العرب بعد 11 ايلول:
المسرح الجديد للحرب العالمية الرابعة

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 11 أيلول / سبتمبر 2002

 

     ليس سهلا اعطاء معنى لما حصل في 11 ايلول 2001، ربما كان اكثر سهولة تلمس معنى لما حصل في العام الذي تلا ذلك. لقد نفذ جورج بوش، لصالح بلاده، رؤيا اسامة بن لادن. او انه، على الاقل، يحاول ذلك مدفوعاً باعتبارات ومصالح تمثل خلاصة الايديولوجيا المحافظة التي تربى عليها واعتنقها ويشاركه مريدوها السلطة. 

يمكن الاطلالة على تطورات السنة الماضية من اميركا نفسها، او من اوروبا، او من الصين، او من روسيا، او من افغانستان، او من الهند... لن يكون المشهد نفسه. غير ان هذه الاطلالات ضرورية اذا اردنا نحن العرب، ان نحسن قياس ما جرى لنا... ما قد يجري. 

لقد ادت التفجيرات الى قذفنا، من دون ارادة واعية، الى قلب الاحداث. فلاول مرة، منذ قرون، تعود منطقتنا لتلبح الموضوع الاول للسياسة العالمية. ومنطقتنا تعني الشرق الاوسط كما استعيد تعريفه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والعالم العربي تحديداً. 

لا داعي للنرجسية، قد نكون امام كارثة. 

لقد كانت القارة الاوروبية، في القرن الماضي وقبله، محور الصراعات الكونية الكبرى. حصل ذلك في الحربين العالميتين الاولى والثانية. واستمر الوضع في خلال الحرب الباردة. واذا كانت منطقتنا شهدت من نصف قرن تطور الحركات الاستقلالية والتحررية فهذا لا يغير من انها اندرجت في استقطابات تتجاوزها، كانت طرفية بمعنى ما على الرغم من انها اكتسبت اهمية خاصة بفعل اموقع، والنفط، ونشوء اسرائيل، طموحات الوحدة، الخ... صحيح انها شهدت حروباً كثيرة وان اوروبا لم تشهد طلقة رصاص ولكن ذلك لا يغير من ان اوروبا كانت ارض “اللعبة الكبرى”. 

جرى تدشين رحلة جديدة عند منعطف التسعينيات الماضية: انعقاد حرب الخليج على انهيار حلف وارسو. اي انه في حين كانت اوروبا تخسر “حظوتها” كمسرح للمجابهة كنا نتقدم خطوة نحو هذا الموقع. ولقد شرع “الغرب” يتنبه الى ذلك (توسيع حلف الاطلسي، اطلاق مشروع الشراكة الاوروبية الموسطية، اعادة تمركز القوات، تعديلات في العقائد الدفعية...). واذاكمانت انفجارات البلقان سرقت الاضواء بعض الشيء فانها ساعدت في لفت الانظار الى “انزلاق” بؤرة التوترات نحو الجنوب والشرق. 

فرض علينا، اواخر العام الماضي، “الاحتواء اللطيف”.كان اقل لطفاً بالنسبة الى العراق مثلا ولكنه رفع شعاراً يقول ان المهمة بناء نظام اقليمي جديد تلعب فيه اسرائيل دوراً محورياً. ولقد حقق هذا الاحتواء انجازات: انهاك ايران والعراق، فرض التسوية سقفا غير قابل للتجاوز بين العرب واسرائيل، توقيع عدد من الاتفاقات ابرزها، طبعاً، اوسلو 

عند منقلب القرن والالفية كانت هذه السياسة تلهث. وكان دعاتها شرعوا يبحثون في استبدالها. وهنا، بالضبط، وقعت احداث أيلول التي اعطاها وجود كل من جورج بوش وفي واشنطن وأرييل شارون في تل أبيب معاني مضاعفة خاصة وان هذه الاحداث وضعت منطقتنا في مقدمة المسرح. 

وشيئا فشيئا، واستنادا الى مقدمات سابقة ل 11 أيلول، بلور؟؟؟ جورج بوش واليمين المحافظ مجموعة عناوين مرشدة للسياسة الأميركية. 

1) جرى الحسم في تعريف الاعتداء: الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، الدول المارقة، الاتجاهات المعادية للغرب إذا كانت مسلحة وذات بعد دولي، القوى التي قد تهدد مصادر الطاقة او سعرها او طرق امدادها. و”يصدف” ان الاعداء محتشدون في الشرق الأوسط. 

2) تم تغيير جذري في عقيدة حلف شمال الأطلسي تضمينها ما تقدم. وفرض جدول الأعمال نفسه على الشراكة مع روسيا. ورافق ذلك بروز ميل أميركي الى “التحالفات التي تحددها المهمات” بما يعني في الوقت نفسه احتمال اضعاف الرابطة الأطلسية لصالح جبهات تنشأ حسب المخاطر الطارئة. 

3) لم تعد المبادرة المتوسطية للأطلسي كافية. وهي كانت عبارة عن علاقات ثنائية واقليمية مع الحلف تقوم على مهمات مشتركة متواضعة. 

لقد بات المتوسط هدفا أوليا لعمل الحلف والأولوية الحاسمة في هذا المجال هي لتركيا وإسرائيل. 

4) لا يمكن الاكتفاء بشن حرب عالمية من نوع جديد ضد الإرهاب. لا بد من الانتقال السريع الى البند الثاني. بند تطويع الدول المارقة، أي دول عربية وإسلامية عديدة. ويترك لإسرائيل، فيرطار تقسيم العمل، امر الاهتمام بالفلسطينيين في حين تتولى الولايات المتحدة العراق بصفته الضلع الأول من محور شر مدعو الى تلقي الضغط. 

5) تغليب التبسيط المذهل للمشاكل الدولية وإلغاء السياسة بالتالي. ان شعار “من ليس معنا فهو ضدنا” ليس موجها الى “محور الشر” وإنما الى الأصدقاء المترددين لارغامهم على الحسم. والويل لهم إذا ادخلوا اعتبارات وطنية واقليمية تحول او تعرقل انتمائهم الكامل الى “معسكر الخير”. 

6) انتزاع حق الضربة الاستباقية والتوسع فيها في اتجاهين: لجهة تحديد الدول المستهدفة ولجهة السلاح المستخدم والذي قد يصل الى النووي ضد دول ذات تسليح تقليدي. 

7) الاعلان ان الحرب في بدايتها والتمهيد، كما في حال أفغانستان، لاحتلالات؟؟؟ عسكرية مباشرة مديدة. 

ان الشرق الأوسط الموسع هو المنطقة التي تتمركز فيها هذه التهديدات وتستوجب معالجة لا تستبعد الخيارات العسكرية. الحرب إذا شاملة وممتدة: ضد الإرهاب، ضد تهديد الأمن الإسرائيلي، ضد التعرض لمنابع النفط، ضد ثقافة ممانعة، ضد ديموقراطية تسمح بتعبئة قوى الاعتراض... وعلى السياسة، والاقتصاد، والجيوش، والاعلام، ان تستنفر كلها لخوض هذه المواجهة التاريخية والمقعدة ذات المسويات المتباينة من أجل الانتهاء، وبها؟؟؟ والى الزبد، من متاعب منطقة لم تنفع معها الحروب السابقة. 

إن ما تقدم هو النتيجة المركزية الرئيسية لما بعد 11 أيلول. لقد أصبح الشرق الأوسط العربي والإسلامي مسرح العمليات الجديد. 

هذه الحقيقة غير مستوعبة كفاية لدى النخب الحاكمة أو المعارضة. فهي جديدة تماماً بالنسبة إليهم. لم يسبق للعرب أن كانوا في خط مرأى القوة الأعظم في العالم، ولا يتصرفون كمن يدرك انهم سيبقون كذلك الى حين تحول “تحديات” راهنة للولايات المتحدة الى مصادر تهديد ومخاطر جدية وهو أصر عن يوضع بين مزدوجين في حالة حرب هندية باكستانية مثلا ولكنه سيعود الى الصدارة. وسيبقى في هذا الموقع لأن لا شيء في الأفق المنظور يعدل من هذا المعطى. 

الأنكى من ذلك ان التقدير الأميركي لحجم القوة، ولاحتمالات بزوغ قوى منافسة، يسمح لواشنطن بهامش واسع من... الخطأ أو من إدارة الفوضى. فهي تملك الوقت الكافي طالما ان لا وجود لدولة كونية أخرى يمكن لها ان تستفيد من الخطأ أو الفوضى لإدراجهما في سياق مواجهة عالمية مع القوة العظمى الأخرى. 

يمكن للولايات المتحدة أن تخطئ. ويطيب لها ان تكيل بمكيالين. وهي، في كل الأحوال، تهزأ ممن يحذرها، مثلا، من مخاطر الفلتان في فلسطين أو العراق أو السعودية. 

دليلان على عدم الاستيعاب العربي لهذا التحول الهائل. والدليلان قدمتهما بشكل أو بآخر قمة بيروت. 

ان مبادرة الأمير عبد الله قد تكون أبرز ما أنتجه العرب، سياسيا، بعد 11 أيلول. إنها محاولة للتكيف مع واقع جديد. غير أنها تكاد تكون ضاعت. وهي تدل على وهم يتملكنا بأننا نملك في المعطيات الراهنة، ما نعطيه. لقد جاءت معزولة عن سياق منظم ودؤوب يلوح ببدائل. وثبت انها عاجزة عن توليد دينامية إقليمية تقود الى المشاركة، ولو من موقع متواضع، في تقرير مصير مسرح العمليات، مصيرنا. 

والسلوك العراقي نموذج آخر. فهو يحاول عزل أميركا دوليا واستمالة أكبر عدد ممكن من الدول الإقليمية من أجل تجنب الحرب. لقد بدا لفترة أنه ناجح. غير انه (اننا) سيكتشف بسرعة ان الأمر قاصر جدا عن منع العدوان. 

يعود النهجان المذكوران الى ما قبل 11 أيلول. كانت كلمة من السعودية تكفي أثناء مفاوضات كامب ديفيد الفلسطينية الإسرائيلية. وكان العراق يقترب من كسر نظام العقوبات. إلا ان ما كان ثميناً عند أميركا بات بخساً. وما كان صعبا بات سهلاً. 

هذا الشكل من التعاطي لن ينفع لأنه يقوم على فكرة التسوية مع الخارج. وهذا الخارج كثير المطالب وجذري جدا. وتشترك الدول العربية جميعها في هذه السمة (راجع التطورات اللبنانية الأخيرة، راجع السودان، راجع الجزائر، اليمن...). لم تكتشف الأنظمة ان مطالب الخارج منها باتت تتجاوز ما يطالبها المجتمع به كمقدمة لتسويات داخلية. وحتى لو اكتشفت ذلك فهي لن تقوم عليه لأن قاعدتها الاجتماعية أضيق من أن تتحمل عقودا جديدة. 

من قال إن الإرهاب غير مؤثر. ان 11 أيلول مثال واضح عن فعاليته. سوى انها ارتدت ضد من كان يفترض ان تخدمهم وجعلتهم يصبحون، من دون استعداد، نقطة جذب لضغوط جبارة لم يسبق لهم ان واجهوا مثلها من دون أي حليف استرايتيجي. لقد جعلتنا 11 أيلول قلب العالم. لكنه قلب مدعواً الى الكف عن الخفقان وسوف يكون الأمر سهلا إذا استمر العطب في الدماغ. 

ليس هذا طبعا، هو المعنى الوحيد لنتائج 11 أيلول. غير انه يمكن الزعم انه النتيجة الرئيسية. أما ما عدا ذلك فتمثله قضايا ومواقع ودول وقارات وثقافات حاولنا التطرق إليها في هذا الملحق الخاص. وارتأينا لفعل ذلك “إلباسها” لشخصيات كانت في الأحداث. لشخصيات دارت، مثل اجرام، حول جورج بوش.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic