سيناريوات ما بعد صدام

سحر بعاصيري

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 20 تشرين الأول / أكتوبر 2002

 

Sahar Baasiri - سحر بعاصيري

     حددت ادارة الرئيس جورج بوش تغيير النظام العراقي هدفاً اساسياً لها واختصرت المشكلة برأس هذا النظام ووعدت باستخدام كل الوسائل للتخلص منه. تريد اطاحة الرئيس صدام حسين سواء فعلت ذلك بغطاء دولي ام منفردة وسواء انتظرت قراراً جديداً لمجلس الامن يضيق الخناق عليه ام انتظرت خطأ يرتكبه صدام لن تحسبه له الا مميتاً. 

متى الحرب اذاً؟ سؤال يقلق العالم كله مع تصاعد التعبئة الاميركية. والأصح السؤال متى الهجوم العسكري. فالواقع ان الحرب بدأت منذ اعلنت ادارة بوش نيتها تغيير النظام وحددت صدام هدفاً مباشراً. وأي تراجع اليوم يعني خسارة الحرب وهذا غير وارد في حسابات امبراطورية بوش. بل ان النقاش تجاوز هدف اطاحة صدام واعتبره حاصلاً ودخل في السؤال الاكثر إلحاحاً وخطورة: اي عراق بعد صدام؟ 

السيناريوات كثيرة عن الاطاحة وما بعدها. وكلها معقد ومفزع. فما تنويه اميركا، رغم قوتها الساحقة، ليس نزهة ولا يدخل بالتأكيد في خانة الاسود والابيض. فالتغيير في العراق سواء حصل باجتياح ام بغيره يصعب ان يقابله العراقيون بالتصفيق معاً لأميركا وبصوت واحد يهتف باسم الديموقراطية والحرية اللتين تعد بهما. كما يصعب الجزم بامكان بلوغ السيناريو الاسوأ اي تفكيك العراق. فالحقيقة ان احداً لا يعرف ما سيحصل بعد سقوط صدام. وكل ما في التداول تكهنات. فحتى ادارة بوش التي كلفت مجلس الامن القومي ووزارة الخارجية وضع السيناريوات والخطط لهذه المرحلة تعترف بأن الهامش الاكبر في القرار سيبقى للتطورات على الارض. ومع ان مسؤوليها يرددون عبارات مثل "عراق موحّد" و"أميركا ستكرّس ما يكفي من الوقت والمال لاعادة بناء العراق" بعد اطاحة صدام، فان المخاوف على العراق تزداد. فالعراق بما يمثل وبما يملك من ثروات نفطية تريد اميركا وضع اليد عليها ليس كلبنان او الصومال تستطيع اميركا ان تدير ظهرها له ان تعرضت فيه لسوء، كما ان علاقة ادارة بوش بمسألتي بناء الدول وحفظ السلام كما اثبتت التجربة الافغانية غير مشجعة على الاطلاق. ثم ان مصير العراق سيحدد ربما لعقود طويلة شكل المنطقة وسياساتها. فهل لدى اميركا خطط واضحة لعراق ما بعد صدام؟ هل تلتزم اعادة بناء العراق؟ والأهم هل لدى ادارة بوش اجوبة عن ثلاثة اسئلة هي التحديات لكل السيناريوات: هل يكون العراق مستقراً بعد صدام؟ هل يبقى العراق موحّداً بعد صدام؟ هل يكون العراق ديموقراطياً بعد صدام؟ 
 

سيناريوات يوم الحسم

     يكاد لا يمر يوم في الأشهر الاخيرة من غير ان تؤكد اميركا انها جاهزة لشن حرب على العراق في اي لحظة. وقد فعلت ذلك الى حد جعل احتمال اعتماد هذه الوسيلة لاطاحة صدام يطغى على الاحتمالات الاخرى التي لحظتها. وقد شملت اللائحة ستة سيناريوات: 

* اغتيال صدام: والفكرة ان يحصل انقلاب في الحلقة الضيقة الاقرب الى الرئيس العراقي فيكون الوصول اليه واغتياله ممكنين. وقد اوعز بوش الى وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إي" منذ مطلع السنة اعداد خطط سرية لتنفيذ هذا الاحتمال. وكان الاغتيال ولا يزال خياراً اساسياً لادارة بوش. وقد لمح اليه مجدداً الناطق باسم البيت الابيض أري فليشر اخيراً اذ قال ان "ثمن تذكرة سفر في اتجاه واحد سيكون اقل بكثير من كلفة الحرب. لكن ثمن رصاصة واحدة، اذا قرر العراقيون دفعه، سيكون بالطبع اقل بكثير من كل ذلك". لكن فرص نجاح الاغتيال محدودة جداً كما قال مدير "السي آي إي" جورج تينيت وستكون في حكم الفاشلة ما لم تدعمها ضربات عسكرية تقنع العراقيين بأن الهجوم الساحق وشيك. كما ان آخر محاولة اغتيال تورطت فيها الاستخبارات الاميركية كانت عام 1996 وانتهت بنتائج كارثية لها لأن اجهزة صدام اخترقت المجموعة وكشفتها وأعدمت كثيرين منها. 

* انتفاضة شعبية: تشجيع العراقيين على التحرك ضد نظامهم والرهان الأول على الشيعة في الجنوب. لكن التجربة لا تعطي فرصة لنجاح هذا الاحتمال. فالشيعة انتفضوا عام 1991 وكان قمع النظام لانتفاضتهم شديداً وعلى مرأى من عيون الاميركيين. واليوم لا يملكون القدرة كما ان ليس ما يضمن لهم ان ما حصل عام 1991 لن يتكرر. 

* النموذج الافغاني: اعطاء الدور الاكبر في القتال لمجموعات المعارضة العراقية يساندها بضعة آلاف من القوات الاميركية الخاصة على الارض ودعم عسكري اميركي جوي كثيف. لكن ادارة بوش التي كثفت لقاءاتها مع فصائل المعارضة منذ نيسان توصلت الى ان التواصل محدود بين الداخل والخارج وانها هي نفسها لا تعرف تماماً ما يجري في العراق وحجم قوات المعارضة اضافة الى عدم وجود مواقع تسيطر عليها هذه القوى. أضف ان الحزبين الكرديين في شمال العراق لا يمكنهما ان يضطلعا بدور تحالف الشمال في افغانستان نظراً الى تكوينهما والحساسيات التي يثيرها ذلك في العراق ومحيطه. 

* نموذج عاصفة الصحراء: استخدام نحو 250 الف جندي بأسلحتهم المتطورة لشن هجوم من الكويت وقطر وقد يضطرون ايضاً الى الدخول من السعودية او الاردن. وتتخوف الادارة من ان هذا النموذج يجعل القوة هدفاً سهلاً لأسلحة دمار شامل قد يستخدمها النظام العراقي. 

* هجوم مفاجئ: استخدام ما بين 50 الفاً و80 الف جندي ينتقلون الى المنطقة تدريجاً وبلا ضجيج تحت عناوين تبديل جنود ومناورات، ثم يتقدمون نحو بغداد من الجنوب والرهان هو على ان يثور الجنوب مما يؤدي الى تمرد في الجيش. وهنا ايضاً تتخوف الادارة من ان هذه الخطة تتيح لصدام استخدام الاسلحة التي يريد. 

* هجوم مشترك داخلي وخارجي: عملية تستهدف ضرب بغداد وكل مراكز القيادة العراقية لشل قوات صدام والحد من احتمالات لجوئها الى اسلحة بيولوجية وكيميائية. وترى الادارة ان ثمة خطراً لتعريض جنودها لقتال في الشوارع. 

وعلى رغم كل ما قد تعلنه الادارة الاميركية، فانها تبقي كل هذه الاحتمالات مفتوحة وان ابرزت واحداً دون الآخر. وقد ينتهي الامر بها لتحقيق هدفها الى اعتماد مزيج من احتمالين او اكثر. ومع ان الوسيلة التي ستعتمدها في اطاحة النظام ستساهم في تحديد عراق ما بعد صدام، فان ثمة مشاكل ستواجهها واشنطن هي قاسم مشترك في كل السيناريوات وستخضع لعوامل كثيرة يصعب التكهن بها الآن. 
 

هل يكون العراق مستقراً؟

     والمقصود بالاستقرار ليس اكثر من غياب الفوضى والاضطراب. والجواب المرجح هو: لا. ذلك ان واقع العراق وطبيعة النظام لا يتركان مجالاً للتفاؤل بل يثيران المخاوف من ان يصاحب اطاحة صدام دم كثير: اختلالات كبيرة في المجتمع سياسية واقتصادية واجتماعية نتيجة الحرب مع ايران ثم "عاصفة الصحراء" و11 سنة من العقوبات القاتلة والعزلة، يضاف اليها نظام قمعي سلط الاقلية التكريتية داخل الاقلية السنّية على البلاد بشعبها ومواردها ونجح طوال سنوات من القهر والاضطهاد والتهميش للأكثرية الشيعية والاكراد بل حتى للسنة من غير محيط صدام في ان يعمق الاحقاد. ومثل هذا الوضع لا يبشر الا بمستويات متعددة ومتداخلة من الاضطرابات اولها الثأر والانتقام من اجهزة النظام وفي المقابل مقاومة الطبقة المنتفعة لأي تغيير لئلا تفقد امتيازاتها. وكذلك التنافس بين المجموعات المختلفة من سنّة وشيعة وأكراد على موارد البلاد وخصوصاً حقول النفط. ذلك ان الاكراد سيسارعون الى وضع اليد على آبار كركوك والموصل والشيعة على آبار الجنوب وخصوصاً البصرة. وفي كل هذا بذور انفصال كردي وحرب اهلية بين السنّة والشيعة والتي ان افلتت تهدد وحدة العراق. 
 

هل يبقى العراق موحداً؟

     التكهن بهذا الامر ليس سهلاً. ثمة عوامل في العراق تدفع في اتجاه ابقائه موحداً وأخرى تدفع في اتجاه تفكيكه. فمسألة وحدة العراق لا تتعلق بصدام حسين ونظامه لأن العراق بحدوده الحالية موجود قبله. صدام ليس تيتو يوغوسلافيا لكي تثار المخاوف حول وجود العراق من بعده. ثم على رغم الواقع الاثني للعراق، لم تظهر نزعات انفصالية جدية إلا احياناً عند الاكراد (15-20 في المئة) وعموماً كانوا يفضلون علاقة ما مع المركز. والشيعة طالما اكدوا عروبتهم على تشيعهم وكان هذا بارزاً في اثناء الحرب العراقية - الايرانية. ثم ان التخلي عن بغداد ليس بالمسألة الهينة. فالسنّة (17 في المئة) الذين يشغلون غرب البلاد ووسطها يتداخلون مع الشيعة (60-65 في المئة) الذين يشغلون جنوب البلاد ووسطها في بغداد المركز الاداري والخدماتي والصناعي والتجاري الاول حيث خمسة ملايين شخص (70 في المئة شيعة و30 في المئة سنّة). 

لكن الامور ليست ابيض وأسود، ذلك ان ثمة عوامل كثيرة تجعل الصورة ملبدة: الارض مقسمة عملياً ثلاث مناطق، الاكراد في الشمال في ظل حماية دولية والشيعة في الجنوب في ظل منطقة حظر طيران والسنّة (مع شيعة) في الوسط. والشعب يعاني تراكم القهر والقمع. والثروة مهدورة تحتكرها اقلية داخل الاقلية. والقيادة مختصرة بشخص واحد يسير الجميع على ايقاعه ويدورون في فلكه. 

وهذا الوضع لا يخدم في الواقع الا احتمال التفكيك بل الانهيار التام. ولا شك في ان حرباً تطول او فوضى تعم ما سيسمّى مرحلة انتقالية سيعززان خطر التفكيك، ليس من عوامل داخلية فحسب بل من قوى خارجية سيفتح الاضطراب شهيتها على طموحات اكبر واطماع وخصوصاً تركيا وايران. اكراد العراق قد يخافون خسارة الحكم الذاتي الذي يتمتعون به ويجدون الفرصة سانحة لاحياء الحلم بدولة للأكراد من الدول المحيطة وهذا تماماً ما تخشاه تركيا وما قد يدفعها الى التحرك ضد الاكراد ودخول شمال العراق، اضافة الى ما يعنيه انفصال الاكراد من ضخ زخم في مشكلة الاقليات ليس في المنطقة العربية فحسب بل وصولاً الى آسيا الوسطى. وقد تجد ايران الخائفة من فوضى على حدودها ايضاً الفرصة مناسبة لاستخدام نفوذها عند شيعة العراق وتنطلق اصوات كانت لا تزال قليلة وخافتة بين الشيعة للانفصال عن العراق، مع ما يعنيه هذا من تهديد لدول الخليج. 
 

هل يكون العراق ديموقراطياً؟ 

     تستطيع اميركا ان تغلف عدوانها على العراق بما تشاء وتلونه بوعود بالديموقراطية كما تشاء، لكن القول بنظام ديموقراطي في العراق بعد صدام هو ضرب من الخيال اقله لسنوات آتية. والسبب لا ينبع مما تردده بعض الدوائر الاميركية من ان العراقيين اعتادوا انظمة استبدادية ولن يعرفوا التعامل مع غيرها، فالعراقيون قادرون بما لديهم من علم وثقافة وطاقات على بناء دولة حديثة. السبب يكمن في صعوبة المرحلة الانتقالية وأولوية تفادي الفوضى والتفكيك. ثم اي مستقبل ديموقراطي للعراق يعتمد في الدرجة الاولى على صيغة تحفظ العراق وفي الدرجة الثانية على صدق اميركا في التزام اعادة بناء العراق ديموقراطياً. 

فأي شكل لعراق ما بعد صدام تتوقعه اميركا او قد تجده مناسباً؟ 
 

سيناريوات اميركية

     ثمة خطوط عريضة تتردد في مواقف او تصريحات مسؤولين اميركيين تعطي فكرة ستظل غير نهائية ما لم تخضع لاختبار الاحداث. 

فبعد محاولات كثيرة مع المعارضة العراقية، يبدو ان واشنطن خفضت - ان لم تكن استبعدت كلياً - احتمال الاتيان بشخص من المعارضة الخارجية ليحل محل صدام. وبدأ كلام آخر يطغى. فوزير الخارجية الاميركي كولن باول قال امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ انه "سيكون هناك جهد للمصالحة والتزام دولة واحدة غير مقسمة ثلاثة اقسام يكون لها ممثلون ونمط ديموقراطي لأساسها السياسي". وقال: "يجب ألا نخدع انفسنا. نحن امام التزام طويل الامد ومتطلباته كثيرة. ولا استطيع ان احدد عدد السنين". واعترف مع ذلك بأن "حكومة من العراقيين سواء في الداخل او المنفى لن تنتج نموذجاً ديموقراطياً سريعاً". 

وقال وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد ان العمل سيكون على "حكومة تحافظ على العراق دولة موحدة وتحترم حقوق الافراد والاقليات". وقالت مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس انه عندما يسقط النظام العراقي "ستخصص اميركا ما يكفي من الوقت والمال لاعادة بناء العراق دولة موحدة ديموقراطية". 

وفي الخطوط العريضة ايضاً، لابقاء العراق موحداً، يتحدث مسؤولون اميركيون عن اقامة "ديموقراطية فيديرالية" تسمح بدرجة من الاستقلال الذاتي للمجموعات الثلاث السنّية والشيعية والكردية تبدأها في الفترة الانتقالية باحتمال اختيار ثلاثة او اكثر من قادة المجموعات هذه لادارة مشتركة للعراق الى حين اجراء انتخابات. وهذا اذ يتبع في الاطار العام نموذج الحل الانتقالي لأفغانستان، يعترف في بعض الاستنتاجات الاولية ان ثمة فوارق بين افغانستان والعراق تملي لأي حل انتظار التطورات على الارض. فالمخططون الاميركيون الذين درسوا جملة احتمالات من تنصيب "قرضاي" عراقي الى اعادة الهاشميين، باتوا يعتبرون ان الكلمة الكبرى في تحديد القيادة الجديدة التي تدعمها اميركا ستكون لما تفرزه التطورات، يضاف اليها الحفاظ على حد ادنى من الصدقية اولاً برفض حلول اي رمز من رموز النظام محل صدام وثانياً ترك انطباع لدى العراقيين في الداخل والخارج ان ظروف حياتهم ستتحسن بعد صدام. 

على ان انتظار ما تقرره الاحداث يترك المجال مفتوحاً امام احتمالات كثيرة. اميركا لا تزال تفضل حصول انقلاب على صدام يحقق لها نتائج الحرب من غير ان تشنها. حاكم عسكري لا يهم كيف يضبط الداخل ما دام سيصادق اميركا والغرب. 

ولكن مع تزايد احتمالات الحرب، يقول بعض المسؤولين الاميركيين ان الاحتمال كبير ان يبرز فرد او مجموعة لديها نسبة معقولة من الدعم وتبدو قيادة طبيعية للبلاد. فأميركا ترى ان اطاحة صدام تبدأ بخلخلة نظامه لأنه في تصنيفها ديكتاتور كلاسيكي يعتمد على اجهزته الامنية وعلى الولاءات القبلية والعشائرية، وان هؤلاء جميعاً مكروهون في العراق ولحظة يبدأ النظام بالتخلخل يكون صدام قد انتهى. وترى في المقابل ان سقوط صدام لا يعني انهيار النظام مباشرة. فالمستفيدون منه سيعتبرون ان بقاءهم هو من بقاء صدام وقد يدافعون بشراسة عن امتيازاتهم ولا سيما منهم الحرس الجمهوري الخاص وبعض وحدات الجيش. ولكن يبدو ان ثمة اعتقاداً بل ترجيحاً لدى المسؤولين الاميركيين ان اجتياحاً شاملاً للعراق سيكون حافزاً لمجموعة من الضباط، من السنّة حسب المتوقع، على تشكيل تحالف والانشقاق عن النظام، مع امتلاكها القدرة على قتل صدام ورموز النظام وعلى اكتساب دعم شعبي وفرض سيطرتها. وحوافز هؤلاء الضباط، في رأي المسؤولين الاميركيين، تبدأ من رغبتهم في حفظ رؤوسهم في المرحلة الجديدة وصون الدور الكبير للسنّة في الحكم بعد صدام، واذ يتخوف البعض، كما بريطانيا مثلاً، من ان يؤدي انقلاب كهذا الى قيام ديكتاتورية عسكرية جديدة في العراق، يرى المسؤولون الاميركيون الذين يراهنون على هذا الاحتمال ان فيه امكاناً للتعاون مع الضباط ومن دون تقويض دور المعارضة العراقية التي رعتها اميركا سنوات، بل يرون فيه امكاناً لتوسيع التمثيل بحيث يضمن مرحلة انتقالية بلا فوضى. وما يعزز رغبة اميركا في بروز قيادة جديدة من الجيش، امران اساسيان لأمن العراق وادارته بعد صدام. فالجيش بمعزل عن صدام، يبقى المؤسسة الاكثر احتراماً وهيبة في العراق وتالياً يبقى قادراً على حفظ الامن. ثم ان ادارات الدولة يديرها منذ سنوات موظفون بعثيون سيكون من الصعب تغييرهم، وعددهم يفوق نصف مليون موظف، او ايجاد بديل جاهز منهم. وبقاؤهم يضمن استمرار العمل. ويرى مؤيدو هذا الاحتمال ان الضباط الذين لن يكونوا من الحلقة الضيقة لصدام قد يخدمون هدف استقرار العراق وان المؤسسات ومنها البرلمان تكون اساساً للاصلاح من دون استبعاد اعضاء في حزب البعث غير متورطين في ممارسات النظام. ويعتبرون ان هذا يسمح بتطور الوضع في العراق على خط ما حصل في بعض دول اوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية. 

وبقدر ما يرى مسؤولون اميركيون ايجابيات في حصول انقلاب عسكري كهذا في ظل ضغط النيران الأميركية، يتخوف آخرون من ان يكون في ذلك مقتل العراق. فهؤلاء يخشون ان تقع اميركا سريعاً في اغراء السماح بقيام نظام متسلط جديد يكون صديقاً لها يحفظ الامن في الداخل ولو على حساب استمرار العلاقات القائمة بين المجموعات الاتنية والدينية المختلفة ويحفظ لها مصالحها وفي الدرجة الاولى النفط. ويخشون ايضاً ان هذا، ولو نجح فترة قصيرة، سيحمل في المدى الابعد بذور الانقسامات والتفكك. 

اما الاحتمال الآخر فهو ألا يتولى احد من العراق السلطة وعندها سيكون على اميركا ملء الفراغ سريعاً بصيغة ما، قد تنفذها مباشرة او تعهد فيها الى الامم المتحدة، تضمن حداً من التمثيل للجميع يتيح نسبة معينة من الاستقرار، وتكريساً سريعاً للحكم الذاتي للأكراد. ولكن حتى هذه الصيغة تثير شكوكاً في قدرتها على نقل البلاد الى عملية ديموقراطية سواء ضمت شخصيات من الداخل العراقي ام معارضين في المنفى. فهذه قد تكون في اطلالتها على الخارج اكثر مصادفة للغرب وابتعاداً عن الماضي الصدامي للعراق، لكنها قد تخضع في الداخل لكل الحساسيات والخلافات بين الطوائف والقبائل وغيرها. 

كل هذا يبقى في باب التكهنات ورسم الطريق سيتقرر حسب التطورات في العراق وسيخضع لعوامل كثيرة من تفجير الاحقاد والانتقام وتصفية الحسابات الى الاطماع الاكثر تعقيداً والتنافس على الحكم والموارد في البلاد ولما تراه اميركا انسب لمصالحها وأهدافها. 

فأميركا تضع سيناريوات لعراق ما بعد صدام ولكن قد تطرأ عوامل غير متوقعة. سرعة رد فعل العراقيين بعضهم على البعض وكذلك رد فعلهم على اميركا. فالمقاومة للمشروع الاميركي لن تأتي بالضرورة من اجهزة النظام وحدها. فالعراقيون، وان كانوا يرفضون طبيعة النظام، لا يكنون اعجاباً لأميركا ولم يشعروا اقله منذ فرض العقوبات عليهم انها المنقذ للعراق. وشعورهم الوطني وعداؤهم لأميركا فاقا في مراحل كثيرة موقفهم من النظام. ومقاومتهم لاحتلال بلادهم قد تكون اشرس مما تتوقع اميركا. ثم ان الحفاظ على استقرار العراق سيتطلب وجوداً عسكرياً اميركياً كبيراً. وبعض التقديرات التي وضعتها مثلاً لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ تشير الى انه سيكون على اميركا نشر 75 الف جندي للحفاظ على استقرار العراق اقله في السنة الاولى بعد اطاحة صدام وان كلفة هذه القوة ستبلغ 16 مليار دولار سنوياً، وبعد ذلك ستحتاج اميركا الى ابقاء خمسة آلاف جندي في العراق على الاقل ولخمس سنوات في اضعف تقدير للحفاظ على الاستقرار. وتراوح تقديرات خبراء الامن القومي لأميركا لكلفة اعادة بناء العراق بين 50 مليار دولار و150 مليار دولار، لأن اعادة البناء ستعتمد الى حد كبير على قدرة العراق على تطوير صناعة النفط لديه وزيادة ارباحه لتغطية النفقات. ولكن سيكون على اميركا، حسب هذه التقديرات، ان تساهم بمليار دولار سنوياً على الاقل. 

قد تكون اميركا مستعدة لابقاء جنودها في العراق وربما المساهمة في اعادة بنائه لأن رغبتها في السيطرة على النفط تفوق كل الاهداف المعلنة. 

لكن هذا لا يزال يحصر الاحتمالات بالعراق وحده. والواقع ان الوجود العسكري الاميركي في العراق وربما التزام اعادة بنائه يتجاوزان العراق سياسياً ونفطياً وستكون لهما تأثيرات على المحيط وعلى دول المنطقة كلها بما ينبئ باحتمال وقوفها وسط عاصفة من التغيير تضعها على عتبة عالم عربي مختلف تماماً عن الذي عرفته. لكن لهذه شروطاً كثيرة من انتصارات ومآس ومن علاقات تقطع وأخرى تصل ومن رؤوس تتدحرج وأخرى تخضع. ولهذا حديث آخر. 
 

E-mail: sahar@annahar.com.lb

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic