الاستنفار الاسرائيلي على الحدود وقائي
و"حزب الله" يرى أن شارون فقد المبادرة

ابرهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الثلاثاء، 6 آب / أغسطس 2002

 

     لا تبعد مدينة صفد الفلسطينية، حيث نفذت آخر العمليات الفلسطينية عن بلدة يارون الجنوبية الحدودية (قضاء بنت جبيل) اكثر من خمسة كيلومترات، ولكن القيادة الاسرائيلية لم تسارع الى توجيه اصابع الاتهام الخفية او العلنية ضد "حزب الله" على غرار ما فعلته في اعقاب عملية مستوطنة شلومي التي حصلت قبل أشهر على مقربة من الحدود اللبنانية - الاسرائيلية، اذ حمّلت الحزب ولا تزال تبعة تلك العملية النوعية التي أودت يومها بحياة 8 اسرائيليين، رغم انها لم تستطع ان تقدم برهانا عمليا واحدا يثبت بالملموس صحة ما ادعته. 

مع عجز اسرائيل هذه المرة عن اطلاق اي ادعاء او زعم ضد الحزب، فانها بادرت الى جملة اجراءات وتحركات ميدانية غير اعتيادية على طول الحدود مع لبنان ليلة اول من امس منها زيادة حركة الطيران، وتكثيف عديد الدوريات، وابعاد المستوطنين عن المستوطنات المتاخمة للشريط الحدودي وتحريك الآليات، في محاولة واضحة لالقاء أجواء اضافية من التوتر في المنطقة. 

ولكن هذه المناخات التي سعت اسرائيل الى تكريسها على عجل، لم تقابل بأي رد فعل استثنائي او متوتر من الحزب، الذي بقي على ترقبه الدقيق لمآل الوضع. ووفق المعلومات استفاق سكان المنطقة الحدودية صبيحة امس ليزاولوا حياتهم اليومية ولينصرفوا الى أعمالهم المعتادة كأن شيئا لم يكن. والسؤال المطروح حيال ذلك: لماذا حاولت اسرائيل في واحد من "أصعب أيامها" على قول رئيس وزرائها أرييل شارون، ان توحي انها راغبة في تحريك الوضع على حدودها الشمالية، واستطرادا ليكون ذلك مقدمة لتقريب كرة النار الملتهبة في داخلها نحو الجنوب؟ واذا لم يكن ذلك واردا في حساباتها المعقدة هذه المرة فلماذا فعلت ما فعلته؟ 

بالنسبة الى الحزب ما جرى على الحدود اخيرا ليس جديدا، لذا لن يكون مبعث قلق بالنسبة اليه، ولن يجعله يخرج عن اطار قراءته القديمة نسبيا للوضع، وجوهرها ان ليس في مقدور شارون الآن التطلع صوب جبهة الجنوب او سواها، او التفكير في تحريك "عش الدبابير" عليه. 

وتذهب مصادر في الحزب في تحليلها ابعد من ذلك عندما تلمح الى ان شارون في ذروة هجمته على الفلسطينيين في نيسان الماضي في "عز" ما خاله يومها "انتصارا" نجم عما سماه عملية "السور الواقي"، لم يكن في مقدوره التفكير في فتح جدي لجبهة الجنوب، وجلّ ما فعله في تلك المرحلة وبعدها هو تكثيف التهديدات ضد لبنان وسوريا باسناد واضح من الادارة الاميركية، واطلاق الاتهامات المتنوعة ضد الحزب ومقاومته. 

والوضع الآن لا شك أصعب وأكثر تعقيدا، فالامور في الداخل الفلسطيني، انقلبت بشكل يكاد يكون كليا، ومن الواضح ان المبادرة لم تعد ملك يمين شارون، ولا مبالغة اطلاقا في القول ان زمام المبادرة بات بيد المقاومة الفلسطينية التي اثبتت ميدانيا انها قادرة على الضرب بضراوة في كل المناطق الفلسطينية المحتلة وأنى تشاء، وقادرة في الوقت عينه على تنويع اساليب عملياتها وجعلها اكثر دقة واصابة. 

والمصادر نفسها ترى ان هذا الواقع الذي يتأكد يوما بعد يوم قد عمّق حالة الاحباط واليأس والضياع لدى القيادة الاسرائيلية، مما قد يكون دفعها في الساعات القليلة الماضية الى افتعال أجواء توتير، واستنفار قواتها على طول الشريط الحدودي على نحو فاق المألوف. 

والى جانب هذه القراءة للحزب ثمة مصادر أخرى معنية بالملف الجنوبي ترى ان اسرائيل تتوجس من كل عملية تنفذ ضدها على مقربة من الحدود اللبنانية، بل انها تتوجه بأنظارها نحو الجنوب مع كل ضربة تتلقاها في كل منطقة الجليل الاعلى، كونها تعيش هاجس تعاون الحزب الخفي مع الفصائل الفلسطينية وتفترض دوما ان ثمة رابطا غير مرئي بين اي عملية في هذه المنطقة والحزب، وبالتالي فهي تضع فورا في حساباتها امكان أي رد فعل من جهة الجنوب اللبناني. 

وبناء عليه فتحركات قواتها الاخيرة على جانب الحدود مع الجنوب هي اقرب ما تكون الى حركة وقائية، وخصوصا ان ثمة تشابها بين ظروف عملية صفد وعملية مجدو التي نفذها قبل بضعة اشهر أحد عناصر حركة "الجهاد الاسلامي" وعدّت يومها تطورا نوعيا في مسار العمليات الفلسطينية، خصوصا لجهة اختيار باص اكثر ركابه من الجنود الاسرائيليين العائدين من اجازاتهم اضافة الى مدلولات مكان العملية وأبعادها. 

وتذهب هذه المصادر الى حد التكهن بأن الاسرائيليين قد داخلهم منذ مدة اعتقاد يبنون عليه حساباتهم، وهو ان حملة الضغوط والتهويلات المنظمة التي لجأت اليها تل ابيب وواشنطن في الآونة الاخيرة ضد "حزب الله" وسوريا ولبنان، كانت كافية لكبح جماح الحزب، والحيلولة دون اندفاعه نحو العمل لتسخين الوضع في الجنوب، لذا لم يكن مصادفة ان تشير الاوساط الاعلامية الاسرائيلية الى ان آخر عملية لـ"حزب الله" في مزارع شبعا كانت منذ اكثر من 7 اسابيع، اذ ان ثمة اعتقادا لدى أكثر من جهة مفاده ان الحزب، وارتكازا على جملة حسابات ومعطيات داخلية وخارجية، يرغب ضمنا في امرار ما تبقى من الصيف من دون اي حركة خارج نطاق المألوف، وهي معادلة يرفض الحزب بطبيعة الحال تبنيها او دحضها كونه يرفض اساسا الدخول في تحديد زمن عمليته المقبلة. 

وفي كل الاحوال، يرى الحزب ان شارون صار اكثر من اي وقت مضى في عمق المأزق، وهو الذي سد بسياسته كل أفق سياسي، وهو في الوقت عينه لا يمكنه بسهولة ويسر العودة الى الوراء، فيما المقاومة الفلسطينية تجاوزت كل الامتحانات الصعبة وهي ماضية لتقبض أكثر فأكثر على زمام المبادرة. وعليه، لا سبيل امام شارون الا اطلاق مزيد من التهديدات ضد لبنان، لتضاف الى سجل طويل حافل من هذه التهويلات، التي لم تتعد اطارها وحدودها.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic