أعلن الامين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله قبل يومين ان “إدخال الاميركيين في ملف مياه الوزاني خطأ”، وأضاف ان “من يدخل الاميركي على هذا الملف كمن يدخل الاسرائيلي”، معلنا “لا نريد ان نشرب الماء من القسطل الاميركي.. نريد ان نشرب مياها بعزة وكرامة وشرف (..)”.
قبل إعلان هذا الموقف بأيام، كان واضحا ان “حزب الله” شديد الانزعاج من الحضور الاميركي في موضوع مياه الوزاني، ورأى فيه ضغطا على لبنان لوقف الاعمال الجارية في جر مياه النهر الى القرى الجنوبية، واعتبر ان من شأن هذا الحضور الاميركي في الموضوع ان يفرض في “أحسن الاحوال” نوعا من التفاوض مع اسرائيل ب”وساطة” أميركية، وفي جميع الاحوال إخضاعا لمسألة المياه لتوازن تقرر فيه اسرائيل.
في هذا المجال، يقول قيادي بارز في “حزب الله” ان الحيثيات التي تجعل الحزب مرتابا من الدخول الاميركي على الخط، كثيرة.
الحق اللبناني السيادي
أولا ان لبنان يمتلك حيال إقدامه على مشروعه المائي حججا كثيرة ودراسات تدعم حقه في استخدام المياه بدون مراجعة أحد، لأنه يمارس حقا سياديا لا لبس فيه ويلتزم موقفا لا تشوبه أي نقطة ضعف. ويلفت القيادي في “حزب الله” الى ان الحق اللبناني في الوزاني لا التباس بشأنه، بخلاف الالتباس الذي جرى افتعاله حول لبنانية مزارع شبعا.
ثانيا ويستعيد المصدر نفسه محطات من الممارسة الاسرائيلية حيال المياه في جنوب لبنان، خلال فترة الاحتلال. فيشير الى ان اسرائيل بدأت في العام 1976 ضخ مياه الوزاني، وفي العام 1986 أحاطت مساحات واسعة حول النبع بسياج، وأخذت تمد أقنية من نبع الوزاني بحجة ري قرى العرقوب داخل الشريط الحدودي المحتل سابقا، وفي العام 1989 أقدمت اسرائيل على مد أنابيب من نبع العين المتفرع من أحد روافد الحاصباني بدعوى تزويد منطقة حاصبيا المحتلة آنذاك بالمياه. ويوضح القيادي ان اسرائيل عندما انسحبت من معظم الجنوب في العام 1985 لتنكفئ باتجاه ما سمي الشريط الحدودي، وصفت اسرائيل الشريط آنذاك بأنه حزام مائي ايضا، فأمسكت انطلاقا من هذا التعريف بموارد المياه في جنوب لبنان واستخدمت الحد الاقصى منها. ويذكّر بأن اسرائيل وقبل أيام قليلة من اندحارها من الجنوب في ايار من العام 2000، أقدمت على سرقة تربة خصبة من سهل الخيام وشحنتها، ما يفيد ان ثمة أطماعا صهيونية بالمياه والتربة اللبنانية.
ثالثا ويؤكد المسؤول في “حزب الله” ان اسرائيل كانت على الدوام تعتبر ان السيطرة على الموارد المائية للبنان والعرب من أولويات “الامن الصهيوني”، ويعيد الى الاذهان مذكرة الحركة الصهيونية في العقد الثالث من القرن الماضي التي ترسم نهر الاولي شمال الجنوب اللبناني على انه نقطة حدود ل”الدولة العبرية”.
رابعا يستنتج المصدر مما تقدم ان الأطماع الصهيونية “التاريخية” في الموارد المائية في لبنان ترجمت نفسها خلال سنوات طويلة منعاً للبنان من تنفيذ مشاريع بالاعتماد على ثروته المائية، لكن اسرائيل خلال فترة الاحتلال استخدمت هذه الثروة... وعليه فإن اسرائيل عندما تحمل على لبنان لتوجهه الى الاستفادة من مياهه، فهي انما تريد إدامة مفاعيل الاحتلال بعد انتهاء الاحتلال، في حين ان كل ما نشأ من مفاعيل عن هذا الاحتلال لا بد ان تلغى بعده، وان لبنان الذي استعاد سيادته على أرضه لا بد ان يمارس سيادته على هذه الارض وما فوقها وتحتها، وان يحرر مياهه بعد ان حرر أرضه. ويعتبر القيادي في “حزب الله” ان مباشرة الدولة استغلال المياه تعلن بداية مرحلة الانتقال الى تحرير المياه.
خامسا ويشدد على ان لبنان الذي خاض تجربة ناجحة سابقا هي تجربة التحرير متوّجة بإنجاز العام 2000، فإنه يستطيع ان يخوض بنجاح اختبار استعادة المياه، وكما أمكن استعادة الارض بالمقاومة والصمود لا عن طريق المفاوضات، فإن في وسع لبنان ان يحرر مياهه بالطريقة نفسها بالاعتماد على المقاومة والصمود ايضا.
المفاوضات فخ
ومن ذلك، يصل المصدر المسؤول نفسه الى تأكيد ان لبنان ليس في وارد الانكفاء عن ممارسة حقه السيادي في موضوع المياه، ويجب ألا يكون في هذا الوارد، والموقف اللبناني الرسمي على ألسنة المسؤولين جميعهم لا يفيد بعكس ذلك.
غير انه ينبه الى أهمية ألا تكون “اللغة” اللبنانية في هذه المسألة منطوية على أي التباس، والى انه يجب تحت عنوان التهدئة في الجنوب عدم تخفيض السقف المتعلق بحصة لبنان من المياه، ذلك ان اللهجة التي تستخدم ومضمونها يمكن ان يتحولا سقفا يصبح الخروج منه شاقا.
ويوضح ان لا معنى للحديث عن دقة الظرف لأن اسرائيل لن تنتظر ذريعة عندما تقرر العدوان. وعليه فإن تثبيت السقف على انه الحصة الكاملة للبنان من المياه ضروري، وتوحيد الموقف حوله أكثر ضرورة، ويجب ألا تكون خشية لبنانية لأن ملف الوضع سيفتح سواء استخدم لبنان مياهه الآن او لم يستخدمها، مع فارق انه سيفتح عندئذ ب”مبادرة” إسرائيلية مدعومة أميركياً.
وفيما لا يخفى ان المنطق الذي يدلي به القيادي في “حزب الله” يقوم على اعتبار الموقف اللبناني مغطى قانونيا وبحق سيادي، ويقوم على اعتبار ان المقاومة تشكل قوة الحماية لهذا الحق، فإنه لا يخفي قلقه وقلق الحزب من ان يستدرج لبنان الى فخ مفاوضات أيا تكن صيغتها، ويرى ان هذه المفاوضات ليست في مصلحة لبنان والعرب، ويذكر ان موضوع المياه ككل جزء من وحدة المسار والمصير مع سوريا وفلسطين والعرب كلهم.
ويقول ان الموقف اللبناني الرسمي ليس مشكوكا فيه ولا في نواياه، غير ان الدخول الاميركي على الخط كان يجب تفاديه لأن الموقف الاميركي موضع اشتباه دائما. واذ يقول ان المقاومة لا تعرف الخطوط وألوانها ولا تعترف بها لأنها معنية بالدفاع عن حقوق لبنان، يعلن القيادي “فهمه” للكلام على خط أزرق مائي، بما هو إشارة الى تفضيل الذهاب الى الامم المتحدة بدلا من الولايات المتحدة لكن بما هو خط أحمر في المقابل حول حقوق لبنان المائية. ومع ذلك لا يتردد في الدعوة الى وضوح الموقف اللبناني وقوته وصلابته.
لماذا الآن؟
وكأن المصدر المسؤول السابق أدرك ان ثمة سؤالا يسأل: لماذا الآن هذه الاستفاقة المائية اللبنانية وما علاقتها باللحظة السياسية الاقليمية الدولية؟، فيبادر من تلقاء نفسه الى الجواب ان تحرير المياه هو العنوان الذي يلي تحرير الارض، ويبادر الى تذكير “من يهمه الامر” من اللبنانيين بأن المقاومة عندما كانت تقول بعد إنجاز ايار 2000 ان ثمة حقوقا لبنانية لا تزال إما مغتصبة او معطلة، فإنها لم تكن تبحث عن “تمديد” لصراع مع اسرائيل هو بطبيعته مديد جدا، ولم تكن “تفتعل” عناوين، بل كانت تدرك انه بقدر ما تحاول اسرائيل إدامة مفاعيل احتلالها حتى بعد التحرير، كانت المقاومة واعية ان دورها مستمر ليس فقط على صعيد استرجاع مزارع شبعا بل على صعيد سائر الحقوق اللبنانية، وها هي التجربة الراهنة في المياه تثبت ذلك. أما على مستوى المغزى المباشر لتوقيت المعركة المائية، فإن القيادي في “حزب الله” يذكّر بأن المشروع الجاري تنفيذه حاليا هو بقرار من الدولة، وانه كان من الطبيعي ان تبادر الدولة في أقل واجباتها الى تأمين مياه الشرب للقرى التي كانت ضمن الشريط المحتل سابقا. ويوضح هنا ان 80 في المئة من أهالي الشريط كانوا خارج أرضهم خلال الاحتلال وعادوا خلال السنتين الماضيتين اليها واكتملت عودتهم تقريبا في الفترة الاخيرة، وتضاعفت حاجات القرى وسكانها الى المياه وكان لا بد من استجابة لهذه الحاجات باستخدام لبنان حقه فيها.
حشرة إسرائيل فرصة
عند هذا الحد ينتهي كلام القيادي البارز في “حزب الله”.
بيد ان ما لم يقله، تكفل به الامين العام السيد نصر الله مرتين. الاولى في خطابه في ذكرى شهداء 13 ايلول عندما حذر من الدخول الاميركي على “خط الوزاني”، وشدد على التمسك بالموقف ومواصلة المشروع اللبناني في وقت تبدو فيه اسرائيل أعجز ما تكون عن المبادرة الى عدوان. والثانية في خطابه في البقاع أول من امس عندما لم يخف امتعاضه من الدور الاميركي.
يستنتج اذاً إذا ما جرى ضمّ كلام القيادي الى كلام السيد نصر الله، ان “حزب الله” الذي فنّد جميع الحيثيات الداعمة لحق لبنان في مياهه وعرض ل”خطر” الوقوع في فخ مفاوضات تديرها أميركا وتضغط على لبنان... انما هو مقتنع بأن اسرائيل والولايات المتحدة في “حشرة” لا مصلحة في خروجهما منها، وان ثمة فرصة تاليا للبنان لتحرير مياهه بالاعتماد على وحدة موقف لبناني على الصعيدين الرسمي والشعبي، وعلى المقاومة والصمود، وهي الركائز الثلاث لتجربة تحرير الارض.
§
وصـلات:
