كونين.. بين رحلتين

عامر الدبق

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 9 تشرين الأول / أكتوبر 2002

 

"حين تمضي للبحث عمن يبحث عنك يجب ان تضع دائما نصب عينيك احتمال الا تجد احدا..."

 
     خيوط سوداء متشابكة تلمع عبرها مساحات بيضاء تلتف متعرجة، وتتقاطع فيها رسومات غير واضحة تنسج جدران فنجان قهوتي كما تنسج جدران حياتي. 

لقد تساءلت مرارا عن سر فنجان القهوة في الصباح الباكر، قد يكون في الطعم المر الذي يمتزج بطعم مرارة الحياة اجابة على التساؤل...ففي المساحة المتقطعة بين مرحلتين او زمنين او رحلتين يبرز الوقت ومضات خالية تسمح برؤية مختلفة لما يحيط بنا و ما نحيط به... 

في الرحلة الاولى، كان الزمان قد توقف عند لحظة ما من العام 1986، ذلك العام حيث كان لا بد لهذه القرية الثائرة على كل شيء ان تدفع “ثمنا ما” وحين يتعلق الامر باسرائيل يكون الرد هائجا ومسعورا، تلك كانت عملية “الاسيرين” و كان “التهجير الثاني” بعد تهجير العام 1978 ومعه رحلة الى حياة متشابكة بين الضاحية و الجنوب و خلدة، وبين المدرسة و الجامعة والسفر والحزب. بين الكتاب والموسيقى، وبين الاصحاب والغناء والحرب والاحلام التي لا تنتهي. 

ثم كان لي موعد آخر مع الزمن المتوقف في لحظة ما من العام 2000، وفي المكان نفسه الذي تركته قبل 14 عاما ... انه الحلم يتحقق تشاهده في الضفائر المتدلية بغرور على اكتاف الصبايا، كما تشاهده في عيون الرجال ترمق الدنيا بنظرات موغلة في التحدي.. تشاهده في الارض المزروعة بالاجساد والمروية بدمائهم، كما تشاهده في نسمات الهواء الآتية من صوب الشهداء مزهوة بالنصر مبتسمة. 

اهي القهوة اذا؟ تأخذك الى مكان كنت تظن انك تجاوزته أو الى مكان اصبح خلفك. 

فمن غير تمهيد و من دون مقدمات تقتحمك الذكريات وتخترق سياج الحياة اليومية المتنامي باطراد، السياج الذي يحول عقلك الى آلة تمارس المهمات ذاتها بشكل تلقائي حتى يتماهى رأسك مع الجهاز الآلي مع فارق وجود القدرة على اطفاء الجهاز في اي لحظة، اما رأسك فهو في حركة دائمة لا تتوقف الا حين تسكن الى قبرك .. 

هي الذكريات اذا، تأخذني الى الرحلة الثانية في الزمن الثاني. 

في هذه الرحلة، كان الموعد اكثر نضجا، والتوقعات اشد واكبر فحلم العودة لم يعد حلما، والواقع اسقط مجددا حقيقة مسيرة الحياة في تفاصيلها الجميلة والبشعة. الموعد كان مع نفسي في بحث عن شباب او لقاء او مناسبة لأشارك الناس بافكاري. 

“لا تتفاجأ اذا لم تجد احدا يبحث عنك”، جملة كنت ارددها بشكل متكرر، فحين تمضي للبحث عمن يبحث عنك يجب ان تضع دائما نصب عينيك احتمال ان لا تجد احدا ... 

خلال الرحلة الثانية، بدا و كأن العالم يفقد صوابه، فلم تعد المظاهرات الممتدة من سياتل الى جنوى تكفي للرد على اجتياحات “محادل” العولمة ومنظمة التجارة العالمية...لجأ البعض الى وسائل مبتكرة و جديدة، فاذا بالطائرات المدنية تحط على حلبة جنون هذا العالم، واذا بكل بشري يحمل اسما عربيا او لونا عربيا يتحول عدوا لعالم لا يعترف الا بالالوان الأحمر والابيض مرصعة باثنتين وخمسين نجمة تستطيع ان تحجب عن الارض نور كل النجوم في الافلاك في لحظة جنون طويلة الاجل.. 

وحدث أن كنت في فرنسا خلال دراستي وكان لقاء العربي الأشقر مع الغربي الأشقر تماما كلقاء العربي الأسمر بالغربي الأشقر ذاته ... ليس الشكل هو ما يفرقنا عن بعضنا البعض ولا هو لون البشرة، فما تحت البشرة فروقات تجعل عناوين مثل “السلام العالمي” مفردات لا وجود لها في قاموس الفتية الذين يحاربون الدنيا بحجارة وأجساد عارية إلا من الكرامة. وما تحت البشرة فروقات تجعل عناوين مثل “إرهاب” و”دول مارقة” و”محور الشر” تفاصيل تافهة لا نفهمها نحن الآتون من الشرق، نعبر المطارات والعيون تراقبنا والمهانة تتربص بنا مع كل تفتيش يحمل إرث الإستعمار الإمبراطوري الأول من روما وصولا الى أميركا، ومن المحيط إمتدادا الى الخليج. 

إنه الزمن الثاني الذي ننظر اليه بحذر و نواجهه بغضب. 

كالطيف تمر الذكريات والزمان الرتيب يعزف لحنا واحدا لا يتغير. 

لم يكن للقهوة سر...انه الزمن الذي يتوقف بين رحلتين وكونين محطة بين الرحلتين. 
 

* ملاحظة: كونين هي قرية في جنوب لبنان

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic