يخوض لبنان هذه الأيام معركة لا تقل أهمية عن معركة التحرير التي خاضها طيلة السنوات الماضية وأنتجت تحريراً لمعظم أراضيه. وهذه المعركة تقوم اليوم على حق لبنان في الاستفادة من مياهه، خصوصاً نهري الحاصباني والوزاني من خلال مشروع مد أنابيب ومحطة ضخ لري القرى الجنوبية العطشى.
هذا الحق المشروع للبنان لم يرق للعدو الإسرائيلي الذي لم يتوانَ يوماً عن سرقة مياهه في السر والعلن، ضارباً بذلك كل المعاهدات الدولية والقواعد القانونية عرض الحائط، ومعطياً لنفسه الحق باستباحة كل شيء من دون أي رادع من أحد، وأن يطلق التهديدات ضد لبنان.
من جهته لبنان أكد ثباته على حقه في المياه، وتعامل مع هذه التهديدات بعزم وقوة لا تلين، وفقاً لمقولة "لا يضيع حق وراءه مطالب".
وقد قام وفد أميركي بمبادرة ذاتية ومن دون طلب من لبنان، بمعاينة المشروع الذي يقوم به لبنان لجر كميات من مياه نهر الوزاني لري عطش بعض القرى الجنوبية.
يقول رئيس مصلحة مياه الليطاني ناصر نصر الله الذي رافق الوفد لـ"الانتقاد": إن الوفد حصر مهمته بالجانب التقني البحت، حتى أن الوفد بدا له أشبه بوفد "خرسان" لم يتفوّه بأي كلمة إلا لماماً.. ونحن من جانبنا كنا حريصين كل الحرص على أن يكون وجودنا بمثابة خبراء في الحقل المائي، لا بمثابة ممثلين للدولة اللبنانية.
ويضيف نصر الله: هؤلاء لا يخفون ضمناً تعاطفهم مع العدو الإسرائيلي، ولو تظاهروا بالإيحاء بأنهم خبراء لا أكثر.
وهل لدى لبنان ملف جاهز يبين أحقيته في المياه؟ يؤكد نصر الله أن الملف اللبناني جاهز منذ العام 1994، وأن مصلحة الليطاني عملت على تكوين هذا الملف بجوانبه كافة، بدءاً من مياه الجنوب اللبناني وتلك المرتبطة بأحواض الأردن، وصولاً الى تلك المتعلقة بالمياه المشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة والأردن وسوريا، وسُلم هذا الملف الى رئاسة الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة. بكلام آخر الملف هو عبارة عن دراسة جيولوجية وطوبوغرافية وديموغرافية، إضافة الى دراسات حول مساحات الأراضي التي تحتاج الى المياه وعدد البلدات والسكان فيها، وأخرى حول كمية المياه التي تذهب الى فلسطين المحتلة، السطحية منها والجوفية.
هذا الملف بمضمونه يشكل عنصراً أساسياً داعماً لحق لبنان في مياهه، وسيكون بمثابة "الشهادة" التي لا تقبل التأويل أو المساومة على حقه.
ولبنان حالياً لا يستفيد من منبع الوزاني، ذلك أن محطات الضخ الثلاث المثبتة في مجرى النبع متوقفة عن العمل بسبب أعطال في الكهرباء، وخصوصاً أن المضخات هذه يلزمها طاقة كهربائية بقوة 380 فولت، وهي غير مؤمّنة إلا نادراً.
ويوضح نصر الله: عندما يجري الحديث عن أن لبنان يستفيد راهناً من 7 ملايين م3 سنوياً من نبع الوزاني، يُقصد من ذلك دمج حوض الحاصباني والوزاني معاً.. ويشير الى أن هناك مضخة متواضعة تضخ لقرية الوزاني نحو 300 ألف متر مكعب سنوياً، ومضختين لآل عبد الله متوقفتين لعدم استعمالهما إلا في الزراعة.
وعن المشروع الجديد الذي هددت "إسرائيل" وتوعدت بسببه يقول نصر الله: إن الحد الأقصى للاستفادة من هذا المشروع سنوياً يقرب من ثلاثة ملايين متر مكعب، في حين ان العدو الإسرائيلي يسلب لبنان من المياه نحو 150 مليون متر مكعب حداً أدنى.
وعن الاتفاقيات الدولية التي تنص على حق لبنان في المياه يلفت الى أمر مهم، وهو أنه لا يوجد قانون بالمعنى الدولي التفصيلي، إنما مبادئ عامة دولية موجودة تقوم على الجاذبية، أي أنه من حق هذه القرى أن تستفيد من نبع الوزاني والحاصباني بحكم الجاذبية، وذلك من خلال بناء سد مائي.
ويركز نصر الله على مفهوم استراتيجي مهم عندما يميز بين منطقين: حاجة لبنان وحصة لبنان من المياه، ذلك أن المقولة الأصح هي حصة لبنان من المياه التي يفترض أن تكون بين 50 و55 مليون متر مكعب سنوياً، وذلك استناداً الى حاجة الأراضي الزراعية للمياه، والمدى الجغرافي الذي يجتاز النهر، إضافة الى عدد القرى وسكانها.
ويوافق الدكتور عدنان السيد حسين (أستاذ في العلوم السياسية ـ الجامعة اللبنانية) على ما ذهب إليه رئيس مصلحة الليطاني، من أن ليس هناك نص قانوني لكل الدول في ما يعود للاستفادة من الأنهار الدولية، إنما هناك أعراف واتفاقات ثنائية بين بعض الدول بغية تنظيم الاستفادة من المياه. وهذا لا ينطبق على لبنان و"إسرائيل"، والطريقة الفضلى ليحفظ لبنان حقه هي بالتحكيم الدولي، وأفضل من يلعب هذا الدور على حد قول د. السيد حسين هي الأمم المتحدة، لكونها منظمة دولية لا طرفاً منحازاً لـ"إسرائيل"، كما هي الحال مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويبيّن د. السيد حسين مدى استفادة لبنان من نبع الوزاني من الناحية القانونية، فهو يستفيد أولاً من النبع نفسه، وثانياً من مجراه، وأن النسبة تتجاوز 25%. ورأى أن حق لبنان مكرس ما دام لا يسعى الى تحوير مجرى النبع. مذكراً بالتوجه العربي عام 1964 إزاء محاولة تحوير نهر الأردن ومن ضمنه نهر الحاصباني ونبع الوزاني ونهر اليرموك، ولم يكتب لها النجاح بفعل العدوان الإسرائيلي، حيث قامت طائرات حربية إسرائيلية بقصف الجرارات اللبنانية وحملتها على التوقف.
§
وصـلات:
