سوف أخلع حذائي

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 8 آب / أغسطس 2002

 

     “بونجور مسيو”، تقول المضيفة مرحبة بي على متن الطائرة. أبتسم. ها هي التحية باللبنانية، اخيرا، بعد عام من تبادلها بالانكليزية والعربية. اجلس الى مقعدي في طائرة الميدل ايست الجاثمة على ارض مطار اثينا الدولي. ستطير بي عما قريب الى بيروت. 

الطائرة هي الثالثة بعد اخيرتين اميركيتين حملتني اولاهما من ديترويت الى نيويورك وأكملت الثانية الى اليونان. طائرة الميدل ايست ارض لبنانية سهلة تعطي شعورا بثقة الانتماء الى اكثرية المكان. قبلها، في ديترويت، كان قلبي يؤكد لي أنني سأخلع حذائي قبل ان اغادر الولايات المتحدة. وأتت البشارة الاولى على لسان موظف أخبرني بعدما زان حقائبي ان “عشوائيا ما” قد اختار حقائبي لتفتيش يدوي. لا اعلم ما اذا كان هذا هو الحظ السعيد غير اني احمل الحقيبتين الى حيث كان ثلاثة لبنانيين يتفرجون على موظف آخر ينبش اغراضهم. العشوائي كان قد انتقاهم بدورهم. عشوائي كان التعريف به تمتمة غامضة لم افهمها، لكني خضعت لعمق قلبه العادل. 

في ردهة الانتظار، كان عليّ ان اسيطر على تفكيري ولا اجعل من نظرات الآخرين العابرة خوفا من وجودي. لكن وجه رجل ابيض ظل يدور معي كيفما تحركت. رجل من غير حقيبة يد يفلش جريدة ويراقب. بدت اللعبة مسلية، أشغل نفسي عنه فترة ثم ألتفت إليه بغتة فتتلاقى العيون لحظة ويشيح بنظره. غير ان اللعبة طالت وبدأ ينفذ الى ما تحت مسام جلدي بوقاحة صارت مع الوقت قادرة على النيل من برودة اعصاب مصطنعة اصلا. من هذا؟ يراقب ويحمل جريدة؟ ليست المخابرات الاميركية على هذا القدر من الابتذال. فمن يكون؟ 

حين نادوا علينا الى الطائرة وقفت في الصف.. وإذا بمكتب شركة الطيران الذي يدقق في أوراق المسافرين يشبه الحواجز اللبنانية. يشير الموظف الى نقطة تفتيش تقع الى اليمين من صف المسافرين فينسحب المسافر المختار الى صف انتظارها وتكمل البقية طريقها الى الطائرة. كنت ممن أحيلوا الى التفتيش بطبيعة الحال. أمامي في الصف يقف شاب لبناني، وينهمك ثلاثة موظفين بتنبيش مجموعة من نسوة محجبات وأولادهن. الآخرون يعبرون الى الطائرة بسلام وركن التفتيش عربي بالكامل. ترتفع حدة توتري وقد دلف هنديان الى الصف خلفي وانتهى دور المحجبات وأولادهن وأتى دور اللبناني. ضحك الشاب لي والمفتش يمرر الآلة الالكترونية موازية لجسمه. هي ضحكة تواطؤية بالطبع معناها ان “انظر ماذا يفعلون بنا”، نحن العرب، رددت عليها بابتسامة تضامن.. وبينما يخلع الشاب حذاءه كنت اسلم حقيبتي للمفتشين المهذبين وأتعامل معهم بأكثر ما استطيعه من نزق ولؤم، كفعل احتجاج في أقل إيمانه. مددت ذراعي أفقياً وراح اللبناني يربط شريط حذائه. قلت له والمفتش يعالجني بالآلة الالكترونية: “ليك.. عم ارجف.. ما عم ينقوا غيرنا”. كنت معتمدا في كلامي على التواطؤ المشفر الذي وقع سابقا وإذا بسحنة الشاب تنقلب فجأة وتختفي ابتسامته ويرتبك ثم يقطب حاجبيه ويقف بعدما انهى ربط الشريط "WHY?" سألني باستغراب ولم يكن فيه ما يدل على انتظار رد. يا لغبائي. شعرت بحاجة ملحة الى صفع جبيني ندماً على عمل أخرق. وتوجه هو الى الموظف الغارق في تنبيشي بإنكليزية ذات لكنة قاسية: “شكراً لك يا صديقي.. أنت تقوم بعملك بشكل جيد”. صديقي؟ صار صديقاً للمفتش في دقيقتين وأثنى عليه وكان حضارياً في تصرفه ونبذني كأن بي وباءً. من جهتي كان اصدقائي قد أوصوني بغسل قدمي جيداً كي “ما تجرصنا مع الامركان”. خلعت حذائي وعدت فانتعلته وما رددت على شكر المفتش ومشيت الى مكتب الشركة الذي منه أغادر الى الطائرة، وإذا بذي الوجه السام يجلس الى اقرب مقعد للمكتب. حدقنا في بعضنا لأطول وقت سمحت به هجوميتي قبل ان يدير وجهه وأرى خيطا من السم يسيل من خلف اذنه فوق العنق.. والى نيويورك. هناك، وعلى باب الطائرة اللبنانية توجه الشاب اللبناني الى نقطة التفتيش مرة ثانية يحمل جواز سفر اميركيا، بينما أكملت انا من دون تفتيش فرحا له بفوزه بصديق جديد يضيفه الى مجموعته من اصدقاء مفتشي الاحذية. وعلى الطائرة التي تحتاج الى تسع ساعات لا تنتهي للوصول الى اليونان، وقفنا، اربعة لبنانيين يلتقون للمرة الاولى في مطبخ الطائرة ويقتلون مللهم بحديث مسل لا تخيف لغته الغريبة احدا من طاقم الطائرة او المسافرين، ربما لأن نيويورك ابتعدت وصرنا فوق المحيط وخارج دائرة الاتهام. 

على طائرة الميدل ايست أزالت الشركة عنا اي احساس بأننا متهمون حين وزعت المضيفة مع وجبات الطعام شوكا وسكاكين وملاعق من الفولاذ المقوى المتين الصنع نقشت عليه حروف الشركة. آلات حادة للجميع من دون استثناء. وهكذا، اذا ما وقعت الواقعة، فليدافع من يريد عن حقه في الوجود في معركة السلاح الأبيض الذي تؤمنه الشركة للمسافرين.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic