أحب اسمي

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 12 أيلول / سبتمبر 2002

 

.. إلى طارق وبسام وآخرين 
 

أ

منذ لحظته الاولى، صار الحادي عشر كما أغنية سيئة عالقة في ذهن عربي مشوش بعد ليل من نوم مضطرب. الولايات المتحدة الأميركية تصاب بالحدث، وهي بلاد فاجرة تعرف كيف تسوق صراخها ونحيبها. انشقت السماء عن الراية المقدسة صغيرة بحجم زر فوق قميص.. كبيرة، يكاد الهواء لا يقدر على تحريكها، تموج ببطء كأنما ترقص بايماء حزين. قطب النسر جبينه. غضب بشدة. النسر أميركي أصلي. النسر يبدو في الصور مهاجرا أوروبيا أبيض. النسر الافريقي ليس غاضبا. العرب الاميركيون تصدروا الصفحات الاولى للجرائد المحلية في ديترويت. هم حزانى... منكسرون.. بريئون من أخوتهم في دم نيويورك. أميركا تحت الهجوم، أميركا تتحد. أميركا تنهض من تحت الرماد. رب بارك أميركا.. ولا تسهو عن شعوب أخرى تحتاج الى بركتك. كم يبدو غبيا هذا الرجل وهو يزم شفتيه ويضيق من اتساع عينيه. نسر الصدفة... عليه ان يبدو نسرا قبالة العدسات. رب بارك الرئيس. ولا تسهو عن مباركة أخي الذي أتى الى أميركا قبل أربعة عشر عاما. أخي الذي لم ينتبه في غمرة فزعه على أخيه الحديث العهد في الولايات الى انه هو نفسه يحمل ملامح عربية لا تخفى عن عين. رب بارك أميركا. ولا تسهو عن مباركة الهاربين من غد لبنان القاتم الى غد افضل. رب بارك أميركا ان شئت. وبارك عرب ديربورن الذين رفعوا أياديهم اليك جماعة في لحظة الحادي عشر وابتهلوا اليك ان “انشا الله ما يكونوا يللي عملوها عرب”. رب بارك رجال اطفاء نيويورك الشهداء ولا تسهو يا رب عن الذين يحملون في كلامهم عار اللكنة. 

هؤلاء أيضا يحبونك ويحتاجونك في البلد الغريب، وبارك يا رب أخي في لبنان.. لأنه يحلم بالمجيء الى أميركا أسوة بأخويه وبمعظم رفاقه في الجامعة. أخي الذي اشتقت اليه باركه يا رب.. رب بارك غربتنا. 
 

ب

في الشارع الذي من دون منفد يرقد البيت الرقم 14662 بهدوء غريب. الجارة البيضاء العجوز تمشي في كل صباح. الجارة الجنوبية العجوز لا تمشي في كل صباح، تجلس على كرسيها وربما تستعيد ذكرياتها. يرن صوت العجوز البيضاء بالتحية الانكليزية مزعجا وتنادينا الجارة الجنوبية بلهجتنا.. تدعونا الى الكلام معها.. تغرينا بأطباق طعام عربية من مطبخها، تبعدنا ولو قليلا عن وجباتنا السريعة. تعيدنا الى بيوتنا مؤقتا قبل ان يسحبنا الشارع من جديد. غني يا فيروز يا حبيبتي. رب بارك فيروز لأنها ولدت. وبارك طفلة سمراء محجبة تؤدي النشيد الوطني الاميركي بطلاقة ومن غير لحن أو لكنة. ولا تنسى امرأة تتجول في المجمع التجاري وقد تحجبت بعلم أميركا. وبارك، يا رب، الهنود الحمر والعبيد السابقين... والعجوز الجنوبية التي لن تعرف أبدا كيف تخاطب جارتها الاميركية.. العجوز اللطيفة على الرغم من صوتها المزعج. 
 

ج

لوين رايح 

على الجامعة 

ولك رجاع.. الجامعات كلها سكرت. 

لا تفرطوا بالحديث على الهواتف الخلوية. أميركا تراقبنا جميعا، وتتنصت على أحاديثنا العربية... لا تذكروا المعلون بن الملعون.. لا تقولوا “حزب الله”. أحاديثنا موصولة بأجهزة كمبيوتر حساسة لكلمات بعينها... وما ان تنطق واحدة من هذه الكلمات حتى تروح الالات تسجل الأحاديث. 
 

د

صديقتي اللبنانية تشعر بغبطة شديدة وبالشماتة. تسخر من شريكتها في بيت السكن الجامعي.. اميركية اغلقت باب غرفتها عليها وأمضت حاديها العشر تبكي. صديقتي اللبنانية لا تنسى قانا. والجميع يطلق نكاتا غير مبتكرة حول اسمي الاول، ويبحثون في الاسماء الاميركية عن بديل يبعد عني تهمة الاصولية. لا أحب أيا من الاسماء. أحب اسمي. ولن ابدله لأن غيري يسيء فهمه. ربي بارك اسمي. ولا تجعلني يوما انسى اسمي. فأبشع الأشياء ان ينسى الانسان يوما اسمه. 
 

هـ

يصر الرجل ان اسرائيل هي الفاعل. يصر الاستاذ الجامعي “اننا”، أي هم الاميركيون، نتهم الآخرين عشوائيا... عادتنا السيئة حكومة واعلاما. يصرخ المذيع: “دعونا لا نتهم العرب.. دعونا لا نتهم العرب” انتحر البطل في المشهد الاول. ليس من الذكاء اضفاء التشويق والابهام على فيلم انتهى في مشهده الاول. 
 

و

يقول الفرض الجامعي ان عليك اجراء مقابلة مع آخر من غير ثقافتك ومن غير حضارتك. نتبادل انا ولورا المقابلات. ويمتد حديثنا الى أكثر من ساعتين تكتشف خلالهما لورا ان لبنان ليس صحراويا وان نساءنا يذهبن الى الجامعات وانني لم أر في حياتي جملا. واكتشف ان لورا تعرف من يكون نعوم شاومسكي. 

تكتب لورا في ورقتها انني جعلتها تتساءل عن الذي فعلته سياسة بلدها الخارجية ودفع بالطائرات الى الابراج. واكتب في ورقتي ان لورا كسرت بعضا من الصورة النمطية التي احفظها عن الاميركي الجاهل تماما. هل استفادت لورا؟ هل استفدت انا؟ هل استفاد الفرض الجامعي؟ 
 

ز

رب بارك أميركا التي لا نعرف عنها شيئا قبل وبعد وأثناء الحادي عشر من ايلول.

******************

("I Love My Name" - Translation of this article as it appeared in Foreign Accent)

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic