حرب دونها عوائق

الياس حنا

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 9 آب / أغسطس 2002

 

     كثر الحديث مؤخرا عن السيناريوهات لضرب العراق. منهم من اعتبر الحرب نزهة على غرار ما حصل في افغانستان، معتقدا ان ما يصح مع طالبان قد يصح مع صدام، وكأن الامر وصفة طبية معممة لمرض واحد. منهم من حذر من التورط لان الوضع مختلف، ونصح باعتماد أساليب ملتوية تقوم على العمل المخابراتي المدعوم من الداخل. اما التقليديون من العسكر، فقد اقترحوا ان تكون العملية تقليدية على غرار حرب ال1991، مع فارق واحد هو الدخول الى قلب بغداد. اما البعض الآخر، فقد اقترح مزيجا من كل المذكور اعلاه، كالسيطرة على مراكز الثقل الاساسية (المدن، اسلحة الدمار الشامل، الخ)، وعزل القيادة عن الوحدات الاساسية المقاتلة، تقطيع البلاد عن بعضها البعض والسيطرة على المدن الرئيسية. كل ذلك بالطبع مع تغطية جوية كثيفة. قد يؤدي هذا السيناريو الى السقوط من الداخل بعد تشكيل حكومة مؤقتة من المعارضة. هل هذا ممكن أم ان الامر أصعب من ذلك؟ الاكيد ان الامر صعب وليس كما يتصور البعض ضمنا الخبراء، واننا نرى ان هناك العديد من العوائق ننتقي منها خمسة وهي: 

1 في القرار السياسي: برغم القرار الذي اتخذه الرئيس بوش لتغيير النظام العراقي، تبقى الموافقة السياسية الداخلية جوهرية واساسية. فالقانون الذي يحد من سلطات الرئيس في الذهاب الى الحرب لا يزال قائما (War Power Act 1972). ينص هذا القانون على عدم امكانية استخدام القوات العسكرية الاميركية من قبل الرئيس اكثر من 60 يوما قابلة للتجديد لتصبح 90 يوما بعد ان يبلغ الرئيس الكونغرس بالمبررات التي ادت الى ذلك. هذا مع العلم ان اميركا تدخلت عسكريا خارج اراضيها اكثر من 234 مرة، ولم تعلن الحرب رسميا الا خمس مرات. لكن الاكيد ان امكانية ونجاح استخدام القوة العسكرية الاميركية خارج الارض الاميركية، كان وسيظل رهنا بالامور التالية: امكانية النجاح المرتقبة والسريعة. مقارنة الارباح بالخسائر. عدد الضحايا المرتقب، واخيرا التوافق السياسي الداخلي بين الحزبين على ضرورة استعمال القوة. يضاف الى هذا انشغال الاميركيين حاليا وبالعمق في ترتيب الوضع الداخلي، خاصة الامني لمنع وقوع اية عملية مماثلة ل11 أيلول. 

2 في التحالفين الاقليمي والدولي: هل يمكن للولايات المتحدة ان تقود حروبا متعددة في كل أرجاء الكرة الارضية؟ هل يمكن لها ان تنشر قواتها من الفيليبين وحتى تركيا مرورا بآسيا الوسطى؟ هل يمكن ان تعادي العالم كله؟ اذا كان الجواب نعم، فهل يمكن ان تكون اميركا في حالة حرب مستديمة الى ما لا نهاية؟ واذا كانت في حالة حرب مستمرة، فهل يمكن ان تنفتح اقتصاديا على العالم، وتقود اقتصاده من دون ان تعكر هذه الحروب الاستقرار الاقتصادي العالمي؟ بالطبع كلا، فالحرب تستوجب حشد، كل امكانات الامة. من هنا يجب على أميركا ان تتشارك والعالم أعباء هذه الحرب، على ان توزع الارباح لاحقا كل حسب حجمه ومساهمته. على الصعيد العالمي، لا تزال أميركا تسعى لهذا التحالف. اما على الصعيد الاقليمي فان الدول المجاورة للعراق والمعنية مباشرة بالازمة كونها ستكون نقطة انطلاق العمليات العسكرية، فانها (اي الدول) لا تزال تمانع هذه الحرب (الكويت، السعودية وسوريا على الاقل حتى الآن). 

3 في التنفيذ العملاني: برغم الثورة في الشؤون العسكرية، لا تزال الحرب تستلزم اعدادا مكثفا وفي كافة المجالات. فهي تتطلب بعد القرار السياسي، اعداد الخطط وتأمين وسائل التنفيذ، على ان تخدم هذه الوسائل منظومة استعلامية ضخمة. فالحرب الاولى على العراق استلزمت ستة اشهر من التحضير اللوجستي، الامر الذي جعل المسؤول اللوجستي في الحرب الجنرال باغونيس يشبه ذلك <<بنقل الجبال>>. كذلك الامر لا بد من حشد الجيوش الامر الذي يستلزم وقتا، ويستلزم ايضا تأمين العدد المطلوب. لكن الصعوبة الكبرى تبدو وتتمثل بمن سينفذ على الارض. فاذا ما كانت القوات المنفذة مؤلفة من مزيج من قوات التحالف، فان هذا الامر يستلزم حكما ان تكون هذه القوات متجانسة متماثلة (Compatible)، كما تستلزم ايضا ان تكون تستخدم نفس العقيدة القتالية، الامر الذي قد يحتم ان تكون التجهيزات موحدة (Inter - Operability). لذلك نعتقد وبسبب هذا العائق ان التنفيذ العملاني سيكون بمجمله اميركيا، على ان توزع مهمات ثانوية على الحلفاء المصنفين من الدرجة الثانية على صعيد القوة (فرنسا، انكلترا). 

4 في عامل الردع: ادى التهديد الاول من الرئيس بوش الاب في الحرب الاولى الى ردع الرئيس صدام عن استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد قوات التحالف وضد الدول المجاورة، خصوصا اسرائيل. تبدّلت الاوضاع مع بوش الابن. لم تعد اميركا كما كانت، فهي فقدت صورتها الردعية بعد حادثة 11 أيلول. لكنها في المقابل، زادت من تواجدها العسكري في المنطقة. حتى انه يقال، انها ستعيد رسم المنطقة من خلال تغيير الانظمة كما ترغب هي. كذلك الامر، يبدو ان اسرائيل اصبحت مرتاحة الى وضعها الداخلي في الشق الفلسطيني، وعلى وضع محيطها المباشر بعدما استطاعت اميركا تقريبا من تحقيق مكاسب ظرفية. لذلك تبدو اسرائيل غير مردوعة عن استعمال القوة ضد العراق، وذلك بعكس الحرب الاولى عام 1991. 

والعراق ايضا لم يعد كما كان. فهو يشعر بالخطر وبأن قرار قلب النظام قد اتخذ، لذلك يبقى السؤال: هل سيقف العراق مكتوف الايدي يراقب الحشدين، السياسي والعسكري يتراكمان حوله للقضاء عليه كما فعل في الحرب الاولى؟ هل سيبقى العراق عقلانيا ليرتدع؟ من المعروف ان الهدف من الردع دفع المردوع الى قرار عقلاني يتخذه بعد ان يقوم بحسابات الربح والخسارة. لكن وضع العراق الحالي، واذا ما انتظر الرئيس صدام، قد يؤدي الى الخسارة الكاملة الكبرى، اي خسارة الحكم والنظام. 

في مرحلة ما بعد صدام: تبدو الصورة زاهية بالنسبة الى الاميركيين اذا ما تحدثنا عن نجاح العملية. فبعد العملية اذا نجحت سوف يقوم نظام ديموقراطي، يؤمن بعمل المؤسسات ويجعل من حقوق الانسان شعارا اساسيا له. هذا من الاحلام التي تسوّق حاليا تحضيرا للتغيير. لكن، لا بد من التساؤل عمن سيقوم بعيد نجاح العملية وفي ظل الفوضى العارمة، بضبط العراق الجديد، وكيف ستحفظ وحدة اراضيه؟ ثم، ما الردود المحتملة في حال الفشل وتحول الحرب الى حرب استنزاف في الشوارع. 

هذا غيض من فيض، العوائق التي لا يبدو ان الادارة الاميركية جادة لتذليلها. 

* كاتب وباحث لبناني، عميد متقاعد.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic