حماية الاسلام من التخلف والخرافة
"في ذكرى رحيل السيد محسن الأمين"

السيد محمد حسين فضل الله

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 18 آب / أغسطس 2002

 

     ان تتحدث عن عالم كبير كالسيد محسن الامين، فانك تتحدث عن شخصية متعددة الابعاد، متنوعة النشاطات، منفتحة العقل، متحركة المواقع، من طفولة حادة الذكاء، الى شباب ناقد لما حوله ولمن حوله، الى كهولة ثائرة على سلبيات الواقع، متجددة في مواجهة احتياجات العصر، الى شيخوخة متحركة في الانتاج والابداع، في تواضع يوحي بالعمق الانساني للشخصية الاسلامية التي كلما ارتفعت في الواقع الاجتماعي الى الدرجات العليا، كلما انفتحت على انسانية الانسان الآخر، وفي احساس عميق بالمسؤولية في وعي الحاجات الاسلامية، لحماية الاسلام من الجهل والتخلف والخرافة، وفي الانفتاح على التطلعات السياسية في حاجة الامة الى الثورة على الاستعمار من اجل الحرية للناس جميعا والى التمرد على الظلم الاجتماعي من اجل الخلاص من الواقع الصعب الذي يعانيه المحرومون من الامة، وفي رعاية قيادية لقضايا المؤمنين من المستضعفين في التعقيدات الاجتماعية التي يتخبطون فيها، فتنطلق مبادراته الخيرية والتربوية والقضائية لاخراجهم من المأزق الذي يعيشون فيه، وفي روحانية فياضة بالصفاء والنقاء والطهر والاخلاص لله، في رجاء يمتزج بالخوف، وفي محبة تحلّق في اجواء رحمة الله ولطفه. 

لقد كان السيد محسن الامين عالما مستقلا في ذاته، متحركا في الصغير من الامور والكبير منها، لأن القضية عنده كانت قضية الانسان بما يرفع مستوى انسانيته... حتى كانت هموم الطفولة عنده، في حاجتها الى الرعاية، والتربية في نشاطه، كهموم الشباب بين يديه في حاجته الى التوجيه والتعليم والتزكية والتنمية. والصغير عنده في قضاياه كبير عنده في اهتماماته، لأن المسؤولية في الاسلام تبقى كبيرة في وعي المسؤول، بقطع النظر عن طبيعة التراتبية المجتمعية في مواقع الانسان الآخر في المجتمع. تلك هي بعض ملامح صورته العامة في عناصر شخصيته الاسلامية الانسانية. 

وتبقى لنا في مشاريعه في الجانب الثقافي والتربوي والسياسي، وفي الواقع الاسلامي الوحدوي، عناوين متعددة لا بد لنا ان ننفتح عليها في المراحل الزمنية على صعيد الحاضر والمستقبل، لعلاقتها بالتطورات الاصلاحية في الامة كلها: 

اولا: الثروة الثقافية في تنوعاتها الفكرية والادبية والتاريخية، وفي مقدمها موسوعة "اعيان الشيعة" التي تتميز بالعرض التاريخي المتميز بالنقد والتحليل، والتقويم المتنوع للشخصية، والتحقيق والتوثيق والابحاث الادبية النقدية في تراجم الشعراء والادباء، مما يجعل من الكتاب ثقافة موسوعية بما تتسع له هذه الكلمة في موضوعه، الى جانب الكتب التحديثية والعقيدية والفقهية والاصولية والنحوية، ثم الابحاث النقدية لمختلف الموضوعات المتعلقة بالدفاع عن الاسلام والتشيع، بالاضافة الى القصص الروائية التي مثّلها طلاب المدرسة العلوية في دمشق على المسرح، والدواوين الشعرية. 

ثانيا: محاربة الامية والجهل في المنطقة التي حل فيها في دمشق. فقد تحدث عن ذلك قائلا: "لقد وجدنا معظم الاطفال يبقون اميين بدون تعليم، وبعضهم يتعلمون القراءة والكتابة في بعض الكتاتيب على الطراز القديم". فأسس مدرسة للذكور واخرى للاناث، في وقت كان المجتمع التقليدي يستنكر تعليم الذكور على المنهج الحديث، اما تعليم الاناث فقد كان من المحرمات التقليدية، ولكنه خاض الثورة على ذلك كله... وكان من نتائج مشروعه ان تحول ذلك المجتمع الامي الجاهل الى مجتمع متعلم انفتح على التقدم في العلم، حتى وصل الى مراحل الجامعة بفضل مشروعه التربوي التعليمي... وكان من اللافت ان العلامة الامين كان يقوم بتدريس الصفوف الابتدائية بنفسه، بالرغم من انه كان من العلماء الكبار في المجتمع الاسلامي، من دون ان يرى في ذلك غضا من شأنه. 

ثالثا: اصلاح المنبر الحسيني والاحتفال بعاشوراء فقد ذكر في مذكراته: "إنا وجدنا مجالس العزاء وما يتلى فيها من احاديث غير صحيحة وما يُصنع في المشهد المنسوب الى زينب الصغرى المكناة بأم كلثوم في قرية "راوية" من ضرب الرؤوس بالسيوف والقامات، وبعض الافعال المستنكرة، وقد صار ذلك كالعادة التي يعسر استئصالها لاسيما انها ملبّسة بلباس الدين". 

وهكذا، بدأ بتهذيب السيرة الحسينية، وتربية القراء بالمستوى الثقافي الجيد الذي يميز بين الصحيح وغير الصحيح. وبتحريم جرح الرؤوس بالمدى والسيوف ونحو ذلك لأنه محرّم بنص الشرع وحكم العقل، لأن فيه ايذاء للنفس وهو محرم شرعا وعقلا، ولا يترتب عليه فائدة دينية ولا دنيوية، بل يترتب عليه ابراز شيعة اهل البيت (ع) بصورة الوحشية والسخرية. 

وقد تحدث العلامة الامين عن رد الفعل ضد هذا الاجراء الفتوائي والاصلاحي من جانب التقليديين فقال: "وقد عملت في ذلك رسالة التنزيه، وقام لها بعض الناس وقعدوا وابرقوا وارعدوا وجاشوا وازبدوا، وهيجوا طغام العوام والقشريين ممن ينسب للدين، فذهب زبدهم جفاء، ومكث ما ينفع الناس في الارض... لقد اشاعوا في العوام ان فلانا حرّم اقامة العزاء، بل زادوا على ذلك ان نسبونا الى الخروج من الدين، واستغلوا بذلك بعض الجامدين من المعميين، فقيل لهم ان فلانا هو الذي شيّد المجالس في دمشق، فقالوا: "قد كان هذا عن اول امره لكنه بعد ذلك خرج من دين الاسلام". 

وقد استطاع هذا المنهج الاصلاحي ان يترك تأثيره الكبير على المجالس والمنابر الحسينية. ولكن التخلف لا يزال يتحرك بطريقة وباخرى لاثارة العواطف الشعبية بطريقة غرائزية، وقد عانينا الكثير في حركتنا الاصلاحية في هذا الموضوع وغيره، من خلال هؤلاء المتخلفين الذين لا يريدون للصلاح والاصلاح ان يفرض نفسه على الواقع، في الصورة الاسلامية الحضارية في هذا العصر. 

رابعاً: موقفه من الحركة الوطنية في سوريا. فقد اختلف الاهالي في دمشق مع شركة الجر والتنوير الاجنبية، وكان عنده فريق من زعماء الكتلة الوطنية فدعاهم الى مقاطعة هذه الشركة، وانتقد الاغنياء الذين لا يبالون بتحكم هذه الشركة فماتت عندهم عاطفة الاباء والشمم، ولو كان فيهم شمم وإباء لآثروا النواصة على ضياء الكهرباء ولم يرضوا بأن تتحكم بهم هذه الشركة الاجنبية، وامر الزعماء بإبلاغ الشعب هذه الدعوة. وفي اليوم التالي قاطع الناس الشركة مقاطعة تامة، واحرقوا بعض عرباتها، ثم تحولت المقاطعة الى الاضراب الخمسيني الشهير في سوريا، الذي اضطر معه الكونت "دي مارتيل" - المفوض السامي الفرنسي - الى النزول على رأي الوطنيين. وكان الزعماء يجتمعون عنده بين وقت وآخر، ويستشيرونه في حركتهم ضد الانتداب الفرنسي، ويمنحهم الرأي السديد... وبذلك كان العالم الديني الذي دفع بالحركة الوطنية نحو الاستقلال بطريقته الخاصة. 

خامسا: موقفه من الوحدة الاسلامية، فقد حاول الفرنسيون اصدار قانون الطوائف الذي اعتبر المسلمين الشيعة في نطاق الاقليات، فأرسل اليهم رسالة قال فيها: "انا بصفتي الرئيس الروحي للطائفة الاسلامية الشيعية في سوريا ولبنان، ارجو فخامتكم ان تحيطوا علما باستنكار المسلمين الشيعيين لهذا القرار وهذه التفرقة المصطنعة بين المسلمين". وعزموا على احداث منصب رئيس علماء الشيعة في سوريا ولبنان معا، وقرروا تعيينه لهذا المنصب، واصدروا به مرسوما فرفض ذلك بكل قوة بالرغم من اصرارهم، وتوسيط بعض زعماء الطائفة له. وقد اصدرت الحكومة السورية في عهد الاستقلال قرارا في الانتخابات النيابية، فأدخلت الشيعة في الاقليات، فقدم كتابا للحكومة بأن الشيعة يعتبرون المسلمين طائفة واحدة، ولا يريدون الافتراق عن اخوانهم السنيين، وهكذا خضعت الحكومة لذلك، وقررت بأن المسلمين طائفة واحدة لا فرق بين سنيهم وشيعيّهم، وان هذه المقاعد المعينة للمسلمين، في جميع انحاء الدولة السورية هي للسنيين والشيعيين على السواء. وكان لذلك الوقع الحسن عند الوطنيين. وجاء. شخص سني ليقول له: "اريد ان اتحول الى التشيّع، وقال له السيد الامين: لا فرق بين السنة والشيعة فكلنا مسلمون، واصر الشخص، فقال له: انطق بالشهادتين، فنطق بها، فقال له: الآن صرت شيعياً لأن التشيع لا يزيد على ذلك... وكان يؤكد ان الوحدة الاسلامية لا بد ان تقوم على الاسس الاصيلة للاسلام، وعلى الحوار الموضوعي العلمي الذي يرتكز على فهم كل من الشيعيين والسنيين للآخر، بعيدا عن الفهم الخاطئ والنقل الكاذب. 

هكذا كان هذا الرجل الكبير العالم المسلم الذي ارتفع بالواقع الاسلامي الى مستوى الوعي المنفتح على العصر، من دون اهمال للحقائق الاسلامية العقيدية والشرعية، فابتعد به عن الخرافة وعن التخلف الفكري، وكان الانسان المصلح الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، فيقول كلمة الحق من دون خوف ولا وجل... وكان المرجع المسؤول الذي كان يريد للعلماء المسلمين ان يأخذوا بأسباب الاجتهاد العلمي في الفقه، واسباب التقوى في السلوك، واسباب العقل في الحركة والموقف والاتجاه. 

ارجو ان نحيي بكل تقدير واحترام نجله الباحث المدقق الذي حفظ تراث ابيه العلامة الكبير، وزاد عليه في ابحاثه التاريخية العميقة الدقيقة، وهو السيد حسن الامين. وارجو ان تشاركوني في تحيته وتقديره بكل محبة ودعاء له بطول العمر. 

والسلام على العلامة السيد محسن الامين يوم ولد ويوم مات، ويوم يبعث حيا. 

* كلمة القيت في المهرجان التكريمي للسيد محسن الامين في الذكرى الخمسين لرحيله، ودعا اليه المنتدى الفكري لاحياء التراث العاملي

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic