يستأهل استجرار نصيب لبنان من مياه الوزاني الى قرى عطشى في الجنوب، عيداً قومياً ومهرجاناً وطنياً أكثر مما استأهله وضع الحجر الاساس لسد شبروح او الاحتفاء بتدشين أي مشروع آخر. ليس لأن المشاريع المشار اليها لا تستأهل الاحتفاء من حيث أهميتها، في بلد يكثر من مهرجانات التكريم العقيمة، بل لأن لمشروع استجرار مياه الوزاني دلالات لعل أهمها التحرر من الارتهان لدائرة الخوف ما دام الوطن حريصاً على استرداد "كل ذرة تراب ونقطة مياه تخصه"، على نحو ما قال رئيس البلاد.
وتتلازم ثلاثة مؤشرات ذات أهمية استراتيجية مع تحقيق لبنان حصوله على نصيبه من مياه رافد الاردن اللبناني، وهو تلازم قد تكون المصادفة اوجدته او مجريات الامور الاقليمية والدولية.
ويأتي في المقدم توقيع رئيس جمهورية سوريا اتفاق تقاسم مياه النهر الكبير شمالاً بين الدولتين وبنصيب اربعين في المئة منها للبنان، وكان قد سبقه اتفاق على توزيع مياه العاصي بنسبة 25 في المئة للبنان! (كما تلازم اقرار الغاء الوكالات الحصرية في سوريا مع اقرار اللجان النيابية مشروع قانون الغائها في لبنان). والاتفاقان المائيان اعتراف بحق لبنان في المياه الدولية وإن تكن مصباتها مشتركة او تبلغ تركيا، وحتى لا ننسى شاطئ اقليم الاسكندرون المسلوب عن بلاد الشام. وهذا الواقع هو تأكيد لحق الوطن الصغير ايضاً في المياه التي تصب جنوباً او تروي بحيرة الدولة المسلوبة هي ايضاً، فلسطين، وتغذي الاردن الذي يعطش وتبلل سوريا ريقها جزئياً بمياه هي في حاجة اليها.
ويتلازم المشروع الجنوبي، ثانياً، مع انعقاد "قمة الارض" نهاية آب الماضي في جنوب افريقيا وقد ركزت، من بين أولوياتها، على العمل لخفض عدد المحرومين من مياه الشرب النظيفة الذين يقدّرون حالياً بمليار ومئتي مليون نسمة، ويموت نحو اربعة ملايين طفل سنوياً في العالم من امراض مرتبطة مباشرة بمياه الشرب غير النظيفة.
اما التلازم الثالث فيتوافق مع تموين تركيا اسرائيل بمياه من سدود اقامتها على مجريي الفرات ودجلة حارمة سوريا والعراق من كامل الحصص التي تعود الى كل منهما، ومحدثة تبدلاً بيئياً في منطقة الغاب السورية المشتركة على الحدود تنذر بكوارث فضلاً عن مساهمتها في زيادة ملوحة الارض الزراعية في العراق. وتقيم تركيا نحو سبعة عشر سداً لخزن المياه وتوليد الطاقة النظيفة على الفرات، وخمسة سدود على دجلة. ويؤكد تمسّكها بهذا الحق ان للبنان حقاً ايضاً في اقامة سد على مجرى الوزاني يختزن فيه حصته من المياه شتاء لاستغلالها في الشحائح لاحقاً.
ومع التلازم الجيومائي في المنطقة والعالم تبرز لدى الدول القوية عسكرياً، او المستقوية بغيرها، "حجة الأقوى" التي، بحسب مفهومها، تبرر حاجتها الى مياه غيرها الذي ليس هو في حاجة اليها او تذهب مياهه اهداراً الى مصباتها، وهذا ما تدعيه اسرائيل في استيلائها على مياه الجنوب. علماً ان أبناء الوطن الصغير، مثل غيرهم في الدول المحرومة من الماء، ينقلونه من امكنة بعيدة بوسائل خاصة وأحياناً بدائية ليؤمنوا به حاجاتهم المنزلية او حتى لري مزروعاتهم.
واذا كانت منابع النفط والغاز الطبيعي تعتبر مناطق مثيرة للحروب وهدف الدول الكبرى لاحتلالها، مع تدني المخزون العالمي في القرن الاول من الالفية الثالثة، فان منابع المياه ومجاريها تعتبر هي ايضاً من اهم البؤر المعرضة للاقتتال في الفترة ذاتها مع تزايد عدد سكان الارض وبلوغهم بين ثمانية وعشرة مليارات نسمة بعد خمسين سنة، ومع التغيير المناخي الحاصل في مختلف انحاء جغرافية العالم حيث تزداد الدول الفقيرة والمحتاجة شحاً، وأراضيها يباساً، وتتعاظم الفيضانات في الدول المكتفية.
ففي دراسة لمنظمة الاونيسكو ان نساء القارة الافريقية وأطفالها وحدهم يصرفون اربعين مليار ساعة عمل في السنة لتأمين كميات المياه الضرورية والممكنة لاستهلاكهم المنزلي، وأن توزيعاً عادلاً لهذه المادة الحيوية يعتبر رهاناً كبيراً في القرن الحادي والعشرين.
فالراهن ان عشر دول على خريطة العالم تملك 65 في المئة من الثروة المائية الصالحة للشرب. واذا اعتبر معدل ما يحتاج اليه الفرد في السنة هو 1700 متر مكعب من المياه النقية، فان عشرين دولة في افريقيا والشرق الاوسط هي دون المعدل الوسطي بكثير، بينها مصر والاردن والكويت ولبنان وسوريا... واذا كانت الكرة الارضية عاجزة عن ان توفر لسكانها المياه النقية ومياه الري في الوقت الراهن، فكيف بها بعد سنوات؟ وخصوصاً ان عدد سكان المدن آخذ في الازدياد بحيث سيتضاعف ثلاثاً حتى سنة .2030 كما ان ازدياد سكان العالم بالوتيرة ذاتها، الى ان يصير في ادناه ثمانية مليارات في ،2050 سوف يجعلهم يحتاجون الى اراضٍ زراعية جديدة وشاسعة على حساب اقتطاع الغابات والتنوع البيئي، وهي مساحات تحتاج الى كميات مياه للري لن يوفرها غير اختزان مياه الامطار من طريق زيادة عدد السدود والبحيرات الاصطناعية في العالم، مع ما لها من تأثيرات بيئية سلبية. ففي سنة 2025 سيكون عدد الذين يفتقرون الى المياه 1.4 مليار نسمة في 48 دولة، وثلاثة مليارات في حلول .2035
هذه الوقائع المنذرة، والكارثية في المدى القريب بمقياس تاريخ العالم، تبرر لكل دولة حقها في الافادة مما تقره لها القوانين الدولية بصرف النظر عن قدرتها العسكرية غير ان الحق لا تضمنه سوى سيادة الدولة، صاحبة هذا الحق، في شكل مطلق وهي التي تصهر ابناء الوطن في مجتمع المصالح المشتركة فيه هي للجميع. فاذا كانت الامم المتحدة تشرع سياسة الولايات المتحدة على صعيد العالم، وهذه بدورها تكفل دولة اسرائيل في ما تقوم به اقليمياً، فان الوحدة الداخلية بين ابناء الوطن الصغير تجعل حقه في موقع القوة المطلق، سواء اكان هذا الحق في التراب ام في المياه والسيادة، لا يمكن انتقاصها والا ضاع الحق.
فهل يقدر لبنان على استرجاع كميات المياه التي سكت عن ضياعها ما يزيد على نصف القرن الماضي؟
* الكاتب باحث في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية.
§
وصـلات:
