ترويض المملكة؟ أم ماذا؟

مصطفى الحسيني

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 7 آب / أغسطس 2002

 

     هل يمكن تصور أن تكون الولايات المتحدة تفكر في إضافة اسم المملكة العربية السعودية الى قائمة أعدائها المفتوحة للإضافة والمغلقة في وجه الحذف؟ 

ما يجعل السؤال واردا تقرير نشرته “واشنطن بوست” يوم أمس، يكشف عن دراسة أعدها باحث في مؤسسة “راند” وعرضها أمام “لجنة السياسة الدفاعية” يوم 10 تموز/يوليو الماضي. 

أول ما يحتاجه المحلل للإجابة عن هذا السؤال هو بعض التعريفات التي تساعد في تحديد ما لمثل هذا التقرير من وزن. 

“راند كوربوريشن” مؤسسة بحثية خاصة متخصصة أساسا في الشؤون الأمنية، وبالذات ما يتعلق منها بأمن الولايات المتحدة الأميركية. لكنها أكثر من ذلك بحكم أن “زبائنها” قليلون، وفي المقدمة من عددهم القليل: المؤسسة الأمنية الأميركية. وتأثير ما تقوم به “راند” من أبحاث مشهود. فهي التي لعبت أكثر الأدوار تأثيرا في صياغة المفهوم الأميركي لظاهرة “الإرهاب الدولي”. وقد بدأت مجهودها في هذا الشأن منذ مطلع السبعينيات، وبدأت من هذه المنطقة: الشرق الأوسط. وقد صاغت مفهومها ل”الإرهاب” قياسا على “العمل الفدائي” الفلسطيني ضد إسرائيل. الى ذلك كانت هي التي صاغت حزمة القيود على تصدير التكنولوجيا الغربية المتقدمة الى بقية البلدان الغربية تحت عنوان “حرمان الاتحاد السوفياتي” منها. لكنها وسعت مفهوم الاتحاد السوفياتي الى ما يتعدى منظومة حلف وارسو، أي “البلدان الصديقة للسوفيات”، والبلدان التي يمكن أن تتسرب منها تلك التكنولوجيا الى بلدان صديقة للسوفيات. وبذلك توسع تطبيق تلك القيود حتى شمل بلدانا موالية للولايات المتحدة منها المملكة السعودية. وانقضى الاتحاد السوفياتي وأخذ معه منظومته تتحرك حثيثا نحو الالتحاق بالغرب. لكن القيود بقيت مطبقة على البلدان التي أُلحقت بمفهومه الموسع. 

“لجنة السياسة الدفاعية” استحدثت في عهد الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش، ويفترض أن مهمتها استشارية وغير رسمية، وليس من أعضائها أحد من موظفي الحكومة الأميركية. لكن أهميتها أنها تضم عددا كبيرا من المسؤولين السابقين الموالين للحزب الجمهوري، أي حزب بوش. 

أما رئيسها ريتشارد بيرل، فقد شغل منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي على مدى السنوات الثماني لحكم الرئيس الأسبق رونالد ريغان. وبهذه الصفة كان من بين مسؤولياته الإشراف على السياسة الأميركية في ما يخص الإرهاب وتصدير التكنولوجيا، وكان هو الذي يرأس اللجنة الأوروبية الأميركية المشتركة التي تراقب عمليات تصدير التكنولوجيا الغربية، والتي تصدر عنها تراخيص الموافقة على التصدير. 

قبل أن يشغل بيرل ذلك المنصب كان يعمل مساعداً لأحد أعضاء مجلس الشيوخ، وهي وظيفة مهمة في السياق الأميركي، لأن المساعدين البرلمانيين هم من ناحية الذين يصوغون مواقف العضو البرلماني الذي يعملون معه، وهم باسمه يطلعون على كل ما يحق للبرلمانيين الاطلاع عليه من معلومات سرية وغير سرية. 

أثناء قيامه بهذا العمل، باشرت المباحث الفيدرالية تحقيقا معه بتهمة التجسس لإسرائيل لم يلبث أن يغلق قبل اتهامه بأمر مباشر من البيت الأبيض في عهد الرئيس جيمي كارتر. وقد خرج من هذا التحقيق ليشغل ذلك المنصب الدقيق في وزارة الدفاع. 
 

**********

 
للتقرير إذن وزنه، من ناحية بحكم الجهة التي أعدته “راند”، وبحكم الجهة التي طلبته “لجنة السياسة الدفاعية”. 

يضاف الى هذا أن وزارة الدفاع في عهد الرئيس الحالي أصبحت الجهة الأكثر احتشادا ب”المحافظين الجدد”، تلك الأقلية الأميركية الواسعة النفوذ، والمعروفة بميولها العدوانية القوية تجاه بقية العالم، بمن فيه حلفاء أميركا التقليديون، من الحلف الأطلسي حتى المملكة السعودية، وهي الأقلية التي استبدلت سياسة “العزلة” التي كانت من بين ميول المحافظين الأميركيين، بسياسة “التدخل” في شؤون دول العالم، حتى لو كان انفراديا، أي بدون “الحلفاء”، بل وبرغم معارضتهم. 

لكن سؤالا آخر يبدو لازماً الى جانب السؤال الأول: 

لماذا تسرّب مضمون هذا التقرير، الذي أعد كوثيقة سرية، ونوقش في اجتماع مغلق منذ ما يقرب من شهر؟ 

هل التسريب متعمد؟ وإن كان كذلك، فما غرضه؟ هل هو “تحذير” السعودية، أي ترويضها بعد ان صدرت منها “أصوات” رسمية تعترض على ضرب العراق؟ 

هل هو “ابتزاز” السعودية بتهمة الإرهاب، وهو الاتهام الذي يتكرر في مقالات وتقارير أميركية منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر العام الماضي؟ 

أي هل الغرض هو ترويض المملكة الحليفة، التي تعتبر موالاتها للولايات المتحدة، رصيدا مهما للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ومصدراً مهماً لاطمئنان أميركا الى مواردها من النفط، المصدر الرئيسي للطاقة، والتي تعتبر “تسهيلاتها” العسكرية للولايات المتحدة، من مرتكزات سياسة الأمن القومي الأميركي التي ازدادت عدوانية مع وصول جورج دبليو. بوش الى البيت الأبيض؟ 

هذا التفسير بأوجهه كلها وارد. 

لكنه لا يستبعد غيره، وما يختلف عنه وما يخالفه. 

فالتقرير، الذي يوصي كاتبه بإدراج اسم المملكة في قائمة “الأعداء”، ويوصي بأن تستولي الولايات المتحدة على “حقول النفط السعودية” وأن تصادر الأموال السعودية المستثمرة في الولايات المتحدة، إذا لم تستجب المملكة لطلب أميركي بالتوقف عن تمويل “الهيئات الأصولية الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وبأن توقف جميع التصريحات المعادية للولايات المتحدة، ولإسرائيل” وأن “تقدم للمحاكمة كل المتورطين في سلسلة الإرهاب، بما في ذلك هيئة الاستخبارات السعودية”. 

هذا التقرير يعيد الى الأذهان ما تسرب في عقد السبعينيات عن وجود “خطة طوارئ” أميركية، تحت اسم رمزي هو “خطة كاتنغا”، تقضي بأنه في حالة حدوث تغير في نظام الحكم في الرياض، تشجع الولايات المتحدة انفصال المنطقة الشرقية، حيث توجد حقول النفط، عن المملكة، وتعترف بها الولايات المتحدة وتقوم بحمايتها. 

وفي ذلك الحين اعتبر ذلك التسريب تلويحا بالتهديد للمملكة، عندما بدا أنها قد تتبع سياسة متشددة حيال استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية في حرب 1967. 

أي إنه وارد أيضا ان يكون التقرير إحياءً ل”خطة كاتنغا”، مع ما يلزم من تعديلات، يتطلبها ما حدث من تغير في النظرة الأميركية الى العائلة السعودية الحاكمة، إن صح ان الثقة الأميركية بها قد اهتزت على انفجار أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic