يتهم البعض القيادات المسيحية اللبنانية بالاعتماد على الخارج والاستقواء به، للحفاظ على مكاسبهم التاريخية ومصالحهم الآنية. والاتهام الراهن لبعض القيادات المسيحية في لبنان هو المراهنة على عدد من النواب الاميركيين المتطرفين وعلى اصوليين مسيحيين اميركيين لمساعدتهم في صراعهم مع دمشق، وذلك من خلال “قانون محاسبة سوريا”، الذي يبدو ان مجلس النواب الاميركي قد أجّل البحث به الى ما بعد الانتخابات الاميركية في 5 تشرين الثاني القادم.
ولان المعني الراهن ب”الخارج” هو الولايات المتحدة الأميركية، سيركز هذا البحث القصير على تجربة مسيحيي لبنان مع واشنطن، متجاهلا تجربة القيادات المسيحية مع دول اخرى وخاصة فرنسا التي ليست بالضرورة افضل، ومتجاهلا ايضاً اتهامات المسيحيين المماثلة للقيادات الاسلامية بالاستقواء والاعتماد في فترات مختلفة من تاريخ لبنان الحديث على مصر وسوريا والمنظمات الفلسطينية وايران والمد العربي والاسلامي بالاضافة الى الاتحاد السوفياتي وغيره من الدول الشيوعية السابقة، وذلك لعزيز مراكزهم وحصصهم في النظام اللبناني.
بدأ التدخل الاميركي المباشر في منطقة الشرق الاوسط بعد حرب السويس في عام 1956 والعدوان الذي قامت به بريطانيا وفرنسا واسرائيل على مصر. لقد تدخلت واشنطن في الامم المتحدة ضد العدوان الثلاثي وارغم مجلس الامن هذه الدول على الانسحاب من مصر فكانت حرب السويس المغامرة الاخيرة للامبراطوريتين العجوزتين في منطقة الشرق الاوسط. وجاء مباشرة بعد هذه المغامرة مشروع الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور ل”سد الفراغ” الغربي الناتج عن نهاية النفوذ الانغلو فرنسي في الشرق الاوسط. ودخل لبنان في عهد الرئيس كميل شمعون “مشروع ايزنهاور” عام 1957، وكان الرئيس شمعون الذي اهتم بلعبة المحاور الشرق الاوسطية قد صادق حلفاء الغرب في المنطقة وهم دول “حلف بغداد” الذي انتمت اليه دول باكستان وايران وتركيا والعراق بالاضافة الى بريطانيا. والمشروعان
كانا محاولتين غربيتين للبقاء في المنطقة والسيطرة على مواردها ولردع النفوذ السوفياتي في الشرق الاوسط. وقد تكون ابرز تجليات التعاطي الاميركي الجدي في المنطقة لاسباب اقليمية في ما بعد، هو انزال المارينز على الساحل اللبناني في تموز 1958 على اثر الانقلاب العسكري في العراق الذي اطاح المملكة الهاشمية ولم يكن هذا الإنزال دفاعاً عن النظام اللبناني كما اشيع آنذاك.
لقد افرز تورط لبنان في “حلف بغداد” و”مشروع ايزنهاور” في عهد الرئيس شمعون، ثورة صغيرة نسبياً في عام 1958 دعمها النظام الناصري في مصر وسوريا وانتهت باتفاق اميركي مع رئيس الجمهورية العربية المتحدة (كما عُرف اتحاد مصر وسوريا من 1958 الى 1961) جمال عبد الناصر على انتخاب العدو السياسي اللدود للرئيس شمعون، اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. ولا بد من التنويه ان الرئيس شمعون كان قد لُقب في اوائل الخمسينيات ب”فتى العروبة الأغر” نظراً لترويجه المؤثر للقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية.
وعرف الرئيس شهاب كيف يوازن بين القوى الفاعلة في المنطقة فجنّب لبنان المحن والأزمات خلال عهده. واستمر الهدوء في عهد الرئيس شارل حلو ولغاية نكسة 1967، عندما احرزت اسرائيل في حرب مفاجئة نصراً على الدول العربية المجاورة فخسرت مصر شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة الفلسطيني، وخسر الاردن الضفة الغربية والقدس الفلسطينيتين، وخسرت سوريا الجولان. وعاش لبنان بعدها فترة طويلة من عدم الاستقرار الامني والسياسي وارتفاع النفوذ الفلسطيني الى جانب الازدهار الاقتصادي، الى ان اندلعت الحرب اللبنانية عام 1975 في عهد الرئيس سليمان فرنجية. وكانت العودة الاميركية المباشرة الى الساحة اللبنانية في عام 1979 عندما نصحت واشنطن الرئيس الياس سركيس بأن ينشر الجيش اللبناني في الجنوب موحية بامكانها ارغام اسرائيل على الانسحاب من لبنان. لكن القصف الاسرائيلي اوقف الجيش اللبناني في بلدة كوكبا بعيداً عن المنطقة المحتلة وكانت النكسة الاولى لعهد الرئيس سركيس.
وكلنا يذكر المواقف الاميركية وانزال المارينز في بيروت بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان في عام 1982، واصرار الرئيس الاميركي رونالد ريغن على ان السياسة الاميركية تهدف الى استعادة لبنان سيادته واستقلاله بانسحاب اسرائيل وسوريا من لبنان بعد “الجلاء” الفلسطيني عن بيروت في آب 1982 في عهد الرئيس سركيس. واستمر الوجود الاميركي خلال عهد الرئيس امين الجميل والى ما بعد العملية الانتحارية في مطار بيروت التي استهدفت المارينز الاميركي وادت الى مقتل حوالى 250 منهم. وبالرغم من ذلك بقي الرئيس ريغن على موقفه وصرّح في مؤتمر صحافي في 24 تشرين الاول 1983 ما يلي:
“إن تعزيز السلام في لبنان يشجع قوى السلام في منطقة الشرق الاوسط وهذا ليس هدف الحزب الجمهوري او الحزب الديموقراطي وإنما هو هدف اميركي. ان السلام في لبنان هو مفتاح للاستقرار في المنطقة اليوم وفي المستقبل”.
ولا يجهل احد ماذا حل بهذا الموقف الاميركي بعد ذلك، لقد كتبتُ في مؤلفي “الضوء الاصفر” احلل موقفَي الادارة الاميركية والحكم اللبناني بعد قمة واشنطن الثالثة بين الرئيسين الجميل وريغن في 2 كانون الاول 1983 ما يلي:
“لقد اصبح التدخل الأميركي في لبنان مشكلة لم يعرف الاميركيون كيفية التخلص منها. واكتشفت اميركا يومذاك ان مصالحها في لبنان لا تفوق او لا توازي مصالح سوريا او اسرائيل في لبنان. ولانها ادركت ارتكاب اخطاء جدية في لبنان لعدم قدرتها على تنفيذ ما وعدت به، كان من الصعب عليها الانسحاب من دون مبرر مقنع. وكذلك اكتشف الرئيس الجميل ان عليه مرة اخرى ان يختار بين السيئ والاسوأ. ان اعفاء الاميركيين من التزاماتهم يُضعفه تجاه السوريين ومعارضيه الداخليين من مسيحيين ومسلمين، وتمسكه بالاميركيين قد يعيد الخلاف والحرب. وبدا التردد القرار الافضل (“الضوء الاصفر”، صفحة 42)”.
ولا حاجة للتنويه ان التنسيق بين الرئيس الجميل والاميركيين كان على أتمه حتى بعد خروج المارينز في شتاء 1984، وبقي التنسيق السياسي جيداً الى آخر عهده. وبالرغم من ذلك، اعتبرت واشنطن ان ارغام “القوات اللبنانية” الرئيس الجميل على القبول بالنفي القسري فور انتهاء عهده أمر داخلي مسيحي.
ونذكر من دون شك “مبادرة” البطريرك مار نصر الله بطرس صفير بعد انتهاء عهد الرئيس الجميل من دون انتخاب خلَف له. لقد أتت تلك المبادرة بطلب أميركي وسعودي من خلال زيارات قام بها السفير الأميركي ادوارد ووكر والرئيس رفيق الحريري (ممثلاً السعودية) الى روما حيث حل غبطته ضيفا على الفاتيكان في شهر تشرين الأول من عام 1988. لقد وعد السفير ووكر والرئيس الحريري البطريرك بأن سوريا ستختار رئيسا للجمهورية من خمسة مرشحين موارنة يختارهم غبطته. طبعاً لقد فشلت المبادرة وانقسم الجسم المسيحي على نفسه من دون أن ينال الفشل من مصداقية واشنطن. ومن الصدف ان السفير ووكر كان مساعداً لوزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط عندما زار البطريرك صفير العاصمة الاميركية شتاء 2001. لقد أشيع يومذاك ان السفير ووكر أوصى البيت الأبيض بألا يجتمع الرئيس الأميركي جورج بوش بالبطريرك الماروني لأنه سيكون أول زعيم لبناني وعربي يجتمع بالرئيس الأميركي الذي بدأ عهده في 20 كانون الثاني 2001.
ولم ينس كثير من اللبنانيين السفير الأميركي جون ماكارثي وهو يتكلم هاتفياً من إهدن مع قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، بعد انتخاب السيد رينيه معوض رئيساً للجمهورية فور انتهاء مؤتمر الطائف في تشرين الأول من عام 1989. كان السفير ماكارثي يحثّ السيد جعجع على الوفاء بوعده والتحرك ضد نظام الجنرال ميشال عون. بكلام آخر، ان تحالف “قوات” سمير جعجع مع واشنطن لإنهاء نظام الجنرال عون كان واضحاً ونقياً. وبالرغم من ذلك، اعتبرت الإدارة الأميركية ان سجن قائد “القوات اللبنانية” ومحاكمته وادانته في عهد الرئيس الياس هراوي، أمر لبناني داخلي.
والعجيب في الأمر، ان الجنرال ميشال عون الذي رفض المراهنة على أميركا يوم استلم زمام الحكم أو بعضه بعد انتهاء عهد الرئيس الجميل، هو اليوم الوحيد من القيادات المسيحية يعلن تأييده جهراً ل”قانون محاسبة سوريا” الذي يدعمه في واشنطن مؤيدو إسرائيل وأركان الحركات الأصولية المسيحية.
إن “قانون محاسبة سوريا” لا يهدف الى معاقبة سوريا لوجودها في لبنان وانما لحمايتها للمنظمات الفلسطينية و”حزب الله” “الارهابيين” حسب ادعاء القانون المقترح، ولعلاقة سوريا الاقتصادية مع العراق التي تدر سنوياً على الرئيس العراقي مئات الملايين من الدولارات الأميركية. وهناك اتهامات أخرى يسجلها مشروع القانون على سوريا وهي تشمل اتهام سوريا بامتلاك أسلحة بيولوجية وكيميائية وصواريخ تصل الى المدن الاسرائيلية. أما العقوبات لسوريا في حال رفضها شروط مشروع القانون فهي الخروج من لبنان وشبه قطيعة دبلوماسية. إن الاجراءات الأخرى تافهة وتتناول ايقاف المساعدات الاميركية الى سوريا وهي غير موجودة، وايقاف التبادل التجاري والاستثمار الأميركي في سوريا وهما ضئيلان جدا. لذلك فإن هذا القانون المقترح غير موجه لدعم لبنان وانما يستعمل لبنان وسيلة لتحقيق أهداف أميركية بشأن العراق، وأهداف اسرائيلية بشأن الصراع العربي الإسرائيلي.
وربما من الأفضل أن يسأل المتعاطفون مع مشروع القانون هذا، ماذا سيحل بمسألة انسحاب سوريا من لبنان لو توقفت عن استيراد البترول العراقي وانهت حمايتها للمنظمات “الارهابية”؟.
إن تجارب بعض القيادات المسيحية مع واشنطن منذ الاستقلال لم تكن لمصلحتهم ولا لمصلحة مسيحيي لبنان. وبالرغم من ذلك، لم يقتنع الكثير من القيادات المسيحية في لبنان، اليسارية منها واليمينية، بأن أميركا ورقة غير صالحة للاستعمال على الأراضي اللبنانية.
ليس في تاريخ أميركا ما يشير الى اهتمام ذي مغزى بقضايا طائفية ومذهبية. تتحرك واشنطن عندما تتهدد مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية التي هي امتداد لضغوط اللوبيات الداخلية المختلفة. وتتحرك واشنطن أيضاً عندما يتهدد السلام العالمي أو الإقليمي. وقد تتحرك واشنطن لنصرة حقوق الإنسان كما تحددها مصالحها. لم تتحرك واشنطن يوماً لنصرة الديموقراطية في ذاتها ولا من أجل الحرية المطلقة. إن معظم المواقف السياسية الأميركية المتعلقة بالديموقراطية والحرية ليست مقرونة بتحرك اقتصادي أو عسكري لأن هكذا اجراءات تستلزم دعماً شعبياً من خلال الكونغرس والاستقصاءات وهذا لا يتوفر بالسهولة.
ولبنان بالأساس، ليس على سلّم الأولويات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. هناك من دون شك دول مهمة في استراتيجية واشنطن في المنطقة وتتحرك واشنطن من أجلها، ولكن لبنان ليس منها. إن أكثر اهتمامات واشنطن اللبنانية هو الاستقرار الأمني والاقتصادي، وان عدم الاستقرار السياسي في لبنان لا يزعج واشنطن إلا إذا أدّى الى اختلال أمني يهدد السلام الإقليمي.
أما الذين يتساءلون عن ضمير العالم تجاه الأقليات وحقوقهم المشروعة، فلا يسعني سوى ترجمة ما قاله البروفسور شارلز عيساوي، وقد كان استاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت في أوائل الخمسينيات وبعدها في جامعة برينستون الأميركية، وكان يحاضر عن “التنمية الاقتصادية والليبرالية السياسية في لبنان” في مؤتمر عن “السياسة في لبنان” عُقد في جامعة شيكاغو عام 1964. قال البروفسور عيساوي:
“إن امتياز لبنان ونجاحه في مجالي الديموقراطية السياسية والاقتصاد الحر سيحولان دون التسامح معه في منطقة ادارت ظهرها لكل من هذين النظامين. وقد يجيب البعض بأن هذه المخاوف غير موجودة وان ضمير العالم لن يسمح بأن يحل الأذى ببلد غير مؤذ كلبنان، وان الدول والشعوب المجاورة لا تريد أن تكون هناك أقلية مقهورة على يدها، وأن من مصلحة هذه الدول أن تحافظ على “نافذة الى الغرب”. لكن من لاحق مسارات السياسات الوطنية والدولية في الخمسين سنة الماضية يعرف ان مداولات كهذه تكاد تكون كلاماً فارغاً. إن أقليات بالفعل أُبيدت ونوافذ أُقفلت بعنف ولم يتحرك ضمير العالم قيد أنملة”.
* المستشار السياسي لنائب رئيس وزراء لبنان وسفير لبنان الأسبق في واشنطن
§
وصـلات:
