إنها "حرب المياه" ومن اجلها يحتل الاسرائيليون مزارع شبعا

سمير منصور

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 18 أيلول / سبتمبر 2002

 

     في اواخر ايلول 1965 اغارت طائرات حربية اسرائيلية على مواقع لبنانية عند منابع الحاصباني والوزاني بهدف تعطيل مشروع اقره مجلس جامعة الدول العربية عام 1964 لتحويل مجاري الانهار التي تصب في بحيرة طبريا (الحاصباني والوزاني وبانياس السوري). ومنذ عام 1976 بدأ الاسرائيليون بضخ مياه الوزاني، وفي عام 1986 احاطوا بسياج هكتارات من الاراضي حول النبع بعد طرد اصحابها المزارعين منها ثم بدأوا باستحداث اقنية من نبع الوزاني في اتجاه الشمال الشرقي بحجة ري قرى العرقوب التي كانت تقع داخل الشريط الحدودي السابق في لبنان والذي كان الاسرائيليون يسمونه "الحزام الامني". عام 1989 اقدم الاسرائيليون على مد انابيب بقياس 6 انشات من نبع العين المتفرع من نهر الجوز، وهو احد روافد الحاصباني، بدعوى تزويد منطقة حاصبيا المحتلة (عامذاك) المياه. اما الواقع فهو ان اسرائيل كانت ولا تزال تستغل بصورة كاملة مياه الحاصباني والوزاني وبمعدل يتجاوز في معظم الاحيان مقدار 140 مليون متر مكعب سنوياً. 

اذاً، لم تكن التهديدات التي اطلقها ارييل شارون ضد لبنان اخيراً، سوى احدى المحطات التي درج الاسرائيليون من خلالها منذ مطلع الخمسينات على توعد لبنان بالحرب ان هو حاول الافادة من حقه في مياه الحاصباني. وكانت آخر حملة اسرائيلية، اعلامية وديبلوماسية، في منتصف آذار من العام الماضي بحجة ان لبنان يحوّل مجرى الحاصباني وان ما يقوم به انما يشكل سبباً كافياً لشن حرب". 

ولكن سرعان ما تبيّن ان ما كان يجري، ليس اكثر من وضع قسطل صغير على مجرى لبناني هو نبع الوزاني لارواء عطش قرية لبنانية مجاورة. واقتضى الامر تدخل دول كبرى الى جانب الامم المتحدة، لاقناع اسرائيل بأن المسألة لا تتعدى سحب كمية من مياه ذلك النبع تشكل نسبة ضئيلة من حصة لبنان فيه. 

في مستهل دراسة للباحث اللبناني الدكتور طارق المجذوب حول "اطماع اسرائيل في المياه اللبنانية - ملاحظات حول روافد الاردن والقانون الدولي" وقد تبنت البحث وزارة الاعلام ونشرته، جاء ان الاسرائيليين الذين كانوا يدركون هذه الحقيقة، انما ارادوا توجيه رسالة مفادها ان انسحابهم القسري من جنوب لبنان لا يعني التخلي عن اطماعهم في السيطرة على مياهه، مما يكشف ابرز الاهداف الكامنة وراء استمرار احتلالهم لمزارع شبعا القائمة على سفوح جبل الشيخ الذي يحتوي على واحد من اكبر خزانات المياه الجوفية في المنطقة ومنه تنبثق ينابيع بانياس واللدان والوزاني التي تشكل المصدر الاهم لنهر الاردن. انها "حرب المياه" اذاً، تلك التي تواصل اسرائيل شنها على لبنان كما على سوريا وفلسطين والاردن منذ قيامها، والتي طالما حذّر منها الراحل ريمون اده. 

اما الحاصباني، محور المشكلة، والذي يجري في وادي التيم قبل ان يصل الى منخفض الحولة حيث يرفد نهر الاردن الذي يصب في البحر الميت، فيبلغ طوله في الاراضي اللبنانية 21 كيلومتراً وتصب فيه روافد شتوية صغيرة اهمها نهر جاج والوزاني اللذان ينبعان من سفوح جبل الشيخ، ومعدل التصريف السنوي لنهر الحاصباني يصل الى 145 مليون متر مكعب. 

انه، اذاً، من ابرز روافد نهر الاردن الذي تحكم استثماره اربع وثائق اساسية هي: الاتفاق الفرنسي - البريطاني المعقود في 23/12/1920 والمتعلق باستعمال مياه الاردن واليرموك وروافدهما، والاتفاق الفرنسي - البريطاني لتعيين الحدود السورية - الفلسطينية بين البحر المتوسط والحمّة المبرم في 7/3/،1923 ومعاهدة 2/2/1926 (وكلها في عصر الانتداب) والمعاهدة الاردنية - الاسرائيلية في 26/10/،1994 هذه المعاهدة التي تعثرت قبل توقيعها بسبب الخلاف على نصيب الاردن من مياه اليرموك والاردن، مما اضطر رئيس الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي الجنرال اوري ساغي الى رفع تقرير الى لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست الاسرائيلية مما جاء فيه "ان التوصل الى معاهدة سلام بين اسرائيل والاردن لا يزال بعيداً كل البعد بسبب مشكلة المياه" وقد شاطره الرأي الناطق باسم الوفد الاردني مروان المعشر حين صرح "ان تقاسم موارد المياه وترسيم الحدود يظلان المشكلتين امام المتفاوضين" وكذلك رئيس الوفد الاردني فايز الطراونة. وقد رأى كثيرون ان الحل لم يكن لمصلحة الاردن. 

اما التدخل الاميركي الذي كانت آخر تجلياته زيارة وفد الخبراء للبنان قبل يومين، فيمتد الى نصف قرن حين بدأت المشاريع الاسرائيلية الرامية الى فرض تقاسم المياه مع الاردن وسوريا ولبنان. ففي عام 1953 اوفد الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور مبعوثه الخاص الى المنطقة اريك جونستون في محاولة لايجاد حل "يكون مقبولاً لدى الحكومات المعنية بالمشكلات المتعلقة باستغلال مياه الاردن"، وكانت لجونستون جولة ثانية في المنطقة في حزيران عام 1953 وثالثة في تشرين الاول عام 1955 حين انهى مفاوضاته المكوكية ووضع امام الحكومات الاربع في الاردن وسوريا ولبنان واسرائيل مشروعه النهائي حول الاستخدام العربي - الاسرائيلي للمياه فكانت حصة اسرائيل 540 مليون متر مكعب، والاردن 720 مليوناً، وسوريا 132 مليوناً و35 مليوناً فقط للبنان! 
 

ما اشبه اليوم بالبارحة!

ها هو وفد الخبراء الاميركيين يأتي الى لبنان من الاردن بالذات انطلاقاً من اهتمام بمياه نهر الاردن، وها هو يعود الى "رأس النبع"، الى الحاصباني. 

حسناً فعل رئيس الجمهورية والحكومة عندما توافقا في "البيان المشترك" الذي صدر اثر اجتماعها الاخير مساء الاثنين، على ضرورة الافادة من تحرك الوفد الاميركي لابراز الحق اللبناني واثارة القضية مع الدول الصديقة ولا سيما منها الاوروبية والدائمة العضوية في مجلس الامن، لا الاكتفاء بمرجعية الامم المتحدة كما نُسب الى احد "المصادر" الرسمية، فيما كانت مصادر اخرى "حكومية" تنصح بضرورة التحدث مع الجميع فالامم المتحدة في النهاية "هي الدول التي تتكون منها ومجلس الامن هو الذي سيتخذ القرار ويضم دولاً ينبغي ان نتحدث معها لابراز الحق اللبناني في المياه". علماً ان عدد القرى الواقعة في نطاق حوض الحاصباني ،36 منها بلدات راشيا الوادي وحاصبيا وشبعا، ويقدر عدد السكان المسجلين بنحو 70 الف شخص والمقيمين نحو 40 الفاً، فيما يشير "حساب بسيط" استناداً الى دراسة الدكتور مجذوب ايضاً، الى ان عدد سكان حوض الحاصباني من المفترض ان يكون سنة 2025 على اقل تقدير 200 الف شخص. 

وبعد الحاصباني، ثمة توجس لبناني من اطماع اسرائيلية في الليطاني، انطلاقاً من "تكهن" بوجود اتصال جوفي بين الليطاني وروافد نهر الاردن. وحسب الخبير الاميركي جون كولارز الذي اوفده مكتب الاعلام الاميركي لالقاء محاضرة في المنامة عاصمة البحرين في 15/2/1992 حول "مشكلة المياه وتأثيراتها الاقتصادية والسياسية في الشرق الاوسط" فإن هناك "اثباتات ان القسم الاسفل من نهر الليطاني يغذي الحاصباني ونبع الدان في اسرائيل" علماً ان الاسرائيليين حاولوا مراراً ان يبرهنوا ذلك جيولوجيا بالاعتماد على هذه الفرضيات، على وجود اتصال جوفي بين الليطاني وروافد نهر الاردن وذلك بهدف اضفاء الصفة الدولية على الليطاني والمطالبة بحصة منه. 

رحم الله ريمون اده الذي طالما ابدى قلقاً على ثلاثة: الحاصباني والوزاني والليطاني. 

وفي الانتظار يبقى الرهان على حسن الاداء اللبناني في التصدي لقضية المياه، وبالطبع على قرار محق من مجلس الامن.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic