأ، وكتب السير “رالف ستيفنسون” يقول “إنه لا يصح لحكومة صاحب الجلالة أن تدخل طرفا في هذا النوع من المناورات”! 
 

**********

6
كل شيء مباح في القاهرة

 
في واحد من أهم تقاريره إلى وزارة الخارجية البريطانية (15 يونيو سنة 1950) كتب السفير في القاهرة السير “رالف ستيفنسون” عبارة لخص فيها أحوال الملك “فاروق” بعبارة بليغة في إيجازها وصادقة في إلمامها قائلا “إن الملك داخل “فاروق” ينهزم بسرعة أمام الرجل”. 

والظاهر أن الملك كان قد اطمأن إلى صُلحه مع الوفد، وإلى أنه حسب تعبيره (لكريم ثابت) “كسر عين النحاس” حين أعطاه يده يقبلها، ونسي أو تناسى السبب الرئيسى الذي حدا به إلى فتح طريق عودة الوفد للسلطة، معتبرا أنه ألقى بالمسؤولية على غيره وإذن فإن من حقه أن يتفرغ بالكامل لما يحب ويهوى! 

- وكانت أولى قائمة شواغل الملك “أن مصاريفه تزيد” بينما كثيرون من أغنياء الحرب الجدد الذين عملوا في المقاولات والتوريدات للمجهود العسكرى، وتجارة السوق السوداء والتهريب راكموا ثروات خرافية. وقد عرف بأمر بعض هؤلاء عندما تقدموا للقصر يسألون إذا كان في استطاعتهم أن يحصلوا على ألقاب البكوية والباشوية، حتى يجمعوا “الشرف” إلى جانب الثراء (يغطي ويستر!) وكان هؤلاء الأغنياء الجُدد على استعداد لأن يدفعوا الثمن وفق أي توجيه ملكي. 

- وتوافق ذلك مع جهد حثيث للخاصة الملكية نشط إلى ضم مساحات هائلة من أراضى الأوقاف الأهلية إلى الأوقاف الملكية، وفى صيف سنة 1950، وطبقا لتقارير السفارة البريطانية مدت “الخاصة الملكية” يدها إلى ثلاثة وستين ألف فدان موزعة بين الدلتا والصعيد. 

- ثم جرت إضافة أخرى إلى أعمال الملك حين ظهر إلى جواره “مستشار مالي” هو “إلياس أندراوس” الذي ما لبث أن منح رتبة الباشوية، واختصاصه الحقيقي توفير أكبر قدر من السيولة النقدية للملك حتى بالمضاربة في بورصة القطن لحساب “الخاصة الملكية”. ومن المفارقات أنه في نفس الوقت الذي راح فيه “أندراوس” (باشا) يُضارب في بورصة القطن لحساب الخاصة الملكية كان هناك سمسار آخر في بورصة القطن هو “روبير خوري” يُضارِب لحساب “فؤاد سراج الدين” (باشا) (بوصفه مالكا كبيرا لأراض تنتج قطنا)، وكذلك كان “خوري” يُضارب لحساب الأستاذ “محمود أبو الفتح” وهو صاحب جريدة المصري، (وكان كبار تجار القطن أندرياس سرباكيس ومحمد أحمد فرغلي (باشا) وعلي أمين يحيى (باشا) يساعدون هنا مرة وهناك مرة أخرى!). 

- ثم دخل الملك بنفسه إلى أعمال من نوع لا يخطر على البال، فقد كان من الأصل هاويا للاقتناء، وكانت لديه مجموعة نادرة من طوابع البريد، وأشار عليه بعض الإيطاليين في القصر (وبينهم أنطونيو بوللي (بك) مدير الشؤون الخاصة) بأن هواة المقتنيات النادرة في العالم أكثر الناس استعدادا “للدفع”. وهنا تعرض الملك لما لم يكن ينبغي أن يتعرض له، وفيه أن تاجر طوابع بريد نادرة (يهودي من تشيكوسلوفاكيا هاجر إلى لندن “جوزيف سمييفسكى”) ورفع على (الملك فاروق) قضية باسمه ولقبه الملكي، وأبلغ البوليس في لندن أن “فاروق” سرق منه طابعا نادرا قيمته خمسة آلاف جنيه إسترليني، وادعى أنه أرسل الطابع إلى الملك داخل رسالة خاصة، لكن سكرتير الملك أبلغه أنه عندما فتح “جلالته” المظروف بنفسه اهتماما بالطابع وتشوقا إلى إلقاء نظرة عليه، اكتشف أن المظروف كان خاليا. ومع أن التحقيق أثبت سوء نية المرسل في تقدير ثمن الطابع عندما استشير بعض الخبراء بواسطة السفارة المصرية في لندن إلا أن الملك كان قد وضع سمعته في ساحة المحاكم الجنائية. 

- وكان الأشد سوءا أن الملك تصور أنه يقدر بنفسه! على زيادة ثروته بالقمار، وقد وجد كثيرين أمامه يخسرون عمدا ليحتفظوا بصحبته، ومع ذلك فإن البعض آثر الانسحاب عن مائدة الملك (في نادي السيارات المصري وغيره من أندية اللعب في تلك الأيام) بعد أن تجاوزت خسائرهم ما كانوا مستعدين لدفعه مقابل صحبة الملك. 

كان الشاغل الثاني لفاروق هو أحوال أمه الملكة “نازلي” التي ذهبت إلى الولايات المتحدة ولم تعد. وكان أكثر ما ضايق الملك، هو نوع الحياة الذي اختارته الملكة الأم لنفسها، فقد اختارت أن تسكن في لوس أنجلوس وعلى مقربة من هوليوود (عاصمة السينما)، وتعرفت على كثيرين من نجومها، وأصبحوا زوارا لبيتها يحضرون حفلاتها إذا وجهت لأحد منهم أو منهن دعوة، لأن الكل يريد أن يكون في “أجواء صاحبة الجلالة”. 
 

**********

 
واختارت الملكة لإقامتها في البداية بيتا في شارع قريب من هوليوود اسمه “تاور رود”، وقد زرتها في هذا البيت، ولا بد أن أقول أنني حين عبرت الحديقة مارا بحافة حمام السباحة مع “رياض غالي” (الذي كان في الأصل سكرتيرا لها منتدبا لخدمتها من قنصلية مصر في سان فرانسسكو) كان رجاؤه وقد وصلنا إلى باب البيت أن أنتظر في الصالون قليلا لأن “جلالتها تؤدي صلاة الظهر حاضرا!. 
 

**********

 
كان الملك يعرف أن والدته صادقت رجل بترول أميركي اسمه “ريتشارد باولي”، وأن “باولي” أقنعها أن تبيع مجوهراتها وتستثمر أموالها في حقل بترول كبير في منطقة “جيتسبرج”، وبالفعل باعت الملكة مجوهرات بما قيمته “ثلاثة ملايين دولار” (وبقيمة النقود وقتها فإن ذلك كان مبلغا مهولا) ثم إن “باولي” دفع للملكة مبالغ مما قال لها أنه أرباح “الحقل”، ثم “نفد الحقل” قبل الأوان، وكذلك زادت طلبات “نازلي” من مصر وراحت تتهم “الخاصة الملكية” بأنها تسرق إيراد أرضها وتستولي على دخلها من غير الأرض، ولا تبعث لها بشيء مما يتوافر لها من إيرادها، ثم راحت تتهم ابنها مباشرة بأنه يحاول “أكل حقها”، وهددته برفع قضايا مطالبة بمستحقاتها. 

وزاد الطين بلة أن اثنتين من بناتها كانتا معها في أميركا وهما الأميرتان “فائقة” و”فتحية” وقعت كل منهما في غرام لم يكن “فاروق” راضيا عنه: الأميرة “فائقة” مع دبلوماسي مصري هو “فؤاد صادق” وقد تقدم بالفعل يطلب يدها من الملكة “نازلي”، والأميرة “فتحية” مع موظف السلك القنصلي “رياض غالي” الذي اعتنق الإسلام وتقدم لخطبتها هو الآخر من الملكة “نازلي”. 

وكان الملك “فاروق” قد تلقى تقارير من بعض أصدقائه في الولايات المتحدة أن “رياض غالي” كان على علاقة مع الملكة “نازلي” نفسها، وأن تلك العلاقة هي التي مهدت له الاختلاط ب “فتحية”! 

وفقد الملك أعصابه وتقدم إلى مجلس البلاط يطلب الحجر على أمه ويدعو شقيقاته إلى المثول أمام المجلس، وأطاعت الأميرة “فائقة” وجاءت إلى مصر مع “فؤاد صادق” تضع نفسها ومعها زوجها تحت أمر الملك ومجلس البلاط. 

وقائع ووثائق قضية الحَجْر في جزء مستقل من هذا الحديث. 
 

**********
 
7
حكاية زواج ملكي!

كان الشاغل الثالث للملك هو تحقيق أمنية عمره بأن يكون له من صلبه ولي للعهد، وكان ضمن أسباب طلاقه من زوجته الأولى فريدة أنها إلى جانب كل ما أخذه عليها، أنجبت له بنات ولم تلد له ولدا ذكرا يرث العرش بعده (وكان يقول “أنه كلما رأى ولي عهده الرسمي الأمير “محمد علي” وهو في السبعين من عمره: يُصاب بالغم”). 

وكانت للملك “فاروق” مواصفات “معينة” للزوجة الثانية حددها (طبقا لرواية السيدة ناهد رشاد): 

فهو يريد “بنتا خام” “يربيها” ب “معرفته”. 

وهو لا يريدها “نكدية” تتدخل في حياته الخاصة حين لا يعجبها شيء! 

وهو يريدها من أسرة “ولاَّدة” للذكور حتى لا تتكرر “حكاية البنات”. 

وهو يريدها جميلة فقط وليست شديدة الجمال، ومن أسرة معقولة وليست بالضرورة من أسرة أرستقراطية، وهادئة الطبع تعرف كيف “تسمع الكلام”، و”ست بيت” تعرف كيف “تحاسب على المصاريف” ولا تطلب كل يوم “مئة فستان” كما تفعل بعض أميرات أسرته! 

وكانت مواصفات الملك شائعة في أوساط حاشيته، وعندما تصور جواهرجى الملك “أحمد نجيب” (باشا) أنه عثر على فتاة تتوافر فيها هذه المواصفات اتصل بمكتب الخدمة الخاصة للملك للإبلاغ بأنه “وجد طلب مولانا”. وكانت المشكلة أن الفتاة التي اكتشفها “أحمد نجيب” مخطوبة، وقد ذهبت إلى محله (في شارع ثروت وسط القاهرة) تختار “شبكة زواجها” مع شاب من خيرة شباب مصر، كان يعمل وقتها في مجلس الدولة، والمدهش أن الملك طلب من الجواهرجى الملكي أن يعمل على استدراج الفتاة وأمها إلى دُكانِه مرة أخرى، بحجة أنه يريد أن يعرض عليها “غدا” شيئا أفضل يلقى الإعجاب أكثر من خاتم وقع اختيارها عليه. وعندما جاءت الفتاة وأمها وخطيبها(!) كان الملك واقفا من وراء ستارة يريد أن “يُعاين بنفسه”، وقد وافقه ما رأى، وكان تعليقه لأحمد نجيب (وفق رواية السيدة “ناهد رشاد”): “إن البنت تنفع”. 

وكانت المسألة المعلقة هي كيف يكون إبلاغ أسرة “ناريمان صادق” أن الملك اختار ابنتهم زوجة له، وكيف يتم فسخ خطبتها من خطيبها الأصلى مع الشرط عليه بأن “لا يتكلم” وتقرر ترك هذه المهام لأحمد نجيب، وتفرغ الملك “لتصليح أحوال البنت” حتى تكون لائقة ثم للبحث في “كيفية إعلان النبأ للناس؟”! 

وبالنسبة لبند “التصليح”، فقد جرى تكليف “عبد العزيز بدر” (باشا) وكان من قبل واحدا من أمناء القصر ثم أصبح سفيرا لمصر في روما أن يستضيف “البنت” عنده، وأن تشرف زوجته على “توضيب” ناريمان من كل النواحي: اللبس والمشي وطريقة الأكل وقواعد البروتوكول، وإذا أمكن شيء من اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو حتى الإيطالية “كخيار ثالث” إذا كان ذلك أسهل لها بحكم أنها سوف تبقى في روما مدة لا تقل عن ستة شهور! 

وأما بالنسبة لبند الإعلان عن الخطوبة، فقد عهد الملك إلى “النحاس” (باشا) بأن “يشتغل” في هذه المسألة، كما اشتغل سابقا بمسألة الملكة “نازلي” (وكان زعيم الوفد قد اتصل بالملكة الأم قبل وأثناء قضية الحجر أكثر من عشر مرات ولم ينجح في اتصالاته)، والآن كان “فاروق” ينتظر من “النحاس” (باشا) أن ينجح هذه المرة، وأن يتولى هو “إذاعة النبأ السعيد” على الشعب المصري. 

وأقام “مصطفى النحاس” (باشا) رئيس الوزراء حفلا باذخا في قصر الزعفران، ألقى فيه خطابا عن الزواج الملكي السعيد استغرق سبعا وخمسين دقيقة، تزاحمت فيها العواطف تجاه “الملك الإنسان” و”قدراته السامية” و”حكمته العالية”، وفي الفقرة الثانية من الخطاب جاءت البُشرى تشكر الله أن السعادة في الطريق إلى هذا الملك الحريص على رفاهية شعبه، والآن فإن واجب الشعب كله توفير أسباب السعادة “للسُدة العالية” و”المقام الكريم”. 

وفي هذا التوقيت بالضبط يكتب السفير البريطاني في القاهرة السير “رالف ستيفنسون” خطابا خاصا إلى “هربرت موريسون” وزير الخارجية العمالي الذي جاء إلى الوزارة خلفا “لأرنست بيفن” الذي اعتلت صحته وفيه يقول “رالف ستيفنسون”: 

“إنني في غاية الدهشة من مسلك “النحاس” (باشا) إزاء الملك، فهو مسلك يختلف تماما عن كل المعهود من “زعيم الوفد” عندما كان في السلطة مرات من قبل. والحقيقة أن سلوكه يمكن وصفه “بالمهانة”، وأكثر من ذلك فهو سلوك يتناقض تماما مع الحقائق. فالملك لا يملك أي خيار لرئاسة الوزارة غير “النحاس” (باشا) الذي هو صاحب الأغلبية في البرلمان وكذلك في الشارع لكن هذا الرجل الذي يُفترض أن يكون قويا بما لديه، يضع نفسه موضع الخضوع ويقبل الإهانة. ولا أعرف كيف يستطيع رجل مثل “النحاس” أن يشعر بالرضا عن نفسه وهو يسمح لفاروق أن يقول له وجها لوجه وفي مناسبة أحاط به فيها جمع من وزرائه “يا باشا: هل تعرف أن أغلبية وزرائك لصوص The Majority of your cabinet Ministers are Thieves كما ورد بالحرف في خطاب السفير البريطاني لوزير خارجيته). 

ويُلاحظ القائم بالأعمال الأميركي في نفس الفترة “أن رئيس الوزراء قد تحول إلى منظم لاحتفالات الزواج الملكي، وأنه يقوم بدور “مقدم الحفلة”، مع أن مناسبة الاحتفال فيها ما يستوجب التوقي والحذر، لأن مشروع الزواج كان “مشوبا” من اللحظة الأولى”. 

والواقع أن رجال القصر وفي مقدمتهم “حسن يوسف” (باشا) كانوا في دهشة من المدى الذي ذهب إليه “النحاس” (باشا) في إظهار سعادته بالزواج الملكي، على أن “حسين سري” (باشا) حسب قوله لم يندهش لأنه يعرف حجم الضغوط الهائلة الواقعة على رئيس الوزراء حتى “يماشي ويجاري”! 

وعندما بدأ الاستعداد لعقد القران، أوضح القصر لكل من يهمه الأمر أن الملك لا يريد أن يتلقى هدايا رمزية وإنما هدايا حقيقية، ولا يريد من أحد أن يعبر عن تهنئته بالورود لأن حدائق القصور مليئة بها على الآخر. ووصل ذلك الإخطار حتى إلى سفارات الدول الأجنبية، مع أن التقاليد جرت على أن هدايا الزواج للملوك تقتصر على أول مرة، فإذا تكرر الزواج أو تعددت زيجات رئيس دولة مسلم، فإن هدايا الدول الأجنبية لا تتكرر، لأن المقصود بها يكون قد عَبَّر عن نفسه في المرة الأولى وذلك كافٍ. لكن السفارات الأجنبية هذه المرة لم يكن أمامها خيار وإلا بدا امتناع بلادها عن تقديم الهدايا لملك مصر نوعا من “الإهمال المتعمد أو الإهانة المقصودة” وكان ذلك هو التعبير الذي استعملته السفارة البريطانية في مصر عندما بلغها أن الملكة “إليزابيث” ملكة بريطانيا (وهي إليزابيث الأم التى توفيت أخيرا عن 101 عام) أبدت اعتراضا على اقتراح وزارة الخارجية البريطانية بأن تقدم وزوجها الملك “جورج السادس” هدية لفاروق، وكان رأي “إليزابيث” أن “رجلا مُطَلَّقا” يتزوج مرة أخرى لا يصح أن يتلقى “تهنئة”، ولا “هدية”! 

على أن سفارات الدول في إدراكها للأهمية التاريخية لمصر بصرف النظر عن أحوال أي نظام يحكمها في لحظة معينة من الزمن بادرت إلى تقديم الهدايا: 

فالاتحاد السوفياتي سارع بتقديم بالطو من الفراء النفيس للملكة الجديدة. 

والحكومة الهندية تقدمت بغطاء للفراش مطرز بالذهب ومرصع باللؤلؤ. 

وإيطاليا قدمت لوحة نسيج من صنع فينيسيا يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر. 

والولايات المتحدة قدمت طاقما من الزجاج النادر مماثلا لما قدمته في طهران عندما تزوج شاه إيران من “ثريا” (قبلها بشهور). 

وفرنسا قدمت طاقما للطعام من الفضية المحفوفة بالذهب. 

وأثيوبيا قدمت باسم الإمبراطور هيلاسلاسي شخصيا إناءً كبيرا مرصعا بالجواهر. 

وسويسرا قدمت ساعة من نوع بالغ الدقة يُظهر الوقت في أي مكان في العالم بلمسة على زر. 

وتركيا قدمت سجادة نادرة من صنع القرن السادس عشر. 

وهكذا وهكذا... 

ولم تكن السفارات الأجنبية وحدها هي التى بادرت بالهدايا، وإنما تسابقت وزارات الدولة المصرية ومؤسساتها وهيئاتها حتى الجيش والبوليس إلى تقديم هداياها، وكذلك الجاليات الأجنبية وحتى الجمعيات الخيرية رغم الطابع الخاص لمواردها كان عليها جميعا أن تقدم الهدايا للملك، حقيقية وليست رمزية. 

ويكتب السفير البريطانى السير “رالف ستيفنسون” إلى وزير الخارجية “هربرت موريسون” يقول له: “إن القاهرة لا حديث لها إلا عن وسائل الضغط القاسية(Brutal) التي جرى اتباعها حتى تكون الهدايا التى تُقدم للملك كثيرة وغالية! 

كان مزاد الهدايا فضيحة داخل مصر لكن شهر العسل عندما حل موعده كان فضيحة أمام العالم، فقد طال شهر العسل عشرة أسابيع (وقع وسطها شهر رمضان)، وطوال هذه الأسابيع فإن الفرح المتحرك الذي أقامه الملك “فاروق” في أوروبا تحول حسب تقرير السفارة البريطانية في العاصمة السويسرية إلى “سيرك متنقل”. 

كان “فاروق” قد تعود على رحلات صيف أوروبية صاخبة من قبل، لكن مناسبة شهر العسل الجديد فاقت في صخبها ما يمكن تصوره. وطبقا لوصف السفير البريطاني في روما، فإن موكب الملك بدأ نزوله وعروسه ومرافقيهما من اليخت الملكي يوم 10 يوليو 1951 في ميناء “تاورمينا” في “صقلية” ثم أبحر الكل إلى “كابري” ثم “نابولي” وتقدم الموكب بعرض الريفييرا الإيطالية والفرنسية زاحفا في قافلة طويلة تتقدمها “دستة وأكثر من سيارات الكاديلاك الكبيرة”، تسبقها سيارة حراسة تليها سيارة الملك وعروسه، ووراءها رجال ونساء من الحاشية، وعدد من “الجميلات الإيطاليات” (Glamour Girls)، ثم وراء ذلك جمع من أفراد الخدمة الشخصية للملك والملكة الجديدة رجالا ونساءً، وأُضيف إلى هذا الجمع (حسب تقرير السفارة البريطانية في القاهرة) عدد من أصدقاء الملك على موائد القُمار دعاهم إلى اللحاق به، وكان الموكب حيث يصل يجد في انتظاره مجموعة من رجال أشداء من الحرس الملكي في الغالب يرتدون ملابس مدنية، ويتعاملون مع الجمهور المندهش بما يرى، بشدة وقسوة لا يعرفها جمهور أوروبي، وقد شاهد السفير البريطاني في إيطاليا موكب الملك يمر بسرعة خطرة على الطريق الساحلي ما بين “راباللو” و”بورتوفينو” في الريفييرا الإيطالية متوجها نحو منطقة البحيرات! 
 

**********
 

(والملاحظ أنه في نفس الفترة تواجد “النحاس” (باشا) وقرينته في أوربا لمدة شهر للاستشفاء ما بين “فيشي” و”ايفيان” في فرنسا وكان “فؤاد سراج الدين” (باشا) قد صَحَبَ الاثنين عندما وصلا إلى أوروبا يطمئن عليهما، وبقي معهما أسبوعا ثم عاد إلى مصر، ليرجع إليهما مرة أخرى فيقضي أسبوعا في رفقتهما ثم يعود معهما. وفي تلك الفترة كان هناك وفد جاهز للخدمة وتلبية الطلبات يتقدمه الأستاذ “محمود أبو الفتح” صاحب جريدة المصري الذي بادر بإرسال ثلاث سيارات لتكون تحت الطلب، أولاها سيارة من طراز “رولزرويس” خُصصت “لرفعة الباشا” (طبقا لرسالة بعث بها أحد رجال الحاشية الملكية “المكتب الخاص” وهو “إدمون جهلان” (بك) وكانت هذه الرسالة ضمن محفوظات الديوان الملكي، ويظهر أن الملك أرسله أو أن “جهلان” (بك) تطوع لإلقاء نظرة على ما يجري في محيط رئيس الوزراء!). 

ومرة ثانية كتب السفير البريطاني في روما إلى وزارة الخارجية في لندن (51/4/10323) يقول “إن الملك “فاروق” تجنب زيارة روما بسبب خوفه من زحامها وجوها الحار والرطب في الصيف”، لكن السفير البريطاني في روما وكان قد رأى موكب الملك في “راباللو” تحدث في ما رأى مع السفير المصري في العاصمة الإيطالية “عبد العزيز بدر” (باشا)، وقد روى في تقريره “أنه شعر بأن السفير المصري (رغم أنه كان من أمناء القصر ورغم أن زوجته كانت مؤتمنة على “تأهيل” (تصليح) “ناريمان”) بدا محرجا، وكانت عيناه تعكسان نظرة بائسة وهو يسمع أحاديث المجتمع الإيطالي بمن فيه الدبلوماسيون عن مغامرات ملك بلاده دون تحرج من جانب أحد، لأن الصحف كانت مليئة بالصور والأخبار عن “السيرك الملكي المتنقل”، الذي قدرت الصحافة العالمية (وضمنها جريدة التيمس) مصاريفه كل يوم بمئة ألف جنيه إسترليني (وهو مبلغ يساوي مليون جنيه استرلينى بسعر العملة هذه الأيام). 

ويروي السفير البريطانى في برقيته من روما (61 1941) أن “عبد العزيز بدر” (باشا) السفير المصري وزميله المُعْتَمَدْ لدى الدولة الإيطالية أخذه جانبا في إحدى الحفلات وقال له: “إن زوجتي ليست عمة “ناريمان” كما كان يُشاع عندما جاءت إلينا هنا وأقامت معنا في العام الماضي. والحقيقة أن ذلك كان غطاءً “وجدوه مناسبا” باعتبار أن زوجته من عائلة “صادق”، و”ناريمان” والدها اسمه صادق لكنهما ليسا من نفس العائلة. وأصل المسألة أنني خدمت أمينا في القصر وكنت موضع ثقة، ثم وجدوا أن تشابه الاسم العائلي بين زوجتى وعروس الملك فرصة مناسبة للتغطية”. 

أضاف السفير المصري: 

“حاولنا معها بكل وسيلة وقد تعلمت أشياء، ولم تتعلم أشياء، وكانت مشكلتها الكبرى هي اللغات، وقد بقيت هنا ستة شهور ولم تلتقط كلمة من اللغة الإيطالية”! 

وتسببت الأخبار المنشورة في الصحف عن تصرفات الملك وضمنها سهراته حتى الفجر في نوادي القمار بأزمات ومشاكل بلا حدود، فقد حاولت السفارات المصرية حيث ذهب الملك أن تدافع عن سمعته، وأن تكتب الاحتجاج تلو الاحتجاج، وبدت بعض الحكومات الأوروبية محرجة، وعلى سبيل المثال فإن وزير الخارجية في لندن “هربرت موريسون” تدخل لدى اللورد “بيفربروك” (أحد بارونات الصحافة الكبار وصاحب دار الإكسبرس)، لكي تخفف جرائده حملتها وخصوصا رسومها الكاريكاتورية على ملك مصر، ورفض “بيفربروك” قبول أي تدخل، ووجهة نظره “أنه ما دام ملك مصر يتصرف “بدون حياء” فإن الصحافة من حقها أن تتابعه دون عائق”. وفي اليوم التالي أرسل اللورد “بيفربروك” إلى مكتب وزير الخارجية (طبقا لرسالة من مكتبه إلى السفارة في القاهرة) مجموعة صور التُقِطَت للملك وهو يرتدي ملابس البحر ويستمع إلى عازف جيتار يقف بينه وبين “ناريمان”، وكان ذلك على الغداء في مطعم “كانسوني دل ماري” (أغنية البحر) الذي تملكه المغنية “جراسي فيلدز” في كابري، وكانت الصور مثيرة من وجهة نظر صحفية، وكانت مع الصور بطاقة كتب عليها اللورد “بيفربروك” بخطه “كيف يمكن أن أحرم “الإكسبرس” من نشر مثل هذه الصور؟!”. 

والمدهش أن الغداء في مطعم “غراسي فيلدز” في كابري تسبب بمشكلة للصحف المصرية، فقد نشرته “الأهرام” بحُسن نية في الطبعة الأولى، وتذكر أحدهم “أننا في رمضان” ولا يُعْقَل أن يجلس الملك على مائدة غداء علني في الشهر الفضيل حتى ولو كان على سفر. وتم الاتصال فجرا بوزير الداخلية “فؤاد سراج الدين” (باشا) الذي أصدر أمره بمصادرة الجريدة وكانت تلك الحادثة موضع تقرير من السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزارة الخارجية في لندن! 

وربما كان الأسوأ من ذلك أن وزير خارجية إيطاليا دعا إلى اجتماع لبعض رؤساء الصحف الإيطاليين يرجوهم أن يقللوا ما ينشرونه من أخبار عن ملك مصر، رعايةً للعلاقات بين البلدين. وكان بين ما قاله لهم “أن الصحافة الإيطالية لا يصح أن تعطى كل هذه المساحة لنشر الفضائح”. ورد عليه رئيس تحرير الميساجيرو قائلا: “إذا كنت تصفها بالفضائح فلماذا تريدنا أن نكتم أخبارها عن قرائنا؟” ورد عليه وزير خارجية إيطاليا “إن هذه كلها ليست أخبارا بل أمور عادية، طاغية شرقي يتصرف كطاغية شرقي، أي غرابة في ذلك يمكن أن تمثل خبرا؟!”. 

وهكذا فإنه عند منتصف سنة 1951 كانت أهم المؤسسات المصرية السياسية والدستورية في أزمة: القصر وهو المؤسسة الممثلة لسلطة السيادة، وحزب الوفد وهو المؤسسة الممثلة لأغلبية الشعب، وفي الواقع فإن القصر الملكي كان يتهاوى ويفقد مقامه وهيبته، وأن حزب الوفد كان يتصدع ويبدد احترامه لتاريخه وللدستور. 

وفى ثلاثية السلطة الحاكمة في مصر وهي: الإنجليز والقصر والوفد فإن سلطة واحدة كانت لا تزال متماسكة تحاول المحافظة على موقعها (الإمبراطوري). 

وكان على الأفق السياسى المرئي طارئ جديد تحسب له الجميع مبكرا وتنادوا للتعامل مع احتمالاته عندما يقع اللقاء بين جيش مجروح وشعب موجوع لكن (المصريين فقط وليس الإنجليز) نسوا الأسباب والدواعي وهو ما يحدث للقوى السياسية عادة وحتى للأفراد حين تأخذهم مغريات الحياة ونزواتها وتُنسيهم حقائق الحياة ومسؤولياتها! 

رسالة فاروق إلى مجلس البلاط 

نص الرسالة التي عرضها الديوان الملكي على مجلس البلاط يوم 12 مايو 1950: 

“جمع ديوان حضرة صاحب الجلالة الملك جميع المستندات التي تقوم مقام أدلة الإثبات في القضايا العادلة، وهي عبارة عن التحريات الخاصة التي قامت بها السفارة المصرية في الولايات المتحدة، في ما يتعلق بشخصية “رياض غالي” (أفندي)، والكيفية التي تعرف بها على جلالة الملكة “نازلي” وسمو الأميرتين منذ سنة 1946، والطرق التي كان يستغل بها أموالهن، مع بيان الوسيلة التي كان يفرض بها نفسه عليهن، والتقارير التي تلقاها ديوان جلالة الملك من مختلف الجهات عن هذه المسألة، وفيها بيان شامل للمساعي التي قامت بها الحكومة المصرية والسفارة المصرية في الولايات المتحدة. 

وقد تفضل جلالة الملك مبالغة من جلالته في العناية بهذه المسألة، فأعد مذكرة مستفيضة تتألف من صفحتين من الحجم الكبير وقعها باسمه الكريم، جاء في مستهلها: 

“رأى المغفور له جلالة والدنا الملك “فؤاد الأول” وضع نظام للأسرة المالكة، فأصدر بذلك القانون رقم 25 لسنة 1922، وقد راعى بثاقب فكره في وضع هذا النظام أن الأسرة المالكة ركن من أركان الدولة لما بينها وبين الجالس على العرش من أواصر القرابة، وهي من جهة أخرى أكبر الأسر وأكرمها، والمثال الذي يُحتذى به في ضبط النفس وكمال السلوك، واعتبر بحُسن تقديره أن مسائل الأحوال الشخصية مسائل عائلية محضة، وأن كرامة الأسرة ومركزها في البلاد يقضيان بأن لا تتعرض مثل هذه المسائل الشخصية لأحاديث الناس، ولذلك فقد أراد والدنا إنشاء مجلس للبلاط وأن يصبح هذا المجلس فوق ما له من اختصاص قضائي، هيئة استشارية في الأمور المهمة التي تهم الأسرة المالكة عندما يطلب إليها الرأي فيها”. 

وانتقلت مذكرة المقام السامي إلى أن ظروفا قد طرأت على جانب كبير من الأهمية والخطورة وتقتضي العرض على المجلس، إذ إن جلالة والدتنا الملكة قد سافرت إلى الخارج في صيف سنة 1946 للعلاج، وقد اصطحبت معها شقيقتينا الأميرتين “فائقة” و”فتحية”، وأنهن يقمن الآن في أميركا، ونظرا إلى طول مدة إقامتهن بعيدا عن مصر وعنا، وإلى صغر سن شقيقتينا الأميرتين، وما عليه جلالة الملكة من حالة مرضية ونفسية قد وقعن تحت تأثير بعض المتصلين بهن، وقد دعوتهن مرارا بعد إتمام العلاج للعودة إلى مصر، فلم تقبلن، حتى كان من نتيجة ذلك زواج الأميرة “فائقة” في أميركا قبل الحصول على موافقتنا، وكان من نتيجة ذلك أيضا أن اعتزمت جلالة الملكة الوالدة أن تُزَوِّج شقيقتنا الأميرة “فتحية” التي لم تبلغ سن الرشد بعد ولا تزال تحت الوصاية إلى الآن بمن يُدعى “رياض غالي” المسيحي الذي دَلَّتْ التحريات على سوء سيرته. 

ولما عَلِمْنا بما اعتزمته جلالة الملكة الوالدة، بذلنا جميع المساعي الممكنة لمنع هذا الزواج قبل وقوعه، وهي مساع عديدة كانت لدى جلالة الملكة الوالدة ولدى الأميرة “فتحية” نفسها، وقد قدمت لهما فيها النصيحة تلو النصيحة بوجوب المحافظة على كرامة الأسرة المالكة. 

وقد ساهمت الحكومة كما ساهم سفيرنا في أميركا بنصيب موفور في هذه المساعي، ولكنها كلها مع الأسف الشديد، لم تؤد إلى النتيجة المرجوة. وقد أبلغ سفيرنا في أميركا ديواننا تفصيلات مسعاه التي لم تزد جلالة الملكة إلا إصرارا على تنفيذ ما اعتزمته، وقد كانت تصرح في كل مرة، وعند أي مسعى، بأنه لا يهمها ولا يضيرها أن يكون من يصاهرها من عائلة مالكة أو ممن يُقال أنهم من عائلات عريقة، وكانت تُزيد على ذلك فتذكر بأنها لا تبالي بما ينشب عن هذا الزواج من نتائج وعواقب مهما يكن نوعها. 

وقد أوضح جلالة الملك أن جلالته قد أرسل إلى جلالة الملكة الوالدة برقية مُطوَّلة مستفيضة يوضح فيها ما يساور جلالته من الألم المرير، ويناشدها أن تكف عن هذا الزواج، ويدعوها أن تقدر ما قد ينشأ عن إصرارها على ما اعتزمته من العواقب الوخيمة السيئة، ولكنها أصرت على موقفها، وردت على جلالته ببرقية قالت فيها “إن عاطفة الأمومة لديها مقدمة على كل اعتبار”، حتى وقعت المأساة مع الأسف البالغ، فتم الزواج مدنيا في يوم 10 من شهر مايو الحاضر. 

وقد اشتملت هذه المذكرة السامية الكريمة على بيان تفصيلى بالمبالغ التي أُرسِلت إلى جلالة الملكة “نازلي” والأميرتين في الفترة الواقعة من صيف سنة 1946 حتى الآن، وهي تبلغ في مجموعها نحو أربعمئة وثلاثة وثمانين ألف جنيه 483000 جنيه. 

وقد تبين من المعلومات الرسمية التي وصلت إلى ديوان جلالة الملك من مختلف المصادر أن “رياض غالي” (أفندي) قد استولى على نحو أربعين ألف جنيه 40000 جنيه من هذه المبالغ. 

وقد ختم جلالته هذه المذكرة الكريمة بقوله “لهذا كله أود أن نقف على ما يشير به المجلس من إجراءات نحو هذا الزواج، وما يَصِح أن يُتَّبَع نحو جلالة الملكة”. 

نص طلب الحجر على الملكة نازلي

نص المذكرة التي قدمها رئيس الديوان الملكي “حسن يوسف” (باشا) بالنيابة إلى مجلس البلاط بتاريخ 27 مايو 1951 بطلب الحجر على الملكة “نازلي” و”فتحية”، والإشارة بالعفو عن الأميرة “فائقة”: 

وصل إلى ديوان جلالة الملك أن زواجا مدنيا عُقد في أميركا بين حضرة صاحبة السمو الملكي الأميرة “فتحية” و”رياض غالي” المصري الجنسية المسيحي الديانة، وبما أن هذا الزواج باطل شرعا، إذ إن الشريعة الإسلامية لا تُجيز لمسلمة أن تتزوج من غير مسلم، فضلا عن عدم توافر شرط الكفاءة بينهما على افتراض أنه اعتنق الدين الإسلامي كما يزعُم. لذلك يطلب ديوان جلالة الملك الحكم ببطلان هذا الزواج. 

وقد تقدم “محمد نجيب سالم” (باشا) ناظر خاصة جلالة الملك وجلالة الملكة “نازلي” بطلب النظر في الطلب المرفوع بتوقيع الحجر على جلالتها، وتعيين قيم عليها، وبعزلها من الوصاية على كريمتها “فتحية هانم”، وإقامة وصي آخر بدلا منها، وقد أعلنت بالتوقيع منها بالاستلام. 

وقد وقع رفع مذكرة مجلس البلاط من سعادة “محمد نجيب سالم” (باشا) في هذا الصدد ما يأتي: 

بناء على الأمر السامي الكريم، يتشرف ناظر خاصة جلالة الملك بأن يطلب إلى المجلس الموقر: 

أولا: توقيع الحجر على حضرة صاحبة الجلالة الملكة “نازلي” وتعيين قيم على جلالتها. 

ثانيا: عزل جلالتها من الوصاية على كريمتها “فتحية هانم”. وذلك للأسباب الموضحة بالطلب المؤرخ 12 مايو سنة 1950، والمستندات المُرفقة به. 

وبناءً عليه يتقدم حضرة صاحب السعادة “محمد حسن يوسف” (باشا) إلى المجلس بوصف كونه “كاتم سر مجلس بلاط الملك” يطلب النظر في الموضوعين الآتيين: 

1 إجازة صدور التصادق على زواج حضرة صاحبة السمو الملكي الأميرة “فائقة” من صاحب العزة “فؤاد صادق” (بك) أمام فضيلة وكيل الجامع الأزهر نيابة عن مجلس البلاط، والإذن بتسجيله في سجلات المجلس (وكان ذلك الزواج قد تم فعلا وقضى العروسان شهر العسل في جزر هاواي). 

2 تعديل قرار المجلس الصادر في 20 مارس سنة 1945 الخاص بإنابة شيخ الجامع الأزهر عن المجلس في سماع إشهادات الزواج الخاصة بأمراء وأميرات ونبلاء ونبيلات الأسرة المالكة بإضافة نص يبين العضو الشرعي الذي يحل محل شيخ الجامع الأزهر عند غيابه، وذلك حسبما يراه المجلس في هذا الشأن. 

وهذا وأتشرف بأن أرفع إلى المجلس الموقر أن حضرة صاحبة السمو الملكي الأميرة “فائقة” شقيقة حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم قد استجابت لرغبة المجلس التي أبداها في 16 مايو سنة 1950، بشأن عودة سموها من أميركا، فعادت فعلا إلى القاهرة في 21 مايو سنة 1950. 

وقد تفضل حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم، فأَذِنَ بالتصادق على عقد زواج سموها من صاحب العِزة “فؤاد صادق” (بك) الصادر بينهما في أبريل سنة 1950 وفقا لأحكام الشريعة الغراء لدى إمام مسجد ساكرامنتو بكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية. كما تعطف حفظه الله بقبول الوكالة عن سموها في إقرار التصادق والإقرار بقبض المهر. وبناء على هذا الإذن السامي الكريم صدر هذا التصادق في 4 يونيو سنة 1950 بقصر القبة العامر لدى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ “عبد الرحمن حسن” وكيل الجامع الأزهر نيابة عن مجلس البلاط، على اعتبار أن فضيلته يحل محل الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر وفقا للمادة الأولى من القانون رقم 4 لسنة 1948، وعلى أن شيخ الجامع هو النائب عن مجلس البلاط في سماع إشهادات الزواج الخاصة بأمراء وأميرات ونبلاء ونبيلات الأسرة المالكة بناء على قرار المجلس الصادر في 20 مارس سنة 1945. 

وبمناسبة ما أُثير حول هذه الإنابة في سماع الإشهاد الخاص بالتصادق سالف الذكر، أرجو من المجلس الموقر التفضل بما يأتي: 

أولا: إجازة صدور التصادق المذكور أمام وكيل الجامع الأزهر نيابة عن مجلس البلاط، والإذن باتخاذ اللازم نحو تسجيله في سجلات المجلس، وذلك منعا لكل شبهة في صدور الإشهاد أمام جهة غير مختصة. 

ثانيا: تعديل القرار الصادر في 20 مارس سنة 1945 بإنابة شيخ الجامع الأزهر عن المجلس في سماع إشهادات الزواج الخاصة بالأمراء والأميرات والنبلاء والنبيلات، وإضافة نص الإنابة الذي يحل عن شيخ الجامع الأزهر عند غيابه حسبما يراه المجلس الموقر في هذا الشأن. 
كاتم سر مجلس بلاط الملك 
محمد حسن يوسف 
يوليو 1950 

نص القرار بتوقيع الحجر على الملكة نازلي والتفريق بين فتحية وزوجها 
اتخذ مجلس البلاط قرارات نصها كما يلي: 

1 من حيث إن زواج المسلمة من غير مسلم باطل بطلانا أصليا ولا يترتب عليه أي أثر من آثار الزوجية طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية. 

ومن حيث أنه إذا أسلم شخص فعلا وتزوج بمسلمة عريقة في الإسلام فإن هذا العقد إذا حصل بغير رضاء الولي أو العاصب لا يصح. 

لذلك قرر المجلس التفريق فورا بين حضرة صاحبة السمو الملكي الأميرة “فتحية” وبين “رياض غالي” (أفندي) بالحيلولة بينهما ووضعها تحت يد حضرة صاحب الجلالة الملك للمحافظة عليها إلى أن يفصل في الدعوى. 

وعلى السلطات المختصة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذ ذلك. 

2 قرر المجلس منع حضرة صاحبة الجلالة الملكة “نازلي” من التصرف في أموالها وتعيين حضرة صاحب السعادة “نجيب سالم” (باشا) ناظر خاصة جلالة الملك مديرا مؤقتا على جميع أموالها إلى أن يفصل في طلب الحجر. 

3 قرر المجلس وقف حضرة صاحبة الجلالة الملكة “نازلي” عن أعمال الوصاية على حضرة صاحبة السمو الملكي الأميرة “فتحية” وتعيين سعادة “نجيب سالم” (باشا) ناظر خاصة جلالة الملك وصيا مؤقتا لإدارة أموالها إلى أن يفصل في طلب عزل جلالة الملكة “نازلي” عن الوصاية. 

وقائع مؤتمر صحفي لنازلى و”فتحية” و”رياض غالي” 
تحدثت الملكة “نازلي” والأميرة “فتحية” أمام الصحفيين للتعليق على القرارات الصادرة من مجلس البلاط في مصر إزاءهما، وقالت وكالة أنباء اليونايتد بوست إن الأميرة “فتحية” سُئِلَت عن رأيها في معارضة جلالة الملك “فاروق” لزواجها من “رياض غالي”، فقالت: “إن غايتي الوحيدة أن أجعل زوجي سعيدا، وأن أنجب له عددا كبيرا من الأطفال”. 

سُئِلَت الأميرة تحديدا عن وقع قرارات مجلس البلاط في نفسها، قالت: “حسنا... هذا ما كنت أريده من زمن”. 

وكانت تبدو على وجوه الملكة الوالدة و”فتحية” و”رياض غالي” دلائل الاستهتار وعدم المبالاة بقرارات مجلس البلاط، وعندما سُئِلَت جلالة الملكة “نازلي” عن رأيها في هذه القرارات، أجابت بقولها: “لقد كنت أتوقع هذا الأمر، لذلك فهو لا يهمني في شيء”. 

وسُئِلَ “رياض غالي” في الموضوع فقال: 
“إن هذه القرارات لا تهمني، ولا تهم زوجتي في شيء، ولكن اهتمامنا الآن منصب على ما يمس جلالة الملكة “نازلي” من هذه القرارات”، (كانت الملكة “نازلي” قد اعتبرت أن “فاروق” قد انتهز الفرصة ليستولي على ثروتها من الأرض والعقارات والأثاث والتحف والأموال السائلة). 

ومضى “رياض غالي”: “وعلى أي حال فإن لدينا من المال ما يكفينا بعض الوقت، أما في ما يتعلق بالزواج الديني، فإننا نعد العُدة الآن لإتمامه في خلال بضعة أيام”. 

هذا وقد أُشيع اليوم أن مكتب الهجرة الأميركي في سان فرانسسكو طلب من “رياض غالي” أن يغادر الولايات المتحدة في مدة أقصاها 25 مايو الحالي، دون أن يُعيَّن له الجهة التي يقصد إليها. 

وكانت السفارة المصرية في واشنطون قد سحبت من “رياض غالي” جواز سفره الدبلوماسى منذ عامين عندما رفض الأوامر الصادرة إليه من وزارة الخارجية بالعودة إلى مصر، لذلك أصبحت إقامته في الولايات المتحدة في العامين الأخيرين غير قانونية. 

ولما سُئِلَ “رياض غالي” عما يعتزمه الآن بعد أن تلقى إنذار مكتب الهجرة بضرورة مغادرة البلاد في مدة لا تتجاوز 25 مايو الحالي، قال إنه يفكر مع زوجته “فتحية” في السفر إلى جزر هاواي حيث لا تزال تقيم الأميرة “فائقة” مع زوجها “فؤاد صادق”. 

أما في ما يتعلق بقرار مجلس البلاط الخاص بالتفريق فورا بين “فتحية” و”رياض غالي” بوصف أن زواج المسلمة من غير المسلم باطل بطلانا أصليا ولا يترتب عليه أي أثر من آثار الزوجية طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن السلطات الأميركية ترى أنه لا يمكن اتخاذ خطوة عملية في سبيل تنفيذه. 

وفى رأي هذه السلطات أن كل ما تستطيع أن تفعله الحكومة الأميركية أن تطلب إلى جلالة الملكة الوالدة و”فتحية” مغادرة البلاد إذا طُلب إليها أن تفعل ذلك ولكنها لا تستطيع تسليمهما رغم إرادتهما إلى السلطات المصرية أو حتى تعيين البلد الذي تسافران إليه عند مغادرتهما الولايات المتحدة. 


... للقصة بقية 

كانت نتيجة هذه التصرفات جميعا مأساوية لفاروق، حتى وإن لم يعش ليراها. 

والذي حدث في ما بعد أن الملكة الأم “نازلي” ارتدت عن الإسلام، واعتنقت المسيحية على المذهب الكاثوليكي، وكذلك فعلت ابنتها “فتحية” وأيضا “فائزة” التى انضمت إلى الاثنتين بعد خروجها من مصر سنة 1955 بعد الثورة، وكانت “فائزة” قد نجحت في تهريب مجوهراتها عن طريق الحقيبة الدبلوماسية للملحق العسكري التركي الكولونيل “محمد نور الدين” لكن الضابط الذي قام بتهريب مجوهرات الأميرة لم يسلمها لها في باريس كما كان مُتفقا عليه، ووجدت الأميرة “فائزة” نفسها مُفلِسة في العاصمة الفرنسية، وأكملت رحلتها إلى كاليفورنيا تشارك والدتها حياتها وكذلك تدخل معها في عقيدتها الدينية الجديدة (المسيحية الكاثوليكية) وعانت الأميرة “فائزة” كثيرا في حياتها قبل أن تمرض وتلزم الفراش سنوات. 

لكن مصير الأميرة “فتحية” كان أكثر مأساوية لأنها قُتِلَت بخمس رصاصات أطلقها عليها زوجها “رياض غالي” الذي تركت كل شيء من أجله، ذلك أن الغرام فَتُر، ثم طرأت بين الزوجين خلافات وصلت إلى حد أن “رياض غالي” كما ورد في تحقيقات بوليس لوس أنجلوس “كان يضرب زوجته دائما ثم يضرب الملكة “نازلي” ويضرب الأميرة “فائزة” إذا حاولتا التدخل لمنعه من الاعتداء على زوجته”. ومن المُحزن أن الملكة “نازلي” كانت لا تزال على قيد الحياة حين قام “رياض غالي” بقتل “فتحية”، وقد سارت في جنازة ابنتها تتوكأ على عصا. 

ويظهر أن هناك لعنة تطارد الملك “فاروق” في أسرته من بداية صِباه وحتى هذه اللحظة، ذلك أن ابنه “أحمد فؤاد” (ولي العهد الذي نودي به “ملكا تحت الوصاية” بعد تنازُل “فاروق” عن العرش بقرار من مجلس الثورة يوم 26 يوليو 1952، ثم جرى خلعه بإلغاء النظام سنة 1953) وسافر “أحمد فؤاد” رضيعا مع “فاروق” و”ناريمان”، لكن “ناريمان” (وكانت في حقيقة الأمر ضحية لظروفها) لم تستطع مجاراة “فاروق” في حياة المنفى، لأنها كانت أكثر صخبا من حياة المُلْك، وهكذا عادت وحدها إلى مصر، ثم واجه ابنها ظروفا صعبة. وعندما أصبح شابا فقد تزوج من فتاة يهودية فرنسية، وأنجب منها ابنا أسماه “محمد علي” ثم سمح له الرئيس “أنور السادات” بالعودة إلى مصر بناء على وساطة من شاه إيران “محمد رضا بهلوي”، ومن ملك السعودية “فيصل بن عبد العزيز”، وكان كلاهما يتوهم أن النظام الملكي يمكن أن يعود إلى مصر في ظرف من الظروف بعد رحيل “جمال عبد الناصر”. وهنا فإن “أحمد فؤاد” اختار لزوجته اليهودية اسم “فضيلة” (بداية بحرف الفاء المتوارث عن الملك فؤاد) ثم اختلفت الوقائع عن النوايا، ذلك أن “فضيلة” التي تصورت أن عودة زوجها لعرش مصر يمكن أن تكون محتملة، لكنها لم تلبث أن فقدت الأمل، ثم تطورت علاقتها بزوجها إلى قضايا أمام المحاكم، ووصل الأمر إلى حد أنها رفعت عليه دعوى حجر أمام محكمة سويسرية في “لوزان” تتهمه بخلل في قواه العقلية، وبالفعل فإن “أحمد فؤاد” أودع في مصحة للأمراض النفسية في سويسرا، لم يخرج منها إلا قبل شهور قليلة، ولعل حالته مما ينطبق عليه المثل السائد المشهور: “إن الآباء يأكلون الحُصْرُم والأبناء يضرسون!”. 

والواقع أن الملك “فاروق” لم يترك لورثته ثروة كبيرة حين مات، لأن حسابات سرية عديدة ضاعت أرقامها بوفاته، فقد شاء أن يحتفظ بها سرا لا يعرف به غيره، وفي حين أن ثروته حين خرج من مصر قُدِّرت بثلاثمئة مليون جنيه، فإن ما تركه فعلا لم يزد على ثمانية عشر مليونا (ذهب أكثر من نصفها أتعابا للمحامين والخبراء الذين كلفهم الورثة بتعقب مواقع الثروة)، والباقي ضاع في حسابات البنوك! 

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic