كل من عليها أميركان!

سليم الحص

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 4 أيلول / سبتمبر 2002

 

     العلامة الفارقة في النظام العالمي السائد في الوقت الحاضر هيمنة الولايات المتحدة الاميركية على حياة الأمم في كل مكان من العالم. ومن آيات هذه الهيمنة ظاهرة العولمة، التي تكاد تكون مرادفة للامركة. فما العولمة في واقع الحال سوى نمط من العلاقات الدولية تسيطر عليه النظرة الاميركية الى اقتصاد السوق الحر، والانفتاح المطلق على التبادل الاقتصادي والمالي والتجاري عبر حدود الدول من دون حواجز، ناهيك بهيمنة الشركات الكبرى على اللعبة الاقتصادية دولياً، والدور المحوري الذي تؤديه صناعات الاتصالات والمعلومات في العلاقات بين الشعوب، والذي كان من شأنه اختصار المسافات على نحو مذهل واسقاط حواجز الحدود بين الدول بحيث اضحى العالم اشبه بقرية كونية. 

وبدت العولمة اقرب ما تكون الى الامركة اذ فرضت اميركا من خلالها كثيراً من شعاراتها وقيمها ومفاهيمها. فكانت الغلبة في سلوك كثرة من الناس في مختلف اصقاع الدنيا للبراغماتية والمادية، وانتشرت اساليب العمل الاميركية وانظمته في كل مكان، وتفشّت العادات الاميركية بين شعوب الارض حتى في اللهو والمأكل والمشرب. فلا غرابة في القول ان العولمة والامركة سيّان. 

واميركا باتت تلعب دوراً مركزياً داخل النظام العالمي في صوغ مصائر الدول والشعوب، فهي تنادي بالحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، ولكنها، ويا للمفارقة، تصف كل من يناضل من اجل هذه القيم والمفاهيم ارهابياً. فالمقاومة 

الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، وقبلها المقاومة اللبنانية، حركات ارهابية تجب مكافحتها. فالعنف في قاموس اميركا مرادف للارهاب، اللهم الا اذا مارسته هي او حليفتها اسرائيل. فالحرب في افغانستان، التي كثيراً ما يسقط فيها مدنيون ابرياء ضحية العنف الاميركي، عمل نبيل تقوم به اميركا خدمة للقيم الانسانية السامية. والارهاب الاسرائيلي المتمادي في فلسطين هو، في المفهوم الاميركي، من قبيل الدفاع عن النفس، ولا طائل للعرب من القول انه دفاع عن الاحتلال والاستيطان والسيطرة على مقدرات الغير. فإسرائيل انما تدافع عن نفسها في استمرار احتلالها ارضاً عربية بعد نحو 35 سنة من صدور قرار دولي قضى بجلائها الكامل عن تلك الارض. وهي انما تدافع عن نفسها في قتل الفلسطينيين العزّل واحتجازهم والتنكيل بهم وهدم المنازل فوق رؤوس اصحابها ومحاصرة الاهلين في ما يشبه العقاب الجماعي، كما في الحؤول دون عودة اللاجئين الى ديارهم بعدما طردتهم منها واستولت عليها، وهي تقوم بتهجير المزيد منهم باستمرار. 

واميركا تصرّ في فلسطين، ويا للعجب، على اشاعة الديموقراطية في المجتمع الفلسطيني فيما هذا المجتمع يفتقر، في ظل الاحتلال، الى ابسط مقومات الحرية. فكيف تكون الديموقراطية من غير حرية؟ واميركا تهدد العراق بضربة عسكرية تطيح بالنظام فيها بدعوى احلال نظام ديموقراطي محلّه. وهذا التهديد الاميركي بالعنف ليس ارهاباً من قريب او بعيد ولو انه ينذر بشر مستطير قد لا يسلم منه المدنيون الآمنون في العراق، وقد لا يسلم من تداعياته العراق كياناً موحداً، وقد لا تسلم من انعكاساته مجتمعات اخرى في منطقة الشرق الاوسط فتدفع ثمنه من وحدتها واستقرارها. ولم تنج حتى المملكة العربية السعودية من اهواء السياسة الاميركية، فهي تتعرض للتهديدات المبطنة كونها تقبض على مصادر اساسية للطاقة التي تستخدمها اميركا في صناعتها ومنشآتها، وكونها وقفت موقفاً مستقلاً مما يدور على الساحة الفلسطينية لا يتفق مع اهداف السياسة الاميركية الموظفة كلياً في خدمة المآرب الصهيونية. فصورت المملكة العربية السعودية في تقرير كان موضع دراسة في البنتاغون بأنها عدو مرتقب لاميركا. ومع ان الادارة الاميركية عادت فنفت تبنيها مضمون هذا التقرير ولكن ذلك كان بعدما سربته الى وسائل الاعلام، والعبرة كانت في التسريب بهدف التهويل. 

لقد ظهرت إمارات التصدع اخيراً على أديم الهيمنة الاميركية على النظام العالمي السائد. من ذلك تنامي تيار المعارضة الاوروبية للضربة التي تهدد اميركا بها العراق. فقد اعترضت فرنسا وألمانيا وروسيا صراحة على مثل هذه الخطوة، وكذلك فعلت دول اخرى، وبرزت بوادر الاعتراض على هذه الخطوة لدى اقرب حلفاء الادارة الاميركية اليها، اي بريطانيا. فأمام موجة الاعتراض المتزايدة على هذه الخطوة على مستوى الرأي العام البريطاني اضطرت الحكومة البريطانية الى مراجعة حساباتها حيال دعم هذه الخطوة. وتصاعدت اصوات الاعتراض على هذه الخطوة داخل اميركا، لا بل حتى في صفوف بعض قادة الرأي في الحزب الجمهوري، حزب الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش نفسه. 

ومن إمارات التصدع في الهيمنة الاميركية على النظام العالمي انفراد اميركا بين دول العالم في رفض التصديق على اتفاق محكمة الجنايات الدولية المستحدث للنظر في جرائم الحرب في العالم. فوجدت اميركا نفسها منفردة في مواجهة المجتمع الدولي بأسره تقريباً داخل الامم المتحدة. ولم تنته المواجهة الا باقرار سائر الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي باحاطة المواطنين الاميركيين بالحصانة من ملاحقات هذه المحكمة. لماذا يا ترى لا يلاحق مواطن اميركي ولو ثبت انه ارتكب جرائم حرب؟ لماذا يجوز للمواطن الاميركي ما لا يجوز لغيره؟ انها العدالة بأجلى صورها. 

وانفردت اميركا في الخروج من اتفاق حماية البيئة المعروف ببروتوكول كيوتو، فبدت وكأنها لا تتورع، في الذود عن مصالحها الذاتية الآنية، عن الوقوف في وجه ما هو في مصحلة مستقبل الكرة الارضية جمعاء. 

وقد ظهر للعالم اخيراً ايضاً ان اميركا لا تصدر قيمها ومفاهيمها الى الخارج فحسب، وانما ايضاً مشاكلها. فقد عاشت الدول الصناعية الاخرى لحظات تلقت خلالها من سلبيات العولمة، او الأمركة، ما انعكس تدهوراً على اسواقها المالية، رافق التدهور الذي اصاب الاسواق المالية داخل اميركا. فكان على سائر الدول الصناعية ان تدفع ثمن الممارسات الشاذة او الملتوية التي بدرت عن ادارات بعض الشركات الكبرى في اميركا والتجاوزات التي ارتكبتها مالياً وحسابياً، فكان لها اسوأ الاثر على اداء الاسواق المالية داخل اميركا ومن ثم الأسواق المالية في سائر الدول الصناعية. وقد وجد الرئيس الاميركي نفسه خلال هذه الازمة في موقع المتهم بارتكاب المعاصي الادارية المالية التي ينهي عنها اليوم، وذلك عندما كان مسؤولاً في احدى شركات الطاقة في ولاية تكساس قبل عقدين من الزمن. 

اميركا لا تستطيع ان تقود العالم الى ما شاء الله وهي لا تلتزم القيم والمفاهيم والشعارات التي تنادي بها. فهي لا تلتزم حدود الديموقراطية في سلوكها الدولي فلا تقيم اعتباراً لرأي الدول الاخرى، ولا تحترم حرية الآخرين، وترى الديموقراطية نظاماً يملى على الآخرين من الخارج بقوة السلاح، وهي لا تلتزم حقوق الانسان في وطنه، فهي مع الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص وحق الشعب في تقرير مصيره الا في فلسطين، لمجرد ان ذلك كله يتنافى مع مصالح اسرائيل الآنية. 

ادهى ما في الدور الذي تقوم به اميركا على الصعيد الدولي انها لا تملك سياسة خارجية او استراتيجيا خاصة بها حيال منطقة الشرق الاوسط. هناك استراتيجيا اسرائيلية تتبناها اميركا في سياستها الخارجية. شارون هو الذي قضى بالتخلص من ياسر عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية فأضحى ذلك موقفاً اميركياً. وشارون هو الذي قضى بالاصلاح الديموقراطي للسلطة الفلسطينية مدخلاً لا بل شرطاً للسلام في المنطقة فأضحى ذلك مطلباً اميركياً. وأميركا لا تجد في كل الجرائم التي ترتكبها اسرائيل في حق الانسانية يومياً ما يستدعي الشجب او الاستنكار او الزجر او المعاقبة. فهل من العدل في شيء والحال هذه ان تتنطح اميركا لدور القيادة في النظام العالمي القائم؟ لقد انتزعت لنفسها هذا الدور بقوة مكانتها الاقتصادية والعسكرية وبالتالي السياسية، وليس بفعل جدارتها لهذا الدور. فالحق للقوة ولا قوة للحق في عالمنا المعاصر. 

** الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان السابق

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic