فالاتشي.. هانتنغتون.. غلوكسمان: ثقافة ما بعد التفجيرات

وسام سعادة

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 11 أيلول / سبتمبر 2002

 

     يكذب الجندي على نفسه ان قال انه يكره الحرب. ان حبه للحرب صادق وعميق، ليس لأنه يتوق الى سفك الدم بل لأنه يعشق الحيوية التي يولدها الرهان والتحدي كما لعبة السر والمراوغة، فالسر لا ينوجد في مسرح السلم وانما على خشبة التراجيديا الكبرى التي اسمها الحرب حيث لا نعرف مسبقا ما الذي سوف يجري. من الممكن ان تصاب او تقتل في كل لحظة، وكل لحظة لم تأت بعد تبقى محجوبة عنك. 

هكذا اختصرت اوريانا فالاتشي في كتابها “ان شاء الله” الصادر عام 1990 نظرتها الى الحرب والسلم، وهي الصحافية الايطالية البارزة التي برعت كمراسلة حرب، لا سيما في فيتنام والشرق الأوسط، والتي تحب عادة التذكير بسابق مشاركتها في المقاومة ضد الفاشية أيام موسوليني، هذا التذكير الذي لا يمنعها اليوم من ان تتصدر الحملة التي تشن في بعض الاوساط الثقافية في الغرب ضد الاسلام وليس ضد الاسلاموية فقط، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لليسار الاوروبي، يمكن مقارنتها بالاساليب المنتهجة في خطاب اليمين المتطرف. 
 

ذم الآخر 

لقد كتبت فالاتشي بيان هذه الحملة في مؤلفها الصادر في أعقاب 11 ايلول تحت عنوان “الغضب والكبرياء”، حيث تبدأ سردا، من صباح ذلك اليوم الذي لم يسمح لها بالمضي في كتابة رواية كانت تخطط لها فركبت التاكسي، هي المقيمة بمانهاتن، ولم تدر ما هي فاعلة أمام أطلال البرجين.. لم تدر الا بعد ان نقلت شاشات التلفزة صور الفلسطينيين المبتهجين، وان ثمة من قلدهم ايضا في ايطاليا شامتا بالأمركة، فقررت بعد ذلك ان تخرج عن “صمتها” وان تكتب في هجاء حضارة الآخر وذم شخصه بإزاء “بيرل هاربر” الجديد الذي يهدد بأن يطاول كل الغرب، فالآخر هو ذاك الانتحاري الذي يقتل نفسه من أجل نحر الآخرين، وفي مقابلة تبرز معادلة مفادها انه كلما كان المجتمع أكثر ديموقراطية وتفتحا كلما كان أكثر تعرضا للارهاب. 

أميركا هي عند فالاتشي بلد من نوع خاص، جدير بأن يحب لأنه نشأ من فكرة الحرية المقرونة بالمساواة في زمن لم تكن فيه فكرة الحرية قد راجت بعد. وفي مواجهة أميركا ثمة ابن لادن الذي يريد أسلمة الاسلام وأسلمة الكون والذي ينبغي استئصاله، لكن لا شيء سيحل بنتيجة ذلك، لأن أمثاله ليسوا فقط في العالم الاسلامي بل في كل مكان، فالحملة الصليبية المعكوسة متواصلة منذ زمن وتستفيد من تسامح او من ضعف الغرب كما تستفيد من تقانته والآفاق التي يوفرها. 

ليس بالامكان اختصار المشهد الثقافي الغربي بعد 11 ايلول في كتاب يعتمد الذم أسلوبا للسرد ويكرر على هذا النحو أفكارا وأحكاما معادة حول عدم قابلية المسلمين على التقدم والحداثة، او اعتبار ان الاوروبيين الذين يتظاهرون ضد القمع الاسرائيلي للشعب الفلسطيني انما هم على استعداد لسوق أمهاتهم الى الحرملك من أجل رؤية اليهود يدخلون مجددا الى غرف الغاز وأفران داشاو، الى غير ذلك من الصياغات المبتذلة التي تمتد من ان عرفات إرهابي أبدي لا يمكنه تركيب جملة مفيدة، وان العقيد القذافي هو عبقرية مذهلة قياسا بعرفات وصولا الى تصريح ابنة الواحد والسبعين ربيعا بأنها تشمئز من مضاجعة أي رجل عربي على وجه المعمورة. 
الحضارة والهمجية 

بيد ان فالاتشي تمثل صورة كاريكاتورية من تقسيم معتمد للعالم بين خير وشر، وتقدم مشهدية محمومة بقدر ما هي هزلية للتنازع بين حضارة هي “الحضارة” أي الغرب، وبين حضارة، هي “مضاد الحضارة” أي الاسلام، وهي على هذا الصعيد ليست الأقدم ولا الأبرع في المهنة، غير انه، ان كنا نبتدئ الجولة في المشهد الثقافي الغربي بعد 11 ايلول من “غضبها وكبريائها”، فلأنها تقدم الشكل الرائج من استخدام مقولة “صدام الحضارات”. 

بعد أخذ ورد جاءت اعتداءات 11 ايلول لتكريس جدية ما يذهب اليها صاموئيل هانتنغتون من ان الصراعات الكبرى لن تكون متأتية بعد الآن من تعارضات ايديولوجية او من خصومات اقتصادية، وانما ستكون بالدرجة الأولى ثقافية ودينية، وسيتواجه في المقام الاول الغرب والاسلام. 

بإزاء انتصارية فوكوياما الذي جعل الديموقراطية الليبرالية تفتقد للخصم، عُني هانتنغتون بتعيين الطابع الجديد للخصومة كي يتمكن من تحديد هوية الخصم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. 

تتقاطع هذه النظرة مع وجهة نظر الفيلسوف الين فينكيلكراوت بأن “صدام الحضارات” ليس اختراعا بل هو واقع، فمع وجوب التمييز بين إسلام وإسلاموية لا يمكن إغفال ان الاسلاموية حقيقة داخلية في الاسلام، ولا يمكن الركون الى إنسانوية فظة ترفض للغرب أي عدو. 

أما هانتغنتون نفسه فقد استبق سوء التفسير الممكن لأطروحته بعد 11 ايلول، فأشار الى ان نموذج بن لادن هو الذي يريد دفع الأمور الى حيث الصدام بين الاسلام والغرب، وانه ان استطاع نموذج بن لادن ان يحقق ذلك فسيكون ذلك انتصارا فائقا للعادة يسجل له. 

ويتابع هانتغنتون ان الحرب الاميركية على أفغانستان هي حرب ضد شبكة إرهابية موجودة في ستين دولة ولا تتورع عن قتل الأبرياء. ليست حربا بين حضارتين. انها بالأحرى حرب بين الحضارة والهمجية. لا شك بأن الاسلام يلعب فيها دورا لكن الأمر لم يصل بعد بحسب هانتغنتون الى مواجهة بين الاسلام وبقية الحضارات، بل ينبغي الحيلولة دون استدراج الغرب الى ذلك وبالتالي يتوجب ان تكون الاستراتيجيا العامة قائمة على الائتلاف العارم ضد الارهاب، ففي نهاية المطاف ليست الحضارة الغربية حضارة كونية، بل هي الوحيدة، وعلى هذا الأساس فإن الطابع الثقافوي لنظرية هانتنغتون لا يمنعه من القول بإمكان تقبل الاسلام للديموقراطية. 

في أعقاب حرب أفغانستان كتب هانتنغتون يعارض حربا غير مبررة على العراق تخرج الحملة الاميركية من دائرة استئصال الارهاب. ان استثمارا غير مدروس لمناخ ما بعد 11 ايلول من أجل الاطاحة بصدام يمكن ان يقود الى تقوية حجج بن لادن. الا ان بيان المثقفين الاميركيين الذي يمكن اختصاره في تسوية ايديولوجية بين الثلاثي فوكوياما هانتغتون والتزر يكرس عملية نقل الحملة الى ما يتجاوز محاربة الارهاب، خصوصا ان هذا البيان نزع الصفة السياسية من أخصام أميركا فجعل “الحرب العادلة” حربا ضد مطارَدين فارين من وجه العدالة الكونية اللامحدودة، سواء كان الفارون من وجه العدالة شبكات إرهاب ام أنظمة استبداد. 
 

دوستويفسكي في مانهاتن 

مشهدية اخرى هي التي برع في حياكتها الفيلسوف الفرنسي اندريه غلوكسمان في كتابه “دوستويفسكي من مانهاتن” الذي اعتبر فيه ان حدث 11 ايلول يندرج في تاريخ طويل، هو تاريخ العدمية التي باتت الشبح الذي يخيف العالم منذ سقوط البرجين. 

يرى غلوكسمان ان ثمة شهوة تدميرية خالصة، ما قامت نظريتا “نهاية التاريخ” عند فوكوياما و”صدام الحضارات” عند هانتنغتون الا على قاعدة إنكارها وطمسها، وان هذه الشهوة يولدها النزوع الى العدم، وهو نزوع لا يختص به دين بعينه او ايديولوجية بعينها. ضد فوكوياما يساجل غلوكسمان: بأي سخافة يمكن ان نخال بعد سقوط جدار برلين ان نهاية العدو سوف تعني نهاية العداوة وان انسان الاقتصاد سيجعل العالم مسالما. أما مقولة هانتنغتون فهي تبدو له أقل عبثية الا انها توأم حقولة فوكوياما. وفي ظل التغييب الحاصل للفكر الغربي، يؤكد غلوكسمان ان النزاعات في العقد الأخير لم تنشب بين حضارات بل داخل الحضارات، فحرب الكويت هي قبل كل شيء حرب بين العرب، وحرب أفغانستان حرب بين الافغان. 

يستقي غلوكسمان من كلاسيكيات الأدب الروسي، ومن دوستويفسكي وتشيخوف على وجه التحديد، ما يعينه على الرؤية في الحاضر. لقد كانت روسيا دائما المرآة السانحة برؤية ما يلحق بحداثة الغرب من تشوهات وما يتهددها من داخلها ومن خارجها. وكان الأدب الروسي دائما، وصولا الى سولجينتسين، قادرا على تصوير هذا الشر المحض. عموما يجري تعريف العدمية بعبارة دوستويفسكي “ان مات الله فكل شيء مسموح”، لكن غلوكسمان يقلب المقولة فتصبح “كل شيء مسموح، اذاً فقد مات الله”، ويجعل منها جملة العدمية بامتياز. ان كوجيتو العدمية هو واقعة الاعتراف بأن هناك متعة متعادلة في صنع الشر وفي صنع الخير، وعليه فإن هذه العدمية ليست حكرا على الحداثة لكن الجديد فيها هو اتخاذها طابع اللامحدودية. 

يلتقط غلوكسمان من شريط مسجل لبن لادن عبارة ان الحدث يتكلم عن نفسه بنفسه، فيتأمل هذه القدرة على التدمير الكوني التي هي تتواصل مع تراث ثقيل يمكن إرجاعه الى “ايروستات” الذي أحرق معبد ديانا ليبلغ الخلود، حتى نيتشاييف منظّر الاغتيال في الثورة الروسية في القرن التاسع عشر.. الى الطالبان عندما دمروا تماثيل بوذا في باميان. 

ان هذه العدمية، هي نزوع الى التدمير بلا سبب سوى “التوق الى العدم”، وبالتالي فليس لجينات العدمية كما يرثها بن لادن أي علاقة “بالفاشية الاسلامية” التي يمكن لحظها في ايران وليس لها أي علاقة بتمرد فقراء الجنوب على أغنياء الشمال، فبؤس العالم والقرار بتدمير العالم هما وجهان لعملة واحدة. 

ويصنف غلوكسمان حدث 11 ايلول في نطاق “قتل المدينة” Urbicide أي اعتداء على المدينة بما هي كذلك، أي بما هي مهد الديموقراطية الحديثة، لا بل انه اعتداء على نيويورك الكوزموبوليتية، مدينة المدن، المدينة الكوكب، المدينة التي دفعت بمصابها من أجل الجميع. 

وفقا لهذا التصور يبقى تنازع العدمية وما ليس بعدمية متواصلا، فالعدمية التي وجدت منذ القدم ويحركها مبدأ اللانظام “أنا أقتل اذاً أنا موجود” هي غير قابلة للانهزام، لكنها على قِدم وجودها واجهتها مقاومة حادة، بدليل اننا موجودون وان الخيار مطروح أمامنا بين تدمير التدمير او تدمير الذات. 

أما المدينة التي يتهددها خطر التدمير بكليتها من الجو (بغداد) ومن دون اللحظة الجمالية في تهاوي البرجين، فهي مدينة لم ينشغل المشهد الثقافي الغربي بإشكاليتها بعد، ولا نحن انشغلنا بالسبب الذي حال دون ان تكون المدينة عندنا مهداً للديموقراطية بل معقلا للاستبداد الشرقي يقي الطاغية تمرد “خارج المدينة” حين يخرج عليها. هذا على الرغم من ان مدينتنا.. بابل.. بغداد.. شكلت مهد الحضارة.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic