ضرب العراق بين الفتوى وعدم الفتوى

نصير الأسعد

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 3 أيلول / سبتمبر 2002

 

الإمام الخامنئي لم يفتِ بالاتصال بواشنطن .. وإيران ترفض العدوان
السيد فضل الله: لا تجوز مساعدة أميركا على ضرب العراق وإسقاط نظامه


     “لا تجوز مساعدة أميركا على ضرب الشعب العراقي. وهذا لا يعني الموافقة على مساعدة أميركا في ضرب النظام في بغداد لأنني لا أوافق على التدخل الأميركي في أي بلد، ويجوز شرعاً تعاون الإسلاميين والعلمانيين من المعارضة لإسقاط النظام”. 

هذه خلاصة “الفتاوى” أو “الأحكام الشرعيّة” التي أصدرها المرجع الإسلامي الشيعي العلامة السيد محمد حسين فضل الله في ما يتعلق بالمسألة العراقية. أما كيف توصل إليها، فالجواب يأتي على لسانه بعد دراسته لخلفيات السياسة الأميركية وامتداداتها كما يقول. 
 

مقدمات “الفتوى” 

     يقول المرجع الكبير إنه بعد بحث طويل، توصل الى اعتقاد راسخ بأن الولايات المتحدة تعمل من أجل السيطرة المطلقة على المنطقة لا سيما ثرواتها الطبيعية وفي مقدمها البترول واستحواذ أسواقها واستثماراتها بشكل مميز، وأن واشنطن تتحرك للحصول على مواقع استراتيجية لتطويق بعض البلدان التي تعتبر أنها تشكل “محور الشر” ومنها الجمهورية الإسلامية في إيران. كذلك فإن أميركا من وجهة نظر السيد فضل الله تعمل للسيطرة على العالم الإسلامي للإطباق على ثرواته، بما يمكّنها من الضغط على الاتحاد الأوروبي واليابان بالدرجة الأولى. 

ويضيف العلاّمة ان التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل يجعل إسرائيل شريكاً لأميركا على امتداد المنطقة التي تسيطر عليها، وهذا ما حصل بالفعل عندما أفسحت واشنطن في المجال أمام إسرائيل لتكون خلفها في مواقع النفوذ الأميركي الجديدة سواء في الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي أو في أفريقيا في موازاة المسعى الأميركي الى طرد النفوذ الأوروبي منها. 

في هذا الإطار، خطة السيطرة الأميركية على المنطقة العربية والإسلامية، والشراكة الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، نظر السيد فضل الله الى مشروع الحرب على العراق بصفته في الأساس مشروعاً لإشغال العالم بقضية ينسى معها الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وهي جرائم تُنفذ بضوء أخضر أميركي مطلق. 

مشروع الحرب الأميركية على العراق، هو إذاً من وجهة نظر السيّد مشروع يؤدي إلى إطلاق يد إسرائيل في حربها على الفلسطينيين. وإلى ذلك يضيف ان إعلان إدارة الرئيس جورج بوش عن التخطيط لقلب النظام العراقي، يشكل سابقة جديدة عبر إعطاء الشرعية لأي دولة كبرى في إسقاط أي نظام لا تلتقي معه، وذلك “بقطع النظر عن رأينا بالنظام الذي نرى أنه أربك شعبه والمنطقة”. ويؤكد ان من الخطورة بمكان أن تنطلق دولة كبرى لتقلب نظاما هنا أو هناك بطريقة عسكرية، بعيدا عن الأمم المتحدة ودول العالم، ذلك ان من شأن هذا التوجه أن يخلق حالة من الفوضى السياسية في العالم تؤدي الى نتائج مدمرة على مستوى الشعوب. 

وبالإضافة الى كل المعاني السابقة، فإن المرجع الإسلامي يرى في الحرب الأميركية على العراق للسيطرة عليه، محاولة لاستكمال الطوق حول الجمهورية الإسلامية التي لا تبدو مهددة بمشروع عسكري ضدها وإنما هي مهددة بحصار اقتصادي.. كذلك فإن سيطرة أميركا على العراق ستجعلها أكثر قدرة على إرباك الوضع الإيراني، بإمساك الوضع الخليجي الذي بدأ يهتز ضد الوجود الأميركي على أرضه. 
 

“الفتوى” وتوضيحاتها 

     من منطلق هذه المعاني جميعاً، كانت الفتوى ضرورية “من موقعنا الإسلامي الفقهي عن المسلمين والمستضعفين في ما نزعم لأنفسنا”، وهذه الفتوى هي أنه “لا يجوز مساعدة أميركا على ضرب الشعب العراقي وتمكينها من السيطرة على مقدراته كافة، ولا يجوز تسليط الكافرين على المسلمين أو تسليط المستكبرين على المستضعفين”، مضيفا ان على “كل بلد إسلامي أن يتدبر أمره ويخطط لتغيير الأوضاع الفاسدة داخله”. 

استطاعت الفتوى أن تفعل فعلها في أكثر من موقع إعلامي كما يقول العلاّمة فضل الله، وزاره إعلاميون نقلوا إليه ان بعض فصائل المعارضة العراقية وبعض “الطيبين” من أبناء الشعب العراقي الذي عاش أزمة خانقة مع النظام، يعترضون على الفتوى وتوقيتها. فكان جواب السيّد التأكيد على أنه “لا يجوز مساعدة أميركا على ضرب الشعب العراقي”. وكي لا يكون ثمة التباس، أكد المرجع انه لا يفتي ب”جواز مساعدة أميركا على ضرب النظام” أيضاً، لأنه لا يثق بها ولا يوافق على تدخلها في العراق بأي صيغة كانت. وقال في جوابه إنه يطلب من الشعب العراقي ان يجد الأساس في وحدته، وحدة المعارضة الإسلامية والعلمانية للتخطيط من أجل تغيير النظام بطريقة شعبية معينة، مذكرا بالانتفاضة الشعبية التي أعقبت حرب الكويت والتي لولا تدخل أميركا لمساعدة النظام آنذاك على ضربها، لكانت حققت أهدافها. 

تلك كانت إذاً مقدمات الفتوى، ثمّ الفتوى وتوضيحاتها. لكن هل ثمة دوافع أخرى إليها؟ 
 

موقف إيران كما في 91 

     بطريقة غير مباشرة، ومن غير أن يربط فتواه بأي اعتبار غير ما ذكره آنفاً، يلفت السيد فضل الله الى ان بعض المسؤولين الدبلوماسيين الإيرانيين صرح بأن ما صدر عن القيادة العليا لبعض فصائل المعارضة الإسلامية التي شاركت في اجتماعات واشنطن لجهة ان القيادة الإيرانية أعطتها حرية التصرف، يعود الى ان المسألة عراقية والقيادة في إيران لا تريد التدخل في شؤون العراقيين... ان هذا الموقف استدعى تلمس أبعاده. 

في اعتقاد السيّد أن الموقف الإيراني حيال العراق يتحرك في دائرتين: سياسية وميدانية. في السياسة ترفض إيران أي عمل عسكري ضد العراق لأن ذلك يعني احتلال العراق والسيطرة عليه مما يؤدي الى نتائج سلبية وقد يشكل خطراً على إيران مستقبلاً في ظل العلاقات الإيرانية الأميركية المتوترة. وموقف رفض الحرب في السياسة، ستكون ترجمته أشبه بالموقف الميداني الذي وقفته خلال حرب الكويت، فهي لم تدخل آنذاك لا الى جانب الكويت ولا الى جانب العراق ولم تحارب أميركا. ويعرب عن اعتقاده بأن إيران في حال الحرب على العراق لن تشارك النظام العراقي ولن تقدم الدعم لأميركا حتى بالطريقة التي أثارها الإعلام حول دعمها في حرب أفغانستان... وفي موازاة ذلك ستؤكد أنها ستدافع عن نفسها إذا فكرت أميركا في الاعتداء عليها. 

ويختم المرجع الإسلامي الكبير بالإشارة الى انه “يتصور” ان الولايات المتحدة ستعمل على متغيرات كثيرة داخل أنظمة الخليج بعد ان برز أن البنية التحتية في عدد من دول الخليج قد تكون مؤيدة لبن لادن بقوة، وربما تخشى واشنطن أن تسيطر هذه الجماعات على عدد من الأنظمة. لذلك فإن اللوبي الصهيوني وصقور الإدارة الأميركية التابعين للمسيحية الأصولية ربما يدفعون الإدارة الى التحرك بعيدا نحو ترتيب وضع من يُسمّون أصدقاء أميركا. 
 

“حزب الله” 

في غضون ذلك، كيف تبدو “الصورة” من طهران؟ 

رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد الذي زار إيران مؤخرا على رأس وفد نواب “حزب الله”، يقول إن كبار المسؤولين الإيرانيين يعتبرون ان الولايات المتحدة أخذت قرارها بضرب العراق وأن الإدارة الأميركية باتت محكومة بتنفيذ قرارها في أمد قصير (ربما قبل الانتخابات الأميركية)، وأكثر من ذلك، فإن التسويق الإعلامي للحرب زاد من الإحراج الأميركي فيما لو راوحت أو تأخرت. 

ويؤكد القيادي البارز في “حزب الله” انه لمس ان القيادة الإيرانية تتعاطى على أساس أن واشنطن ذاهبة الى تنفيذ قرارها. ويوضح ان الموقف الإيراني الذي سمعه هو ان الجمهورية الإسلامية مع وحدة العراق وضد أي محاولة لتقسيمه، وترفض العدوان على العراق وترفض التدخل الأميركي في تقرير مصير النظام العراقي. ويضيف ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحرص على عدم توفير أي غطاء للعدوان في حال حصوله لا بل هي تسعى قبل حصوله الى الحؤول دونه، لكنها تحضّر نفسها لمواجهة تداعيات العدوان كي لا تنعكس على مصالحها وأمنها، وذلك في موازاة حرصها على القوى الحليفة لها داخل العراق. 

ويشير الحاج أبو حسن الى ان إيران، في الوقت الذي ترى فيه أن أميركا باتت محكومة بتنفيذ قرارها بالعدوان على العراق، فإنها تشكك في إمكانية تحقيق الأهداف الأميركية من هذه الحرب وتتحدث عن عوامل عديدة ستواجه أميركا في حربها دوليا وعربيا... 
 

الموقف والخارطة الإيرانية 

ويؤكد ان إيران التي ترى بوضوح رجحان احتمال الحرب وفي الوقت نفسه حجم المشاكل التي ستواجه الحرب الأميركية، لا تستبعد أن تطاولها شظايا معينة من هذه الحرب أو أن تنتهز إسرائيل الفرصة للاعتداء. وتعتقد القيادة الإيرانية ان ثمة نية إسرائيلية في توظيف ضرب العراق لمصلحة سيناريو ترغب به، خاصة سيناريو يؤدي الى تقسيم العراق، والتوظيف الإسرائيلي هو تهجير واسع للفلسطينيين إن لم يكن باتجاه الأردن فباتجاه العراق. وما يدعو الى التخوف الإيراني في هذا المجال، هو أن الإدارة الأميركية غير متماسكة في منهجيتها. 

ويلفت الى انه بالنسبة الى الضجة التي أثارتها خطوة اتصال بعض المعارضة الإسلامية (الشيعية) العراقية بواشنطن، فإن النقاش اندلع حول هذه المسألة على المستوى غير الرسمي، لأن المسؤولين الرسميين لم يحدثوا وفد “حزب الله” عن هذا الأمر. ويوضح القيادي المرموق في الحزب ان ما يسمى “كتلة المحافظين” أخذ موقف الإدانة لأي اتصال من الفريق الإسلامي العراقي المعارض الحليف لطهران بواشنطن، بينما لا يتحدث “فريق الإصلاحيين” سلبا أو إيجابا عن الموضوع ويسلك سلوكا استفهاميا. 

من جهته، قائد الجمهورية الإسلامية الولي الفقيه السيد علي الخامنئي، لم يصدر حكما أو فتوى لأنه لا يرى موجبا لأن تتحمل إيران مسؤولية مباشرة عن الاتصال من جهة، ولأنه يراعي حساسية لدى المعارضة عندما يبدو أن إيران تقرر عنها من جهة ثانية، ولأن مصير “المسألة العراقية” يتقرر في النهاية عبر العلاقات الدولية من جهة ثالثة. ولذلك بدا موقف الخامنئي “وسطياً” فكان قرار بعض المعارضة الشيعية الذهاب الى واشنطن حيث لا فتوى من الولي الفقيه ضد أو مع، فيما ثمة فصائل شيعية أخرى تعارض بقوة الاتصال بأميركا وتدخّل أميركا في العراق. ويشير النائب رعد الى ان موقف رئيس الجمهورية السيد محمد خاتمي هو موقف المرشد نفسه في هذا المجال. 

وعاد وفد “حزب الله” من طهران على خلفية ان الأساسي من مواقف الجمهورية الإسلامية بات محسوما وإن يكن النقاش مستمرا في ما هو تحت سقف هذه المواقف، ليؤكد (الوفد) ان إيران تتحسب للعدوان وكأنه حاصل غدا، لكن خشيتها من تداعيات لهذا العدوان لا ترتقي الى مستوى “القلق”، كما يلفت الحاج أبو حسن في الختام، قبل أن يشدد على أمر جوهري هو أن الحرب الأميركية على العراق حافلة بالإشكالات أمام أميركا.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic