يطالب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش السلطة الفلسطينية بإصلاح ذاتها من خلال تطوير الممارسة الديموقراطية بحيث تأتي السلطة ممثلة للشعب خير تمثيل، معبرة عن إرادته الحقيقية، ويطالب في سياق ذلك باستبدال السيد ياسر عرفات رئيسا للسلطة بسواه. ويجعل ذلك شرطا لاستئناف محادثات التسوية. وفي الوقت ذاته يهدد الرئيس الأميركي بشن حرب على العراق من أجل الإطاحة بالرئيس صدام حسين وإقامة نظام ديموقراطي في العراق.
هذان التوجهان للرئيس الأميركي ينطويان على مفارقتين على الأقل: الأولى تتجلى في السؤال: كيف يطالب الرئيس الأميركي باعتماد الديموقراطية نظاما في فلسطين والعراق ويقرر سلفا الإطاحة بياسر عرفات وصدام حسين. أما كان من الطبيعي أن يترك أمر الرئاسة في البلدين العربيين لحكم الديموقراطية؟ هل تستقيم الدعوة الى الديموقراطية والحكم مسبقا بمن يجب أن يكون رئيسا أو من يجب ألا يكون رئيسا؟ والجواب الذي يأتي من أميركا عن هذا التساؤل يفيد أن الرئيس الاستبدادي يسعى بطبيعة الحال الى تأبيد حكمه. لذا فهو يشكل عائقا دون تطوير الحياة الديموقراطية. من هنا، حسب الزعم الأميركي، بموجب الإطاحة بالرئيس الاستبدادي في معرض العمل على تطوير الممارسة الديموقراطية.
إن الطرح المتعلق بفلسطين يبدو من قبيل كلام الحق الذي يراد به باطل، إذ المقصود المشاغلة عن النضال لتحرير الأرض. صحيح أن تحقيق الديموقراطية هدف سام ويجب العمل من أجله ولكنه يأتي من حيث الأولوية بعد تحرير الأرض وليس قبله. فلا سبيل أمام الشعب للتعبير عن إرادته الحرة في ظل الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية وفي ظل الحصار الخانق المضروب حول المناطق السكنية الفلسطينية في كنف أجواء الإرهاب التي تشيعها قوات الاحتلال بما تمارس من قتل وأسر وتعذيب وتنكيل وهدم للمنازل. أما الطرح المتعلق بالعراق فقد يكون متداخلا مع مشروع تفتيت العراق والقبض على ثروته النفطية وتعطيله نهائيا كقوة عسكرية يحسب حسابها في المنطقة. ومن المسلم به أن تفتيت العراق وتشظّيه دويلات، إذا وقع لا سمح الله، سيكون له تداعيات لا حصر لها على المنطقة برمتها، سياسيا واقتصاديا وقوميا.
أما المفارقة الثانية فتتجلى في غياب الديموقراطية أو ضحالتها في كل الدول العربية من دون استثناء، مع ذلك فإن أميركا تصادق بعض الحكام العرب، خصوصا حكام المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والمغرب وسائر بلدان الخليج العربي، وهي دول ذات أنظمة غير ديموقراطية، كما هو معروف. حتى في الأقطار العربية حيث تُجرى انتخابات لاختيار حكامها، فإن الانتخابات تبدو الى حد بعيد شكلية حيث يفوز الحاكم في تجديد ولايته أو في الاستفتاء على شخصه، بتسعة وتسعين بالماية من مجموع الأصوات. فكيف تدعم أميركا أنظمة عربية غير ديموقراطية وتنبذ سواها لكونها غير ديموقراطية؟ إنها قاعدة الصيف والشتاء على سطح واحد. هكذا تفقد المطالبة الأميركية مبدئيتها. والجواب الذي يأتي من أميركا عن هذا التساؤل يفيد أن المعالجة لا بد أن تكون مرحلية، وإذا كان المنطلق يتناول دولا عربية معينة تشكل إزعاجا للنظام العالمي حاليا، فإن المراحل التالية لا بد أن تتناول سائر الدول العربية حتى تلك التي ترتبط حاليا بتحالف ضمني أو علني مع أميركا. هذا معناه ان تحالف أميركا وبعض الدول العربية، وهي جميعا ذات أنظمة غير ديموقراطية، إنما هو تحالف براغماتي وهو تاليا مرحلي او آني وليس استراتيجيا.
فنحن إذن أمام سياق تاريخي طويل يجعل أميركا في موقع المطالب، ولو في مراحل متفاوتة، سائر الدول العربية بتغيير أنظمتها وتبني الديموقراطية نظاما. وقد تلقى أميركا في ذلك دعما من الاتحاد الأوروبي او بعض دوله.
أيا يكن الواعز الأميركي في التركيز، في مرحلة أولى، على بلدين عربيين، هما فلسطين والعراق، فإن نجاح التجربة فيهما، فيما لو تغير النظام فيهما، سيجعل سائر الدول العربية أمام احتمال مماثل في وقت من الأوقات. وإذا كانت مشاريع أميركا المشبوهة في المنطقة، في ظل انحيازها السافر لاسرائيل ولو على الباطل، تجعل التركيز على فلسطين والعراق في مرحلة أولى من قبيل كلام الحق الذي يراد به باطل، فإن المرحلة التالية تطرح اشكالية الديموقراطية بأبعادها الحقيقية الواقعية المجرّدة، وذلك من باب الادراك ان لا اصلاح، ولا مواكبة للتطور والتقدم في العالم، ولا ضمان لحقوق الإنسان في وطنه، إلا من خلال الديموقراطية.
لا بل يمكن القول ان لا استقرار إلا في كنف الديموقراطية. قد يستكين الشعب ردحا من الزمن تحت القبضة الحديدية للسلطة في غياب الحرية والديموقراطية. ولكن الشعب، أي شعب، لا يمكن ان يتخلى عن حقه الطبيعي في الحرية والديموقراطية الى الأبد. وقديما قيل ان الحرية تُؤخذ ولا تُعطى. ولا بد للشعب المكبوت ان ينتفض لحريته في يوم من الأيام. الى ذلك فإن الديموقراطية تتلازم مع المحاسبة والمساءلة على شتى الصعد، وغياب الديموقراطية كثيرا ما يتلازم مع الفساد في الحكم. لذلك فإن الثورة من أجل الحرية كثيرا ما تكون في الوقت عينه ثورة ضد الفساد. فلا غلو في القول والحال هذه ان العالم العربي يقف اليوم على مشارف حقبة جديدة من الزمن سيكون التحدي الأكبر فيها تبني الديموقراطية نظاما وتطوير ممارستها على وجه صحيح وفعّال.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا كانت الديموقراطية قدرا لا مفر منه، قد يتقدم او يتأخر ولكن في نهاية المطاف لا محيد عنه. أوليس الأجدى ان تفكر كل دولة بنفسها، في ظروفها ومعطياتها، وتصوغ تطلعاتها الى الديموقراطية بنفسها بحيث يأتي التغيير نابعا من إرادة داخلية وليس مفروضا من الخارج، وبحيث تراعي مراحل التغيير ظروف كل بلد ومعطياته؟ أليس ذلك أجدى وأكرم؟
هذا يفترض بطبيعة الحال تبدلا في ذهنية الحكام العرب بحيث يتخلون عن العمل على تأبيد ولايتهم ويعتنقون منحى تغييريا يفضي الى الديموقراطية ان عاجلا أم آجلا. والسؤال هو: كيف يمكن اقناع الحكام العرب بتبني فكرة التغيير ولو على حسابهم، والعمل من ثم طوعا على تحقيق التغيير المنشود.
اننا نرى، ضرورة قيام أحزاب في كل بلد عربي لتنمية الممارسة الديموقراطية وصولا الى تغيير في النظام بالتعاون مع الحكام العرب أنفسهم ربما من خلال مبادرات منهم. وقد يظهر الحكام العرب استعدادا لذلك إذا أدركوا حجم التحديات المترتبة على غياب الحرية والديموقراطية في بلادهم، داخليا وخارجيا، سياسيا واقتصاديا وحضاريا. الرهان معقود على همّة الشباب العربي المثقف كي يبادر الى تشكيل أحزاب في كل بلد عربي مهمتها الدعوة الى التغيير الديموقراطي. وفي أضعف الإيمان، إذا تعذر تأليف حزب داخل البلد العربي، القيام باستحداث مؤسسة خارج البلد والعمل من ثم على اختراق الحدود الى الداخل بمبادرات محددة. ولن يكون ذلك عسيرا في عصر الاتصالات والمعلومات. عسى أن يلهم الله حكامنا الانفتاح على الشباب المثقف والإصغاء إليه والتجاوب معه.
إذا لم يقتنع الحكام العرب بجدوى العمل الطوعي على تبني الديموقراطية نظاما، فإن بلدانهم ستبقى محكوما عليها بالتخلف وستكون معرّضة لأحد ثلاثة احتمالات: بقاء دولهم في حال الغربة وربما العزلة في النظام العالمي، أو تعرضها لحروب خارجية مثلما تتعرض فلسطين والعراق اليوم، أو في أخطر الاحتمالات قيام ثورة شعبية داخل البلد ترغم الحاكم على الانصياع أو تطيح به. وفي منطق التاريخ المسألة هي مسألة وقت، ولكن إن عاجلاً أم آجلاً لا مفر من أحد هذه المصائر.
**
الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان
السابق
§
وصـلات:
