مرتكزات المشروع الجديد للانتخابات جديرة بالنقاش

أحمد زين

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 18 أيلول / سبتمبر 2002

 

     خطفت قضية “الحريات الإعلامية” الأضواء عن إطلاق ملف إعداد مشروع قانون الانتخاب الذي أعلنه وزير الداخلية الياس المر؛ الأمر الذي أفسح في المجال للبعض بالقول إن عملية الخطف تلك كانت واحدة من الجولات الرابحة التي خاضها صاحب ال”أم. تي. في” النائب غبريال المر ضد شقيقه نائب رئيس الحكومة السابق النائب ميشال المر. 

فما أعلنه وزير الداخلية كان من الأهمية بمكان؛ وعلى الأقل؛ كان مهيأً لإحداث صدمة سياسية يمكن ان تتفاعل بين أكثر من اتجاه سياسي خصوصا في ظل الحركة الحوارية التي كانت قائمة باعتبار ان التوافق حول قانون الانتخاب الذي يأخذ بالمرتكزات الأساسية التي انطلق منها الوزير المر يمكن ان يؤدي الى اعتبار قضية الوفاق الوطني شبه منتهية؛ وهذا ما يفترض معه الاعتقاد بأن مبادرة الوزير لم تأخذ حقها من تسليط الأضواء عليها ولا ما تستحقه من مناقشة وبالتالي فإن من الضرورة بمكان إعادة تعويمها وطرحها للمناقشة من جديد. 

ولعل أول ما يبرز في المبادرة محاولة الإمساك بكل الشوائب التي كانت تحفل بها قوانين الانتخاب السابقة وبذلك يكون الوزير المر قد أبدى “حرصا جريئا” على ما لم يجرؤ على اتخاذه حكم حتى الآن؛ لجهة احترام وثيقة الوفاق؛ وأخذ المادة 95 دستور التي نصت على تشكيل الهيئة الوطنية التي ستقترح الحلول لإلغاء الطائفية السياسية بعين الاعتبار توصلا لقانون انتخاب “خارج القيد الطائفي”. 

كما ان من ركائز المبادرة أيضا: 

أ ربط قانون الانتخاب بقانون اللامركزية الإدارية. وبمثل هذا الربط وجد الوزير حلاً لعقدتين أساسيتين كانتا من الثغرات الفاضحة في قوانين الانتخاب السابقة وهما: المساواة بين الدوائر والتوصل الى شكل من أشكال الدائرة التي لا هي القضاء (الدائرة الصغرى) كما انها ليست المحافظة وفق رسم حدود المحافظات الحالية مع احترام نص وثيقة الوفاق لجهة نصها على اعتماد المحافظة. وفي هذا المجال يقول وزير الداخلية: “إذا عدنا الى وثيقة الوفاق الوطني فهي تقول إن الدائرة الانتخابية هي المحافظة. ومن هنا ربطت قانون اللامركزية الإدارية بقانون الانتخاب لنحدد ما هي المحافظات التي تؤمن للمواطن خدمته في منطقته وفي الوقت ذاته حتى لا نعتبر أن قانون اللامركزية السياسية هو ذاته قانون اللامركزية الإدارية. ان قانون الانتخاب يجب ان يؤخذ بالتساوي بين كل المناطق”. وبهذا يعيد هذا الطرح فكرة سابقة لم يكتب لها النجاح تقول بتحقيق المساواة بين الدوائر بتكبير القضاء وتصغير المحافظة. 

ب الحرص على ان يكون الطابع العام للقانون مرتكزا على طريق انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني خارج القيد الطائفي “فالقانون وإن كان غير معني بإلغاء الطائفية السياسية إلا انه في نظر الوزير مرحلة ما بين تشكيل اللجنة التي ستقترح إلغاء الطائفية السياسية وعملها من جهة وبين مجلس النواب الذي سينتخب على أساس وطني لا طائفي. ومن هنا يظهر التزام الوزير بتضمين مشروع القانون الذي سيتوصل إليه أحكاما في غاية الأهمية ولم يستطع أحد الالتزام بوضعها أو حتى اقتراحها والدفاع عنها من الوزراء السابقين”. 

ولكن ما يلفت في الآلية التي اعتمدها الوزير لإعداد المشروع أنها لم تكن جديدة باعتبار ان والده نائب رئيس الحكومة السابق ميشال المر سبقه إليها عندما أعلن فتح أبواب الوزارة لتلقي المشاريع والاقتراحات والآراء لاستخلاص القواسم المشتركة؛ ولكن كل تلك المحاولات التي تمت على هذا الصعيد بقيت حبرا على ورق خصوصا تلك التي حصلت قبل الانتخابات الأخيرة؛ عندما فوجئ الجميع بمشروع قانون لا يمت الى الاقتراحات والمشاريع التي حشدت في وزارة الداخلية بصلة؛ وهذا ما يطرح التساؤل حول إمكان أن ينجح وزير الداخلية الابن في ما لم ينجح في تحقيقه وزير الداخلية الأب. 

يحاول الوزير الياس المر “القوطبة” على هذا التساؤل بقوله “إذا عدنا الى انتخابات 1992 كانت هناك مناطق مختلفة عن الأخرى. وفي العام 1996 خفت. وعام 2000 خفت أكثر وبقيت محصورة في منطقة جبل لبنان على صعيد تقسيم الأقضية كما قسمت”. 

ولكن أوساطا نيابية ترى ان مبادرة الوزير اليوم تختلف عن المبادرات السابقة ان في جديتها وإن في توقيت الظروف المساعدة للأخذ بيدها ولو بنسبة معقولة. فهي: 

أولاً: أخذت لنفسها الوقت الكافي للتوصل الى بلورة الآراء حولها بعد ان كانت المبادرات السابقة لا تظهر إلا قبيل موعد الانتخاب. 

ثانياً: ان الوزير اليوم غير الوزير بالأمس. فالوزير السابق كان قادرا على إيجاد التغطية السياسية اللازمة لأي مشروع قانون بينما الوزير الحالي يحاول التوصل الى مشروع يشكل له التغطية السياسية التي ينشدها في المستقبل. 

ثالثاً: لقد وضعت المبادرة الأسس الصحيحة لانطلاقتها عندما انطلقت من وثيقة الوفاق. وبهذا يمكن القول إنها ستكون قادرة على “فضح” مواقف معارضيها لوضوح ارتباطها بالوثيقة وأهدافها. فمن الصعب على أي سياسي مواجهة ما طرحته المبادرة على رؤوس الاشهاد لأن مثل هذا الموقف يعني العمل على استمرار تعطيل اتفاق الوفاق؛ وهنا لا بد من أخذ مسألة بعين الاعتبار؛ وهي ان توالي إجراء الانتخابات منذ سنة 1992 على اساس احكام القوانين المعتمدة بات يشكل؛ اذا ما استمر؛ شبه فضيحة لا يمكن لأي حكم تحملها بعد ان استنفدت جميع الذرائع والمبررات التي كانت تستند إليها في ثلاثة انتخابات متتالية؛ وإن كان بعضها في بعض المرات شبه مبرر. 

لذلك تعتقد اوساط سياسية ان المعطيات المتوافرة اليوم يمكن ان تسمح لوزير الداخلية الياس المر بالإشراف على إعداد مشروع قانون للانتخابات النيابية يحقق تطلعات الاكثرية الساحقة من اللبنانيين بصرف النظر عما اذا كان مثل هذا المشروع سيمر في “فيلتر” مجلسي الوزراء والنواب من دون إجراء تعديل في معالمه الاساسية. 

وتقول الاوساط السياسية ان الظروف المؤاتية التي تدعم “طموح” الوزير بالتوصل للمشروع الذي يرغب لا تعني عدم وجود عقبات وعقد ستبرز في مواجهته. وإذا كانت عقدة تحقيق المساواة بين الدوائر الانتخابية يمكن ان تجد حلا في قانون اللامركزية الادارية الذي سيبدل حدود المحافظات لزيادة عددها مما يسمح بالاخذ بما نص عليه اتفاق الوفاق وتلبية مطالبة المنادين بالدائرة الصغرى في آن معاً فإن التوصل الى قانون “عصري على طريق انتخاب أول مجلس على اساس وطني خارج القيد الطائفي” كما يقول الوزير لن يكون سهلا. فاستحداث الدوائر الانتخابية المختلطة طائفيا ومذهبيا لن يكون خطوة على تلك الطريق لأنه حتى ولو تحقق مثل هذا الاختلاط الطائفي في كل الدوائر؛ وهو امر شبه مستحيل لوجود دوائر لا يمكن إلا ان تكون مغلقة على مقترعين من طائفة واحدة؛ فإن الاختلاط المنشود لن يصل الى الواقع الذي هو عليه اليوم في ظل عدد المحافظات الحالية. ومن هنا فإن التوصل الى القيام ب”الخطوة على تلك الطريق” يتطلب إجراءات تتعدى شكل الدائرة الانتخابية الى اختيارات المقترعين بمعنى ان يكون للمقترع الحق في ممارسة دوره المستمد من اعتبار النائب ممثلا للأمة جمعاء وليس لطائفة او مذهب او منطقة او دائرة. وفي هذا تكمن العقدة الاساسية التي اذا ما حلها الوزير في ظل الواقع التاريخي المستمر في لبنان فسيدخله ذلك التاريخ بدلا منها. 

وفي هذا المجال يقترح بعض النواب السابقين الذين يدعمون طموح وزير الداخلية اليوم ان يصار الى اعتماد الدوائر الانتخابية الصغرى على ان يكون اختيار المرشحين عن اي دائرة من جميع اللبنانيين بمعدل واحد او اثنين او ثلاثة من كل طائفة؛ ومن ينل نسبة محددة (كالربع مثلا) في الدائرة الصغرى وأكثرية اصوات المقرعين في كل لبنان مقابل المرشحين في دائرته يعتبر فائزا. مثال ذلك: ترشح خمسة عن مقعد لمذهب معين في دائرة معينة. فلجميع المقترعين في لبنان ان يختاروا واحدا من مرشحي تلك الدائرة او من غيرها بمن فيهم المقترعون في الدائرة ايضا ضمن قاعدة تقول بأن لكل مقترع ان يختار من يشاء من المرشحين المسلمين ومن يشاء من المرشحين المسيحيين بعدد متساو لكن من اي دائرة كانت. وتجمع اصوات الدائرة الانتخابية على حدة كما تجمع اصوات المقترعين في كل لبنان. فإذا كان المرشح قد نال النسبة المطلوبة في القضاء ونال العدد الاكبر من بين منافسيه في الدائرة في مجموع أصوات اللبنانيين جميعا يعتبر فائزا. اما اذا نال العدد الاكبر هنا ولم ينل العدد المطلوب هناك فلا يعتبر فائزا. وهنا لا بد من تحديد صيغة تطبيقية لهذا الاقتراح لضبط العملية الانتخابية عندما لا يفوز احد. ومثل هذا الامر يدخل في التفاصيل التي يمكن التوافق حولها نظرا لتعدد الحلول التي يمكن اقتراحها في هذا المجال. 

ويرى اصحاب هذا الاقتراح ان مقاربة البدء بحل المسألة الطائفية وبالتالي تحقيق طموح الوزير في مقاربة نصوص اتفاق الوفاق الوطني تكمن في إيجاد صيغة تحرر التمثيل النيابي من ان يكون مدينا لمد طائفي ما او لعشائرية او لسلطة مال. ومثل هذا الطموح يمكن ان يتنامى في الاقتراح المذكور لأنه: 

أولا: يساهم في رفع مستوى التمثيل النيابي بتحرر النائب من الاعتماد على تعقيب المعاملات والخدمات الشخصية لضمان فوزه من جديد؛ ويفرض عليه ان يضيف الى وسيلة الفوز الوحيدة تلك خطب ود جميع المقترعين في كل الدوائر ومثل هذا الامر لا يتحقق في الخدمات الخاصة وإنما في انتهاج سياسة عامة تؤيدها الاكثرية على المستوى الوطني كله. 

ثانيا: حل قضية الاشتباكات السياسية التي تقوم دائما بين المنادين بالدائرة الصغرى والمنادين بالدائرة الكبرى. 

ثالثا: احترام اتفاق الطائف والاهداف البعيدة التي توخى تحقيقها وبالتالي بدء الاجراءات العملية التي تنقل أولوية الانتماء من الطائفة الى الوطن. 

فهل يمكن لمثل هذا “الحلم” ان يتحقق في قانون الانتخاب العتيد؟ 

المسألة لن تكون سهلة؛ وقبول الطاقم السياسي بها شبه مستحيل. ولكن إخراجها الى واقع ملموس سيكون من الأهمية بمكان لكونه يحقق الأهداف الاساسية من اتفاق الوفاق ويبدأ في فكفكة العمود الفقري للأسباب الحقيقية التي كانت تشكل الوسيلة الاساسية التي تعتمد لإعلان الحروب بين اللبنانيين.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic