أحزاب لبنان: إشكالية الرموز وقانون الأزمات

السيد هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

16، 17، 19 آب / أغسطس 2002

 

     بين مؤسس، ومعيد او مجدد للتأسيس لا يلبث ان يتحول الى مثال للحزب ليتحول معه الآخرون قيادة وقاعدة، الى تماثيل للقيادة والقاعدة، تعيش الاحزاب اللبنانية استحقاقات لا تلبث ان تتحقق، يجمع بينها ما تنطوي عليه من ازمات متكررة، تؤكد مرة اخرى ان الحزب اللبناني، أيا كانت عصبته او عصبية واتجاهه السياسي وخطابه ومنطلقاته النظرية، اجنبي عن الصيغة والآلية المفترضة لتكوين الاحزاب، لزوم قيام المجتمع المدني اللبناني المطابق، والذي تعتبر الاحزاب اهم طوابق عمارته. ولعله من هنا يأتي الطابع الاستغراقي الطائفي او المذهبي، الذي يطبع الاحزاب اللبنانية، من دون ان تكون الاحزاب “العلمانية” محصنة منه، لأنه، اي الطابع الطائفي، يقوم مقام الضرورة للتعصيب، الذي يقع على الضد من موقع ودور المجتمع المدني المنشود، وإن كان هذا المجتمع لا يقع على النقيض للدين او الطائفة او المذهب او اي جماعة او حساسية، لأنه مشروع لتمرينها على موجبات المستجدات المدنية، ولا يمكن إلا ان يتعامل معها، وليس في امكانه ان يتحقق خارجها، ولكن يضعها في سياق وطني جامع يكتمل به وفيه المجتمع الاهلي قيما وأهدافا وتراتبا ضروريا، وتنضبط الدولة حاضنا وجامعا. 

إن تجاربنا الحزبية في لبنان تؤكد بانتهائها الى نفس النهايات، من دون فرق جوهري يترتب على الاختلاف بين مكونات هذا الحزب او ذاك، ان الصيغة الحزبية ما زالت غريبة عن طبيعة اجتماعنا والأطر التنظيمية التي تناسبه، علما بأن التجارب الحزبية الحديثة في بلاد المنشأ (الغرب بما فيه الغرب الاشتراكي سابقا) لم تثبت ان الفارق بين مسارات الاحزاب عندنا وعندهم، محكوم بالاختلاف الجذري او المنهجي، وإنما الاختلاف، كما اتضح، كان في التفاصيل التي هي تعبيرات عن خصوصيات مجتمعية وثقافية لا يمكن تجاهلها. الى ذلك فإن اعتبار “الشخصنة” ظاهرة شرقية بامتياز، واعتبارها عيبا، وإدانتها تحت لافتة عبادة الفرد، من دون تفهم لمناشئها وأسبابها، سوف يؤدي كما أدى، الى نمو البعد المرضي من هذه الظاهرة الرتيبة، وقد يكون من الأنسب لنا ان نسلم بها كناتج طبيعي ومحتمل دائما لارادة الاجتماع في الانحكام الى حاكم والاندكاك في رمز من دون ان تكون من خصائصنا، بعد ما شهدناه في التجربة الاشتراكية التي لم تختلف جذريا على هذا المستوى، حتى مع التجارب الليبرالية الغربية. اذن نسلم، ونطور هذه الواقعة المتكررة، حتى لا تبقى المفاجأة غير المفاجئة، تعقد ألسنتنا وتجفف ريقنا، كلما ألغى حزب نفسه بقائده الملهم، او ألغى القائد الملهم حزبه بنفسه، الى ذلك فإن الشخصنة تتلاءم مع ميل المحدود الى تحديد المطلق وميله الى تجريد المحدود المحبوب ليقربه من المطلق. 

من الاجمال الى التفصيل: 


1 الحزب الشيوعي اللبناني. لقد عانى هذا الحزب من اختزاله دهرا في امينه العام جورج حاوي الذي ذهب بحزبه الى هنا وهناك وهنالك، من دون قواعد، خاصة في السياسة، الوطنية والاقليمية والدولية، هذا مع الشك من قبلي، في نجاعة القواعد الصارمة سياسيا في العمل الحزبي، والتي سرعان ما يستوعبها ويصادرها المكتب السياسي او اللجنة المركزية (الأمين العام) ويدخلها في نظامه الخاص ومزاجه السياسي المتقلب، والذي يرى في التقلب ضرورة حياة وحضور، غير ان غياب القواعد او الحد من جفافها الايديولوجي المعيق، لا يعني ان المزاج هو الذي يجب ان يسود... ولكنه ساد.. ولم يكن الحزب الشيوعي اللبناني بدعاً في ذلك بين الاحزاب اللبنانية او بين الاحزاب الشيوعية العربية والعالمية. الى تلك المعاناة يعاني الحزب الآن من غياب او قلة حضور وفعالية جورج حاوي داخله، كأمين عام بلغ الامانة العامة في لحظة معقدة بالمطالب والسياسة وفلسطين وأدوات التحليل المرتبكة ونظام المعرفة المكشوف، وأعاد حاوي تأسيس الحزب على مقاساته ولمعاته وأسلوبه، الذي لا يلتزم بالخط المستقيم؟ طريقا اقصر الى الاهداف المنظورة. اذن فالحزب الشيوعي على ضوء هذا الواقع الملموس يصبح بين اختيارين، فإما ان يبقى يراوح في مكانه من دون تقدم، مع احتمال قوي باستمرار التراجع، وإما ان يخترع جورج حاوي آخر او جديدا، اي يجدد جورج حاوي من دون ان يلغي مكوناته الخاصة، بما فيها مزاجه السياسي، الذي هو شرط السياسة في لبنان، ويمكن ان يكون مع بعض المعايير والضوابط، شرط السياسة عامة، حتى لا تتحول الى ايديولوجيا سكونية، مقابل الذرائعية المفرطة في تنصلها من المعايير... او يتحول الحزب الى مزيد من الانقسام داخل محاوره، التي لم تلتق الآن إلا على نصاب امزجة مسكونة بهاجس الانفصال والتمايز والتقابل. 

والكلام عن مثقفي الحزب المثاليين ومناضليه الميدانيين المبدئيين، وهم لا يلتقون عادة، وإن التقوا افترقوا بشدة كلام جميل وفيه نكهة اخلاقية تعويضية عالية وفكروية حادة، ولكن الذي ثبت بعد التجارب، انه مجرد كلام، لا يصنع تاريخا ولا يحدث متحولا، قصاراه ان يفتح الابواب على المزيد من احتمالات التصدع، او المزيد من تصديع المتصدع، من دون ان يكون احتجاجه او اعتراضه خاطئا بالضرورة، ولكن الاحتجاج او الاعتراض شيء والتصحيح الصعب او المستحيل شيء آخر، والتصحيح بالمعنى الصحيح يصبح وهما اذا ما دققنا في بنية احزابنا، وفي حال الحزب الشيوعي، يزداد الوهم إيهاما اذا ما انتبهنا الى ان الشمولية هي الموصل الجيد الى الاختزالية والفردية والرمزية الملغية لمرموزها، وهي الاكثر جاذبية وقدرة على التبرير ورفعه الى سقفه الايدلوجي الأعلى، حتى في التفاصيل وتسويغ تغليب الخاص على العام والجزئي على الكلي والتكتيك على الاستراتيجية، في حين ان بديل الايديولوجيا المهيمنة او القابضة، اما ان يكون ايديولوجيات متعددة، بسبب استيطان فايروس الايديولوجيا في دم الحزب والحزبي، وفي العادة ان تكون هذه الايديولوجيات المشتقة او المنشقة عن واحد، اشد نزوعا الى الهيمنة والإقصاء، اي متصارعة في النتيجة... وإما ان يكون البديل حالة هلامية حزبية رخوة او سديمية، لا نعرف من اين ندخل الى فضائها، ولا هي تعرف من اين تدخل الى إشكالياتها وأزماتها لتمارس دورها وفعاليتها. 


2 الحزب السوري القومي الاجتماعي، لا يعاني من امينه العام او رئيسه، وقد يعاني من قيادة الظل، التي تتميز بأن مصدر ضعفها هو عين مصدر قوتها، بمعنى ان موقعها الفاعل وغير القابل للتعديل او التخفيض او الزحزحة، لا يأتي من التسلسل الحزبي، بل من جهة اخرى، ولقد شبع الحزب او أُشبع معاناة من مؤسسه (انطوان سعادة) الذي بلغ مرتبة (العصمة) فاستحال على نساء الحزب ان يلدن شبيها له او بديلا او خليفة. من هنا تتضاعف معاناة الحزب من غياب المؤسس، الذي كلما توالت السنوات والأحداث، امعن في البعد والاستحالة، من دون ان يثبت الحزب ولو مرة واحدة، انه قادر على ان يصل بأفكار مؤسسه وأساساته الى نهايتها المنطقية وصيغتها العصرية وآفاقها المستقبلية، ما يعني ان المطلوب هو الاضافة إليها لا العيش عليها، وما جعل الحزب يعيش حياته كلها على التأسيس والمؤسس.. علما بأنه لا شيء إلا هو قابل للنفاد.. وهكذا استنفد الحزب مؤسسه فاستنفد نفسه، والأمل ضعيف في ان ينتج الحزب مؤسسا جديدا، او حالة او ورشة تعيد التأسيس او تجدده، خاصة بعدما غاب الحواريون الاول (الرسل) الذين تكونوا تحت ظل الشجرة الاولى العملاقة، وشكلوا مع المؤسس ورشة البناء الاولى، بكل ما استلزم من عناء وعرق وحفر بالأظافر، وظلوا مسكونين بالاسئلة العابرة لعصبيتهم الحزبية، باحثين عن الفراغات النظرية لملئها، ما كان وراء تطورات في ادوات معرفتهم وتحليلهم، قد لا تكون صائبة تماما، ولكنها جريئة تماما (بعد محاولة الانقلاب ومن داخل السجن اخذ سجناء الحزب يقرأون الماركسية والتجربة الاشتراكية على نية اضافة المسألة الاجتماعية الى سلم اولويات الحزب.. ما انتبه إليه غسان تويني الذي اكتشف تأخرهم عن الموعد المفترض لهذه القراءة ونبههم في رسالة إليهم انهم بدأوا بالتطوير في هذا الاتجاه في حين ان التعميمات الماركسية تعاني من انكشافات عميقة).. هذا في حين ان الحزب الآن مسؤول وإن كان لا يَسأل ولا يُسأل، بصرف النظر عن مصادر مسؤوليته، ولعل ضعفه من اهم اسبابها، ويصرف النظر عن طريقة تحمله او تحميله لهذه المسؤولية والشروط التي رافقت انتقاله من الاعتراض والمشروع، الى القبول النهائي بالأمر الواقع والدخول فيه والانهماك به بهمة عالية! 


3 حزب الكتائب.. لقد بدا الشيخ بيار الجميل، مؤسس حزب الكتائب، في لحظة غيابه، وكأنه كان الجامع الوحيد لجسد الحزب وروحه، وإن كان هناك من التفت الى ضرورة تأسيس جديد للحزب في حياة مؤسسه، تلافيا لإشكالية الحاضر الغائب او الغائب الحاضر لاحقا، فإنه لم يكن بإمكان رحم الحزب ان تلد هذا الملتفت، فجاء من رحم المؤسس نفسه، ولكن وصول بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية، بلحاظ المقدمات والانتخاب وما صحبهما من حركة، كان مؤشرا على تغيير في السياق، لم يكن بدعا قياسا على ماضي الحزب، فحضر الراهن بتمامه في المحتمل الذي صار راهنا في ما بعد، مع زيادة في الشخصنة، اضيفت اليها موجبات الرئاسة، والرئيس مرشحا ومنتخبا، باعتبار ان عقل رئيس الجمهورية لا بد ان يختلف عن عقل رئيس الحزب او زعيمه الفعلي في حياة رئيسه المؤسس، خاصة ان جاذبية الرئاسة تصل الى حد وضع الحزب وزعامته في خدمتها، من دون ان يكون الحزب محروما تماما من نعم رئاسة البلاد والجمهورية، ولكن هذه النعم معقدة وفيها جانب يؤدي احيانا الى ان تكون نعمة الرئاسة على الحزب نقمة. 

ولعل من علامات رغبة بشير في اعادة التأسيس على موجباته الذاتية، بعيدا نسبيا عن مزاج الأب المؤسس وطريقته في ادارة سياسة الحزب، انه، اي بشير الجميل، بذل جهدا في سبيل حزبه الموازي للحزب (القوات اللبنانية) التي أسسها على مقتضيات السياسة المتمايزة عن الحلفاء التاريخيين للحزب الأب او حزب الأب او أبي الحزب... فكانت معارك الصفرا وما قبلها وما بعدها، فصالاً مع الماضي واستكمالاً لبناء حزب متجدد من خلال تجديد شخصية القائد وتثبيتها في حركة القوات، على مركزية ديموقراطية او ديموقراطية مركزية، لا تختلف كثيرا عن المتعارف في الاحزاب الشيوعية، محلاة بجاذبية شخصية تأتي من مصانعة في الخطاب للغة عصبية تستعين في تعميم مؤثراتها بتديين الحرب او تطييفها تأمينا لاستمرارها. 

وذهب بشير، ذهبت الفسيلة التي نبتت على جذع النخلة مستفيدة مما في جذور النخلة من رواء التأسيس والقيادة الطويلة الامد للحزب، مغتنمة فرصتها في عصرنة شروطها وحركتها، وإن كانت هذه العصرنة تمر من خلال بوابات تأخذ بيد المتماهي ذاتا ووجودا مع الكيان اللبناني الى نقيض هذا الكيان، تحت ذرائع تأتي من التباسات القومي بالقطري وسعي القومي الى مصادرة القطري بحجة فلسطين... ذهب بشير ليخلفه امين في الحزب وفي الرئاسة، من دون ان يرتقي امين الى مستوى الرمزية المكثفة التي تهيأت لسلفه، ويتراجع الحزب لصالح الرئيس خلال فترة ولاية امين الجميل وعهده الرئاسي، لسبب بسيط وهو ان امين لم يكن مؤهلا حزبيا الى الرمزية والمركزية الحزبية التامة، وكانت القوات مشروعا تأسس ونما بمعزل عنه نسبيا، ولذا اصبح الهم الرئاسي شاغله الاول، وضمانته لحفظ مكانته في الحزب، الذي تحول من جهة اخرى الى اداة رئاسية، حتى اذا ما انتهت ولايته، عاد ليوظف حضوره النسبي في الحزب، من اجل تأمين استمراريته السياسية، غير ان حزب الكتائب كان قد بلغ مرحلة التماثل الكامل مع الاحزاب الاخرى، مؤكدا ان الرمز الحزبي المركزي، لا يمكن اعادة انتاجه بسهولة، خاصة اذا ما كان الاشعاع الرمزي قد اصبح اشد تركيزا في الحزب الموازي (القوات)، بينما يمكن انتاج رمزيات او روموز طرفية انقسامية، تنقسم وتقسّم لتقوم على قسم مقابل قسم لعدم امكان ان تقوم على الكل... اي تفتيت المركز المصاب بترقق العظام، بعوامل ذاتية وموضوعية، خارجية وداخلية، وإن كانت العوامل الخارجية عوامل مساعدة لا أكثر، الى مركزيات شكلية محصورة ومحاصرة، وإن تكن هشة اكثر، فإنها اشد جهوزية للصراع المفتوح (طرد امين الجميل من الحزب) لأن الصراع هو الفرصة الحصرية لتأكيد وجودها. بعدما تكون قد لفقت شرعيتها تمهيدا لتلفيق شرعية مقابلة لها، تأمينا للصراع الذي يتغذى من منابع كثيرة، اهمها غياب الرمز المركزي، الذي تكون رمزيته سبب النمو والحياة وسبب الضمور والموت معاً. 

أما التبسيط الذي يذهب الى ان هناك عوامل او أطرافا خارجية، هي الأساس في تكوين الاطراف وتقابلها وصراعها، فإن العامل الخارجي هو الثاني إن لم يكن ثانويا، ومتفرع عن الانقسام الاصلي ومتطابق مع المكونات الشخصية المتقاربة جذورا ونشأة والمتباعدة اتجاهات وطموحات، الى ذلك فإن الرمز، المؤسس المجدد والذي اضاف الى الحركة الحزبية حيوية شديدة الفئوية، هو من اهم مسببات التخلخل، من هنا لا يعود منسجما مع الواقع، تبرير المنقسمين في حزب الكتائب لانقسامهم وصراعهم بالفوارق الاصلية والمفتعلة والمختلفة، في الفكر والسياسة والتنظيم والادارة المالية، ولعل تأثير انظمة المصالح الفئوية والفردية، هو الاكثر تأثيرا في تسخين النزاعات الكتائبية. اذن، فأزمة حزب الكتائب اليميني، في خطوطها العامة، وعلى اختلاف تعبيراتها، المتأتي من خصوصية الحزب والحساسية الوطنية الطائفية التي يمثلها، لا تختلف جذريا عن ازمة الحزب الشيوعي اليساري او القومي البين بين.. هذا في العمق والمضمون العام، أما اشكال الازمة ومظاهرها، فإنها تعبير عن خصوصيات كل حزب على حدة.


4 اذا وصل الكلام الى الكتلة الوطنية وحزب الوطنيين الأحرار فإنهما يشتركان في نخبويتهما المركزة، التي تمنع عادة من بناء هيكلية حزبية تسمح، حتى للتداول الشكلي في القيادة، بأن يتحقق، في حين أتت وتأتي جماهيريتها العامة في متحدهما الطائفي (الماروني) من إشعاعات الزعامة ورئاسة الجمهورية، التي تكون الحزبان من اجلها.. 

اذن فمعادلة (الحزب المؤسس) تصبح ساطعة.. وحتى الآن لم تنفع حركة دوري شمعون (رئيس بلدية دير القمر) الدائبة ولا تعميماته وإطلاقاته التي لا يعالجها بشيء من المراجعة والنقد والتغيير، في إعطاء الانطباع عن حيوية الحزب وحضوره كحزب..

أما الكتلة الوطنية، فلا يختلف اثنان على ان العميد ريمون إده قد اعاد تأسيسها، بعد غياب المؤسس الاول والده اميل إده، على اكثر من موجبات الاختلاف مع الدستوريين، وعلى شروط ومعطيات وإشكاليات اكثر معاصرة وأشد تركيبا وملاءمة لإشكاليات الكيان بعد الاستقلال واحتلال فلسطين، موصولة (الاشكاليات) بإشكاليات محيطه العربي وأعماقها الدولية..

ولا يختلف اثنان على دماثة العميد كارلوس اده وصفائه ووفائه للتراث الديموقراطي المبرأ نسبيا من العصبيات القاتلة، ولكن ذلك كله لم يتحول الى حيوية حزبية تعوّض التعطيل القسري الذي أجبر العميد الراحل نفسه وحزبه عليه او أُجبر..ما كان يقتضي مزيدا من الحركة، بعد غياب العميد، وعدم الاعتماد على الرمزية المشتقة من رمزية اخرى، حسنة ولكنها غير كافية، هذه الحركة المرجوة لا شك في انها تتعرض لمعوقات تأتي من تعقيدات الوضع اللبناني البالغة، ومن حذر العميد كارلوس إده من المغامرة او المخاطرة.. وهذا حسن، شرط ان لا يؤدي الى المراوحة. ومع توقفنا واعتبارنا بالأثر الكبير الذي تركه غياب المؤسس المجدد العميد ريمون إده بحجمه الكبير... فإننا يأخذنا العجب من تقليده في كل شيء، حتى في الموقف السلبي من اتفاق الطائف، رغم ان العميد كارلوس إده، يتحرك سياسيا على المساحة المتأتية من هذا الاتفاق... وهذا اكثر من الوفاء لريمون إده..

إن سلامة الذات التي تظهر في سلوك كارلوس إده، ربما كانت احدى الضمانات المستقبلية.. ومحفزا لعدم اعتبار الوارث نفسه مؤسسا لأنه وارث، او اعتبار الرمز الفرعي رمزا أصليا.. عدنا إذن الى الرمزية المركزية، التي تعيق في حضورها او تحبط او تمنع الانتاج السياسي عندما ينحصر فيها او تحصره.. وتتحول الى مثال ماضوي وذاكرة معيقة للحضور والاستقبال في حال غيابها بالوفاة او الهجرة الطويلة. 


5 يبقى الحزب التقدمي الاشتراكي مثالا معاندا جزئيا لا كليا، لعموميات الأزمات الحزبية اللبنانية، ربما بسبب التباس الحزب بالطائفة الأقل عددا والأشد حساسية من حجمها برغم الضمانات في مكوناتها الوطنية والقومية...

لقد استطاع هذا الحزب، مستعينا بقوانين الوراثة الطبيعية، او البيوسياسية، ان يؤمن استمرارية المؤسس كرمز ومركز في الوارث الوحيد في الأسرة والحزب والطائفة، لتأتي من بعد اشكاليته الطائفية او المذهبية او الجهوية (الجبل) أشد تعقيدا من إشكالية كمال جنبلاط لأسباب عدة منها ان الجنبلاطية استكملت تقريبا تمثيلها الحصري للدروز، وأن التهجير او الهجرة المارونية والمسيحية من الجبل اثناء الحرب لم يشكل عبئا على كمال جنبلاط بينما تشكل العودة عبئا درزيا ومسيحيا على وليد جنبلاط، الذي احدث قبل سنة انعطافة كبرى في طريقة تعامله مع المكونات الطائفية للجبل، من دون ان يسهم ذلك تماما في حل اشكال المهجرين وإن كان قد أدى الى إطفاء بعض الفتائل المشتعلة على ارضية المسألة...

وقد كان لبنان عموما في زمن كمال جنبلاط غيره الآن، والحرب اسهل في الاستقطاب والتعصيب والتركيز والترميز من السلم..

ثم إن كمال جنبلاط كان من الهيبة الفكرية بحيث أمكنه ان ينشر ظله الديني على المؤسسات الدينية الدرزية التي تخضع في تراتبها الى المسلك والمعرفة المتأتية منه على نسق يقترب من الصوفية، فيبقى المستوى الفكري متاحا ومباحا للمدنيين، تنضاف إليه في الحالة الجنبلاطية زعامة تاريخية وموقع سياسي وطني وقومي مميز ومتحرر نسبيا من كثير من املاءات وثوابت التوجه الوطني او القومي. لقد كانت هيبة كمال جنبلاط على الطائفة والحزب هيبة طبيعية، غير مضطرة الى افتعال الالغاء والاختزال او توكيده، لأن كمال جنبلاط كان كافيا لرهطه المذهبي والسياسي، من وجهة نظر هذا الرهط، بصرف النظر عمن يواليه او يعارضه.. 

هذا كله قد يعني ان وليد جنبلاط المحفوظ موقعه في حزبه وطائفته، ولو لجهة عدم الامكان احيانا، ومن دون ان يكون اسيرا لكثير من التقييدات الايديولوجية، مع الرضى بهذه الحال لدى الطرفين الحزبي والطائفي، عن قناعة حينا وعلى مضض احيانا، ولأسباب ربما كان اهمها ان وليد جنبلاط اكثر حيوية وأوسع رؤية من إطاريه الحزبي والطائفي، وإن كان الامر لا يخلو من إسهام لوليد جنبلاط في اعاقة نمو اهلية الحزب والطائفة لمشاركته، ما يجعل رمزيته وفرديته ومركزيته ترقى الى مستوى الضرورة الحزبية والطائفية، التي تقلل من شأن ما يترتب على ذلك من أضرار، تبقى العصبية جاهزة لاستيعابها والتغطية عليها. 

نصل بعد هذا الاجمال في مكان والتفصيل في مكان، الى الحزبين او التنظيمين الاكبرين، والأكثر فتوة والأسرع حراكا وتوترا بين الاحزاب اللبنانية، والأقل مكابرة ومعاندة ومكابدة وحرجا من حصريتهما الطائفية او المذهبية، التي لا تلغي بالضرورة صفتهما الوطنية او دورهما الوطني، العابر للطائفة والحزب، المار بهما قطعاً، خاصة من خلال مشاركتهما المميزة في التحرير، على تمايز بينهما، يعدّله لجهة حركة امل، في مقابل رجحان دور الحزب على دورها، أن التحرير قد قام فيما قام، على الفكر التأسيسي للإمام الصدر في السياسة الوطنية وفي المقاومة. 


6 لقد استطاع السيد حسن نصر الله ان يحقق رمزية فرعية لا تخلو من مركزية زادت تعبيراتها بعد التحرير، في مقابل رمزية التأسيس والمؤسس الإيراني للحزب والمقاومة، هذه الرمزية اكتسبها جزئيا الشيخ صبحي الطفيلي، ولكن على قاعدة المقاومة جزئيا، وفي لحظة التباس بين المقاومة والخطف، وعلى قاعدة الصراع والقتال مع حركة امل جزئيا كذلك، وإن كان اثر ذلك بنيويا ما زال قائما في حال الحركة والحزب معاً، وفي حال الشيعة عموما، بناءً على ذكريات الصراع والندوب العميقة التي تركها في الجسم الشيعي..

وعندما ظن الشيخ الطفيلي أن رمزيته من إنجازه الشخصي، انفصل ثم حاول متوسلاً بالشأن المطلبي الذي كان وما زال مهملا في حركة الحزب، إلا في حالات خطابية تعبوية على مفاصل معقدة (الميدل إيست وقضية المازوت مثلا)، ان يبني عمارته الرمزية على تصميم القلاع التي ينسى مصمموها حاجتها الى الأسس العميقة والركائز القوية والموقع السياسي الوطني والاقليمي الملائم. فتورمت رمزية الطفيلي في لحظة، على قاعدة السلب ضد الحزب، ليعود الحزب بحراكه وعمقه الايراني وخطابه ومقاومته وحاله، فيحافظ على مركزه ومركزيته ومركز هذا المركز ورمزه نصر الله الذي استجدت ظروف (طفيلية) لتتقدم برمزيته ومركزيته خطوة نوعية...

كما استطاع الشهيد السيد عباس الموسوي بعد الطفيلي ان يؤسس لرمزيته سلوكيا منذ عارض الاقتتال بين حزب الله وحركة امل من دون ان يخرج على الحزب او منه، وتحول السيد عباس الى رمز أخلاقي ووجداني مميز، ولم يلبث ان استكمل هذه الرمزية بالشهادة، بعدما كان قد سعى ولم يحقق نتائج مجزية في توطين الحزب وتخفيف القيود الايرانية على حركته، ما انتبه إليه السيد نصر الله مبكرا، مهيئا بذلك اكثر الاسباب المساعدة على إنجاز المقدار الأعلى من رمزيته ومركزيته المشاركة او الشريكة، على تفاوت في النسبة للرمزية الايرانية التي تحتفظ بموقعها وتأثيرها وعموميتها على الحزب، من كونها الرحم التي انتجت الحزب على شروط لبنانية لا تنكر، ولكنها لا تزيد على الشروط الميدانية لتحقيق شخصية الفرع تبعا للمركز او الأصل. 

ومن هنا فإن الخصوصية اللبنانية التي رسخها السيد نصر الله ووظفها في المقاومة وفي السياسة (الدخول القوي الى مجلس النواب)، مترافقة مع خطاب سياسي وطني مرن وواسع المروحة، على قاعدة علائقية مفتوحة على كل الحساسيات، تجاوز بها الحزب نشأته الاصولية، من دون ان يتخطاها تماما، اذ ما تزال كامنة فيه بلحاظ كونه حزبا دينيا وبلحاظ كونه مكانا تحويليا لأطر حزبية دينية شيعية تاريخية، متأثرة في نشأتها بالظروف الطائفية للعراق، وبتجربة الاخوان المسلمين، من دون ان يكون ذلك مصيبا من وجهة نظرنا، ولكنه يحمل اشكالية لا بد من التأمل فيها، لأن خصوصية الحزب بين الاحزاب الاصولية او الشمولية الاسلامية، ما زالت معرضة للمساءلة: الى أي حد يملك حزب الله في حراكه الداخلي حرية تساعده على جعل توطينه أمرا ناجزا، في التنظيم والقرار والخيار السياسي، وبالمعنى التام او شبه التام على الأقل؟ 

وإذا لم ينجز الحزب مشروعه الوطني، بما يعني من استقلالية عالية النسبة هادئة النبرة، ومن دون قطيعة مع المصدر الايراني والقرار الايراني، فإن رمزية السيد نصر الله سوف تبقى عرضة للانتكاس، وربما الإلغاء، أي إن الحزب، وهو ديني، اي شديد الرمزية والمركزية في المحصلة (ولائي) سوف يكون اكثر تعرضاً للتصدع والتفكيك والتفكك المرادفين في المحصلة للتماسك الشديد، ما لم تتحول رمزية السيد نصر الله الى رمزية وطنية صافية، لا يعني تمامها وكمالها وصفاؤها اي تقابل حاد مع النفوذ الايراني في الحزب او عليه، بل يعني توطين هذا النفوذ من اجل جعل رمزية الأمين العام رمزية ذاتية غير مرهونة بقرار خارجي مهما يكن حميما وحريصا، وإذا ما وافقنا على ان رمزية السيد نصر الله منجزة، فإن ذلك يعني انه اصبح مركز الحزب، رأس الهرم المقلوب، فإذا ما ألغي موقعه او همش او صودر، فإن اجزاء الحزب وأشلاءه بعده لن تمكن الحزب من إنتاج رمزياته الطرفية او الفرعية المتصارعة حتماً، لو كان بالامكان انتاجها.

إن وهج التحرير لا يلغي اشكالية الحزب وما يتهدده من تصدعات تؤثر سلبيا على بنيته ولا تسمح لرمزية السيد نصر الله ومرجعيته التنظيمية بأن تحفظ عمارة الحزب من التشقق واختراع محاور صراع، تدخل الحزب في تاريخ الاحزاب. علما بأن الرموز الفرعية لم يعد بالامكان انتاجها من داخل الحزب. اذاً في حال التصدع سوف يجد الحزب نفسه داخلا في حالة مركبة من الرهونات المتعددة والمتعاكسة، وإن كانت منابعها الخارجية واحدة بالمعنى الرسمي، الذي لا يلغي التعدد في الرؤى داخل الدولة الواحدة او الثورة الواحدة.


7 ما يمكن ان يتحقق في حزب الله بمخاطره المحتملة، ربما كان قد أصبح متحققا في حركة أمل بشكل أقل خطورة، فرمزية الرئيس نبيه بري ناجزة، ومتمكنة سياسيا على مستوى موقعه في الطبقة السياسية الحاكمة والمتعارضة، الى حد ان أطرافها يتواصلون سرا وعلنا مع اطراف المعارضة بالاستقواء على شركائهم في السلطة، والرئيس بري مميز في هذا المجال، لجهة جديته، من منظور وطني، في التواصل المنهجي غير التفصيلي مع بعض أطراف المعارضة من حملة المشاريع الوطنية الخلافية، ولكنها مشاريع وطنية، الى المؤهلات الشخصية المتحققة للرئيس بري في التقاطه للمؤشرات بشكل أقل سرعة من وليد جنبلاط وأقل تسرعا ايضا. يقابل ذلك استمرار حركي على مستوى القيادة والكوادر الوسيطة، في التخفيف والتخفف من شروط ومستلزمات الاهلية الثقافية والسياسية والتنظيمية، الى حد يبدو معه الفارق شاسعا بين القائد او الزعيم او القائد الذي صار زعيما واستراح، وبين الحركة، ما يعني انه لم يعد بإمكان الحركة ان تنتج رمزيات بديلة، علما بأنه قد سبق لأطراف في الحركة ان جربوا ذلك في فترات كان وضع الرئيس فيها ووضع حركة أمل أشد إرباكا وصعوبة، وكان مركز الثقل الايراني نافضا يده من الحركة، والرئيس بري أقل مركزية ورمزية، ولم يفلحوا وتحولوا الى توابع لأطراف اخرى (حزب الله) ثم ما لبث بعضهم ان بذلوا جهدا مضاعفا في سبيل العودة، ولم يفاجئهم الطرف الايراني عندما شجعهم على العودة وكيفما اتفق، وان كان حزب الله قد تحفظ على هذا الامر، فإن بعض العائدين برر عودته بتبسيط لا يخلو من دلالة على إشكالية بالغة التعقيد، وهو انه في حزب الله سوف يبقى ثانويا بلحاظ كون مؤهلاته هو انه منشق لا أكثر، ما يحتمل معه ان يكون مشكوكا في ولائه للحزب، بينما ما تزال حركة أمل تتسع للمشاركة الشكلية في حركتها التنظيمية والسياسية والمصلحية، على أساس ان الفعالية والمشاركة في المضمون الحركي، مضمونة بالرئيس وله، إدراكا من الجميع لثانوية الاطار قياسا على المحور.

لعل ذلك ما ظهر من خلال المؤتمر الاخير لحركة أمل، من دون ان يكون هناك أي إشارة الى ان الحركة قادرة او تريد ان تجدد نفسها ودمها من داخلها، ان كان ذلك ممكنا، او من خلال توسيع اطارها العضوي بحيث تضم كفاءات وطنية، على تقدير انها ترى في الأفق الوطني العابر للطائفة والحرس القديم، ضمانا للاستمرار والحيوية السياسية والثقافية، او بحيث تضم كفاءات شيعية توصف بأنها بعيدة قريبة من الحركة، موافقة على توجهها الوطني معترضة على أدائها لا تتوخى نفعا ذاتيا، وواقفة على باب الحركة المغلق في وجهها..

وربما كان السبب في ذلك هو ان الحركة التي من الطبيعي ان تنشد السلامة من طريق موصلة او غير موصلة، مطمئنة الى ان هذه الكفاءات الشيعية، لن تقدم على التفكير ببديل جدي لها، لان ذلك محكوم بتعقيدات ومؤثرات سياسية لا يقوى أحد على المخاطرة بمواجهتها في لحظة انقسام طائفي لبناني حاد، وجد على المستوى الاسلامي المسيحي، وعلى المستوى الاسلامي الاسلامي، والمسيحي المسيحي، كما تبلور في الاسابيع الاخيرة، مصدرا إضافيا لتناميه، بعد أحداث الحادي عشر من ايلول وتداعياتها في العالم، وفي المنطقة خصوصا، ما يعرّض من يخاطر بالتفكير او العمل على تكوين البديل لحركة أمل او زعامة الرئيس بري الشيعية، الى تهمة التسبب في المزيد من تجزئة وتشتيت الطائفة المنقسمة داخليا، والمحاطة بمراقبين من مختلف الطوائف متوجسين من تعاظم نفوذ الشيعة وشراكتهم الزائدة عن قدرة الطوائف على التحمل، في قرص الدولة وأنظمة مصالحها وإداراتها! 

ماذا يعني كل هذا؟ ربما كان يعني ان حركة أمل قد وصلت فعلا الى بر الأمان في اللحظة التي اكتمل فيها خطر تهميش التنظيم وأصبح ماثلا وملموسا، ويعني ان استمرارية أمل على حالها من الصراعات او الكباشات الداخلية المتنقلة من دون نصاب، ومن دون ان يكون للسياسة العامة، المنحصر التعبير عنها بالرئيس، أمر مضمون أي دوام الحال وصاحب الحال لان أنظمة المصالح، بالاضافة الى التراث المتراكم بما يقتضي من عصبية تحميه، بالاضافة الى المعطيات التي جعلت نية حزب الله وقدرته على تصديع الحركة واستقطاب المتسربين منها، محدودة جدا، وغير مأمونة العواقب او الجدوى، وتحت مراقبة المركز الايراني المشددة. كل ذلك يؤمن استمرارية لحركة أمل مدعومة بانفتاح إيراني عليها لأسباب تتصل بالتبدل المنهجي الذي حصل في التعاطي الايراني مع الشأن اللبناني عموما والشيعي خصوصا، من دون فارق كبير في ذلك بين تيار المحافظين وتيار الاصلاحيين. اذن فالبديل الحركي للحركة صعب جدا والبديل القيادي او الزعامي أصعب.. وإذن فقد اكتملت أسباب السلامة عندما اكتملت صورة الازمة.. بقي الرمز وحده شاخصا متطلعا الى رمزية وطنية ممكنة، من دون ان تمر بالضرورة بالقناة الحركية. 


8 قد يكون مناسبا ختم الكلام بالرئيس الحريري باعتبار انه كان مطلوبا منه وربما كان راغبا في تأسيس حزبه الذي لم يتأسس، من خلال تيار المستقبل، وقد أعفاه الله من تعقيدات هذه المغامرة...

اذن فإشكالية الرئيس الحريري انه لم يؤسس حزبه، ولو أسسه لكان تأسس منذ البداية على الخطأ، لأنه سوف يتأسس عليه وله، ما يعني ان الرئيس الحريري لن يكون للحزب بل سيكون الحزب للرئيس، وهذا الخراب يمكن ان يكون مفهوما ومحتملا لو ان الحزب انتهى اليه، أما ان يبدأ به، فإنها مسألة او مفارقة في منتهى الخطورة، خاصة أننا لا نعرف حزبا بدأ او عاد لاحتواء مؤسسه او زعيمه، واذا ما كان احتياطي الرئيس الحريري وطنيا هم المسلمين عامة، والسنة منهم خاصة، فإن هناك تعقيدات تمنع من اعتبار الالتفاف الطائفي او الديني احتياطيا ناجعا، في حال نجاح أطراف اخرى في الدولة، في دفع الرئيس الحريري الى الخيار الطائفي حماية لموقعه الوطني! لان المسألة الطائفية في لبنان، في وجهيها الاسلامي والمسيحي، أشد تركيبا وتعقيدا من صورتها في الماضي، وهي تميل الى توليد شروط ديمومتها، بمعنى ان التفاف المسيحي او المسيحيين حول زعيم لهم، أمر مشروط بالسلب والايجاب، السلب هو سلبية الآخرين كضرورة التفاف وولاء او تعصيب حتى من دون ولاء، والايجاب هو ما يمكن ان يقدمه لنظام المصالح الطائفية المتغير والمتطلب والذي لا يمكن تلبية متطلباته دائما، لان في ذلك مساً بالمصداقية الوطنية الضرورية لزعامة الزعيم...

من هنا فإن فرصة الرئيس الحريري المثالية والوحيدة، ما زالت شديدة الشبه بالفرصة التي أتيحت له عام 1992. أي ان تكون مصداقيته الاسلامية والسنية، معبرا الى مصداقية وطنية، أي ان يجهد في إيجاد فضاء وطني (إسلامي مسيحي) معتدل ومتعدد الألوان ويشكل الاعتدال الاسلامي شرطا أوليا له.. يرتكز اليه حتى لا يحاصر في سنيته او إسلاميته، سنيا وإسلاميا او وطنيا.. أي حتى لا يكون الداد دواء والدواء داء. 

“ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا”.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic