حكاية رئيس الحكومة مع مسألة مياه الوزاني

نصير الأسعد

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 18 أيلول / سبتمبر 2002

 
     برزت خلال اليومين الأخيرين وجهة نظر معترضة على دخول الولايات المتحدة بواسطة خبراء ومبعوثين على خط موضوع مياه الوزاني؛ تعتبر انه كان من الخطأ بمكان الطلب من واشنطن التحرك في هذا الاتجاه؛ وتشير الى رئيس الحكومة رفيق الحريري لدى الحديث عن هذا الخطأ في التقدير. 

وتقوم وجهة النظر هذه التي تعتنقها قوى وجهات غير حليفة للرئيس الحريري أو معارضة له؛ على مجموعة من الاعتبارات والحيثيات. 

أولاً؛ ان دخول الولايات المتحدة (أو ادخالها) على هذا الخط؛ يُعَد تدخلا في الشؤون اللبنانية الداخلية؛ على اعتبار ان ما قام به لبنان ويقوم به على صعيد استخدام حقوقه وحصته من مياه الوزاني؛ هو شأن سيادي لبناني لا علاقة لأحد غير الدولة اللبنانية به. 

ثانياً؛ ان الموقف اللبناني لجهة حق الاستفادة من مياه الوزاني؛ محسوم على مستوى الاتفاقيات الدولية والمعاهدات؛ وهو (حق الاستفادة) غير قابل للتنازل أو التراجع... والتفاوض. 

ثالثاً؛ ان دخول واشنطن (أو ادخالها) على هذا الملف؛ يُخشى ان يتخذ منحى وساطة تقوم بها أميركا بين لبنان واسرائيل؛ وساطة مفتوحة على احتمال ممارسة ضغوط على لبنان؛ سواء بدعوة لبنان الى الاكتفاء بما حصل حتى الآن؛ أي الاكتفاء بما أخذه من المياه في الآونة الأخيرة والتوقف؛ أو ب”تسوية” تنزل بالحقوق المائية اللبنانية عن السقف القانوني المعترف به؛ أو بمطالبة لبنان ب”تعليق” حقه في انتظار اتفاق مائي إقليمي؛ أو أية احتمالات أخرى. 

رابعا؛ ان من شأن الدخول الاميركي على الخط ان يؤدي الى تبهيت الانجاز المتحقق على صعيد موضوع الوزاني؛ اي انجاز استعادة جزء من الحقوق ومن دون “مراجعة” احد؛ وفي لحظة اقليمية يستطيع لبنان فيها ممارسة حقوقه من غير ان يخشى عدوانا اسرائيليا لأن اسرائيل لا تتجرأ على فتح مواجهة في الجنوب في ظل الاولوية العراقية لدى الادارة الاميركية... وان فعلت اسرائيل العكس؛ اي إن هي أقدمت على العدوان فلن تكون “مرتاحة” البتة. والى ذلك؛ يضاف ان هذا الدخول الاميركي يفتح “ثغرة” في جدار الموقف اللبناني هو بغنى عنها. 
 

الحريري 

واذا كانت وجهة النظر السابقة بمثابة رد فعل على “فعل” اقدم عليه الرئيس الحريري بطلب “تشهيد” الولايات المتحدة على الحق اللبناني في الوزاني؛ فإن لأوساط رئيس الحكومة رواية اخرى للموضوع. 

أ تقول اوساط الحريري انه اثناء زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد ساترفيلد الى بيروت؛ كانت قضية مياه الوزاني مثارة؛ وكان مشروع جر المياه الى القرى الحدودية المحتاجة قد جرت المباشرة به؛ وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري اثار المسألة سياسيا في مهرجان ذكرى اختفاء الامام موسى الصدر في نهاية آب الماضي لدى تناوله المشاريع التي يحتاج اليها الجنوب والتي ترتّب استخدامه لحقوقه المائية لتنمية الجنوب عموما والقرى المحررة على وجه الخصوص. 

وعندما استقبل الرئيس الحريري ساترفيلد خلال زيارته الى بيروت؛ جرى بحث في هذا الموضوع. اعتبر ساترفيلد ان المسألة يمكن ان تبقى ضمن حدود فلا تثير مشكلة اذا اكتفى لبنان في الوقت الحاضر بأخذ حاجة القرى العطشى من المياه فقط ولم يطوّر مشروعه؛ فكان رد رئيس الحكومة عليه هو ان للبنان حقا مكرسا في مياه الوزاني لم يستخدمه سابقا وسيستخدمه الآن تحت سقف احترام القانون الدولي؛ و ليس من صلاحية احد ان يقرر للبنان وجهة الاستخدام؛ اي ان لبنان يأخذ حقوقه ويوزع المياه للشفة والزراعة وغيرهما؛ وليس مقبولا ان يُدعى لبنان الى “تمرير” حصة مائية محدودة للقرى العطشى فقط. 

ب لم يذهب النقاش مع ساترفيلد الى ما هو ابعد من ذلك؛ وتصرف الحريري على اساس ان الموضوع “يمشي” وان لا داعي ل”التضخيم”؛ الى ان كانت تهديدات رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بأن مياه الوزاني تمثل “سببا للحرب” والتي تراجع عنها خلال اربع وعشرين ساعة بضغط اميركي. وعند هذا الحد؛ كان من الطبيعي ان يعتبر الحريري ان انتصار لبنان في حقوقه المائية قد تحقق بالفعل وان لا مصلحة بعد ذلك ب”التضخيم”. 

ج وتقول اوساط الرئيس الحريري إنّ اسرائيل استأنفت بعد ذلك التصعيد إعلاميا من ناحية؛ لكن سياسيا من ناحية اخرى وباتجاه الولايات المتحدة حيث توجه وزير الخارجية الاسرائيلي شمعون بيريز الى واشنطن ولحق به مستشار مائي لوزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر؛ وبدأت الانباء ترشح عن تهديدات اسرائيلية جديدة وعن ضغط اسرائيلي على اميركا معزز بمعلومات كاذبة عن مبادرة لبنان الى تحويل مجرى الحاصباني وعن ضخامة التمديدات التي تؤكد ذلك؛ وصولا الى طلب تدخل اميركي تحت عنوان ضرورة اكتفاء لبنان بمياه الليطاني... اي ان ثمة “غسل دماغ” اسرائيليا للولايات المتحدة قيد الحصول. 

ويقول الحريري؛ بحسب اوساطه؛ انه حيال ذلك كان امام خيارين: إما ان يدفن رأسه في الرمال كما تفعل النعامة او ان يبادر؛ فاعتمد الخيار الثاني. استدعى السفير الأميركي في بيروت فنسنت باتل ثم خلال وجوده في الخارج أجرى اتصالات دولية وأميركية لدحض المزاعم الاسرائيلية وتأكيد الموقف اللبناني لجهة ان لبنان لا يستفيد الى الآن إلا من قسط ضئيل من المياه وان حقوقه اكبر من ذلك بكثير. وإذ سئل ما اذا كان ثمة ما يمنع لبنان من استقبال خبراء اميركيين تقنيين في المياه للتثبت من الوقائع؛ وجد رئيس مجلس الوزراء ان مهمة تقنية بهذه الحدود تفيد لبنان المتأكد من حقوقه والواثق من ممارسته؛ وان ليس ما يمنع ان تكون لدى الادارة الاميركية وجهة النظر اللبنانية وحقيقة ما يقوم به على الارض ل”موازنة” الضخ الاسرائيلي المعاكس؛ او على الاقل على سبيل المعرفة ما دام لبنان يستخدم حقه بلا زيادة أو نقصان. 

وتذكّر اوساط الحريري في هذا المجال بأنه كان ولا يزال ممكنا الطلب من الامم المتحدة؛ سواء قواتها العاملة في جنوب لبنان او خبراء لديها؛ دعم لبنان في مواقفه؛ لكن من المعروف ان النفوذ الاميركي على المنظمة الدولية يستطيع تعطيل اي شيء؛ ولذلك فإن “تشهيد” اميركا وتمكينها من وقائع تدحض الادعاءات الاسرائيلية من شأنهما ان يكونا مفيدين في السياسة سواء لجهة منع اسرائيل من العدوان بدعاوى باطلة او لجهة تكوين الملف في حال طرحه على الامم المتحدة... لأن “مبادرة” الحريري الى الاتصال بواشنطن لا تعني توسيطا لها او تحكيما او اخضاع المسألة لمفاوضات برعاية اميركا؛ والخيار اللبناني هو الاحتكام الى الشرعية الدولية في نهاية المطاف. 

د على هذه المقدمات؛ تستغرب اوساط الرئيس الحريري الحديث عن “ثغرة” احدثها الاتصال بالاميركيين وقبول مجيء خبراء تقنيين منهم الى منطقة الوزاني؛ وتؤكد ان الحريري تحرك بدواع وطنية وعلى اساس التمسك بحصة لبنان من مياه الوزاني؛ وهي حصة غير قابلة للتراجع. 

وتشدد على ان ثمة وحدة حكم حيال هذا العنوان؛ مشيرة الى ان البيان الذي صدر عن القصر الجمهوري بعد لقاء الرئيس الحريري برئيس الجمهورية العماد اميل لحود اول من امس؛ والذي اشار الى تطابق في وجهات النظر بين الرئيسين؛ يعبّر تماما عن التفاهم في هذا الموضوع وان ليس هناك رأيان على مستوى الحكم؛ ومؤكدة على ان الموقف نفسه يتبناه الرئيس بري.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic