بين الشهادة والانتحار

مصطفى الحسيني

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 2 آب / أغسطس 2002

 

     يدرك كاتب هذه السطور ان ما هو مقبل على كتابته سيجلب عليه امتعاض، بل غضب من يحرص على رضاهم فهم بعض من لا يعرفهم ممن يتفضلون عليه بقراءة بعض ما يكتب. وهو لا يستطيع ان يتبجح بأقوال، بل ترهات من قبيل انه في سبيل اعلاء الحقيقة لا يعنيه رضى القارئين او سخطهم، ذلك غرور بل صلف لا يظنهما من صفاته. إنما يقدم على هذه الكتابة غير متيقن، لكنه على امل انه بطرح الاختلاف ينفتح الجدل فيفتح طريقا الى استجلاء الصواب. الى هذا الامل هناك، ذلك الاقتناع بأن لا وظيفة ولا قيمة للكتابة إن صدرت عن تسليم او إجماع. 
 

**********

الموضوع الذي تطرق هذه السطور بابه هو العمليات التي سماها من ينظمونها او يهيئون من يقومون بها “استشهادية”، بينما وصفها “انتحارية” من لا يحبذونها مع اختلافهم جوهريا مع الاسرائيليين الذين توجه هذه العمليات ضدهم. غير هؤلاء واولئك هناك من وصفوها بأنها “فدائية” وهو وصف يقر للعمليات بنبل الدافع ويعتنق احقية القضية التي تتم العمليات في سبيلها، اذ يفتدي من يقوم بها الوطن وقضيته بنفسه. 
 

**********

تحسبا لاتهام وارد بالمراوغة او الالتفاف حول الموضوع، يسجل كاتب هذه السطور انه يقف بوضوح ضد هذه العمليات من حيث المبدأ ويعتبر انه لا يمكن تبريرها بأي سبب ولا على اي وجه. ولا يتحرج من القول انه يرى في تنظيم هذه العمليات والتخطيط لها وتهيئة من ينتدبون او يُطوعون للقيام بها جريمة في حق هؤلاء الاخيرين، يرحمهم الله ويقي من يتهيئون او يهيئون للسير على ذلك السبيل؛ جريمة لها اسم بسيط ومدوّن في الشرائع قبل القوانين، جريمة قتل النفس. هي ضرب من الكفر. ندعو الله ان يغفر لمن سبق منهم، كونهم ضحايا قتلوا انفسهم على مظنة اداء الشهادة. اما من هيئوهم وأفتوا لهم (او عليهم؟) بحل ما اندفعوا او دُفعوا اليه، فلعله سبحانه وتعالى يرأف بهم ان ضلوا ولم يقصدوا الكفر. 

لا حاجة هنا الى التنبيه ان ليس من بين حجج كاتب هذه السطور ان هذه العمليات تقتل مدنيين اسرائيليين. هذه الحجة لا محل لها ولا مكان في محاجة جدل يدور حول “الشهادة” من ناحية وحول تقديرنا لقيمة الحياة من ناحية، وفهمنا لمعنى تحرير الاوطان من ناحية ثالثة. 

قتل المدنيين او الحرص على حياتهم وسلامتهم. استهدافهم او الامتناع عنه، امور لها سياق آخر هو سياق ادارة القتال وأخلاقياته وما يحكمه من قوانين دولية، في العادة يتمسك بها الضعيف وينتهكها القوي. 
 

**********

البحث في معنى “الشهادة” في القتال مبحث فقهي بلا جدال. وكاتب هذه السطور ليس من فقهاء الاسلام وليس له الى هذا سبب. لكن الدين في جوهره فطرة وحس يجتهد حامله ليدنو به الى السلامة. غير ان الفقه ليس كهنوتا، من هذه الناحية المعرفة بالدين من المعارف العامة. اجتهاد هذا العبد الفقير ان “الشهادة” في القتال في الاسلام تعني ان يخوض المؤمن حومة القتال مهيئا لأن يضحي حتى بحياته بنفس راضية مرضية. 

في هذا الاجتهاد لا يقع ضمن مفهوم “الشهادة” في القتال في الاسلام ان “يتعمد” المؤمن ان يقتل نفسه. “الشهادة” قضاء الله يتقبله المؤمن لكنه لا يبتغيه ولا يسعى اليه. ما يبغيه المؤمن ويسعى الى ان يشهده هو النصر يعلي الحق على الباطل. 

بقاء المؤمن هو السبيل الى تواصل الجهاد قتالا وعمرانا. 
 

**********

اما تقديرنا لقيمة الحياة، فقد يبدو للبعض ان لا محل له ولا مقتضى ونحن نخوض حربا تحريرية. ولعل الصحيح نقيض ذلك. 

من معايير الكفاءة في ادارة الحرب “المحافظة على القوة البشرية”. الضعيف اولى بهذا من القوي. اما في حرب التحرير فلعل الصحيح هو “من باب اولى”. لانك تحارب لتحرر شعبا لا لتقتل منه عمدا. 

بالطبع لا يعني هذا النكوص عن بذل التضحيات لتحقيق الهدف. لكن التضحيات ضرورات لا تبرعات. لزوميات لا يرد عليها الاسراف ولا يجوز. 

في الحروب، قد يصلح تعداد الشهداء معيارا للبسالة، لكنه ايضا قد يقيس ضعف كفاءة القيادة او حنكة القتال او كليهما. كما قد يكون كاشفا لاستهانة القيادة بحياة جنودها وأبناء شعبها. 
 

**********

في تحرير الاوطان يضحي الأجداد والآباء حتى يعيش ابناؤهم وأحفادهم في وطن حر سعيد. ليس العكس. 

ألا تنبهنا ضمائرنا الى تأمل نقارن فيه بين أعمار من ضحوا بحياتهم في عمليات استشهادية/ انتحارية/ فدائية وأعمار من يعلنون باسم هذه الحركة او المنظمة او تلك “مسؤوليتها” عن “العملية” وتعلي اسم الشهيد. 

النسبة بين العمر الوسطي للفريقين هي لآباء وأبناء. احيانا لجدود وأحفاد. 

كأننا نقتل ابناءنا حتى يحرر دمهم لنا وطنا نعيش فيه “أحرارا”. 

هل يتجرأ هذا الشخص الضعيف على القول: هذا الدم الذي حرّضناه ودفعنا به، ألا يثقل رقابنا؟ ألا يثقل على ضمائرنا حتى لو تحرر الوطن؟ 

أليس واجبنا، بل التزامنا ان نحمي ابناءنا، ان نحرضهم على القتال إنما ان نعلمهم ايضا قيمة الحياة والحرص عليها؟ ان نبث فيهم يقينا بأن حياتهم أغلى عندنا من حياتنا. حتى اذا دفعهم الحماس او اخذهم وهج الايمان او هبط بهم اليأس الى التفكير في “تعمد الاستشهاد” ان نبصرهم بأن الشهادة نقيض نحر النفس. وان الجهاد الافضل هو جهاد الحياة؟ 
 

**********

وفي تحرير الاوطان ايضا، ان في القتال في ذلك السبيل، يحسب القادة المردود السياسي للتضحيات. الحرب ليست بطولة. ليست مجرد بطولة ولا مجرد بسالة ولا تقاس قيمتها بحجم التضحيات، في منتهى تحليلها خسائر. والحروب تستحق مكانا مجيدا في التاريخ بقدر ما تحقق لمن خاضوها من مكاسب. 
وفي السياق الفلسطيني الذي هو سياق هذا الحديث، هل يجلس كل منا بهدوء مع نفسه ويسأل نفسه ويجيب عن المردود السياسي لما شهدته الانتفاضة من تلك العمليات؟.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic