كي لا تخنقها رام الله

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 5 أيلول / سبتمبر 2002

 

قد يخنقها الحصار. 

في يديها سبع عشرة سنة من العمر الجميل. وفي مرحها وطول قامتها ما يشي بنهم للحياة. هي واحدة من أولئك اللواتي يلحقهن ضوء المكان. وهي فتاة عادية.. ولكن فلسطينية. مراهقة لا تعير كثير انتباه للسياسة. بيد ان رام الله تفرض عليها يوميات الحرب، ويوميات الملاحظة.. والسؤال. 

رام الله ليست دبابات اسرائيلية تجتاح فحسب. ليست قناصين يترصدون الخارجين عن منع التجول. وليست أعدادا مضافة الى خانة عشرات الشهداء. قد تكون رام الله احيانا انتظارا مديدا لصبية تريد انهاء عامها الدراسي الاخير قبل ابواب الجامعة. قد تكون رام الله موعدا تجتمع عنده فرقة الدبكة للتمرن على الرقص. قد تكون نزهة.. مقهى.. اي شيء خارج هذا الاختناق. 

قد يخنقها الحصار. 

في البيت... في البيت... في البيت... الليل لصوت الدبابة والنهار للتلفزيون ولكسل جماعي مفروض ينسج علاقات اجتماعية يساعد مرحها هي في تحريكها.. في اضفاء خفة على ثقل الجدران. لكنها الحرب في الضفة. وللحرب على الفلسطينيين هناك أشكال اخرى. كأن يطبع على بطاقات الدعوة الى حفلات الزفاف ما معناه ان الاكليل سيكون عند الثانية عشرة ظهرا ما لم يمنع التجوال.. واذا منع، ففي الوقت نفسه من اليوم التالي. كأن تحزن المراهقة على مجمع تجاري احترق وكان فيه مقهى انترنت وصالات سينما ومطاعم وجبات سريعة. الناس في الضفة يقومون بنشاطات اخرى غير الموت على ما يبدو. 

تقول عفوية الشابة الآتية من رام الله ان فلسطين ليست شعارا. فلسطين قد تشعرها بالاختناق وتجعلها تتوق الى سياحة ما.. الى جرش.. الى بيروت.. الى اي انعتاق من هذا الاختناق. 

من اين تبدأ رحلة المسافر؟ من باب البيت في العادة. من اين تبدأ رحلة المسافر من رام الله؟ من باب البيت.. حرفيا. من اللحظة التي قد تكون موعدا ضُرب مسبقا للتجمع بأمل ألا يقع منع التجول بغتة. أما وقد مشت الباصات باتجاه اريحا فالامل الآن ان تعبر الفرقة نقطة التفتيش الفلسطينية بعد ليل واحد على اقل تقدير من انتظار الدور. في اريحا، عند النقطة المسماة “استراحة”، تصل الفرقة عند الخامسة صباحا، اي مبكرة جدا، لتجد المنتظرين في خيمات منصوبة يستيقظون من نومهم ليبدأوا يوم انتظارهم. 

هاجس الرجوع المفاجئ يتعاظم مع الاقتراب من الاسرائيلي الذي لربما منع الشبان المعتقلين سابقا من المغادرة. وعندئذ ستعود الفرقة بأكملها.. لأن ليس من فلسطيني بسجل عدل اسرائيلي نظيف من ايام اعتقال. هل يقوم الاردنيون بفعل ما فتعود الفتاة الى الحصار؟ كلا.. موظفون عسكريون تقليديون تراهم في معظم حدود العرب مع العرب. يعبسون في الذكور امثالهم وينهمر لطفهم على الفتيات.. “شو رايحة تعملي بالاردن؟”. “راقصة”، تخطئ القول وفي ظنها ان المفردة العربية تعني فنا راقيا.. “راقصة؟ يعني رقاصة.. آه.. رقاصة شرقي؟”. هو عرف ربما ان أثقل فئات الدم هي فئة دم رجال الحدود حين يمازحون المسافرين. ما هم.. صارت الاردن الآن. خرجت من الحصار الى السياحة، وصار بالها مشغولا على بيتها الذي في الحصار. 

تعود الفرقة الى الضفة وتمضي هي الى بيروت. هو حظ فوق العادة ألا تشوب السفر بالطائرة من عمان الى بيروت أية شائبة. على الرغم من كون لبنان اصعب احتمالات العبور عندها، وصلت وكانت مخاوفها، في رحلتها، اكبر دائما من الذي على ارض المعابر.. وان كان جواز سفرها فلسطينيا فلسطينيا.. وهو اكثر الجوازات الفلسطينية غرابة على طاولات التدقيق في الأمن العام. 

قد يخنقها الحصار. بيد انها حققت ولو النزر اليسير من الهواء الطلق. فلتعُد الآن. البيت ينتظر مرحها.. وهي ترسم احلامها.. مهندسة ديكور. ليس في الجامعات العبرية بالطبع، ليس في جامعة بيرزيت لأن الحاجز الاسرائيلي عند باب المدينة مذل، ولأن لا هندسة ديكور اصلا في الجامعة.. والعلم في الغرب مكلف لا تقدر عليه.. ولا تقدر على الفراق.. تفاصيل شبه عادية لمراهقة نهمة للحياة ولا تلقي بالا للسياسة.. بيد ان السياسة تأتي اليها.. في الحصار احيانا وفي جنود “اسرائيليين” عند الحواجز يشيرون للمارين بإكمال طريقهم بعبارات مثل: “روح حبيب قلبي”، وتلتقط الأذن الفلسطينية بوضوح اللهجة اللبنانية الصرفة.. التي وإن كانت خلابة في بيروت، فهي كريهة بالبزة العسكرية المعادية.. “سمعتيه؟ لبناني”.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic