لبنان: حوار الحضارات

محمد علي سبحاني *

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 10 آب / أغسطس 2002

 

     تمر منطقتنا اليوم بمرحلة شديدة الدقة والحساسية لجهة التهديدات الخارجية التي تتعرض لها دول وشعوب المنطقة، مستهدفة النيل من عريكتها، وتطويع إرادتها، ساعية لتغيير قيادة من هنا، ونظام من هناك، لا لتطبيق قرارات دولية منسية، وإنما لإطلاق يد الكيان الصهيوني الذي يرتكب أبشع الجرائم الإنسانية بحق أبناء الشعب الفلسطيني البطل، وليحاول النيل من الأمة جمعاء في مصالحها ومقدراتها والمقدسات. 

لكن من نعم الله على القدس وفلسطين، فقد هبت رياح الانتفاضة العصية على هذا الكيان الصهيوني المسخ، لتفقده زمام المبادرة، فالشعب الذي يؤمن بأن الشهادة هي مفخرة له لا بد ان منتصر، فكما انتصر الشعب اللبناني بالأمس، فإن الشعب الفلسطيني الذي أثبت إيمانه بالشهادة واعتزازه بها، إذا تحمل القليل بعد، وكابد بصلابة لفترة أطول، فالله آخذ بيده الى النصر، وهو منتصر بإذن الله. 

وفي مقلب آخر في المنطقة، نجد ان التهديد والتهويل منصب لتوجيه ضربة الى النظام الحاكم في بغداد، وبغض النظر عن موقفنا من هذا النظام، الا اننا نرى في ما يجري سابقة دولية من شأنها خلق فوضى دولية عارمة بين ظهراني المجتمع الدولي. 

وتحت شعارات مزيفة لم تعد تنطلي على أحد، يتم تقسيم العالم، فمن ليس معنا فهو ضدنا، فلا حياد في المعركة ضد الإرهاب. بلى! ولكن أي إرهاب هو؟ بعد ان قلبت سياسة الكيل بمكيالين المقاييس الدولية، فأصبح الضحية هو الإرهابي، والجلاد هو المكافح للإرهاب، وبات السعي لتحديث البلاد ومواكبة التطور والتكنولوجيا الحديثة والخاضعة لمراقبة الهيئات الدولية المعنية في سبيل تطوير المجتمع المدني وخدمة السلام العالمي إرهابا وسعيا وراء أسلحة الدمار الشامل، بينما يمتلئ الكيان الصهيوني بمئات من هذه الأسلحة في سبيل حماية جرائمه وسياسته العدوانية والتوسعية في المنطقة. 

في زحمة هذه التحديات وبسياسة واقعية، سعت ايران منذ انتصار ثورتها على أساس الحرية والاستقلال في إطار الديموقراطية الدينية، الى تقديم أنموذج مثالي وحي عن الحكم الإسلامي الى العالم الإسلامي وشعوب العالم قاطبة، لكن أميركا التي لم يرق لها تحقيق هذا الحكم الراسخ في دولة من العالم الإسلامي، راحت تحيك المؤامرات وتضع العراقيل أمام حركة الثورة، التي نجحت بالفعل في ترسيخ ذاتها على مستوى الداخل، والانطلاق نحو الجيران والعالم ضمن سياسة خارجية هادئة تقوم على إزالة نقاط التوتر وتطوير التعاون الاقليمي والانفتاح. وهكذا شهدت العلاقات الايرانية العربية تطورا مطّردا في السنوات القليلة الماضية ساعدت في فرضه الموجبات التاريخية والحقائق الجغرافية، فضلا عن وحدة الرؤى العقائدية والثقافية وحتى المصالح السياسية المشتركة. 

ومن هذا المنطلق بالذات يأتي تقويم أهمية العلاقات بين ايران ولبنان، هذه العلاقات التي غالبا ما كانت مهمة وفريدة، فالبلدان الشقيقان من حيث الجغرافيا السياسية يحتلان موقعا هاما وحساسا للغاية، فلبنان الذي يقع شرقي الحوض المتوسط وبما يتمتع به من مزايا يعتبر بوابة العبور بين الشرق والغرب، كما تلعب ايران الدور نفسه من خلال موقعها بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية. وكما كان الايرانيون ينظرون دائما بقدسية الى المبادئ والقيم كالاستقلال والحرية والتسامح، كانت جبال لبنان على مر التاريخ ملاذا وملجأ لأولئك الأحرار الذين كانوا يلوذون اليه هربا من قهر الظالمين وظلمهم. 

ان جذور علاقات بلدينا تعود الى أعماق التاريخ، وكلاهما ساهم بقدر في التقدم الإنساني والحضاري، فعلى رغم مساحته الصغيرة جغرافياً، نرى ان هذا البلد يعتبر كبيرا وهاما جدا، حيث يسجل لبيروت خلال النصف الأول من القرن الماضي أنها كانت أهم مركز إشعاع وانطلاقة للفكر والعلم والثقافة في المنطقة. وهنا لا بد لي من ان أشير الى أهم المميزات الكثيرة للبنان التي ساهمت في إعطائه ذلك الدور الحضاري الفاعل، والحضور الواسع على الساحة الدولية: 

أولا: هذه التركيبة الاجتماعية الخاصة، وذلك الحضور الغني والمتنوع للطوائف والمشارب الدينية والمذهبية على أرضه والمنصهر في بوتقة اجتماعية واحدة، حتى لكأن الرئيس محمد خاتمي عندما أطلق شعاره الشهير <<حوار الحضارات>> كانت عينه على لبنان التنوع، والانفتاح، والتسامح. 

ثانيا: ان لبنان جزء أساسي ومهم من محيطه العربي والإسلامي، فالكيمياء الإنساني لهذا البلد وشعبه على تواصل وتلاحم مع ذلك الكل الحاضن والضامن، وهذا على الأقل ما أثبتته الحقائق التاريخية، ومن هنا كانت دعوتنا دائما نحو ترسيخ أطر التعاون والتنسيق بينه وبين سوريا، وبينهما سويا مع ايران الإسلامية وكل دول العالم العربي والإسلامي ضمن الأطر والهيئات ذات الشأن. 

ثالثا: وتتمثل الميزة الثالثة للبنان في موقعه على تخوم فلسطين المحتلة، حيث جعلت من لبنان، وبسبب حيوية شعبه وحركته الحضارية المتقدمة، ان يكون في خط المواجهة الأمامي لجهة التصدي لأطماع الكيان الصهيوني وسياسته التوسعية ولسياسة الهيمنة والغطرسة الخارجية. فكانت المقاومة اللبنانية البطلة التي ألغت الاعتقاد الخاطئ القديم الذي كان يقول ان لبنان يشكل الحلقة الاضعف في محيطه العربي والإسلامي، بل ذهب هذا الاعتقاد حداً يعتبر هذا الضعف نقطة قوة له، لكن المقاومة أتت لتؤكد ان هذا الشعب المعطاء استطاع ان ينوب عن الأمة أجمع فيفرض على العدو الصهيوني وللمرة الأولى في تاريخ الصراع معه هزيمة نكراء ما تزال تجر ذيولها وتداعياتها على هذا الكيان حتى الآن. لقد أصبح شعب لبنان ومجاهدوه فخرا وعزة للعالم العربي والإسلامي، ومن الحقائق المسجلة لهذا العز وقوف الحكومة والشعب اللبناني خلف المقاومة نيابة عن سائر الشعوب والحكومات العربية والمسلمة والأحرار في العالم، من هنا وجب ان يحظى لبنان بدعم العالمين العربي والإسلامي المطلق والدائم. 

ان سياسة توطيد وتوسيع العلاقات الثنائية بين بلدينا الشقيقين لبنان وايران لطالما كانت هاجسا لي أثناء أدائي مهماتي في لبنان، وانطلاقا من عملي كسفير للجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان الشقيق، يسعدني في نهاية هذه المهام، وهي لطالما كانت من أسعد المهام وأحبها الى قلبي، ان أتوجه الى الشعب اللبناني الذي عانى فصمد وقاوم فانتصر فكان مثالا يحتذى، أتوجه الى هذا الشعب الذي أحببت بكلمة محببة الى نفسي ويحلو لي الاستغراق فيها ألا وهي <<المحبة>>، فنحن معشر الإيرانيين شعبا ومسؤولين أحببنا هذا البلد بشعبه، وربوعه وحركة القيم ومنظومة الأفكار التي تحكمه، انها المحبة التي أختتم بها مهامي في لبنان وليس أفضل منها ناموسا يحكم علاقات الشعوب وعنوان دعوات الرسل والأنبياء، وليس أقدس منها وسيلة تعبير عن مكنونات الذات بين الأشقاء، حتى نكون جميعا عند حسن ظن الأجيال القادمة في بلدينا بأن نبني لها معا حضارة العقل والفعل، والتطور الفاعل، لا حضارة الجمود والاستهلاك وردة الفعل والتبعية البغيضة، وان نعمل سويا لتكون إرادتنا الصلبة، ووحدتنا الثابتة وحدها القادرة على صنع حاضرنا والمستقبل. 

* سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية 
(لمناسبة قرب مغادرته لبنان)

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic